ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ١١٧ .
في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات : قرأه جمهور القراء غير حفص عن عاصم والبزي عن ابن كثير : فإذا هي تلقف ما يأفكون وقرأه البزي وحده عن ابن كثير : فإذا هي تلقف ما يأفكون بتشديد التاء بإدغام إحدى التاءين في الأخرى ؛ لأن أصله :( تتلقف ) وقرأه حفص عن عاصم : فإذا هي تلقف ما يأفكون مضارع لقفه بكسر القاف يلقفه بفتحها. فتحصل أن قراءة الجمهور :( تلقف ما يأفكون ) وهو مضارع( تلقفه يتلقفه ) إذا ابتلعه بسرعة هائلة. والمعنى : كل من التقم شيئا بسرعة تقول العرب :( تلقفه ولقفه ). فقراءة الجمهور حذف فيها إحدى التاءين، أصلها : فإذا هي تتلقف ما يأفكون، أي : تبتلعه وتلتقمه بسرعة، وعلى قراءة البزي فأصله : فإذا هي تلقف ما يأفكون. في الصلة خاصة، فهي واضحة ؛ لأن ( تفعل ) و ( تفاعل ) يجوز فيها الإدغام. واستجلاب همزة الوصل، وهو كثير، كاطيرنا بمعنى : تطير، وازينت بمعنى : تزين، وإدارك بمعنى : تدارك، وهو كثير، ومن أمثلته في الماضي في كلام العرب قول الشاعر :

تولي الضجيع إذا ما التذها خصرا عذب المذاق إذا ما اتابع القبل
يعني : تتابع القبل. وهذا لا إشكال فيه.
أما على قراءة حفص عن عاصم : فإذا هي تلقف ما يأفكون فهو مضارع لقفه يلقفه إذا ابتلعه بسرعة. فمعنى القراءتين واحد.
ومعنى : ما يأفكون [ الأعراف : آية ١١٧ ] يأفكون : مضارع أفكه يأفكه بالكسر، وأصل المادة الهمز والفاء والكاف ( أفك ) معناه : قلب الشيء وصرفه، فالإفك قلب الشيء وصرفه ؛ ولذا سمي الكذب إفكا لأنه قلب للكلام وصرف له عن حقيقته الواقعة إلى الكذب والباطل، ومن أجل هذا سميت قرى قوم لوط :( المؤتفكات )، سماها الله :( المؤتفكات ) وسماها :( المؤتفكة ) في قوله : والمؤتفكة أهوى ٥٣ [ النجم : آية ٥٣ ] وإنما سماها :( مؤتفكة ) لأن جبريل عليه السلام أفكها بإذن الله. أي : قلبها، ومعنى أفكه لها هو قلبها وجعل عاليها سافلها كما صرح الله به في قوله : فجعنا عليها سافلها [ الحجر : آية ٧٤ ] وما جعل عاليه سافله فقد أفك، أي : قلب حتى صار أعلاه أسفله. هذا أصل الإفك. ومعنى :( يأفكون ) يختلقون ويكذبون ويفترون من أن هذه العصي والحبال أنها حيات حقيقية مثل العصا التي عند موسى. سماه إفكا لأنه قلب [ لحقيقة الأمر ] ( في هذا الموضع كلام غير واضح، وما بين المعقوفين [ ] زيادة يتم بها الكلام. ) صرف له عن حقيقته الصحيحة إلى الكذب والافتراء.
ومعنى الآية الكريمة : ان سحرة فرعون لما جاؤوا بذلك السحر العظيم أوحي الله إلى نبيه موسى أن يلقي عصاه ؛ ولذا قال : وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك وصيغة الجمع للتعظيم ؛ يعني : فألفى عصاه بأمر من الله فإذا هي فاجأ ذلك من العصا، إذا هي تلقف أي : تبتلع جميع ما يأفكون. فلما ألقاها موسى من يده، وانقلبت إلى ذلك الثعبان العظيم، وجاءت بسرعة وقوة هائلة وعناد هائل، قال ابن زيد : كانت مناظرة موسى وسحرة فرعون في الإسكندرية من مصر، وكان ذنب العصا لما انقلبت حية وراء البحر كما يزعمون والله أعلم.
وعلى كل حال فقد صرح الله بأنها ابتلعت جميع ما في الميدان من الحبال والعصي. يقولون : انقلبت إلى ذلك الثعبان العظيم، وجاءت تبتلع ذلك الموجود حبلا حبلا، عصا عصا، تلتقم ذلك وتبتلعه ولا يظهر في ضخم جثتها ولا يزيد فيها حتى تركت الميدان ليس فيه حبل وليس فيه عصا ! !
ويقول المؤرخون والمفسرون : إن الخلق خافوا خوفا شديدا، وأنه مات منهم عدد من الآلاف كثير من شدة الزحام هربا من خلقها ! ! ويزعمون أن فرعون كان في مجلس له هو وقومه ينظر، وأنه داخله خوف شديد حتى قال بعضهم : إنه سلح ثلاثمائة سلحة ! !
وقال بعضهم : كان لا يأتي الغائط في أربعين يوما إلا مرة واحدة وفي ذلك اليوم وقع منه ذلك أربعون مرة كما يقولون ! ! والله أعلم.
وعلى كل حال لما ألقى موسى العصا واستحالت إلى هذا الثعبان العظيم والتقمت جميع ما كانوا يكدسونه من الحبال والعصي ولم يبق فيهم شيء وجاء موسى وأخذها بيده فإذا هي عصاه، ولم يوجد أثر ولا عين لتلك الحبال والعصي، عرف السحرة أن هذا أمر من خالق السموات والأرض فخروا ساجدين لله بإيمان صحيح، وإخلاص عظيم رغم فرعون، وقالوا : آمنا بالله رب العالمين، رب موسى وهارون، وداخلتهم بشاشة الإيمان مداخلة هائلة عظيمة، فعبر الله عن شدة عظم البرهان بقوله : وألقي السحرة ساجدين ١٢٠ [ الأعراف : آية ١٢٠ ] عبر بقوله : وألقي كأن إنسانا أمسكهم وألقاهم ساجدين بالقوة لقوة البرهان الذي رأوا به الحق، ومن هنا تعلم أنه قد يكون الشيء الخسيس الحقير وفيه بعض النفع كما قالوا :
(... ) ( في هذا الموضع كلام غير واضح ) لأن علم السحر -قبحه الله- من أخس العلوم وأقبحها، وقد صرح الله ( جل وعلا ) في المحكم المنزل في سورة البقرة أن تعلمه يضر ولا ينفع، فهو ضرر محض لا نفع فيه كما قال تعالى : ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولكن الله قد نفع هؤلاء القوم بهذا العلم الخسيس الخبيث، فتبين أن قوله : ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم [ البقرة : آية ١٠٢ ] من جميع الحيثيات غير هذه الحيثية وهو انتفاعهم به أنهم كانوا عالمين بالسحر عارفين بحدوده التي ينتهي إليها، فلما جاءت العصا والتقمت جميع الحبال والعصي ولم يجدوا حبلا ولا عصا عرفوا أن هذه من الله ؛ لأنهم يعرفون السحر ويعرفون مدى تأثيره، فمعرفتهم بالسحر كانت نفعا لهم بأن عرفوا أن العصا ليست من جنس السحر، فلو كانوا جاهلين بالسحر لظنوا أن عصا موسى من جنس السحر والشعوذة، وهم لما عرفوا السحر تماما عرفوا أن البرهان خارج عن طور السحر، وأنه لا يدخل فيه، وأنه أمر إلهي ؛ ولذا ذكر عنهم قالوا : لو كانت العصا من جنس السحر لوجدنا حبالنا وعصينا، فما انعدمت حبالنا وعصينا من أصلها إلا ببرهان من السماء. قيل : وقد قالوا لفرعون : إن كان هذا من سحر أهل الأرض فثق بأنا نغلبه، والذي لا طاقة لنا به هو شيء يأتي من السماء، فإن كان عنده شيء يأتي من السماء فلا طاقة لنا به، فلما كان من أمر العصا ما كان علموا أنه من السماء وأنه من أمر الله فآمنوا هذا الإيمان العظيم ؛ ولذا قال الله عنهم : وألقي السحرة ساجدين ١٢٠ [ الأعراف : آية ١٢٠ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير