ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

يقول الله جل وعلا : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ءاياته تستكبرون [ الأنعام : آية ٩٣ ].
نزلت هذه الآية الكريمة من سورة الأنعام في مسيلمة الكذاب، وكذاب صنعاء : الأسود العنسي، كل منهما ادعى أنه نبي كذبا وافتراء على الله، فبين الله ( جل وعلا ) أنه لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله، أو يدعي أن الله أوحى إليه وهو لم يوح إليه.
وقوله : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا الاستفهام إنكاري. والمعنى : لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء .
وقد بينا في هذه الدروس مرارا : أن مثل هذه الآية فيه سؤال معروف ؛ لأن معنى ومن أظلم فمن أظلم معناه : لا أحد أظلم. وإذا كان المعنى في قوله هنا : ومن أظلم ممن افترى لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا. فإن هذا تشكل عليه آيات أخر كقوله : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه [ البقرة : آية ١١٤ ] ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها [ الكهف : آية ٥٧ ] إذ يصير المعنى : لا أحد أظلم ممن افترى، لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، لا أحد أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها. فينشأ من هذا سؤال، فيقول طالب العلم : كيف يقول : لا أحد أظلم من هذا، ثم يقول في موضع آخر : لا أحد أظلم من هذا، في شيء آخر ؟
وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة، أشهرها اثنان، فيهما الكفاية :
أحدهما : أنه لا معارضة ألبتة بين الآيات، وأن هؤلاء المذكورين لا يوجد أحد أظلم منهم، وهم متساوون في مرتبة الظلم، فلا يكون هنالك تعارض، كما لو قلت : لا أحد أعلم في هذا البلد من زيد، ولا أحد أعلم فيه من عمرو. فيكون زيد وعمرو مستويين في العلم، ولا يفوقهما أحد فيه، فيكون كلا المقالين حق.
الوجه الثاني : أن هذه المواضع تتخصص بصلاتها. ومعنى ( تتخصص بصلاتها ) : أن كل واحد منها تفسره صلة موصوله، فيكون المعنى هنا : لا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبا، ولا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من المعرضين أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها، إلى آخره.
وقوله افترى على الله كذبا افتراء الكذب : اختلاقه. والكذب في أصح معانيه : هو عدم مطابقة الخبر للواقع، فالكفار كذابون، خبرهم لا يطابق الواقع، وإن ظنوا في نفس الأمر أنه خير وسداد، كما قال جل وعلا : إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون [ الأعراف : آية ٣٠ ] وقال جل وعلا : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [ الكهف : آية ١٠٣، ١٠٤ ] فقوله : ممن افترى على الله كذبا كمن ادعى لله الشركاء، أو ادعى له الأولاد، أو ادعى أنه حرم ما لم يحرمه، أو أحل ما لم يحلله، أو قال : أوحي إلي. هذا داخل في افتراء الكذب، إلا أنه عطفه عليه ب( أو ) لأنه من أعظم أنواع الافتراء، كأنه لعظمه صار قسما مقابلا للافتراء وهو من أشنع أنواع الافتراء.
أو قال أوحى إلي أي : قال : إن الله أوحى إليه، كمسيلمة الكذاب ( رحمان اليمامة )، وكالأسود العنسي ( صاحب صنعاء )، ويدخل في حكمهم غيرهم من المتنبئين، حيث قال كل من هؤلاء : إنه أوحي إلي.
وذكروا في تاريخ مسيلمة الكذاب أنه أرسل رسولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم – يذكر أنه ابن النواحة الذي قتله بعد ذلك ابن مسعود، أرسله إليه – بكتاب فيه : " من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، إن الأرض نصفان، نصفها لي، ونصفها لك، ولكن قريشا قوم يعتدون ". فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم : " من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ".
ومعلوم أن ما يدعي أنه قرآن بالغ من التفاهة والسقوط ما لا يخفى على أحد، كقوله : " والطاحنات طحنا، والعاجنات عجنا، والخابزات خبزا، فالفاردات فردا، فاللاقمات لقما ". وغير ذلك من الترهات والخرافات.
الذين يدعون النبوة – كمسيلمة والأسود العنسي – لا أحد أظلم منهم، حيث قالوا : إن الله أوحى إليهم – ولم يوح إليهم – ظلما وعدوانا. وهذا معنى قوله : أو قال أوحي إلي والحال : ولم يوح إليه شيء .
ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ( من ) في قوله : أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله هذا كله معطوف على المجرور في قوله : ممن افترى على الله كذبا ولا أحد أظلم ممن قال : أوحي إلي، ولا أحد أظلم ممن قال : سأنزل مثل ما أنزل الله.
***
وقوله : سأنزل مثل ما أنزل الله هذه نزلت في عبد الله بن سعد بن سرح، على قول أكثر المفسرين. أسلم أولا، وكان من كتاب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، ولما أنزل الله في سورة ( قد أفلح المؤمنون ) : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ءاخر [ المؤمنون : الآيات ١٢ ١٤ ] عجب عبد الله بن سعد بن أبي سرح من تفضيل الله هذا لخلق الإنسان فقال : " فتبارك الله أحسن الخالقين " فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " هكذا أنزلت " فشك في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، قال : إني أوحي إلي مثل ما أوحي إليه، إن كان صادقا فقد أوحي إلي مثل ما أوحي إليه، وإن كان كاذبا فقد جئت بمثل ما جاء به. وارتد عن الإسلام – والعياذ بالله وهو ممن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم يوم فتح مكة، وكان أخا لعثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) من الرضاعة، فأخفاه عثمان عنده حتى سكنت الحركة واستأمن النبي صلى الله عليه وسلم له فأمنه، وحسن إسلامه، وكان واليا لعثمان على جهة مصر، وهو الذي فتح إفريقية، وقتل ملكها ( جرجير )، والذي تولى قتله عبد الله بن الزبير كما هو معروف في التاريخ. أنزل الله فيه عندما ارتد : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله [ الأنعام : آية ٩٣ ] ونظيره قول بعض الكفار : لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين [ الأنفال : آية ٣١ ].
ثم إن الله ( جل وعلا ) لما بين أنواع الكفرة الظالمين باجترائهم على الكذب، كادعائهم لله الأولاد والشركاء، وكقول بعضهم : إنه أوحي إليه، وكقول بعضهم : إنه قادر على أن ينزل مثل ما أنزل الله. بين وعيده لهؤلاء الكفرة، قال : ولو ترى يا نبي الله إذ الظالمون حين الظالمون كالذين يفترون على الله الكذب، ويقولون : إنهم أوحي إليهم. أو يقولن : سننزل مثل ما أنزل الله. لو ترى حين الظالمون أمثال هؤلاء حين هم في غمرات الموت غمرات الموت : سكراته وشدائده وكرباته. وأصل ( الغمرة ) هي ما يغمر الشيء، كالماء الذي يغمر الوادي فيغطيه، كل ما غمر شيئا حتى غطاه وستره. المصدر من ذلك :( غمرا ) والمراد ب( غمرات الموت ) : شدائده وسكراته وكرباته، حين هم في سكرات الموت وشدائده وكرباته. والحال : والملائكة باسطوا أيديهم باسطوا أيديهم : يعني باسطوها إليهم بالضرب الوجيع، والأذى الفظيع. والعرب تكني عن السوء ب( بسط اليد )، كقوله : لئن بسطت إلي يدك لتقتليني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك [ المائدة : آية ٢٨ ] وكقوله : إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء [ الممتحنة : آية ٢ ] والدليل على أن بسط الملائكة أيديهم إليهم أنه للأذى والضرب الوجيع : آيات جاءت بذلك، كقوله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم [ الأنفال : آية ٥٠ ] فضربهم هذا لوجوههم وأدبارهم هو الذي بسطوا إليهم أيديهم به في قوله والملائكة باسطوا أيديهم هذا هو الأظهر، خلافا لمن قال : إنهم يمدون أيديهم إليهم ليأخذوا أنفسهم وأرواحهم من أبدانهم، كما يمد الغريم يده لغريمه ليأخذ حقه عليه بشدة وعنف.
وقوله : أخرجوا أنفسكم أخرجوا أنفسكم : فيه وجهان معروفان من التفسير :
أحدهما : أن المعنى : أخرجوا أيها المحتضرون أنفسكم من هذه الكربات إن كانت لكم قدرة. والمعنى : لا تقدرون على الخروج عما يريد الله أن يفعله فيكم.
القول الثاني : أن روح الكافر إذا علمت بما لها عند الله من العذاب الشديد تفرقت في جسده وامتنعت من الخروج، فهم يقولون : أخرجوا أنفسكم قدموا أرواحكم وأخرجوها من أبدانكم لنأخذها.
ثم قال : اليوم تجزون عذاب الهون الهون : هو أشد الهوان، وهو الذل والخزي – والعياذ بالله وإنما أضاف العذاب إلى ( الهون ) لأنه عذاب موصوف بأن صاحبه يقع عليه أعظم الهوان وأشده، كقولك : رجل سوء، وعذاب هون، وما جرى مجرى ذلك.
وقوله : بما كنتم تقولون على الله غير الحق لأن الله بين أن الذين يفترون على الله الكذب لا أحد أظلم منهم في قوله : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا .
ثم بين أنهم عند الاحتضار تتوفاهم الملائكة، ويبسطون أيديهم إليهم بضرب الوجوه والأدبار. ثم بين علة ذلك : بما كنتم في دار الدنيا تقولون على الله غير الحق كادعائكم له الأولاد والشركاء، وأنه حرم ما لم يحرمه، وأحل ما لم يحلله، وكقول بعضكم إنه أوحي إليه ولم يوح إليه شيء، وكقول بعض الكفار : إنه سينزل مثل ما أنزل الله. كل هذا من افتراء الكذب على الله، الذي بين الله أنه سبب لعذابه وضرب الملائكة إياه، حيث بين العلة بقوله : بما كنتم تقولون على الله غير الحق من افتراء الكذب بادعاء الأولاد والشركاء، وما جرى مجرى ذلك وكنتم عن ءاياته تستكبرون وكنتم عن آياته ( جل وعلا ) إذا تليت عليكم تستكبرون، تتكبرون عنها وتأنفون من اتباعها ؛ لأن قادة الكفار ورؤساءهم كانوا إذا تلي عليهم القرآن ودعوا إلى الدين قالوا بجهلهم : نحن الآن رؤساء متبوعون، كيف نتنازل ونكون أتباعا مأمورين مرؤوسين ؟ لا يكون ذلك ! ! ولذا أجرى الله العادة أن من يناصب الرسل بالعداوة هو أشراف الناس، والمترفون منهم، كما صرح الله به في آيات من كتابه وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون [ سبأ : آية ٣٤ ] وفي حديث هرقل مع أبي سفيان الثابت في الصحيح : أن ملك الروم ( هرقل ) لما سال أبا سفيان : أأشرف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ؟ قال : بل ضعفاؤهم. قال : أولئك أتباع الأنبياء. أجرى الله العادة بذلك، ومما يوضح هذا أن أول الأنبياء الذين بعثوا إلى الأرض بعد أن وقع الكفر والإشراك بالله : هو نوح ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام )، كان أتباعه من ضعفاء قومه ؛ ولذا قال له قومه : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون [ الشعراء : آية ١١١ ] وقالوا له : وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي [ هود : آية ٢٧ ] وآخرهم نبينا صلى الله عليه وسلم. كذلك قدمنا في هذه السورة الكريمة العظيمة – سورة الأنعام – أن رؤساء الكفرة قالوا له : لا نجالسك حتى تطرد عنا هؤلاء النتنى، يعنون ضعفاء المسلمين. وقد مر معنا ما أنزل الله فيهم في قوله : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [ ا

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير