لما نصح نبي الله هود قومه هذا النصح الكريم، وذكرهم بآلاء الله ونعمه، وأشار لهم إلى أن الله أهلك من كان قبلهم لما عصوا وتمردوا، وكان قد خوفهم قبل هذا وهددهم بأنهم إن لم يؤمنوا بالله أهلكهم الله وعذبهم، قالوا له هذا الجواب الخبيث الذي هو في غاية الخبث وبذاءة اللسان والعتو والتمرد على الله[ قالوا ] أي : قال : قوم هود لهود :[ أجئتنا[ يا هود بهذه الدعوى التي جئت بها، والدين الذي تزعم وتدعو إليه لتصرفنا عن آلهتنا التي كنا نعبدها [ لنعبد الله وحده ] نعبد إلها واحدا لا نشرك به شيئا آخر من الآلهة [ ونذر ] أي : ونترك [ ما كان يعبد آباؤنا ] من الآلهة. فقوله :[ ونذر ] معناه : نترك. وهذا الفعل لا يوجد منه في العربية إلا مضارعه وأمره، تقول :" يذر الأمر " بمعنى : يتركه، و( ذر ) بمعنى : اترك. ولا يستعمل منه في العربية إلا الأمر والمضارع، فماضيه :( ترك )، واسم فاعله :( تارك )، واسم مفعوله :( متروك )، ومصدره :( الترك ) ؛ لأنه لا يوجد منه إلا الأمر والمضارع. فمعنى [ لنعبد الله وحده ]( الأعراف : آية ٧٠ ) أي : لنفرد خالق السماوات والأرض وحده بالعبادة [ ونذر ] أي : نترك [ ما كان ] أي : عبادة ما كان يعبده آباؤنا من قبلنا من هذه الآلهة والأصنام.
وكانت عندهم أصنام يسمونها، كما دل عليه قوله :[ أتجادلونني في أسماء سميتموها ]( الأعراف : آية ٧١ ) والمؤرخون وأهل الأخبار يزعمون أن منها صنما يسمى : صداء أو ( صمدا )، وصنما يسمى :( صمودا ) وصنما يسمى :( الهباء ).
وهم يعبدون هذه الأصنام ويسمونها بهذه الأسماء.
[ أجئتنا لنعبد الله وحده ] هذا إنكار منهم، وهم ينكرون أعظم الحق وأوضح الحجج، وهي توحيد رب العالمين. [ ونذر ] أي : ونترك [ ما كان يعبد آباؤنا ] من قبلنا. ثم قالوا له :[ فأتنا بما تعدنا ] نحن لا نصدقك أبدا ولا نؤمن لك أبدا، فالعذاب الذي تهددنا به عجل به علينا، فإن كان عندك شيء أو صدق فأت بالذي تهددنا به وتخوفنا به، إن كنت صادقا في ذلك الوعيد فهات العذاب وعجله. وهذا أعظم طغيان وتمرد، كما قال كفار مكة :[ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أتنا بعذاب اليم ]( الأنفال : آية ٣٢ ) وقالوا :[ عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ]( ص : آية ١٦ ) فاستعجلوا بالعذاب واظهروا التمرد النهائي، وأنهم لا يرتدعون ولا ينكفون عن كفرهم. [ فأتنا بما تعدنا ] أي : بالذي تعدنا به من العذاب، وعذاب الله لنا في زعمك إن كنت من جملة الصادقين فهات الذي تهددنا به، تمردا على الله، وتعجيزا لرسوله، واستخفافا بدعوة نبيه- قبحهم الله-
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير