الثاني: أنه قد أقام عليهم الحجج وظهرت عندهم البراهين، لكنهم كابروا وعاندوا، فأمره أن يذرهم لا يقيم عليهم الآيات والحجج بعد ذلك، ولكن يدعوهم إلى التوحيد لا يذر دعاءهم إلى التوحيد، ولكن يذرهم ولا يقيم عليهم الحجج.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي خَوْضِهِمْ)؛ أي: في باطلهم وتكذيبهم يعمهون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ... (٩٢)
قيل: القرآن أنزلناه مباركًا؛ سماه مرة: مباركًا، ومرة نورا، ومرة هدى ورحمة، ومرة شفاء، ومجيدًا وكريمًا وحكيمًا، وليس يوصف هو في الحقيقة بنور، ولا مبارك، ولا رحمة، ولا هدى، ولا شفاء، ولا مجيد، ولا كريم ولا حكيم؛ لأنه صفة ولا يكون للصفة صفة توصف بها، ولو كان هو في الحقيقة نورًا،
ورحمة، وهدى أو ما ذكر لكان يكون لكل واحد نورًا وما ذكر، فلما ذكر أنه عمى على بعض، وأخبر أنه يزداد بذلك رجسًا إلى رجسهم دل أنه ليس هو في الحقيقة كذلك؛ لأنه لو كان كذلك لكان لكل أحد، لكن سماه بهذه الأسماء:
سماه نورًا لما يصير نورًا للمسترشدين، ويصير شفاء ورحمة للمتبعين ليشفوا من الداء الذي يحل في الدِّين. وسماه روحا لما يحيى به الدِّين. وسماهحكيمًا لما يصير من عرف بواطنه واتبعه حكيمًا.
وكذلك سماه مجيدًا كريمًا لما يدعو الخلق إلى المجد والكرم، فمن اتبعه تخلق بأخلاق حميدة؛ فيصير مجيدًا كريمًا.
وسماه مباركًا لما به ينال كل بركة، والبركة اسم لشيئين: اسم كل بر وخير والثاني: اسم لكل ما يثمر وينمو في الحادث، فمن اتبعه نال به كل بر وخير وكل ثمرة ونماء في الحادث؛ هذا وجه الوصف بما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)
من الكتب؛ لأنه كان يدعو الخلق إلى ما كان يدعو سائر الكتب التي أنزلها على الرسل، من توحيد اللَّه والنهي عن إشراك غيره في الألوهية والربوبية، ويدعو إلى كل عدل وإحسان، وينهى عن كل فاحشة ومنكر؛ وكذلك سائر الكتب دعت الخلق إلى ما دعا هذا، لم يخالف بعضهم بعضا، بل كانت موافقة بعضها لبعض؛ لذلك قال: (مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)
قيل: أم القرى: مكة، وسميت أم القرى لوجهين:
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم