ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ

ثم بين ( جل وعلا ) أن أصحاب الأعراف ينادون رجالا من أهل النار ويوبخونهم، وظاهر القرآن أنهم يعرفونهم في الدنيا، ويعرفونهم في النار بسيماهم فينادونهم ويوبخونهم [ ونادى أصحاب الأعراف رجالا ]( الأعراف : آية ٤٨ ) يعني من أهل النار :[ يعرفونهم بسيماهم ]( الأعراف : آية ٤٨ ) وبخوهم وقالوا لهم :[ ما أغنى عنكم جمعكم ]( الأعراف : آية ٤٨ ) ماذا نفعكم به ؟. العرب تقول : أغنى عنه الشيء يغني. إذا نفعه. والاسم من هذا يسمى ( غناء ) لأن العرب تسمى النفع ( غناء ) وتسمي المطرب الخبيث ( غناء ) وتسمي الإقامة ( غنى ). فالمادة موجودة منها خمس لغات، وهي :( الغناء ) بالكسر والمد، و( الغناء ) بالفتح والمد، و( الغنى ) بالكسر والقصر، و( الغنى ) بالفتح والقصر، و( الغنى ) بالضم والقصر، كلها موجودة في اللغة، ولم يوجد منها ( الغناء ) بالضم فالمد، هذا ليس بموجود في العربية.
أما ( الغنى ) بالكسر والقصر فهو ضد الفقر. وأما ( الغناء ) بالكسر والمد فالمراد به المطرب قبحه الله. وأما ( الغناء ) بالفتح والمد كسحاب فهو النفع، ومنه قول الشاعر :
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا *** قول الأحبة : لا تبعد وقد بعدا
وقول هبيرة بن أبي وهب على إحدى روايتي بيته :

لعمرك ما وليت ظهري محمدا وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل
ولكنني قلبت أمري فلم أجد لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلي
أي : نفعا. ويروى ( مساغا ) فالغناء : النفع. ومن الغناء بمعنى النفع قولهم : فلان لا يغني شيئا. أي : لا ينفع بشيء. و[ ما أغنى عنكم جمعكم ] أي : ما نفعكم بشيء. هذا من هذه المادة. اما ( الغنى ) بالضم والقصر فهو جمع غنية، والغنية ما يقتنيه الإنسان فيستغني به عن الناس. وأما ( الغنى ) بالفتح والقصر فهو مصدر غني بالمكان يغنى به غنى على القياس إذا أقام به. ومنه قوله :[ كأن لم تغن بالأمس ]( يونس : آية ٢٤ ) أي : كأن لم تقم بالأمس. هذا معنى هذه المادة وتصاريفها في لغة العرب. والمعنى :[ ما أغنى عنكم جمعكم ] ما نفعكم بشيء، ولا دفع عنكم شيئا. وقوله :[ جمعكم ] هو ما كنتم تجمعون في دار الدنيا من الأموال، وما كنتم تتخذونه من الجمع المؤيد من الأولاد والأعوان، كل ما كنتم تجمعونه في الدنيا من الأموال، وتتخذون من الأعوان والأولاد، كل ذلك لم يغن عنكم شيئا، ولم ينفعكم بشيء، ولم يدفع عنكم شيئا إذ أنتم في دركات النار والعياذ بالله.
[ وما كنتم تستكبرون ]( ما ) مصدرية. أي : ولم يغن عنكم كونكم مستكبرين في الدنيا متكبرين متعاظمين، لم يغن عنكم ذلك الاستكبار والتعاظم شيئا ؛ لأنكم صرتم إلى دركات النار. وبعض المفسرين يزعم أنهم ينادون الرؤساء بأسمائهم فيقولون : يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن حلف، يا فلان بن فلان، يا عتبة بن ربيعة، يا فلان بن فلان [ ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ] توبيخا وتقريعا لهم والعياذ بالله.
وظاهر القرآن أن هذا التوبيخ والتقريع من أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين هم من النار، وأصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة وأهل النار، ولا مانع من أن الله يطلع من في الجنة على من في النار كما سيأتي في قوله :[ أن أفيضوا علينا من الماء ]( الأعراف : آية ٥٠ ) وستأتي قصة الرجل في سورة الصافات ؛ لأن الله ذكر في الصافات قصة رجل واجملها، والمفسرون يبسطونها ويشرحونها، إلا أن شرحهم لها وبسطها من القصص الإسرائيلية التي لا يعول عليها، إلا أن القرآن جاء بقدر منها كاف. زعموا أنه كان رجلان في دار الدنيا شريكين ولهما مال عظيم، فاقتسما المال، وكان أحدهما مسلما والآخر كافرا، فكان المسلم يقول للكافر : يا أخي تصدق من مالك واتق الله، وذلك يقول له : انت مفقود العقل كيف نحيا بعد الموت ؟ هذا أمر لا يكون وأنت لا عقل لك ! ! ثم إن الكافر اشترى بساتين جميلة، ثم سأل ذلك عن الثمن فقيل : اشتراها بكذا، فقال : اللهم إن فلانا اشترى كذا وكذا من البساتين بكذا وكذا من المال، اللهم إني أشتري إليك من بساتين الجنة بمثل ما اشترى، ثم أخذ قدر الثمن وتصدق به. ثم إن الكافر تزوج امرأة جميلة بارعة في الجمال، وبذل لها مهرا عظيما. فقال المؤمن : اللهم إن فلانا تزوج فلانة، وبذل لها من المال كذا، اللهم إني أخطب إليك بقدر ذلك المال من الحور العين، ثم تصدق به على الفقراء. وهكذا إلى أن نفد ما عنده. فجاء لصاحبه الكافر يريد أن يعمل أجيرا عنده فطرده ومنعه، وكان يراوده على الرجوع إلى الكفر، فدخل ذلك المؤمن الجنة وذلك الكافر النار، فبعض الأوقات كان ذلك المؤمن يتحدث مع إخوانه في نعيم الجنة، فأخبرهم أنه كان له صاحب في دار الدنيا من أمره كيت وكيت، وقال لهم : انظروا معي في النار لنعلم ما صار إليه، وننظر ماذا كان مصيره. فقالوا له : لا حاجة لنا فيه، ولا معرفة لنا به، وأنت إن شئت فانظر. فنظر في النار فرآه يتقلب في دركات الجحيم، وهذا الذي ذكرنا الآن تفاصيله إسرائيليات تحكى ولا يعول عليها. والصحيح الثابت هو ما نص عليه القرآن في سورة الصافات، وهو قوله :[ وعندهم قاصرات الطرف عين ( ٤٧ ) كأنهن بيض مكنون( ٤٩ ) فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ( ٥٠ ) قال قائل منهم إني كان لي قرين( ٥١ ) ] يعني في دار الدنيا [ يقول أءنك لمن المصدقين( ٥٢ ) ]وفي القراءة الأخرى :[ يقول أنك لمن المصدقين( ٥٢ ) ][ لمن المصدقين ] [ أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون( ٥٣ ) قال هل أنتم مطلعون( ٥٤ ) ]أي : مطلعون معي لننظر مصيره [ فاطلع ] أي : فاطلع هو، أي : صاحبه المؤمن من الجنة إلى النار [ فرءاه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين( ٥٦ ) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين( ٥٧ ) ]( الصافات : الآيات ٤٧-٥٧ ). وقصة هذا الرجل التي ذكرناها استطرادا تدل على المباعدة من قرين السوء ؛ لأن هذا الرجل المؤمن الكريم حلف بالله وهو في الجنة ان قرينه قرين السوء كاد أن يهلكه ويلقيه في النار حيث قال :[ تالله إن كدت لتردين ( ٥٦ ) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين( ٥٧ ) ] أي : معك في النار ؛ ولذا قال جل وعلا :[ ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون( ٤٨ )

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير