الإيضاح :( ٥ ) إنه قال ها هنا فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم : فزيد منهم على مثله في سورة البقرة.
ومعنى تبديلهم قولا غير الذي قيل لهم : أنهم عصوا بالقول والفعل وخالفوا الأمر مخالفة تامة لا تحتمل اجتهادا ولا تأويلا فلم يراعوا ظاهر مدلول اللفظ ولا الفحوى والمقصود منه، حتى كأن المطلوب منه غير الذي قيل لهم.
وما روي في الإسرائيليات من هذا التبديل من الألفاظ العبرانية أو العربية فلا ثقة به، وإن خرج بعضه في الصحيح والسنن موقوفا ومرفوعا كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قيل لبني إسرائيل : وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة [ البقرة : ٥٨ ] فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا : حطة حبة في شعيرة، إذ هو مروي من طريق همام بن منبه أخي وهب صاحبا الغرائب في الإسرائيليات، وأبو هريرة لم يصرح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنه سمعه من كعب الأحبار إذ ثبت أنه روي عنه.
( ٦ ) إنه قال هنا : فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون وقال هناك فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون [ البقرة : ٥٩ ] فالاختلاف بين الإنزال والإرسال وهو خلاف لفظي، وبين عليهم وعلى الذين ظلموا، وبين يظلمون ويفسقون، وفائدته : بيان أنهم كانوا يجمعون بين الظلم الذي هو نقص للحق أو إيذاء للنفس أو للغير، والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة، والرجز كما تقدم : العذاب الذي تضطرب له القلوب أو يضطرب له الناس في شؤونهم ومعايشهم.
والعبرة من هذا القصص أن نعلم أن الله يعاقب الأمم على ذنوبها في الدنيا قبل أن يعذبها في الآخرة، وأن نبتعد بقدر الطاقة عن الظلم والفسق، فقد عاقب الله بني إسرائيل بظلمهم ولم يحل دون عقابه ما كان لهم من فضائل ومزايا ككثرة الأنبياء فيهم وتفضيلهم على العالمين كما تقدم.
تفسير المراغي
المراغي