ويقول الحق بعد ذلك :
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٨ :
في هذه الآيات نجد الحديث عن الوزن للأعمال، وهذا كله تأكيد للحجة عليهم ؛ فالله لا يظلم أحدا، وفي وزن الأعمال إبطال للحجة من الذين يخافون النار، ولم يؤدوا حقوق الله في الدنيا، وكل ذلك ليؤكد الحجة، ويظهر الإنصاف ويقطع العذر، وهنا قول كريم يقول فيه الحق سبحانه : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة.. ٤٧ [ سورة الأنبياء ] : هذه الموازين هي عين العدل، وليست مجرد موازين عادلة، بل تبلغ دقة موازين اليوم الآخر أنها هي عدل في ذاتها. وهنا يقول الحق : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ . نعم، الميزان في هذا اليوم حق ودقيق، ولنذكر أنه قال من قبل : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ١٦٠ ( سورة الأنعام ).
والميزان الحق هو الذي قامت عليه عدالة الكون كله، وكل شيء فيه موزون، وسبحانه هو الذي يضع المقادير على قدر الحكمة والإتقان والدقة التي يؤدي بها كل كائن المطلوبَ منه، ولذلك يقول سبحانه : والسماء رفعها ووضع الميزان ٧
( سورة الرحمن ).
ولم نر السماء قذفت وألقت علينا أحداثا غير متوقعة منها، فالكون له نظام دقيق. والوزن في يوم القيامة هو مطلق الحق، ففي هذا اليوم تبطل موازين الأرض التي كانت تعاني إما خللا في الآلة التي توزن بها، وإما خللا في الوزن، وإما أن تتأثر بأحداث الكون، وما يجري فيه من تفاعلات، أما ميزان السماء فلا دخل لأحد به ولا يتأثر إلا بقيمة ما عمل الإنسان، وساعة يقول سبحانه : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ .
فكأن الميزان في الدنيا يمكن أن يحصل فيه خلل، وكذلك المِلْك أيضا ؛ لأنه سبحانه أعطى أسبابا للملك المناسب لكل إنسان، فهذا يملك كذا، والثاني يملك كذا، والثالث يملك كذا، وبعد ذلك يتصرف كل إنسان في هذا الملك إن عدلا، وإن ظلما على ضوء الاختيار. لكن حين يأتي اليوم الآخر فلا ملك لأحد : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ( من الآية ١٦ سورة غافر ) : فالأمر حينئذ يكون لله وحده، فإن كان الملك في الدنيا قد استخلف فيه الحق عباده، فهذه الولاية تنتهي في اليوم الآخر : فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وسبحانه هو القائل :
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ( ٦ ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ( ٧ ) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ( ٨ ) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ( ٩ ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ( ١٠ ) نَارٌ حَامِيَةٌ ( ١١ ) . ( سورة القارعة ).
إذن فالميزان يثقل الحسنات، ويخف بالسيئات. ونلحظ أن القسمة العقلية لإيجاد ميزان ووازن وموزون تقتضي ثلاثة أشياء : أن تثقل كفة، وتخف الأخرى، أو يتساويا، ولكن هذه الحال غير موجودة هنا.
تفسير الشعراوي
الشعراوي