[ وإلى عاد أخاهم هودا ] هذا معطوف على قوله :[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ]( الأعراف : آية ٥٩ ) وتقرير المعنى : والله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه، وقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا.
وهذه الأمم يقص الله خبرها على هذه الأمة لتستفيد من ذلك فوائد عظيمة[ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ]( يوسف : آية ١١١ ) فيخاف المكذبون للرسل، الجاحدون بآيات الله ان ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك من المثلات، ومن عذاب الله المستأصل المتصل بعذاب النار، وكذلك يعلم الناس الآداب، وآداب الدعاة إلى الله في لينهم وعطفهم، ولين كلامهم، وكرم مخاطبتهم، وعدم بذاءتهم وكلامهم بكلام الجاهلين ؛ هذا نبي الله نوح لما قالوا له :[ إنا لنراك في ضلال مبين ]( الأعراف : آية ٦٠ ) هو يعلم أنهم هم الضالون، وانه هو المهتدي، والذي يعيبك ويلزمك بعيب أنت تعلم انه فيه هو، وانك أنت بري منه هذا مما يستدعي الغضب، والكلام الشديد، والرد العنيف، فنبي الله نوح لم يقل لهم شيئا من ذلك، ولم يرد عليهم ردا عنيفا، وإنما رد بأكرم العبارة، وألطف الرد، فقال :[ يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين ]( الأعراف : آية ٦١ ) فلم يقل : انتم هم الكفرة الفجرة الضلال، ولم يقذع فيهم بلسانه، بل بالعبارات اللطيفة اللينة، وهذا تعليم من الله أن الداعي المتبع لآثار الرسل إذا قابله الجهلة ببذاءة اللسان وعابوه وتكلموا له بالقبيح أنه لا يقابلهم إلا بالقول اللين اللطيف، والحكمة والموعظة الحسنة، كما هي عادة الرسل في خطاباتهم لأممهم.
وقوله :[ وإلى عاد أخاهم هودا ]( الأعراف : آية ٦٥ ) والله لقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. عاد قبيلة عظيمة، والمؤرخون يقولون : إن عاد بن إرم بن عوص، وهو من ذرية سام بن نوح بلا خلاف بين المؤرخين. ويزعمون أن قبيلة عاد كانوا أعظم الناس أجساما. يزعم أهل القصص والأخبار أن أقصرهم قامته ستون ذراعا، وان الواحد منهم يكون مئة ذراع. وعلى كل حال فهم من أشد الناس قوة كما قال الله عنهم :[ وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ]( فصلت : آية ٢٥ ) وهم قبيلة إرم المذكورة في القرآن ؛ لأن عاد بن إرم، وقيل : ابن عوص بن إرم. فهو من أولاد إرم. و( إرم ) اسم رجل تسمى به القبيلة، وعاد من ذريته ؛ ولذا قال :[ ألم تر كيف فعل ربك بعاد( ٦ ) ] ثم أبدل منها فقال :[ إرم ذات العماد( ٧ ) التي لم يخلق مثلها في البلاد( ٨ ) ]( الفجر : الآيات٦-٨ ) قوله :[ لم يخلق مثلها في البلاد ] يدل على عظمة أبدانهم وشدة طولهم وبدانتهم وقوتهم كما هو معروف. أرسل الله إلى هذه القبيلة العاتية الشديدة القوى والبطش أرسل إليهم أخاهم هودا-عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- وكان نبي الله هود عربي اللسان، وإنما منع من الصرف قال بعضهم : لأنه عربي، والعجمي إذا كان علما على ثلاثة حروف وسطها ساكن يكون مصروفا كما هو معروف، كما صرف نوح ولوط وهما علمان أعجميان كما هو معروف.
ويزعمون ان هود بن عبد الله بن رباح من ذرية إرم من سام بن نوح. هو من نفس القبيلة، كما قال :[ أخاهم هودا ]( الأعراف : آية ٦٥ ) خلافا لمن زعم أن أصله ليس منهم، وان ( أخاهم ) صاحبهم. والتحقيق انه منهم، وانه أخوهم ومن قبيلتهم كما يأتي في قوله :[ أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ]( الأعراف : آية ٦٥ ) فبين انه منهم ؛ ولذا قال هنا :[ أخاهم هودا ] بعث الله إليهم نبيه هودا. وصرح الله في سورة الأحقاف بأن منازلهم في الأحقاف، والأحقاف جمع الحقف، والحقف حبل الرمل. وهم يزعمون أنها حبال الرمل التي في أطراف اليمن أو حضرموت، كانوا إلى تلك الجهة كما يأتي في قوله :[ إذ انذر قومه بالأحقاف ]( الحقاف : آية ٢١ ) والأحقاف جمع الحقف، والحقف : هو الحبل الممتد العالي من الرمل، فهم في رمال هناك، كانت منازلهم في رمال تتخللها أودية في نواحي اليمن أو حضرموت، كما يأتي في سورة الأحقاف.
[ وإلى عاد أخاهم هودا ] ماذا قال هود ؟ قال دعوة الرسل التي جاؤوا بها كلهم وهي عبادة الله وحده، فهم متفقون على وتيرة واحدة وهي الدعاء إلى أن يعبد الله وحده، ويخلص له في توحيده، فهذه دعوة الرسل التي جاؤوا بها عامة، وهي التي فيها المعارك بينهم وبين أممهم، والقرآن بين ذلك جملة وتفصيلا، أما بيانه بالتفصيل كقوله :[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ] ماذا قال نوح ؟ [ قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : آية ٥٩ )[ وإلى عاد أخاهم هودا[ ماذا قال هود ؟ [ قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : آية ٦٥ ) [ وإلى ثمود أخاهم صالحا ]ماذا قال صالح ؟ [ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : آية ٧٣ ) وهكذا في جميع الرسل. ومن الأدلة العامة المبينة لذلك : قوله تعالى :[ ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ]( النحل : آية ٣٦ ) [ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحي إليه ]( الأنبياء : آية ٢٥ ) وفي القراءة الأخرى :[ نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ][ وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون( ٤٥ ) ]( الزخرف : آية ٤٥ ) فإخلاص العبادة لخالق السماوات والأرض هو دعوة الرسل التي جاؤوا بها كلهم عليهم صلوات الله وسلامه ؛ ولذا أمر نبينا صلى الله عليه وسلم في سورة الأنبياء أن يقول : إنه لم يوح إليه شيء إلا عبادة الله وحده، وإفراده بالعبادة في قوله :[ قل إنما يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد ]( الأنبياء : آية ١٠٨ ) و( إنما ) من صيغ الحصر كما هو مقرر في المعاني في مبحث القصر، وفي الأصول في مبحث العام ؛ لأن كلمة ( لا إله إلا الله ) هي التي قامت عليها السماوات والأرض، وهي المتضمنة توحيد العبادة بنفيها وإثباتها، فنفيها يتضمن : خلع جميع أنواع المعبودات غير الله في جميع العبادات، وإثباتها يتضمن : إفراده-جل وعلا- بالعبادة دون غيره، وهذا معنى قولهم :( لا إله ) نفي ( إلا الله ) إثبات. وهذه الكلمة الشريفة التي قامت عليها السماوات والأرض، وخلقت من اجلها الجنة والنار، وهي التي جاء بها جميع الرسل-صلوات الله وسلامه عليهم- ولذا قال :[ وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ]( الأعراف : الآية ٦٥ ) قد بينا معنى هذه الجملة والقراءات فيها في قضية نوح، ومعنى الكلمتين واحد لا فرق بينهما. [ ما لكم من إله غيره ] إلا أن نوحا قال لقومه :[ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ]( الأعراف : آية ٥٩ ) وهودا قال لقومه :[ أفلا تتقون ]الأعراف : آية ٦٥ ) يعني : أتكفرون بالله فلا تتقونه، فلا تتخذون بينكم وبينه وقاية تقيكم من سخطه وعذابه، هي امتثال أمره واجتناب نهيه. وكان رد الكفار متشابها لتشابه قلوبهم في الكفر، كما قال تعالى :[ تشابهت قلوبهم ]( البقرة : آية ١١٨ ) فقوم نوح قالوا له :[ إنا لنراك في ضلال ]( الأعراف : آية ٦٠ ) وقوم هود قالوا له :[ إنا لنراك في سفاهة ]( الأعراف : آية٦٦ )
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير