تفسير سورة سورة الغاشية
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي
الجامع لأحكام القرآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)
الناشر
دار الكتب المصرية - القاهرة
الطبعة
الثانية
المحقق
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
نبذة عن الكتاب
تفسير جامع لآيات القرآن جميعًا ولكنه يركز بصورة شاملة على آيات الأحكام في القرآن الكريم.
الكتاب من أفضل كُتب التفسير التي عُنيت بالأحكام. وهو فريد في بابه.
وهو من أجمع ما صنف في هذا الفن.
حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، وجمع أقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف، ثم أكثر من الإستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على ما ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وأبي بكر الجصاص.
وأضرب القرطبي عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، والإسرئيليات، وذكر جانبا منها أحيانا، كما رد على الفلاسفة والمعتزلة وغلاة المتصوفة وبقية الفرق، ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، ويمشي مع الدليل، ولا يتعصب إلى مذهبه (المالكي) ، وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها ابن العربي المالكي في تفسيره، فكان القرطبي حرا في بحثه، نزيها في نقده، عفيفا في مناقشة خصومه، وفي جدله، مع إلمامه الكافي بالتفسير من جميع نواحيه، وعلوم الشريعة.
ويمتاز هذا التفسير عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام، والجانب الفقي منها، بل ضم إليهل كل ما يتعلق بالتفسير.
لا يستغني عنه العالم فضلا عن طالب العلم
وجاء في موقع الوراق، ما يلي:
من أجل كتب التفسير وأكثرها منفعة. يكاد يغني بشموليته عن كل تفسير، بل عن مراجعة أمهات كتب الفقه ومذاهبه المتعددة. ولم يلق غيره من كتب التفسير ما لقيه من الحفاوة به والاعتناء بتحقيقه. إلا أن نسخه المخطوطة كانت مبعثرة في مكتبات العالم. قال الشيخ بهجت البيطار: (كنا نسمع بهذا التفسير الجليل قبل أن نراه، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه لنقف على خصائصه ومزاياه) ثم أخذ يعدد تلك المزايا والخصائص، وأهمها طريقة القرطبي في التفسير، المتمثلة في أنه يورد الآية ويفسرها بمسائل يجمعها في أبواب، ويودع في هذه المسائل والمباحث من تفسير المفردات اللغوية، وإيراد الشواهد الشعرية إلى البحث في اشتقاق الكلمات ... إلى ما قاله أئمة السلف فيها، إلى ما يختاره هو من معانيها. وأحسن كل الإحسان بعزو الأحاديث إلى مخرجيها، مع التكلم على الحديث متناً وسنداً، قبولا ورداً) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلد 20 ص562 سنة 1945) . انظر كلام القرطبي على منهجه في هذا التفسير عند قوله: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري.. بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتامن التفسيرات واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات ... وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها ... وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) . طبع الكتاب لأول مرة بإشراف دار الكتب المصرية، وتحقيق طائفة من كبار المحققين، وكان صاحب الفكرة في الدعوة إلى طباعته محققاً: الأستاذ محمد الببلاوي، وكان للشيخ إبراهيم إطفيش الدور الأبرز في تحقيق الكتاب، في طبعته الثانية (1952م) إذ حقق منه (11) جزءاً، تبدأ بالجزء الثالث، وتنتهي بالجزء (13) وقام الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني بتحقيق سبعة أجزاء منه، هي: الأول والثاني، ثم الرابع عشر حتى الثامن عشر. وعهد إلى الأستاذ مصطفى السقا بتحقيق الجزأين الأخيرين، وفي مقدمة الجزء الثالث من الطبعة الثانية وصف للنسخ الخطية المعتمدة في هذه الطبعة. انظر في كل ذلك كتاب (القرطبي: حياته وآثاره العلمية ومنهجه في التفسير) د. مفتاح السنوسي بلعم. قال (ص276) : (وهو لا يترك مناسبة لها علاقة بالوضع السياسي إلا ربط ذلك بواقعه وحكام عصره، ناقداً ومبيناً ما آل إليه حالهم من التدهور والضعف وتغيير حكم الله وتبديله) انظر كمثال على ذلك كلامه على الآية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) ونقده لمتصوفة عصره في كلامه على الآية (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والآية (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا..) والآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) وتبرج نساء عصره في تفسير الآية ( ... ويمشون في الأسواق..) . ومما كتب فيه (القرطبي ومنهجه في التفسير) د. القصبي محمود زلط، و (القرطبي المفسر: سيرة ومنهج) يوسف عبد الرحمن الفرت. وجدير بالذكر أني عثرت فيه على خطأ لا أرى إلا أنه مقحم على تفسيره، وهو إقحامه في تفسير قوله تعالى (وقثائها) وجوها من مادة (فثأ) بالفاء، وليس بالقاف، قال: وفثأت القدر: سكنت غليانها بالماء ... وفثأت الرجل: إذا كسرته عنك بقول أو غيره.؟
[تفسير سورة الغاشية]
سُورَةُ" الْغَاشِيَةِ" وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَهِيَ سِتٌّ وَعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[سورة الغاشية (٨٨): آيَةً ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١)هَلْ بِمَعْنَى قَدْ، كَقَوْلِهِ: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [الْإِنْسَانِ: [١ «٣»، قَالَهُ قُطْرُبٌ. أَيْ قَدْ جَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ، أَيِ الْقِيَامَةِ الَّتِي تَغْشَى الْخَلَائِقَ بِأَهْوَالِهَا وَأَفْزَاعِهَا، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الْغاشِيَةِ: النَّارُ تَغْشَى وُجُوهَ الْكُفَّارِ، وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ
(٢). في الدر المنثور: (يحاسب فيها نفسه، ويتفكر فيها صنع... )
(٣). آية ١ سورة الإنسان.
[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢ الى ٣]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣)قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَكُنْ أَتَاهُ حَدِيثُهُمْ، فَأَخْبَرَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. خاشِعَةٌ قَالَ سُفْيَانُ: أَيْ ذَلِيلَةٌ بِالْعَذَابِ. وَكُلُّ مُتَضَائِلٍ سَاكِنٌ خَاشِعٌ. يُقَالُ: خَشَعَ فِي صَلَاتِهِ: إِذَا تَذَلَّلَ وَنَكَّسَ رَأْسَهُ. وَخَشَعَ الصَّوْتُ: خَفِيَ، قَالَ الله تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [طه: [١٠٨) «٢». وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوهِ أَصْحَابُ الْوُجُوهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ: خاشِعَةٌ أَيْ فِي النَّارِ. وَالْمُرَادُ وُجُوهُ الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ. وَقِيلَ: أَرَادَ وُجُوهَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. ثُمَّ قَالَ (عامِلَةٌ ناصِبَةٌ) فَهَذَا فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ دَارَ عَمَلٍ. فَالْمَعْنَى: وُجُوهٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ فِي الدُّنْيَا خاشِعَةٌ فِي الْآخِرَةِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا دَأَبَ فِي سَيْرِهِ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا. وَيُقَالُ لِلسَّحَابِ إِذَا دَامَ بَرْقُهُ: قَدْ عَمِلَ يَعْمَلُ عَمَلًا. وَذَا سَحَابٌ عَمِلٌ. قَالَ الْهُذَلِيُّ:
| «٣» حَتَّى شَآهَا كَلِيلٌ مَوْهِنًا عَمِلٌ | بَاتَتْ طِرَابًا وَبَاتَ الليل لم ينم |
(٢). آية ١٠٨ سورة طه.
(٣). هو ساعدة بن جوية. وقوله (شآها): أي ساقها. والكليل: البرق الضعيف. والموهن: القطعة من الليل. وباتت طرابا: أي باتت البقر العطاش طرابا إلى السير إلى الموضع الذي فيه البرق. وبات البرق الليل أجمع لا يقر: فعبر عن البرق بأنه لم ينم، لاتصاله من أول الليل إلى آخره (راجع هذا البيت والكلام عليه في خزانة الأدب الشاهد الرابع بعد الستمائة).
لَعْوًا «١» إِذَا لَاقَيْتَهُ تَقَهَّلَا
وَالْقَهْلُ: كُفْرَانُ الْإِحْسَانِ. وَقَدْ قَهِلَ يَقْهَلُ قَهَلًا: إِذَا أَثْنَى ثَنَاءً قَبِيحًا. وَأَقْهَلَ الرَّجُلُ تَكَلَّفَ مَا يَعِيبُهُ وَدَنَّسَ نَفْسَهُ. وَانْقَهَلَ ضَعُفَ وَسَقَطَ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمْ أَهْلُ حَرُورَاءَ، يَعْنِي الْخَوَارِجَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: [تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ «٢» مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما تمرق السهم من الرمية... [الحديث.
[سورة الغاشية (٨٨): آية ٤]
تَصْلى نَارًا حامِيَةً (٤)أَيْ يُصِيبُهَا صِلَاؤُهَا وَحَرُّهَا. حامِيَةً شَدِيدَةُ الْحَرِّ، أَيْ قَدْ أُوقِدَتْ وَأُحْمِيَتِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ. وَمِنْهُ حَمِيَ النَّهَارُ (بِالْكَسْرِ)، وَحَمِيَ التَّنُّورُ حَمْيًا فِيهِمَا، أَيِ اشْتَدَّ حَرُّهُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: اشْتَدَّ حَمْيُ الشَّمْسِ وَحَمْوُهَا: بِمَعْنًى. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ (تُصْلَى) بِضَمِّ التاء. الباقون بفتحها. وقرى (تُصَلَّى) بِالتَّشْدِيدِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ»
[الانشقاق: ١]. الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى وَصْفِهَا بِالْحَمْيِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إِلَّا حَامِيَةً، وَهُوَ أَقَلُّ أَحْوَالِهَا، فَمَا وَجْهُ الْمُبَالَغَةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ النَّاقِصَةِ؟ قيل: قد اختلف في المراد بالحامية ها هنا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا- أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا دَائِمَةُ الْحَمْيِ، وَلَيْسَتْ كَنَارِ الدُّنْيَا الَّتِي يَنْقَطِعُ حَمْيُهَا بِانْطِفَائِهَا. الثَّانِي- أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَامِيَةِ أَنَّهَا حِمًى مِنِ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ، وَانْتَهَاكِ الْمَحَارِمِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ محارمه. ومن
(٢). أي تعدون صلاتكم حقيرة بالنظر إلى صلاتهم. [..... ]
(٣). راجع ج ١٩ ص ٢٧٠
| تَعْدُو الذِّئَابُ عَلَى مَنْ لَا كِلَابَ لَهُ | وَتَتَّقِي صَوْلَةَ الْمُسْتَأْسِدِ الْحَامِي |
[سورة الغاشية (٨٨): آية ٥]
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)الْآنِي: الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ، مِنَ الْإِينَاءِ «٢»، بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ. وَمِنْهُ (آنَيْتَ وَآذَيْتَ) «٣». وَآنَاهُ يُؤْنِيهِ إِينَاءً، أَيْ أَحَرَّهُ وَحَبَسَهُ وَأَبْطَأَهُ. وَمِنْهُ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ «٤» [الرحمن: ٤٤]. وَفِي التَّفَاسِيرِ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أَيْ تَنَاهَى حَرُّهَا، فَلَوْ وَقَعَتْ نُقْطَةٌ مِنْهَا عَلَى جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: آنِيَةٍ أَيْ حَرُّهَا أَدْرَكَ، أُوقِدَتْ عَلَيْهَا جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ، فَدُفِعُوا إِلَيْهَا وِرْدًا عِطَاشًا. وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: بَلَغَتْ أَنَاهَا، وَحَانَ شُرْبُهَا.
[سورة الغاشية (٨٨): آية ٦]
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦)قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَهُمْ أَيْ لِأَهْلِ النَّارِ. طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَمَّا ذَكَرَ شَرَابَهُمْ ذَكَرَ طَعَامَهُمْ. قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ: الضَّرِيعُ: نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ، تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ الشِّبْرِقَ إِذَا كَانَ رَطْبًا، فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ الضَّرِيعُ، لَا تَقْرَبُهُ دَابَّةٌ وَلَا بَهِيمَةٌ وَلَا تَرْعَاهُ، وَهُوَ سَمٌّ قَاتِلٌ، وَهُوَ أَخْبَثُ الطَّعَامِ وَأَشْنَعُهُ، عَلَى هَذَا عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ. إِلَّا أَنَّ الضَّحَّاكَ رَوَى عن ابن عباس قال: هو شي يَرْمِي بِهِ الْبَحْرُ، يُسَمَّى الضَّرِيعَ، مِنْ أَقْوَاتِ الانعام
(٢). آنية: متناهية في شدة الحر، من أنى يأني، كرمى يرمى، وليس من (الايناء) مصدر آنى بمعنى آخر قال الطبري في تفسير الآية: (تسقى أصحاب هذه الوجوه من شراب عين قد أنى حرها، وبلغ غايته في شدة الحر.
(٣). أي في الحديث في صلاة الجمعة، إذ أنه قال لرجل جاء يوم الجمعة يتطئ رقاب الناس: لقد آنيت وآنيت. ومعنى (آنيت): أخرت المجيء وأبطأت. و (آذيت) أي آذيت الناس بتخطئك.
(٤). آية ٤٤ سورة الرحمن.
| رَعَى الشِّبْرِقَ الرَّيَّانَ حَتَّى إِذَا ذَوَى | وَعَادَ ضَرِيعًا بَانَ مِنْهُ «٢» النَّحَائِصُ |
| وَحُبِسْنَ فِي هَزْمِ الضَّرِيعِ فَكُلُّهَا | حَدْبَاءُ دَامِيَةُ الْيَدَيْنِ حَرُودُ «٤» |
(٢). في بعض نسخ الأصل: (بان عنه النحائص). والنحائص: جمع النحوص (بفتح النون)، وهي الأتان الوحشية الحائل. وقيل: هي التي في بطنها ولد. وقيل: التي لا لبن لها.
(٣). هو قيس بن عيزارة، كما في اللسان.
(٤). هزم الضريع: ما تكسر منه. والحدباء: الناقة التي بدت حراقفها، وعظم ظهرها. والحرود: التي لا تكاد تدر.
(٢). آية ٥٥ سورة الرحمن.
(٣). آية ٨٠ سورة يس.
(٤). آية ٩٧ سورة الاسراء.
| رَعَى الشِّبْرَقَ الريَّانَ حتى إذا ذَوَى | وعادَ ضَرِيعًا بان منه(٢) النَّحَائِصُ |
| وحُبِسْنَ في هَزْمِ الضريعِ فكلُّها | حَدْبَاءُ داميةُ اليدينِ حَرُودُ(٤) |
وقال الحسن : هو بعض ما أخفاه اللّه من العذاب. وقال ابن كيسان : هو طعام يضرعون عنده ويذلون، ويتضرعون منه إلى اللّه تعالى، طلبا للخلاص منه، فسمي بذلك ؛ لأن أكله يضرع في أن يعفى منه، لكراهته وخشونته. قال أبو جعفر النحاس : قد يكون مشتقا من الضارع، وهو الذليل، أي ذو ضراعة، أي من شربه ذليل تلحقه ضراعة. وعن الحسن أيضا : هو الزقوم. وقيل : هو واد في جهنم. فاللّه أعلم. وقد قال اللّه تعالى في موضع آخر :" فليس له اليوم ههنا حمم. ولا طعام إلا من غسلين(٥) " [الحاقة: ٣٥ - ٣٦]. وقال هنا :" إلا من ضريع " وهو غير الغسلين. ووجه الجمع أن النار دركات، فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد. قال الكلبي : الضريع في درجة ليس فيها غيره، والزقوم في درجة أخرى. ويجوز أن تحمل الآيتان على حالتين كما قال :" يطوفون بينها وبين حميم آن(٦) " [الرحمن: ٤٤]. القتبي : ويجوز أن يكون الضريع وشجرة الزقوم نبتين من النار، أو من جوهر لا تأكله النار. وكذلك سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما نعلم ما بقيت على النار. قال : وإنما دلنا اللّه على الغائب عنده، بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة، والمعاني مختلفة. وكذلك ما في الجنة من شجرها وفرشها. القشيري : وأمثل من قول القتبي أن نقول : إن الذي يبقي الكافرين في النار ليدوم عليهم العذاب، يبقي النبات وشجرة الزقوم في النار، ليعذب بها الكفار. وزعم بعضهم أن الضريع بعينه لا ينبت في النار، ولا أنهم يأكلونه. فالضريع من أقوات الأنعام، لا من أقوات الناس. وإذا وقعت الإبل فيه لم تشبع، وهلكت هزلا، فأراد أن هؤلاء يقتاتون بما لا يشبعهم، وضرب الضريع له مثلا، أنهم يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع. قال الترمذي الحكيم : وهذا نظر سقيم من أهله وتأويل دنيء، كأنه يدل على أنهم تحيروا في قدرة اللّه تعالى، وأن الذي أنبت في هذا التراب هذا الضريع قادر على أن ينبته في حريق النار، جعل لنا في الدنيا من الشجر الأخضر نارا، فلا النار تحرق الشجر، ولا رطوبة الماء في الشجر تطفئ النار، فقال تعالى :" الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون(٧) " [يس: ٨٠]. وكما قيل حين نزلت " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم " [الإسراء: ٩٧] : قالوا يا رسول اللّه، كيف يمشون على وجوههم(٨) ؟ فقال :[ الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ]. فلا يتحير في مثل هذا إلا ضعيف القلب. أو ليس قد أخبرنا أنه " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا(٩) غيرها " [النساء: ٥٦]، وقال :" سرابيلهم من قطران(١٠) " [إبراهيم: ٥٠]، وقال :" إن لدينا أنكالا(١١) " [المزمل: ١٢] أي قيودا. " وجحيما وطعاما ذا غصة " قيل : ذا شوك. فإنما يتلون عليهم العذاب بهذه الأشياء.
٢ في بعض النسخ الأصل: "بأن عنه النحائص". والنحائص: جمع النحوص (بفتح النون)، وهي الأتان الوحشية الحائل. وقيل: التي في بطنها ولد. وقيل: لا لبن لها..
٣ هو قيس بن عيزارة، كما في اللسان..
٤ هزم الضريع: ما تكسر منه. والحدباء: الناقة التي بدت حراقفها، وعظم ظهرها. والحرود: التي لا تكاد تدر..
٥ آية ٣٥ و ٣٦ سورة الحاقة..
٦ آية ٥٥ سورة الرحمان..
٧ آية ٨٠ سورة يس..
٨ آية ٩٧ سورة الإسراء..
٩ آية ٥٦ سورة النساء..
١٠ آية ٥٠ سورة إبراهيم..
١١ آية ١٢ سورة المزمل..
[سورة الغاشية (٨٨): آية ٧]
لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)يَعْنِي الضَّرِيعَ لَا يَسْمَنُ آكِلُهُ. وَكَيْفَ يَسْمَنُ مَنْ يَأْكُلُ الشَّوْكَ! قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ إِبِلَنَا لَتَسْمَنُ بِالضَّرِيعِ، فَنَزَلَتْ: لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ. وَكَذَبُوا، فَإِنَّ الْإِبِلَ إِنَّمَا تَرْعَاهُ رَطْبًا، فَإِذَا يَبِسَ لَمْ تَأْكُلْهُ. وَقِيلَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ فَظَنُّوهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّبْتِ النَّافِعِ، لِأَنَّ الْمُضَارَعَةَ الْمُشَابَهَةُ. فَوَجَدُوهُ لَا يُسْمِنُ «٤» وَلَا يُغْنِي مِنْ جوع.
[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٨ الى ١٠]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ) أَيْ ذَاتُ نِعْمَةٍ. وَهِيَ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ، نِعْمَتْ بِمَا عَايَنَتْ مِنْ عَاقِبَةِ أَمْرِهَا وَعَمَلِهَا الصَّالِحِ. لِسَعْيِها أَيْ لِعَمَلِهَا الَّذِي عَمِلَتْهُ فِي الدُّنْيَا. راضِيَةٌ فِي الْآخِرَةِ حِينَ أُعْطِيَتِ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهَا. وَمَجَازُهُ: لِثَوَابِ سَعْيِهَا رَاضِيَةٌ. وَفِيهَا وَاوٌ مُضْمَرَةٌ. الْمَعْنَى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ، لِلْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَالْوُجُوهُ عِبَارَةٌ عَنِ الْأَنْفُسِ. (فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ) أي مرتفعة، لأنها فوق السموات حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: عَالِيَةُ الْقَدْرِ، لِأَنَّ فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ. وَهُمْ فيها خالدون.
(٢). آية ٥٠ سورة ابراهيم.
(٣). آية ٢ سورة المزمل.
(٤). في بعض النسخ: (لا يشبه).
[سورة الغاشية (٨٨): آية ١١]
لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١)قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) أَيْ كَلَامًا سَاقِطًا غَيْرَ مَرْضِيٍّ. وَقَالَ: لاغِيَةً، وَاللَّغْوُ وَاللَّغَا وَاللَّاغِيَةُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ:
عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ «١»
وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ أَيْ لَا تَسْمَعُ فِيهَا كَلِمَةَ لَغْوٍ. وَفِي الْمُرَادِ بِهَا سِتَّةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يَعْنِي كَذِبًا وَبُهْتَانًا وَكُفْرًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الثَّانِي: لَا بَاطِلَ وَلَا إِثْمَ، قَالَهُ قَتَادَةُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ الشَّتْمُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. الرَّابِعُ: الْمَعْصِيَةُ، قَالَهُ الْحَسَنُ. الْخَامِسُ: لَا يُسْمَعُ فِيهَا حَالِفٌ يَحْلِفُ بِكَذِبٍ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا يُسْمَعُ فِي الْجَنَّةِ حَالِفٌ بِيَمِينٍ بَرَّةٍ وَلَا فَاجِرَةٍ. السَّادِسُ: لَا يُسْمَعُ فِي كَلَامِهِمْ كَلِمَةٌ بِلَغْوٍ، لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِالْحِكْمَةِ وَحَمْدِ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ الدَّائِمِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ أَيْضًا. وَهُوَ أَحْسَنُهَا لِأَنَّهُ يَعُمُّ مَا ذُكِرَ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ (لَا يُسْمَعُ) بِيَاءٍ غَيْرُ مُسَمَّى الْفَاعِلِ. وَكَذَلِكَ نَافِعٌ، إِلَّا أَنَّهُ بِالتَّاءِ الْمَضْمُومَةِ، لِأَنَّ اللَّاغِيَةَ اسْمٌ مُؤَنَّثٌ فَأَنَّثَ الْفِعْلَ لِتَأْنِيثِهِ. وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَلِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ مَفْتُوحَةً لاغِيَةً نَصًّا عَلَى إِسْنَادِ ذَلِكَ لِلْوُجُوهِ، أَيْ لَا تسمع الوجوه فيها لاغية.
[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٢ الى ١٦]
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ) أَيْ بِمَاءٍ مُنْدَفِقٍ، وَأَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ اللَّذِيذَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ" الْإِنْسَانِ" أَنَّ فِيهَا عُيُونًا «٢». فَ- عَيْنٌ: بِمَعْنَى عُيُونٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) أَيْ عَالِيَةٌ. وَرُوِيَ أنه كان ارتفاعها قدر ما بين
ورب أسراب حجيج كظم
قائله رؤبة. ونسبه ابن برى للعجاج.
(٢). راجع ج ١٩ ص ١٢٤، ١٠٤
| وَإِنَّا لَنُجْرِيُ الْكَأْسَ بَيْنَ شُرُوبِنَا | وَبَيْنَ أَبِي قَابُوسَ فَوْقَ النَّمَارِقِ |
| كُهُولٌ وَشُبَّانٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ | عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَنَمَارِقَ |
[سورة الغاشية (٨٨): آية ١٧]
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرَ أَهْلِ الدَّارَيْنِ، تَعَجَّبَ الْكُفَّارُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَّبُوا وَأَنْكَرُوا، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ صَنْعَتَهُ وَقُدْرَتَهُ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ على كل شي، كَمَا خَلَقَ الْحَيَوَانَاتِ وَالسَّمَاءَ وَالْأَرْضَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْإِبِلَ أَوَّلًا، لِأَنَّهَا كَثِيرَةٌ فِي الْعَرَبِ، وَلَمْ يروا الفيلة، فنبههم جل
(٢). آية ١٦٤ سورة البقرة.
[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٨ الى ٢٠]
وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) أَيْ رُفِعَتْ عَنِ الْأَرْضِ بِلَا عَمَدٍ. وَقِيلَ: رُفِعَتْ، فَلَا يَنَالُهَا شي. (وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) أَيْ كَيْفَ نُصِبَتْ عَلَى الْأَرْضِ، بِحَيْثُ لَا تَزُولُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ لَمَّا دُحِيَتْ مَادَتْ، فَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ. كَمَا قَالَ: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ «٢» [الأنبياء: ٣١]. (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) أَيْ بُسِطَتْ وَمُدَّتْ. وَقَالَ أَنَسٌ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنه، فقرأ (كيف خلقت) و (رفعت) و (نصبت) و (سطحت)، بِضَمِّ التَّاءَاتِ، أَضَافَ الضَّمِيرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَبِهِ كَانَ يَقْرَأُ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْقَعِ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى خَلَقْتُهَا. وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَأَبُو حَيْوَةَ وَأَبُو رَجَاءٍ: (سُطِّحَتْ) بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ. وَكَذَلِكَ قَرَأَ الْجَمَاعَةُ، إِلَّا أَنَّهُمْ خَفَّفُوا الطَّاءَ. وَقَدَّمَ الْإِبِلَ فِي الذِّكْرِ، وَلَوْ قَدَّمَ غَيْرَهَا لَجَازَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُطْلَبُ فِيهِ نَوْعُ حِكْمَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: هُوَ أَقْرَبُ إِلَى النَّاسِ فِي حَقِّ الْعَرَبِ، لِكَثْرَتِهَا عِنْدَهُمْ، وَهُمْ مِنْ أَعْرِفِ النَّاسِ بِهَا. وَأَيْضًا: مَرَافِقُ الْإِبِلِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَافِقِ الْحَيَوَانَاتِ الْأُخَرِ، فَهِيَ مَأْكُولَةٌ، وَلَبَنُهَا مَشْرُوبٌ، وَتَصْلُحُ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ، وَقَطْعِ الْمَسَافَاتِ الْبَعِيدَةِ عَلَيْهَا، وَالصَّبْرِ عَلَى الْعَطَشِ، وَقِلَّةِ الْعَلَفِ، وَكَثْرَةِ الْحَمْلِ، وَهِيَ مُعْظَمُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ. وَكَانُوا يَسِيرُونَ عَلَى الْإِبِلِ مُنْفَرِدِينَ مُسْتَوْحِشِينَ عَنِ النَّاسِ، وَمَنْ هَذَا حاله تفكر فيما يحضره، فقد ينظر
(٢). آية ٣١ سورة الأنبياء.
[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢١ الى ٢٦]
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَذَكِّرْ أَيْ فَعِظْهُمْ يَا مُحَمَّدُ وَخَوِّفْهُمْ. إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ أَيْ وَاعِظٌ. (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) أَيْ بِمُسَلَّطٍ عَلَيْهِمْ فَتَقْتُلَهُمْ. ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ السيف. وقرا هارون الأعور (بمصيطر) (بفتح الطاء)، والْمُصَيْطِرُونَ «١» [الطور: ٣٧]. وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ. وَفِي الصِّحَاحِ:" الْمُسَيْطِرُ وَالْمُصَيْطِرُ: الْمُسَلَّطُ عَلَى الشَّيْءِ، لِيُشْرِفَ عَلَيْهِ، وَيَتَعَهَّدَ أَحْوَالَهُ،. وَيَكْتُبَ عَمَلَهُ، وَأَصْلُهُ مِنَ السَّطْرِ، لِأَنَّ «٢» مِنْ مَعْنَى السَّطْرِ أَلَّا يُتَجَاوَزَ، فَالْكِتَابُ مُسَطَّرٌ، وَالَّذِي يَفْعَلُهُ مُسَطِّرٌ وَمُسَيْطِرٌ، يُقَالُ: سَيْطَرْتَ عَلَيْنَا، وَقَالَ تَعَالَى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ. وَسَطَرَهُ أَيْ صَرَعَهُ. (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ مَنْ تَوَلَّى عَنِ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ. (فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ) وَهِيَ جَهَنَّمُ الدَّائِمُ عَذَابُهَا. وَإِنَّمَا قَالَ: الْأَكْبَرَ لِأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فِي الدُّنْيَا بِالْجُوعِ وَالْقَحْطِ وَالْأَسْرِ وَالْقَتْلِ. وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَإِنَّهُ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ. وَالْمَعْنَى: لَسْتَ بِمُسَلَّطٍ إِلَّا عَلَى مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَأَنْتَ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ بِالْجِهَادِ، وَاللَّهُ يُعَذِّبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، فَلَا نَسْخَ فِي الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِرَجُلٍ ارْتَدَّ، فَاسْتَتَابَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يُعَاوِدِ الْإِسْلَامَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَقَرَأَ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ" أَلَا" عَلَى الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّنْبِيهِ، كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
أَلَا رب يوم لك منهن صالح «٣»
(٢). كذا في نسخ الأصل وتفسير ابن عادل نقلا عن القرطبي. والذي في الصحاح: (وأصله من السطر، لان الكتاب مسطر... ).
(٣). تمامه:
وَلَا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جَلْجَلِ
تم عرض جميع الآيات
10 مقطع من التفسير