ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

ثم قال : والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون [ الأنعام : آية ٩٢ ] وفي بعض القراءات : على صلواتهم يحافظون .
والذين يؤمنون بالأخرة قد بينا مرارا أن المعنى ( الآخرة ) أنها لا دار بعدها ينتقل إليها ؛ ولذلك سميت ( آخرة ). والإنسان قبل أن يصل إليها ينتقل من طور إلى طور. وقد بينا أن رحلة الإنسان يجب عليه النظر فيها ؛ لأن الله أمره بذلك. وأن مبدأ رحلة الإنسان أنه تراب بله الله بماء، ثم صار طينا، ثم ذكر عن هذا الطين أطوارا صار فيها حما مسنونا، ثم يبس فصار صلصالا كالفخار، ثم إن الله بقدرته خلق من هذا الطين بشرا سويا في غاية الجمال، اسمه آدم، ثم خلق من ضلعه امرأة، ثم كان بين هذا الرجل والمرأة ما يكون بين الرجل والمرأة. فالطور لنا جميعا : هو ذلك التراب، والطور الثاني : هو تلك النطفة الأمشاج من ماء الرجل وماء المرأة، والطور الثالث : هو الدم الجامد، المعبر عنه ب( العلقة )، والطور الذي بعد ذلك : هو طور ( المضغة )، وهو استحالة الدم مضغة، قطعة لحم، ليس فيها تخطيط، ولا تشكيل، ولا رأس، ولا يد، ولا رجل، ثم إن الله ( تبارك وتعالى ) يقلب تلك المضغة هيكل عظام، والله ( جل وعلا ) يرتب تلك العظام بعضها ببعض على هذا الأسلوب الغريب العجيب، في غاية من الإحكام، ثم إن الله ( جل وعلا ) بعد أن يصنع هيكل العظام يكسوه اللحم، ويجعل فيه العروق، فيفصله ويخططه، ويفتح فيه العينين، والأنف، والأذنين، ويجعل فيه الأعضاء، ويضع كل عضو في محله، ويضع الكبد في محله، والطحال، والكليتين، إلى غير ذلك، ويجعل الإنسان على هذا الأسلوب الغريب الهائل، الذي لو شرح منه عضو واحد لحارت عقول العقلاء بما أبدع الله فيه من غرائب صنعه وعجائبه، فليس في بدن الواحد منا موضع إبرة إلا والله أودع فيه من غرائب صنعه وعجائبه ما يبهر العقول، وكل هذا فعله فينا لم يشق أمهاتنا، لم يشق طبقة بطنها السفلى، ولا الوسطى، ولا العليا، ولم يخطها، ولم يبنجها، ولم ينومها في صحية. يفعل في بطنها هذا الأفعال الهائلة الغريبة العجيبة وهي لاهية تفرح وتمرح، لا تدري عن شيء من ذلك، بكمال قدرته وصنعه. والله يلفت أنظارنا إلى هذا ونحن نلفت أنظار إخواننا إليه دائما ؛ لأن الله يقول : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق [ الزمر : آية ٦ ] يعني : بعد النطفة علقة، وبعد خلق العلقة مضغة، وبعد خلق المضغة عظاما، إلى آخره. وهو يقول : في ظلمات ثلاث يعني : ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة التي هي على الولد في داخل الرحم. لم يحتج إلى أن يزيحها أو يسلط عليها أشعة كهربائية. العلم والبصر نافذ لهذا الصنع الغريب العجيب في بطن أمه هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم [ آل عمران : آية ٦ ] ولذا لما قال : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث .
قال : ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو ثم قال – وهو محل الشاهد : فأنى تصرفون [ الزمر : آية ٦ ] أين تصرفون ؟ أين تذهب عقولكم عن هذه الغرائب والعجائب التي يفعلها فيكم خالق السماوات والأرض ؟ ثم إن الله ( جل وعلا ) يخرجه من بطن أمه، ويسهل له طريق الخروج ثم السبيل يسره [ عبس : آية ٢٠ ] ويكون في هذه المحطة التي نحن فيها، فكل ما قبلها جاوزناه، ثم إنه عن قريب ينتقل الجميع من هذه المحطة إلى محطة القبور، فيمكثون فيها ما شاء الله، ثم ينادي خالق السماوات والأرض أن يرحلوا من القبور ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون [ الروم : آية ٢٥ ] فيجيبون داعي الله مهطعين إلى الداعي، فيجمعهم في صعيد واحد، صعيد المحشر، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، ثم يمكثون ما شاء الله، ثم يتفرقون كما قال : يومئذ يصدر الناس أشتاتا [ الزلزلة : آية ٦ ] متشتتين متفرقين، وهذه الأشتات في سورة الزلزلة أوضحها الله في سورة الروم ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بئاياتنا ولقاء الأخرة فأولئك في العذاب محضرون [ الروم : الآيات ١٤ ١٦ ] فبعد ذلك يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وعند ذلك تلقى عصى التسيار، ويذبح الموت، ويقول : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. وهو معنى قوله : وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون [ مريم : آية ٣٩ ].
بهذا تعرفون حقيقة معنى ( الآخرة ) ؛ لأن الأطوار قبلها كلها ينتقل من طور إلى طور، بعد التراب نطفة، وبعد النطفة علقة، وبعد الدنيا قبر، وبعد القبر بعث. أما في الآخرة فالدار التي يحلها الإنسان ليس بعدها انتقال آخر إلى شيء، ومن هنا قيل لها ( الآخرة ) ؛ لأنها ليس بعدها شيء، والمنزل في ذلك إما غرفة من غرف الجنة، وإما سجن من سجون النار.
والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به [ الأنعام : آية ٩٢ ] بهذا القرآن العظيم. كل من يؤمن باليوم الآخر يؤمن بهذا القرآن العظيم، لوضوح أدلته. أما الذي لا يؤمن باليوم الآخر فهو لا يخاف من عقاب، ولا يرجو ثوابا، فلا يؤمن بشيء.
ثم خص الصلاة لعظم مكانتها، قال : وهم على صلاتهم يحافظون .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير