ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

ويقول الحق بعد ذلك : يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ٣٥ ) .
هنا ينادي الحق أبناء آدم، بعد أن ذكرهم أنه أحل لهم الطيبات والزينة وحرم عليهم المسائل الخمسة من الفاحشة والمنكر والبغي والإثم والشرك، ووضع لهم نظاما يضمن سلامة المجتمع، وطمأنهم بأنه منتقم من أي أمة ظالمة بأن جعل للظلم نهاية وأجلا. فعليكم يا بني آدم أن تأخذوا أمور حياتكم في إطار هذه المقدمات.
يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي.. ٣٥ [ سورة الأعراف ] : عليكم أن تستقبلوا رسل الله استقبال الملهوف المستشرف المتطلع إلى ما يحميه وإلى ما ينفعه ؛ لأن الرسول هو من يعلن لكل واحد منكم ما أحله الله من طيبات الحياة وملاذها، ويبين لكم ما حرم الله ليحيا المجتمع سليما.
كان المظنون أن ساعة يأتي الرسول نجد المجتمع يحرض على ملازمته وعلى تلقي البلاغ منه، لا أن يظل الرسول يدعو باللين بينما المجتمع يتأبى عليه. لكم من رحمة الله أن يتأبى المجتمع ويلح الرسول مبينا آيات الله وبيناته كي يأخذ كل إنسان ما يساعده على أمر حياته ويهتدي إلى الصراط المستقيم، وأنت إذا ما أصبت في عافيتك تلح على الطبيب وتبحث عنه، فكان مقتضى العقل أنه إذا جاء رسول ليبلغنا منهج الله في إدارة حركة الحياة أن نتشوق إليه ونتطلع، لا أن نعاديه، وعادة ما يسعد بالرسول أهل الفطرة السليمة بمجرد أن يقول الرسول : أنه رسول ومعه آية صدقه. ويقيس أهل الفطرة السليمة قول الرسول بماضيه معهم، فيعلمون أنه مخلص لم يرتكب الإثم، وهذه فائدة قوله الحق : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( ١٢٨ ) [ سورة التوبة ] : فلم يأت لكم إنسان لا تعرفونه بل لكم معه تاريخ واضح وجلي، لذلك نجد الذين آمنوا برسول الله أول الأمر لم ينتظروا إلى أن يتلو عليهم القرآن، لكنهم آمنوا به بسوابق معرفتهم له ؛ لأنهم عايشوه، وعرفوا كل تفاصيل أخلاقه. ومثال ذلك : عندما أخبر محمد صلى الله عليه وسلم سيدتنا خديجة رضوان الله عليها بنبأ رسالته وأسرّ لها بخوفه من أن يكون ما نزل إليه هو من أمور الجن أو مسها، أسرعت إلى ورقة بن نوفل ؛ لأنه عنده علم بكتاب، وقبل ذلك قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنك لتصل الرحم وتحمل الكَلّ وتعين على نوائب الحق وتكسب المعدوم ". وكل هذه المقدمات تدل على أنك يا رسول الله في حفظ الله ورعايته ؛ لأنك كنت مستقيم السلوك قبل أن تنبّأ، وقبل أن توجد كرسول من الله. وهل معقول أن من يترك الكذب على الناس يكذب على الله ؟ ! وكذلك نجد سيدنا أبا بكر الصديق بمجرد ما أن قال رسول الله : أنا رسول، قال له : صدقت. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صدق الفطرة، وهذه هي فائدة رسول من أنفسكم أو من جنسكم البشري حتى نجد فيه الأسوة الحسنة. ولو جاء لنا رسول من الملائكة وقال لنا : هذا هو المنهج ولكم أسوة بي، كنا سنرد عليه الرد المقنع السهل اليسير : وهل نقدر أن نفعل مثلك وأنت ملَك مفطور على الخير ؟.
لكن حين يأتينا رسول من جنسنا البشري، وهو صالح أن يصدر منه الخير، وصالح أن يصدر منه الشر فهو الأسوة الموجودة، ولذلك كان من غباء الكافرين أن قالوا ما جاء به القرآن على ألسنتهم : وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ( ٩٤ ) ( سورة الإسراء ) : إنه الغباء وقصر النظر والغضب ؛ لأن الله بعث محمدا وهو من البشر، فهل كانوا يريدون ملَكَا ؟ ولو كان ملكا فكيف تكون به الأسوة وطبعه مختلف عن طبائع البشر ؟. ولذلك يرد الحق الرد المنطقي : قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ( ٩٥ ) : وذلك حتى تتحقق لنا الأسوة فيه ؛ فسبحانه لم يقتحم وجودكم التكلفي، ولم يُدخلكم في أمر يشتد ويشق عليكم لكنه جاء لكم بواحد منكم تعرفون تاريخه. ولم يأت به من جنس آخر.
يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي.. [ من الآية ٣٥سورة الأعراف ]. وانظر قوله : يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي ، لقد جاء بكلمة " يقصّون " لأن القصص مأخوذة من مادة " القاف " و " الصاد المضعّفة " ؛ وهذا مأخوذ من " قصّ الأثر "، وكان الرجل إذا ما سرقت جماله أو أغنامه يسير ليرى أثر الأقدام. إذن يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي أي أنهم ملتزمون بما جاء لهم، لا ينحرفون عنه كما لا تنحرفون أنتم عن قص الأثر حين تريدون المؤثّر في الأثر.
فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [ من الآية ٣٥سورة الأعراف ] : و " التقوى " هو أن تجعل بينك وبين شيء يضرك وقاية. ولذلك يقول الحق، اتقوا النار ، لنرد عن أنفسنا بالعمل الصالح لهيب النار. وإذا قيل : اتقوا الله أي اتقوا متعلقات صفات الجبروت من الله ؛ لأنكم لن تستطيعوا تحمل جبروت ربنا، وعليكم أن تلتزموا بفعل الأوامر وتلتزموا أيضا بترك النواهي. والأمر بالتقوى هنا يعني ألا ننكر ونجحد رسالات الرسل ؛ لأنهم إنما جاءوا لإنقاذ البشر، فالمجتمع حين يمرض، عليه أن يسرع ويبادر إلى الطبيب القادم بمنهج الله ليرعاه، وهو الرسول ؛ لذلك لا يصح الجحود برسالة عليها دليل ومعجزة.
فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ : و " أصلح " تدل على أن هناك شيئا غير صالح فجعله صالحا، أو حافظ على صلاح الصالح ورقّى صلاحه إلى أعلى، مثل وجود بئر نشرب منه، فإن كانت البئر تؤدي مهمتها لا نردمها، ولا نلقي فيها قاذورات، وبذلك يبقى الصالح على صلاحه، ويمكن أن نزيد من صلاح البئر بأن نبني حول فوهتها سورا، أو أن نقوم بتركيب مضخة تمتص الماء من البئر لضخه إلى البيوت. وبذلك نزيد الصالح صلاحا، والآفة في الدنيا هم الذين يدعون الإصلاح بينما هم مفسدون، يقول الله فيهم : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ( ١٠٣ ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ( ١٠٤ ) ( سورة الكهف ) : إذن فحين تقدم على أي عمل لابد أن تعرف مقدمات هذا العمل، وماذا ستعطيه تلك المقدمات، وماذا سوف تأخذ منه. وأبق الصالح في الكون على صلاحه أو زده إصلاحا، وهنا لا خوف عليك ولن تحزن على شيء فاتك ليتحقق قول الحق : لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ ( من الآية ٢٣ سورة الحديد ) : وما المقابل لمن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ؛ أي هؤلاء اللذين أصلحوا واتقوا ؟ المقابل هو ما يأتي في قوله الحق : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٣٦ ) .

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير