ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

ثم ذكر وعيد من كذب به أو عارضه، فقال :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
يقول الحقّ جلَ جلاله : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا فزعم أنه يوحى إليه، كمسيلمة الكذاب والأسود العَنسي، أو : غيَّر الدين، كعَمرو بن لحي وأمثاله، أو قال أُوحي إليَّ ولم يُوحَ إليه شيء كابن أبي سَرح ومن تقدم، إلا من تاب، كابن أبي سرح. ومَن قال سأنزل مثل ما أنزل الله الذين قالوا : لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلِ هَذَا
[ الأنفَال : ٣١ ] كالنضر بن الحارث وأشباهه.
ولو ترى إذ الظالمون من اليهود والكذابين والمستهزئين، حين يكونون في غمرات الموت : شدائده والملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواحهم، أو بالضرب لوجوههم وأدبارهم، قائلين لهم : أخرجوا أنفسكم من أجسادكم ؛ تغليظًا عليهم، اليوم وما بعده تُجزون عذاب الهون أي : الهوان، يريد العذاب المتضمن للشدة والهوان، وإضافته للهوان لتمكنه فيه. وذلك العذاب بما كنتم تقولون على الله غير الحق ، كادعاء النبوة كذبًا، وادعاء الولد والشريك لله، وكنتم عن آياته تستكبرون فلا تستمعون لها، ولا تؤمنون بها، فلو أبصرت حالهم ذلك الوقت لرأيت أمرًا فظيعًا وهولاً شنيعًا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل من ادعى حالاً أو مقامًا، يعلم من نفسه أنه لم يُدركه ولم يتحقق به، فالآية تَجُرُّ ذيلَها عليه. وفي قوله : ولقد جِئتُمُونَا فرادى... الخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلا بعد قطع الطلاق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرًا وباطنًا ؛ إذًا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا.
وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي : ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي، شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [ الأعرَاف : ١٧٢ ] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ " ٢، يعني : على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت : وحاصل كلامه، أن مجيئهم فُرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني : مقدسة من شواهد الحس، مُطهرة من لُوثِ الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى : وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم أي : من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. هـ. وقوله تعالى : وما نرى معكم شفعاءكم إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير