ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون٩٣ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون [ الأنعام : ٩٣ ٩٤ ].
تفسير المفردات : الافتراء : اختلاق الكذب، وافتراء الكذب على الله : الاختلاق عليه والحكاية عنه ما لم يقله، أو اتخاذ الأنداد والشركاء، والغمرات : واحدها غمرة، وهي الشدة، واليوم : الزمن المحدود والمراد به هنا يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء، والهون بالضم، والهوان : الذل، ومنه قوله : أيمسكه على هون أم يدسه في التراب [ النحل : ٥٩ ] والهون بالفتح : اللين والرفق، ومنه قوله : الذين يمشون على الأرض هونا [ الفرقان : ٦٣ ].
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن القرآن كتاب من عند الله، ورد على الذين أنكروا إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بشر، بأن مثله مثل التوراة التي يعترفون بإنزالها على موسى وهو بشر.
قفى على ذلك بوعيد من كذب على الله وادعى النبوة والرسالة، أو ادعى أنه قادر على الإتيان بمثل هذا القرآن، وهذا الوعيد يتضمن الشهادة بصدق النبي صلى الله عليه وسلم.
ذلك أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إذا لم يكن له بد من الإيمان بأن القرآن من عند الله، ومن الاهتداء به، فأكمل الناس إيمانا بالدار الآخرة وما فيه من الجزاء وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يعرّض نفسه لمنتهى الظلم الذي يستحق عليه أشد العذاب.
الإيضاح : ومن أظل ممن افترى على الله كذبا أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله كالذين قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، أو جعل لله شريكا أو ولدا.
أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء كمسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة باليمامة، والأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن، وطليحة الأسدي الذي ادعى النبوة بني أسد، ونحوهم من كل من ادعى ذلك أو يدعيه في أي زمن كان.
ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله أي ومن ادعى أنه قادر على إنزال مثل ما أنزل الله على رسوله كمن قال من المشركين : لو نشاء لقلنا مثل هذا [ الأنفال : ٣١ ] فقد أثر عن النضر بن الحارث أنه كان يقول : إن القرآن أساطير الأولين، وإنه شعر لو نشاء لقلنا مثله.
ثم ذكر تعالى جده وعيده للظالمين لشدة جرمهم وعظيم ذنبه فقال :
ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ثم لكل من سمعه أو قرأه، أي ولو تبصر إذ يكون الظالمون سواء منهم من ذكروا في الآية أو غيرهم في غمرات الموت وفي سكراته وما يتقدمها من شدائد وآلام تحيط بهم كما تحيط غمرات الماء بالغرقى لرأيت ما لا سبيل إلى وصفه، ولا قدرة للبيان على تجلي كنهه وحقيقته.
والملائكة باسطوا أيديهم لقبض أرواحهم الخبيثة بالعنف والضرب كما قال : فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم [ محمد : ٢٧ ].
ثم حكى سبحانه أمر الملائكة لهم على سبيل التهكم والتوبيخ حين بسط أيديهم لقبض أرواحهم.
أخرجوا أنفسكم أي أخرجوا أنفسكم مما هي فيه إن استطعتم، أو أخرجوها من أبدانكم.
قال صاحب الكشاف : هذا تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ليعنفه عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له : أخرج مالي عليك الساعة، ولا أريم لا أبرح مكاني حتى أنزعه من أحداقك.
ويرى بعضهم أنه لا داعي للعدول عن الحقيقة إلى التمثيل، فربما تمثل الملائكة للبشر بمثل صورهم، وتخاطبهم بمثل كلامي، فهي إذا ممكنة على الحقيقة فلا معدل عنها.
اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون أي تقول لهم الملائكة وقت الموت : اليوم تلقون عذاب الذل والهوان جزاء ظلمكم لأنفسكم بسبب ما كنتم تقولون مفترين على الله غير الحق كقول بعضهم ما أنزل الله على بشر من شيء، وقول بعض آخر : إنه أوحي إليه ولم يوح إليه شيء، وإنكار طائفة لما وصف الله به نفسه من الصفات، واتخاذ أقوام له البنين والبنات، واستكبار آخرين عن الاعتراف بما أنزل الله من الآيات، احتقارا لمن أكرمه الله بإظهارها على يده ولسانه.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن القرآن كتاب من عند الله، ورد على الذين أنكروا إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بشر، بأن مثله مثل التوراة التي يعترفون بإنزالها على موسى وهو بشر.
قفى على ذلك بوعيد من كذب على الله وادعى النبوة والرسالة، أو ادعى أنه قادر على الإتيان بمثل هذا القرآن، وهذا الوعيد يتضمن الشهادة بصدق النبي صلى الله عليه وسلم.
ذلك أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إذا لم يكن له بد من الإيمان بأن القرآن من عند الله، ومن الاهتداء به، فأكمل الناس إيمانا بالدار الآخرة وما فيه من الجزاء وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يعرّض نفسه لمنتهى الظلم الذي يستحق عليه أشد العذاب.
تفسير المراغي
المراغي