وقوله : فبدل الذين ظلموا [ الأعراف : آية ١٦٢ ] لم يقل : فبدلوا. وعدل عن الضمير إلى الظاهر ليسجل عليهم ظلمهم وينيط ما نزل عليهم باسم الظلم الذي ارتكبوا. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن الظلم في لغة العرب التي نزل بها هذا القرآن العظيم هو وضع الشيء في غير محله، فكل من وضع شيئا في غير موضعه فقد ظلم في لغة العرب، وهذا معروف في كلامهم، ومنه قالوا للذي يضرب لبنه قبل أن يروب قالوا : هو ظالم ؛ لأنه وضع ضرب اللبن في غير موضعه ؛ لأن ضربه قبل أن يروب قالوا : هو ظالم ؛ لأنه وضع ضرب اللبن في غير موضعه ؛ لأن ضربه قبل أن يروب يفسد زبده فهو ظلم ؛ لأنه وضع للضرب في غير موضعه، وفي لغز الحريري في مقاماته :( هل يجوز أن يكون الحاكم ظالما ؟ قال : نعم إذا كان عالما ) يجوز أن الحاكم إذا كان يضرب لبنه قبل أن يروب لا مانع من توليته إذا كان من أهل العلم. وهذا معنى مطروق في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
| وقائلة ظلمت لكم سقائي | وهل يخفى على العكد الظليم |
( ظلمت لكم سقائي ) أي : ضربته لكم قبل أن يروب. والعكد : عصب اللسان، لا يخفى عليه اللبن المضروب قبل أن يروب من غيره. ونظيره قول الآخر :
| وصاحب صدق لم تردني شكاته | ظلمت وفي ظلمتي له عامدا أجر |
يعني سقاءه ضربه قبل أن يروب. ومن هذا المعنى قيل للأرض التي حفر فيها وليست محلا للحفر مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان :
| إلا الأواري لأيا ما أبينها | والنؤي كالحوض في المظلومة الجلد |
وقالوا لتراب القبر : ظليم. فعيل بمعنى مفعول ؛ لأنه مظلوم ؛ لأن القبر يحفر غالبا في محل ليس محتاجا للحفر سابقا، ومنه قول الشاعر يصف رجلا مقبورا :
| فأصبح في غبراء بعد إشاحة | من العيش مردود عليها ظليمها |
هذا معروف في كلام العرب، وإذا عرفتم أن الظلم في لغة العرب معناه : وضع الشيء في غير موضعه فاعلموا أن أعظم أنواع وضع الشيء في غير موضعه : وضع العبادة في غير من خلق، فمن أكل رزق الله الذي خلقه ورزقه وعبد غيره فقد وضع العبادة في غير موضعها فهو ظالم ولذا كثر في القرآن إطلاق الظلم على الشرك بالله، كما قال تعالى :
والكافرون هم الظالمون [ البقرة : آية ٢٥٤ ] وقال تعالى :
إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : آية ١٣ ] وقال تعالى :
ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ١٠٦ [ يونس : آية ١٠٦ ] وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله تعالى :
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [ الأنعام : آية ٨٢ ] قال : بشرك. ثم تلا قوله تعالى عن لقمان الحكيم :
يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : آية ١٣ ] فوضع العبادة في غير من خلق هو أكبر أنواع الظلم. وكذلك وضع الطاعة في غير موضعها، كالذين يعصون الله ويطيعون الشيطان وذريته فقد وضعوا الطاعة في غير موضعها حيث أطاعوا عدوهم إبليس
أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا [ الكهف : آية ٥٠ ]. وقد عصوا الله فوضعوا المعصية في غير موضعها، والطاعة في غير موضعها. ومن هنا كان الظلم ظلمان : ظلم بالكفر المخرج عن الإسلام، وظلم دون ظلم، وهو ظلم النفس بارتكاب المعاصي ؛ لأن كلا منهما وضع الشيء في غير موضعه، وقد جاء في موضع واحد من القرآن في سورة الكهف وضع الظلم بمعنى النقصان، وهو قوله تعالى :
كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا [ الكهف : آية ٣٣ ] يعني : ولم تنقص منه شيئا كما سيأتي. وهذا معنى قوله :
فبدل الذين ظلموا [ الأعراف : آية ١٦٢ ] يعني وضعوا الأمر في غير موضعه حيث قابلوا نعم الله بالعصيان، وعصوا الله، وأطاعوا إبليس. بدل الذين ظلموا بالقول الذي قيل لهم وهو ( حطة ) بدلوه قولا غير الذي قيل لهم فقالوا : حبة في شعرة، أو حنطة في شعيرة، أو غير ذلك من الألفاظ. وقد قدمنا أن كون الذي قالوه ( حبة في شعرة ) ثابت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة.
وقوله :
فأرسلنا عليهم هو معنى :
فأنزلنا [ البقرة : آية ٥٩ ] عليهم في سورة البقرة.
رجزا من السماء الرجز بكسر الراء : العذاب. قال المفسرون : هو طاعون أنزله الله فأهلك منهم سبعين ألفا في مدة قليلة.
وقوله :
بما كانوا يظلمون [ الأعراف : آية ١٦٢ ] الباء سببية و( ما ) مصدرية. أي : بسبب كونهم ظالمين واضعين الأمر في غير موضعه حيث يعصون الله ويطيعون الشيطان، ويقابلون النعم بالمعاصي. وهذا معنى قوله :
فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون [ الأعراف : آية ١٦٢ ].