[ والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون( ٨ ) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون( ٩ ) ]( الأعراف : الآيتان٩، ٨ ).
بين الله ( جل وعلا ) في أول هذه السورة الكريمة- سورة الأعراف- أنه كتاب أنزله، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينذر بهذا الكتاب المنزل إليه، وأن لا يكون في صدره حرج، ثم أمر عامة الناس باتباع ما أنزل، ونهاهم عن اتباع غيره، ثم بين لهم أنه أهلك كثيرا من القرى لما أعرضوا عن اتباع ما أنزل واتبعوا غيره. بين في هذه الآية الكريمة أن هذا الكتاب الذي أنزل إليكم والسنة المفسرة المبينة له، التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أمركم الله بالعمل بكل ما أنزل في كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بين لكم أن المفرط والممتثل منكم ليس واحد منهما يترك فوضى سدى، بل لا بد أن يحصى على كل إنسان ما عمل من يوم تكليفه إلى يوم يموت، وأن جميع ما قدم من خير أو شر يوزن يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، فتوزن حسناته وسيئاته بميزان عدل، لا ينقص شعيرة قال :[ والوزن ] أي : وزن أعمال الإنسان مما قدم في دار الدنيا من حسنات وسيئات.
[ يومئذ ] تقرر في علم العربية أن تنوين ( يومئذ ) أنه تنوين عوض عن جملة، والجملة التي تعوض عنها نون التنوين تكون مذكورة سابقا في أول الكلام والمعنى، فنون التنوين في [ يومئذ ] عوض عن قوله :[ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين( ٦ ) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين( ٧ ) ] ( الأعراف : الآيتان ٧، ٦ ) أي : ووزن الأعمال يومئذ نسأل الذين أرسل إليهم ونسأل المرسلين. وزن أعمال الخلائق يومئذ، أي : يوم ذلك السؤال المتقدم وهو يوم القيامة.
[ الحق ] قوله :[ والوزن ] مبتدأ بلا خلاف. واختلف المعربون من علماء العربية في خبره، وقال بعضهم : خبره[ يومئذ ]، والمعنى : والوزن الحق كائن يومئذ، يوم سؤال الرسل والمرسلين. وعليه فالخبر هو الظرف الذي هو( يومئذ ) يقدر له الكون والاستقرار، والوزن كائن يومئذ، أي : يوم ذلك السؤال المذكور.
وقال بعض العلماء : خبر المبتدأ هو( الحق ) أي : والوزن في ذلك اليوم الحق. ف( الوزن ) مبتدأ و ( الحق ) خبره.
وعلى القول الأول فهو يدل على أن الذين أجازوه من علماء العربية- وهم جماعة كثيرة من علماء العربية والمفسرين- يدل على أنهم يرون أن المبتدأ إذا كان منعوتا لا تمتنع الحيلولة بينه وبين نعته بالخبر. هكذا ظاهر صنيعهم وإعرابهم، أن ( يومئذ ) خبر، و( الحق ) نعت للوزن.
وأظهر الإعرابين : أن ( الحق ) هي خبر( الوزن )، و( يومئذ ) ظرف أي : والوزن في ذلك اليوم الحق العدل.
وأصل الحق : الثابت الذي لا يضمحل. والمراد بالحق فيه أنه عدل ثابت لا جور فيه ولا حيف، فلا يزاد في سيئات مسيء ولا ينقص من حسنات محسن، فهو وزن في غاية الحق، وفي كمال العدالة والإنصاف، لا يظلم صاحبه شيئا، ولكن قد يزاد المحسن حسنات إلى حسناته :[ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ]( النساء : آية ٤٠ ) وفي القراءة الأخرى :[ وإن تك حسنة يضاعفها ].
وهذا الوزن فيه أكبر واعظ وأعظم زاجر. يعني : يا عبادي ما دمتم في دار الدنيا فانتهزوا الفرصة، ولا يضع عليكم الوقت، واعلموا أن كل ما تقدمون وما تقولون وما تفعلون من خير سيوزن بميزان عدل حق قسط على رؤوس الأشهاد، لا يخيس شعيرة، فمن ثقلت موازينه بالحسنات فهو المفلح، ومن خفت موازينه بكثرة سيئاته وقلة حسناته فلا يلومن إلا نفسه.
واعلموا أن جماهير العلماء من عامة المسلمين، سلفهم وخلفهم، على أن هذا الوزن وزن حقيقي، وانه يقع بميزان له لسان وكفتان، وتوضع السيئات في كفة، والحسنات في كفة، فيثقل الله ما شاء منهما، فإن كانت حسناته أكثر ثقلت كفة الحسنات وكثرة سيئاته. وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف. والحق إنما كان ثقيلا في الميزان يوم القيامة لأنه ثقيل على النفوس في دار الدنيا، والباطل إنما كان خفيفا في الميزان يوم القيامة لخفته على النفوس في دار الدنيا. وهذا الوزن التحقيق الذي عليه السلف أنه وزن حقيقي، بميزان حقيقي، له لسان وكفتان، ينظر إليه جميع الخلائق، توضع أعمال العبد في كفة، الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، فإن ثقلت كفة الحسنات صار إلى الجنة، وإن خفت كفة الحسنات صار إلى النار.
واختلفوا في كيفية هذا الوزن على ثلاثة أقوال لا يكذب بعضها بعضا، وقال بعض العلماء : لا مانع من أن يقع جميعها فذهب أكثر المفسرين إلى أن الموزون هو صحائف العمال ؛ لأن كل إنسان له كتاب وصحائف فيها عمله، كما قدمنا في قوله :[ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ويخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا( ١٣ ) اقرأ كتابك ]( الإسراء : الآيتان ١٤، ١٣ ) فهذا الكتاب متضمن جميع صحف عمله، وأن هذه الصحف يوضع ما كتب منها فيه الحسنات في كفة، وما كتب فيه السيئات في كفة. وعلى هذا القول الأكثر. واستدلوا له بحديث البطاقة المشهور، الذي أخرجه الترمذي وغيره وصححه بعض أهل العلم، أن رجلا يوم القيامة يجاء له بتسع وتسعين سجلا كلها مملوءة من السيئات، كل سجل منها مد البصر، ثم يقول له ربه : هل تنكر شيئا من هذا ؟ ؟ فيقول : لا. هل ظلمتك رسلي ؟ ! ! لا.. ثم يؤتى ببطاقة- والبطاقة : القطعة الصغيرة قدر الأنملة- مكتوب فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم- رسول الله، فيقول : وما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات العظيمة الكثيرة ؟ ! فيقال له : إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة الصغيرة في كفة الميزان وتلك السجلات العظيمة الهائلة في الكفة الأخرى، فطاشت تلك السجلات، وثقلت تلك البطاقة ؛ لأن اسم الله ( جل وعلا ) لا يعادله شيء. استدلوا بهذا الحديث على أن الموزون هو صحائف الأعمال لذكر وزن السجلات ووزن البطاقة التي فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
وذهبت جماعة من العلماء، ورواه غير واحد عن ابن عباس : أن الموزون نفس الأعمال، وأن الله يحول الأعمال الحسنة إلى أجرام حسنة مضيئة نيرة، والله ( جل وعلا ) قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب ما ليس بجسم أن يقلبه جسما، وقد جاء ما يدل على هذا كما جاء في حديث الترغيب في الزهراوين البقرة وآل عمران أنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صواف، وكما جاء في الحديث أن عمل الإنسان يتجسم له في صورة إنسان طيب الريح، وكذلك العمل الخبيث، وكما جاء في بعض الأحاديث أن القرآن يتمثل لصاحبه في قبره، وأمثال هذا كثيرة جدا. وعلى كل حال فالله قادر على أن يقلب الأعمال أجساما، فهو قادر على كل ما يشاء، فيجعل الأعمال الصالحة في صورة نيرة حسنة. والأعمال القبيحة في صور مظلمة قبيحة، فتوضع هذه في كفة الحسنات وهذه في كفة السيئات، فتثقل موازين بعض، وتطيش موازين آخرين والعياذ بالله.
وقال بعض أهل العلم : إن ما يوزن : أصحاب الأعمال. واستدلوا بالحديث المعروف المشهور : أن الرجل السمين- الأكول الشروب- يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. وفي مناقب عبد الله بن مسعود : أنهم لما رأوا دقة ساقيه قال لهم صلى الله عليه وسلم :" إنها في الميزان أثقل من جبل أحد ".
وما قاله ابن فورك وغيره من المتكلمين : إن وزن حقيقة الأعمال مستحيل ؛ لأن ما ليس بجسم يستحيل أن يكون جسما ! ! لا يعول عليه لأن الله قادر على كل ما يشاء، لا يتعاصى على قدرته شيء، فهو قادر على ما يشاء، وقادر على ما لم يشأ أيضا، فهو قادر على هداية أبي بكر وأبي لهب، وقد شاء أحد المقدورين وهو هداية أبي بكر، ولم يشأ مقدوره الثاني وهو هداية أبي لهب.
فهذه ثلاثة أقوال :
أحدهما : أن الموزون صحف الأعمال.
والثاني : أن الموزون الأعمال، تقلب أجسما في صورة موزونة.
الثالث : أن الموزون أصحاب الأعمال. وكان ابن جرير الطبري- كبير المفسرين- يرى أن كفة الحسنات يكون فيها نفس الشخص وحسناته، وإن الكفة الأخرى فيها سيئاته، هكذا يقوله العلماء. وعلى كل حال فالتحقيق أنه وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين.
وظاهر القرآن تعدد هذه الموازين ؛ لأنه قال في سورة الأنبياء :[ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ] وفي القراءة الأخرى :[ وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ]( الأنبياء : آية ٤٧ ) وقال في القارعة :[ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث( ٤ ) وتكون الجبال كالعهن المنفوش( ٥ ) فأما من ثقلت موازينه( ٦ ) فهو في عيشة راضية( ٧ ) وأما من خفت موازينه( ٨ ) فأمه هاويه( ٩ ) وما أدراك ما هيه( ١٠ ) نار حامية( ١١ ) ]( القارعة : الآيات ٤-١١ ) وقال في سورة ( قد أفلح المؤمنون ) :[ فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسائلون( ١٠١ ) فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون( ١٠٢ ) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون( ١٠٣ ) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون( ١٠٤ ) ]( المؤمنون : الآيات ١٠١-١٠٤ ) فهذه الآيات تعبر بالجمع في الميزان، وظاهرها التعدد.
وذهبت جماعة من العلماء إلى أن الميزان واحد، وأنه أطلق عليه اسم الجمع لكثرة ما يوزن فيه من أنواع الأعمال، وكثرة الأشخاص العاملين الموزونة أعمالهم
وعلى كل حال فكل ما قدمت أيها الإنسان في دار الدنيا سيوضع لك في كفة، وما قدمت من شر سيوضع في كفة، فإن رجح خيرك على شرك ذهبت إلى الجنة فرحا مسرورا، وإن رجح شرك على خيرك فلا تلومن إلا نفسك. وربنا( جل وعلا ) يذكرنا بهذا ويعظنا به في دار الدنيا، في وقت إمكان الفرصة ؛ لئلا تضيع علينا الفرصة، فعلينا أن نكثر من الحسنات، ونجانب السيئات ؛ ليكون ما في موازيننا يثقل عند الله فنفرح به ونسر وندخل الجنة، فالسفيه كل السفيه، والمتأخر حق المتأخر هو الذي لا يراعي أوامر الله، وإنما يجمع في الدنيا من السيئات ليثقل بها كفة السيئات وتطيش كفة الحسنات، ؟ فيفضح على رؤوس الأشهاد ويجر إلى النار. هذا الخبيث المغفل وإن سموه في الظروف الراهنة متقدما متنورا مسايرا ركب الحضارة ! ! فهو الحمار المغفل الذي لا يفهم ما أمامه، وهو أشد الناس تأخرا، وسيعلم أنه الأرذل المتأخر إذ مات وفارقت روحه جسده، ووجد ما عند الله من العدل والإنصاف، ووجده لم يقدم إلا السيئات والخبائث والتمرد على من خلقه، فإذا وزنت سيئاته، وكانت كثيرة جدا، ولم توجد له حسنات فعند ذلك سيعلم هل هو كان متقدما أم لا ؟ ! وهل كان عاقلا فطنا أم لا ؟ ! ! بل يعلم أنه هو المتأخر الفدم البليد الحمار الذي لا يفهم عن الله شيئا ! ! وعما قليل ستنكشف الحقائق[ لكل أجل كتاب ]( الرعد : آية ٣٨ ) فسيقع ما سيقع، فعلى المؤمن أن يكون عاقلا فطنا، وأن لا يهلك نفسه بيده، وأن يلاحظ أنه يوم القيامة ستوزن سيئاته وحسناته على رؤوس الأشهاد، فإن كانت سيئاته أرجح جر مخزيا مفضوحا إلى النار، وإن كانت حسناته أرجح جاء مسرورا كريما إلى الجنة. فعلى الإنسان أن لا يهلك نفسه في دار الدنيا باتباع الشهوات واتباع المضللين، وأن لا تطبه الشعارات الزائفة ويخسأ عند الوزن. فعلى كل أحد أن يعد لهذا الوزن عدته يوم القيامة.
وقد قدمنا أن جمهور عل
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير