ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا : بمعنى ومن أشد جرما وإثما ممن افترى على الله كذبا.
غمرات الموت : شدائد الاحتضار عند الموت.
في الآيات تساؤل إنكاري بمعنى التقرير بأنه ليس من أحد أشد ظلما من الذي يفتري على الله الكذب فينسب إليه ما ليس منه، أو ممن يدعي بأن الله أوحى إليه ولم يكن قد أوحى إليه. أو ممن يجرؤ على القول بأنه سينزل مثل ما أنزل الله. وإشارة إنذارية إلى ما سوف يكون من أمر الظالمين عند الموت وبعده تحيط بهم الملائكة حينما يكونون في غمرات الموت وشدائد الاحتضار ينتظرون خروج أرواحهم ويذكرون لهم ما سوف يلقون من العذاب والهوان عقوبة على ما كانوا يقولونه على الله تعالى من الباطل ويبدو منهم من استكبار على آيات الله. وحكاية لما سوف يخاطبون به من قبل الله تعالى بعد ذلك من خطاب توبيخي ؛ حيث يقول لهم إنكم قد جئتمونا منفردين كما خلقناكم لأول مرة مجردين من كل ما كنتم تتمتعون به في الدنيا، ومن مال وقوة وأنصار، وليس معكم الشفعاء الذين كنتم تعبدونهم كشركاء مع الله وتركنون إلى شفاعتهم وقد غابوا عنكم وتقطعت الصلات بينكم وبينهم.
تعليق على جملة
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ
والمصحف الذي اعتمدناه روى أن الآية [ ٩٣ ] مدنية كذلك. وروى المفسرون روايات عديدة في سياقها١، ومنها : أن المعنى أن الله تعالى أوحى إليهما، منها أن المعنى بمن افترى على الله كذبا هما مسيلمة والأسود اللذان ادعيا النبوة وزعما أن الله تعالى أوحى إليهما، ومنها : أن المعنى بمن قال سأنزل مثل ما أنزل الله هو عبد الله بن سرح أحد كتاب الوحي الذي ارتد وفر من المدينة. وأنه كان يكتب بعض مقاطع قرآنية مخالفة لما كان يمليها عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكتب ( غفور رحيم ) بدلا من ( عزيز حكيم ) و( عليم حكيم ) بدلا من ( خبير عليم ) وأنه قال مرة حينما أملى النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية سورة المؤمنون هذه : ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر [ ١٤ ] قال : فتبارك الله أحسن الخالقين ( ١٤ ) فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قد نزلت كما قلت فاكتبها، فقال : إني إذا أنزل كما أنزل الله.
ومنها أن شطر الآية الأولى نزل في مسيلمة والأسود النبيين الكذابين اللذين ظهرا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليمامة واليمن، وأن الشطر الثاني نزل في عبد الله بن سرح. لقد روي أن عبد الله هذا بعد ذلك الحادث ارتد ولحق بمكة ووشى بعمار وجبر وغيرهما من الأرقاء المؤمنين فأخذهم مواليهم وعذبوهم حتى أجبروهم على الكفر ونزل فيه وفيهم آية النحل : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ( ١٠٦ ) [ ١٠٦ ] ولم يرد شيء من هذه الروايات في الصحاح. ويلوح أن رواية مدنية الآية متصلة برواية كونها في شأن مسيلمة والأسود أو برواية كونها في شأن عبد الله بن سرح بعد الهجرة.
ولسنا نرى أي حكمة ومعنى لوضع هذه الآية في سياق يحكي مواقف مشركي مكة لو كانت مدنية ومنفصلة عن السياق. وحركة مسيلمة والأسود كانت كما قلنا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتكون صلتها بالآية أكثر بعدا. والروايات في صدد عبد الله بن سرح مضطربة، وسورة المؤمنون التي تروي إحداهما قول عبد الله الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم إنما مطابق لما نزلت بعد سورة الأنعام بمدة غير قصيرة. وكذلك سورة النحل التي تروي بعض الروايات أن بعض آياتها نزلت في سعد والمرتدين المكرهين. وعبد الله هو أخو عثمان بن عفان بالرضاعة، وقد عينه في زمن خلافته واليا على مصر بعد أن عزل عمرو بن العاص. وروت الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهدر دمه بسبب ارتداده حتى تشفع فيه أخوه، وكل هذا يجعلنا نخشى أن يكون اسمه قد أقحم لأهواء سياسة ويجعلنا نشك أولا في رواية مدنية الآية، وثانيا في الروايات المروية كسبب لنزولها ؛ لأن هذا وذاك يقتضيان أن تكون نزلت منفردة بل ومجزأة أي إن شطرا منها نزل في مناسبة وشطرا في مناسبة أخرى، وأن تكون أقحمت على السياق إقحاما مع أنها منسجمة انسجاما تاما في السياق والموضوع وشطرها الأول متصل بشطرها الثاني. وفحوى الآية التالية لها والتي تعطف عليها وتنذر الظالمين وتحكي ما كان منهم من استكبار عن آيات الله وافتراء عليه يلهم بكل قوة أنها في صدد مشركي العرب موضوع الكلام في الآيات السابقة.
وقد رأينا الطبري يتحفظ في كون الآية نزلت للأسباب المذكورة في الروايات.
وقد يكون حادث ارتداد عبد الله بن سرح ولحوقه بمكة صحيحا٢ ولكن التوقف هو أن تكون الآية نزلت فيه.
والذي يتبادر لنا بقوة أن الآية الأولى بخاصة تضمنت ردا على الكفار الذين حكت الآية [ ٩٠ ] إنكارهم لإنزال الله شيئا على بشر حيث قررت ضمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرف أنه ليس من أحد أشد ظلما ممن ينسب إلى الله ما ليس منه، ويدعي بأنه موحى إليه ولم يوح إليه. ثم تبعتها الآيات التالية لها منددة منذرة، وبذلك يتصل السياق. والرد قوي موجه إلى العقول والقلوب السليمة، وقد تكرر في كل مرة حكي القرآن فيها زعم الكفار بافتراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن بنفس القوة والنفوذ ومن ذلك آية سورة الأحقاف هذه : أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ( ٨ ) [ ٨ ] ومن هذا الباب آية سورة الشورى [ ٢٤ ] وآية سورة يونس [ ١٧ ]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا( ١ ) أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ( ٢ ) وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ( ٩٣ ) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى( ٣ ) كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ ( ٤ )وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ( ٥ ) وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ( ٩٤ )
في الآيات تساؤل إنكاري بمعنى التقرير بأنه ليس من أحد أشد ظلما من الذي يفتري على الله الكذب فينسب إليه ما ليس منه، أو ممن يدعي بأن الله أوحى إليه ولم يكن قد أوحى إليه. أو ممن يجرؤ على القول بأنه سينزل مثل ما أنزل الله. وإشارة إنذارية إلى ما سوف يكون من أمر الظالمين عند الموت وبعده تحيط بهم الملائكة حينما يكونون في غمرات الموت وشدائد الاحتضار ينتظرون خروج أرواحهم ويذكرون لهم ما سوف يلقون من العذاب والهوان عقوبة على ما كانوا يقولونه على الله تعالى من الباطل ويبدو منهم من استكبار على آيات الله. وحكاية لما سوف يخاطبون به من قبل الله تعالى بعد ذلك من خطاب توبيخي ؛ حيث يقول لهم إنكم قد جئتمونا منفردين كما خلقناكم لأول مرة مجردين من كل ما كنتم تتمتعون به في الدنيا، ومن مال وقوة وأنصار، وليس معكم الشفعاء الذين كنتم تعبدونهم كشركاء مع الله وتركنون إلى شفاعتهم وقد غابوا عنكم وتقطعت الصلات بينكم وبينهم.
تعليق على جملة
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ
والمصحف الذي اعتمدناه روى أن الآية [ ٩٣ ] مدنية كذلك. وروى المفسرون روايات عديدة في سياقها١، ومنها : أن المعنى أن الله تعالى أوحى إليهما، منها أن المعنى بمن افترى على الله كذبا هما مسيلمة والأسود اللذان ادعيا النبوة وزعما أن الله تعالى أوحى إليهما، ومنها : أن المعنى بمن قال سأنزل مثل ما أنزل الله هو عبد الله بن سرح أحد كتاب الوحي الذي ارتد وفر من المدينة. وأنه كان يكتب بعض مقاطع قرآنية مخالفة لما كان يمليها عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكتب ( غفور رحيم ) بدلا من ( عزيز حكيم ) و( عليم حكيم ) بدلا من ( خبير عليم ) وأنه قال مرة حينما أملى النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية سورة المؤمنون هذه : ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر [ ١٤ ] قال : فتبارك الله أحسن الخالقين ( ١٤ ) فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قد نزلت كما قلت فاكتبها، فقال : إني إذا أنزل كما أنزل الله.
ومنها أن شطر الآية الأولى نزل في مسيلمة والأسود النبيين الكذابين اللذين ظهرا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليمامة واليمن، وأن الشطر الثاني نزل في عبد الله بن سرح. لقد روي أن عبد الله هذا بعد ذلك الحادث ارتد ولحق بمكة ووشى بعمار وجبر وغيرهما من الأرقاء المؤمنين فأخذهم مواليهم وعذبوهم حتى أجبروهم على الكفر ونزل فيه وفيهم آية النحل : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ( ١٠٦ ) [ ١٠٦ ] ولم يرد شيء من هذه الروايات في الصحاح. ويلوح أن رواية مدنية الآية متصلة برواية كونها في شأن مسيلمة والأسود أو برواية كونها في شأن عبد الله بن سرح بعد الهجرة.
ولسنا نرى أي حكمة ومعنى لوضع هذه الآية في سياق يحكي مواقف مشركي مكة لو كانت مدنية ومنفصلة عن السياق. وحركة مسيلمة والأسود كانت كما قلنا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتكون صلتها بالآية أكثر بعدا. والروايات في صدد عبد الله بن سرح مضطربة، وسورة المؤمنون التي تروي إحداهما قول عبد الله الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم إنما مطابق لما نزلت بعد سورة الأنعام بمدة غير قصيرة. وكذلك سورة النحل التي تروي بعض الروايات أن بعض آياتها نزلت في سعد والمرتدين المكرهين. وعبد الله هو أخو عثمان بن عفان بالرضاعة، وقد عينه في زمن خلافته واليا على مصر بعد أن عزل عمرو بن العاص. وروت الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهدر دمه بسبب ارتداده حتى تشفع فيه أخوه، وكل هذا يجعلنا نخشى أن يكون اسمه قد أقحم لأهواء سياسة ويجعلنا نشك أولا في رواية مدنية الآية، وثانيا في الروايات المروية كسبب لنزولها ؛ لأن هذا وذاك يقتضيان أن تكون نزلت منفردة بل ومجزأة أي إن شطرا منها نزل في مناسبة وشطرا في مناسبة أخرى، وأن تكون أقحمت على السياق إقحاما مع أنها منسجمة انسجاما تاما في السياق والموضوع وشطرها الأول متصل بشطرها الثاني. وفحوى الآية التالية لها والتي تعطف عليها وتنذر الظالمين وتحكي ما كان منهم من استكبار عن آيات الله وافتراء عليه يلهم بكل قوة أنها في صدد مشركي العرب موضوع الكلام في الآيات السابقة.
وقد رأينا الطبري يتحفظ في كون الآية نزلت للأسباب المذكورة في الروايات.
وقد يكون حادث ارتداد عبد الله بن سرح ولحوقه بمكة صحيحا٢ ولكن التوقف هو أن تكون الآية نزلت فيه.
والذي يتبادر لنا بقوة أن الآية الأولى بخاصة تضمنت ردا على الكفار الذين حكت الآية [ ٩٠ ] إنكارهم لإنزال الله شيئا على بشر حيث قررت ضمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرف أنه ليس من أحد أشد ظلما ممن ينسب إلى الله ما ليس منه، ويدعي بأنه موحى إليه ولم يوح إليه. ثم تبعتها الآيات التالية لها منددة منذرة، وبذلك يتصل السياق. والرد قوي موجه إلى العقول والقلوب السليمة، وقد تكرر في كل مرة حكي القرآن فيها زعم الكفار بافتراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن بنفس القوة والنفوذ ومن ذلك آية سورة الأحقاف هذه : أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ( ٨ ) [ ٨ ] ومن هذا الباب آية سورة الشورى [ ٢٤ ] وآية سورة يونس [ ١٧ ]
التفسير الحديث
دروزة