فالحق يقول بعد ذلك :
وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون( ٩٢ ) .
وكلمة ( أنزلنا ) الأصل فيها نون وزاي ولام، وتستعمل بالنسبة للقرآن استعمالات متعددة ؛ فمرة يقول سبحانه :
إنا أنزلناه في ليلة القدر ( ١ ) ( سورة القدر )
مرة يقول عز وجل :
ونزلناه تنزيلا ( من الآية ١٠٦ سورة الإسراء )
ومرة يسند النزول للقرآن :
وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ( من الآية ١٠٥ سورة الإسراء )
ومرة يسنده إلى من جاء به :
نزل به الروح الأمين ( ٩٣ ) ( سورة الشعراء ).
هذه إذن تعابير متعددة، وما دواعي هذا الاشتقاق ونحن نعلم أن القرآن لم ينزل جملة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ ليباشر القرآن مهمته في الوجود الجديد، وكان ينزل كل نجم من النجوم حسب الأحداث. و ( أنزل ) هنا للتعدية أي نقل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ليباشر مهمته، ولذلك يقول سبحانه : إنا أنزلناه في ليلة القدر .
ونعلم أن القرآن نزل في ليلة القدر وفي غير ليلة القدر، ولكنه نزل في ليلة القدر جميعه إلى سماء الدنيا، ثم نزل منجما ومفصلا في بقية أيام الثلاث والعشرين سنة التي عاشها صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول الوحي، فإذا ما أراد أنه أنزله من اللوح المحفوظ يأتي ب ( همزة التعدية ) وإذا أراد النزول والموالاة يقول :( نزل ) لأن فيها التتابع، وإذا نسبه لمن نزل به يأتي ب ( نزل ) لأن القرآن لم ينزل وحده بل نزل به الروح الأمين، إذن فكلها ملتقية في أن القرآن نزل أو أنزل، أو نزل. وكلم ( نزل ) تعطينا لمحة، وهو أنه جاء من الأعلى، ويستقبله الأدنى. وساعة يطلب الحق منا أن ننصت لإنزال حكم يقول لنا عز وجل :
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ( من الآية ١٥١ سورة الأنعام )
ومعنى ( تعالوا ) أي ارتفعوا ؛ لأننا نعيش على الأرض، وإياكم أن تشرع الأرض لكم ؛ لأن تشريع الأرض إذا لم يكن في ضوء منهج الله فهو حضيض. والله يريد تشريعا عاليا، ولابد لكم من أن تتلقوا من السماء أحكامكم ؛ حتى لا تتيهوا ولا تضلوا في باطل تشريعات لا تدور في إطار منهج الله.
والحق يقول هنا : وهذا كتاب أنزلناه مبارك وهو قول يصدق على القرآن فقط برغم أن كل الكتب السماوية السابقة كانت كتب منهج، وكانت المعجزة منفصلة عن المنهج ؛ فمعجزة موسى عليه السلام – كما نعرف – هي العصا، ومنهجه التوراة، وعيسى عليه السلام معجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ومنهجه الإنجيل. لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تميز بأن معجزته عين منهجه، لأن كل دين من الأديان السابقة كان لزمن محدود، في مكان محدود. وجاء صلى الله عليه وآله وسلم بالدين الجامع المانع، لذلك جاءت المعجزة هي المنهج، فلو أن معجزته صلى الله عليه وآله وسلم كانت من جنس معجزات السابقين ؛ أي كانت كونية مرئية لانتهت. ونحن لم نصدق معجزات الأنبياء السابقين إلا لأن القرآن قالها وصارت خبرا، كل منها تليق بالزمن المحدود والمكان المحدود. لكن الإسلام جاء ليعم كل الأزمنة وكل الأمكنة، ولذلك لزم أن تكون المعجزة مستصحبة للمنهج ؛ حتى يستطيع من يأتي بعد عصر النبوة إلى قيام الساعة أن يقول : محمد رسول الله تلك معجزته.
والقرآن مبارك، ونحن في أعرافنا حين نتكلم بالعامية نأتي بالكلمة التي هي من نفح ونضح الاستعمالات الفصيحة التي سمعناها، فنجد من يقول :( والله هذا الأكل فيه بركة ؛ فهو مصنوع لاثنين وأكل منه أربعة وفاض وزاد ). إذن، ( البركة ) أن يعطي الشيء أكبر من حجمه المنظور.
وبركة القرآن غالبة ومهيمنة، ولو قاس كل إنسان حجم القرآن بحجم الكتب الأخرى لوجد حجم القرآن أقل، ومع ذلك فيه من الخير والبر والبركات والتشريعات والمعجزات والأسرار ما تضيق به الكتب، ونجد من يؤلف ويفسر في أجزاء متعددة، ومع ذلك ما استطاع واحد أن يصل إلى حقيقة المراد من الله ؛ لأن القرآن لو جاء وأفرغ عطاءه في القرن الذي عاش فيه الرسول فقل لي بالله : كيف تستقبله القرون الأخرى ؟ ! إنه يكون استقبالا خاليا من العناية به لأنه سيكون كلاما مكررا.
إذن فقد بين فيه كل شيء ومنه أخذ كل إنسان وزمان قدر ذهنه، ولو أن القرآن يراد تفسيره لما فسره أحد غير من انفعل له نزولا عليه وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيستطيع واحد بعد ذلك أن يقول شيئا في التفسير ؟ ! إذن لو فسر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لجمده لأنه لا يجرؤ أحد أن يأتي بتفسير بعد الرسول.
وقد علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن عطاءات القرآن لا تتناهى، لذلك لم يفسره. بل أوضح بما تطيقه العقول المعاصرة حتى لا ينصرفوا عنه. ولو كان القرآن قال : إن الأرض كرة وتدور حول الشمس، أكان يصدقه أحد ؟ إن هناك حتى الآن من ينكر ذلك. ونجد القرآن يشير ويلمح إليها إلماحا خفيفا إلى أن تتسع العقول لها. فيقول الحق :
يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ( من الآية ٥ سورة الزمر )
ومادام الليل يأتي وراء النهار، والنهار يأتي وراء الليل في شبه كرة ؛ فالذي يأتي عليه الليل والنهار شكل الكرة. فكأن كلا من الليل والنهار دائر وراء الآخر حول كرة، إذن فالحق يعطي اللمحة بميزان حتى تتسع العقول للفهم. ويقول القرآن :
قل لله المشرق والمغرب ( من الآية ١٤٢ سورة البقرة )
وهذا قول واضح ؛ لأن كل واحد منا يعرف المشرق والمغرب. لكن حين يقول الحق :
رب المشرقين ورب المغربين ( ١٧ ) ( سورة الرحمن ).
أكان يفهمها المعاصر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ نعم، لأنه ساعة ما يقول : إن الشمس أشرقت من المكان الفلاني، وغابت عن مكان آخر، فساعة شروقها عندك تغرب عندي، وساعة تغرب عندك تشرق عندي، وهكذا يصير كل مشرق معه مغرب، إذن فقد صدق قول الله رب المشرقين ورب المغربين .
ونعلم أن الشمس لها مشرق كل يوم، ومن زار في الصعيد المعبد الذي توجد به ٣٦٥ طاقة – فتحة – وتطلع الشمس في كل يوم من طاقة معينة ولا تطلع من الطاقات الأخرى يتأكد من أن الشمس لها في كل يوم مشرق. إذن هناك مشارق ومغارب، وصدق الله قائل : رب المشارق والمغارب.
إن القرآن يخاطبنا بأسلوب يحتمله العقل المعاصر، وإذا ما جد جديد نجد الأمر مكنوزا في القرآن، نجد تأويلا جديدا لا ينسخ التأويل الآخر ولكنه يرتقي به.
إذن فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يشأ أن يفسر القرآن التفسير الكامل ؛ لأنه كان لابد أن يفسره بما تطيقه العقول المعاصرة له، وإن فسره بما تطيقه العقول المعاصرة له فمعنى ذلك أنه لن يعطي العقول التي تأتي بعد غذاء من القرآن ؛ لذلك ترك صلى الله عليه وآله وسلم القرآن دون تفسير إلا في النزر اليسير. وتجد ذلك في آيات الكون، أما في الأحكام فالأمر محدد.
لكن في الأشياء التي يتجدد فيها العلم فقد تركها. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام عن القرآن :( لا تنقضي عجائبه ) وكأنه يلفتنا إلى أن عجائبه لا تنقضي ولا تنتهي، وكل يوم يعطي عجائب جديدة. إذن فالقرآن مبارك بحكم ما هو مكنوز فيه إلى قيام الساعة. وأنت تلتفت إلى الناس فتجدهم يتعبون في اكتشاف أسرار الكون، وتجد القرآن قد مس ما يبحثون عنه مسا خفيفا.
وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ( من الآية ٩٢ سورة الأنعام ).
وساعة تقول :( بين يدي الشيء ) أي الشيء الذي يسبق، والكتب السابقة هي التي نزلت بين يدي القرآن أي قبله، والمقصود بها الكتب المعروفة المشهورة وهي التوراة والإنجيل إذ هما الكتابان الباقيان إلى الآن.
والقرآن يصدق الذي بين يديه ولا يعني ذلك تصديق المحرف بل تصديق ( الأصيل ). ولذلك نجد عبد الله بن سلام وغيره حينما جاءوا للإسلام اعترفوا بذلك، ويقول عبد الله بن سلام وغيره حينما جاءوا للإسلام اعترفوا بذلك، ويقول عبد الله بن سلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انشرح صدري للإسلام، ولكني أعلم أن اليهود قوم بهت – أي أنهم مكابرون – فأنا أريد أن تسألهم عني قبل أن أسلم، فقال رسول الله لهم : ما تقولون في عبد الله بن سلام ؟ قالوا : حبرنا وابن حبرنا وشيخنا ورئيسنا....... الخ.
فقال الرجل : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. هنا بدأوا في كيل السباب لسيدنا عبد الله بن سلام فقال : ألم أقل لك يا رسول الله إنهم قوم بهت ؟.
وقوله الحق : مصدق الذي بين يديه أي أنك إذا ما أردت أن تعرف صدق هذه القضية فهات ما لا حاجة لهم فيه إلى تكذيبه، وستجد القرآن قد جاء موافقا له. مثال ذلك حين جاء القرآن بالرجم. هم حاولوا أن يخففوا حكم الرجم ؛ لأن امرأة زنت وأرادوا أن يجاملوها. فرفعوا أمرها للنبي وقال بعضهم لبعض : إن حكم بعدم الرجم فهذا خير لنا ولها، ومن العجيب أنهم غير مؤمنين بمحمد بينما يريدون الحكم منه، فيقول لهم الرسول عليه الصلاة والسلام : هاتوا الكتاب، ويأتون بالصحف الموجودة عندهم، فوجدوا آية الرجم ؛ إذن فالقرآن مصدق الذي بين يديه من غير المكتوم، ولا المحرف، ولا المؤول.
وإذا ما نظرت على القضايا التي يلتفتون إليها، ولكنها تمر أمامهم خاطفة، تجد أنت هذه القضايا وسيلة يريد الله بها أن يكشف الفساد والكذب والتجبر، حتى لا يطمس أهل الباطل معالم الحق. مثل هذه القضايا تحتاج إلى المحقق اللبق. ونجده سبحانه جاء في التوراة بمثل للأمة المحمدية، ويكرر هذا المثل في القرآن حين يقول سبحانه :
محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ( من الآية ٢٩ سورة الفتح )
وحين ننظر إلى كلمة ( أشداء )، وكلمة ( رحماء )، نجد في ظاهر الأمر تناقضا في الطباع، أما المدقق المحقق فيعلم من هذا القول أن الإسلام لا يطبع المسلم على لون واحد ؛ لأنه يريد منه كل الألوان، فلو خلقه شديدا لفقدته مواطن الرحمة، ولو فطره وخلقه رحيما لفقدته مواطن الشدة. والإسلام يطلب من المسلم الالتزام بالقيم الروحية والمادية لتحرس كل منهما الأخرى ؛ لأن المسلمين لو راحوا للمادة فقط لصارت حضارتهم شراسة، ولو راحوا للقيم لما استطاعوا أن يقيموا حضارة تبقى وتدوم، والحق يريد حضارة تجمع بين الاثنين ؛ الروح والمادة، لذلك يجمع الإسلام بين الاثنين ؛ الروح والمادة ؛ لأن اليهود في فهمهم لها افتقدت الروح، والنصرانية في فهمهم لها غرقت في الروحانيات وافتقدت المادة، وجاء القرآن مصدقا لما بين يديه، هكذا جاءت الآية بالبلاغ عن أهل الكتاب.
ويتابع البلاغ لأهل قريش قاطني مكة فيقول : ولتنذر أم القرى ، ونعرف أن أم القرى تعني مكة، وقد حاول البعض أن يتخذ من هذه الآية حجة ليقول : إن القرآن قد نزل لجماعة العرب فقط، ولهؤلاء نقول : أنتم لم تحسنوا الفهم لمعطيات اللفظ، ولنسأل : ما الحول أولا ؟ الحول هو المحيط الذي حول النقطة، أي نقطة وكل نقطة، وحول كل نقطة قطر وقد يكون القطر ٢٠ كيلومترا، وقد يكون مائة كيلومتر، وكلما بعدت المساحة فهي حول هذه النقطة، إذن فكلمة الحول تشمل كل ما حوله، وحول كل مكان يشمل كل مكان.
ولماذا سميت أم القرى ؟ ؛ إما لأن ( هاجر ) لما نزل
تفسير الشعراوي
الشعراوي