تفسير سورة سورة العاديات

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

الجامع لأحكام القرآن

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)

الناشر

دار الكتب المصرية - القاهرة

الطبعة

الثانية

المحقق

أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش

نبذة عن الكتاب





تفسير جامع لآيات القرآن جميعًا ولكنه يركز بصورة شاملة على آيات الأحكام في القرآن الكريم.

الكتاب من أفضل كُتب التفسير التي عُنيت بالأحكام. وهو فريد في بابه.

وهو من أجمع ما صنف في هذا الفن.

حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، وجمع أقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف، ثم أكثر من الإستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على ما ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وأبي بكر الجصاص.

وأضرب القرطبي عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، والإسرئيليات، وذكر جانبا منها أحيانا، كما رد على الفلاسفة والمعتزلة وغلاة المتصوفة وبقية الفرق، ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، ويمشي مع الدليل، ولا يتعصب إلى مذهبه (المالكي) ، وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها ابن العربي المالكي في تفسيره، فكان القرطبي حرا في بحثه، نزيها في نقده، عفيفا في مناقشة خصومه، وفي جدله، مع إلمامه الكافي بالتفسير من جميع نواحيه، وعلوم الشريعة.

ويمتاز هذا التفسير عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام، والجانب الفقي منها، بل ضم إليهل كل ما يتعلق بالتفسير.

لا يستغني عنه العالم فضلا عن طالب العلم



وجاء في موقع الوراق، ما يلي:

من أجل كتب التفسير وأكثرها منفعة. يكاد يغني بشموليته عن كل تفسير، بل عن مراجعة أمهات كتب الفقه ومذاهبه المتعددة. ولم يلق غيره من كتب التفسير ما لقيه من الحفاوة به والاعتناء بتحقيقه. إلا أن نسخه المخطوطة كانت مبعثرة في مكتبات العالم. قال الشيخ بهجت البيطار: (كنا نسمع بهذا التفسير الجليل قبل أن نراه، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه لنقف على خصائصه ومزاياه) ثم أخذ يعدد تلك المزايا والخصائص، وأهمها طريقة القرطبي في التفسير، المتمثلة في أنه يورد الآية ويفسرها بمسائل يجمعها في أبواب، ويودع في هذه المسائل والمباحث من تفسير المفردات اللغوية، وإيراد الشواهد الشعرية إلى البحث في اشتقاق الكلمات ... إلى ما قاله أئمة السلف فيها، إلى ما يختاره هو من معانيها. وأحسن كل الإحسان بعزو الأحاديث إلى مخرجيها، مع التكلم على الحديث متناً وسنداً، قبولا ورداً) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلد 20 ص562 سنة 1945) . انظر كلام القرطبي على منهجه في هذا التفسير عند قوله: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري.. بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتامن التفسيرات واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات ... وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها ... وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) . طبع الكتاب لأول مرة بإشراف دار الكتب المصرية، وتحقيق طائفة من كبار المحققين، وكان صاحب الفكرة في الدعوة إلى طباعته محققاً: الأستاذ محمد الببلاوي، وكان للشيخ إبراهيم إطفيش الدور الأبرز في تحقيق الكتاب، في طبعته الثانية (1952م) إذ حقق منه (11) جزءاً، تبدأ بالجزء الثالث، وتنتهي بالجزء (13) وقام الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني بتحقيق سبعة أجزاء منه، هي: الأول والثاني، ثم الرابع عشر حتى الثامن عشر. وعهد إلى الأستاذ مصطفى السقا بتحقيق الجزأين الأخيرين، وفي مقدمة الجزء الثالث من الطبعة الثانية وصف للنسخ الخطية المعتمدة في هذه الطبعة. انظر في كل ذلك كتاب (القرطبي: حياته وآثاره العلمية ومنهجه في التفسير) د. مفتاح السنوسي بلعم. قال (ص276) : (وهو لا يترك مناسبة لها علاقة بالوضع السياسي إلا ربط ذلك بواقعه وحكام عصره، ناقداً ومبيناً ما آل إليه حالهم من التدهور والضعف وتغيير حكم الله وتبديله) انظر كمثال على ذلك كلامه على الآية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) ونقده لمتصوفة عصره في كلامه على الآية (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والآية (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا..) والآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) وتبرج نساء عصره في تفسير الآية ( ... ويمشون في الأسواق..) . ومما كتب فيه (القرطبي ومنهجه في التفسير) د. القصبي محمود زلط، و (القرطبي المفسر: سيرة ومنهج) يوسف عبد الرحمن الفرت. وجدير بالذكر أني عثرت فيه على خطأ لا أرى إلا أنه مقحم على تفسيره، وهو إقحامه في تفسير قوله تعالى (وقثائها) وجوها من مادة (فثأ) بالفاء، وليس بالقاف، قال: وفثأت القدر: سكنت غليانها بالماء ... وفثأت الرجل: إذا كسرته عنك بقول أو غيره.؟
مقدمة التفسير
وهي مكية في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء. ومدنية في قول ابن عباس وأنس ومالك وقتادة. وهي إحدى عشرة آية.
الآيات من ١ إلى ٢
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَقَدْ دَخَلَ قَلْبَ الْأَعْرَابِيِّ الْإِيمَانُ). وَقَالَ الْحَسَنُ: قَدِمَ صَعْصَعَةُ عَمُّ الْفَرَزْدَقِ «١» عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا سَمِعَ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ الْآيَاتِ، قَالَ: لَا أُبَالِي أَلَّا أَسْمَعَ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرَهَا، حَسْبِي، فَقَدِ انْتَهَتِ الْمَوْعِظَةُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَلَفْظُ الْمَاوَرْدِيِّ: وروى أن صعصعة ابن نَاجِيَةَ جَدَّ الْفَرَزْدَقِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَقْرِئُهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ صَعْصَعَةُ: حَسْبِي حَسْبِي، إِنْ عَمِلْتُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا رَأَيْتُهُ. وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ ابن أَسْلَمَ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. فَدَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ يُعَلِّمُهُ، فَعَلَّمَهُ إِذا زُلْزِلَتِ- حَتَّى إِذَا بَلَغَ- فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ قَالَ: حَسْبِي. فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (دَعُوهُ فَإِنَّهُ قَدْ فَقِهَ). وَيُحْكَى أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَخَّرَ خَيْراً يَرَهُ فَقِيلَ: قَدَّمْتَ وَأَخَّرْتَ. فَقَالَ:
خُذَا بَطْنَ هَرْشَى أَوْ قَفَاهَا فَإِنَّهُ... كِلَا جَانِبَيْ هَرْشَى لَهُنَّ طريق «٢»
[تفسير سورة والعاديات]
سورة" والعاديات" وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَالْحُسْنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ. وَمَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ ابْنِ عباس وأنس ومالك وقتادة. وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ الى ٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً) أَيِ الْأَفْرَاسُ تْعدُو. كَذَا قَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلُ اللُّغَةِ، أَيْ تَعْدُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَضْبَحُ. قَالَ قَتَادَةُ: تَضْبَحُ إِذَا عَدَتْ، أي تحمحم. وقال
(١). قال أبو أحمد العسكري: (وقد وهم بعضهم في صعصعة بن معاوية عم الأحنف بن قيس فقال: صعصعة عم الفرزدق وهو غلط). والمعروف أن صعصعة بن ناجية هو جد الفرزدق وليس له عم يسمى صعصعة. راجع كتاب الإصابة وأسد الغابة في ترجمة صعصعة.
(٢). هرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر ولها طريقان فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد. في معجم البلدان لياقوت: خذا أنف هرشى... وفي اللسان: خذا جنب هرشى...
— 153 —
الْفَرَّاءُ: الضَّبْحُ: صَوْتُ أَنْفَاسِ الْخَيْلِ إِذَا عَدَوْنَ. ابن عباس: ليس شي مِنَ الدَّوَابِّ يَضْبَحُ غَيْرُ الْفَرَسِ وَالْكَلْبِ وَالثَّعْلَبِ. وَقِيلَ: كَانَتْ تُكْعَمُ «١» لِئَلَّا تَصْهَلَ، فَيَعْلَمَ الْعَدُوُّ بِهِمْ، فَكَانَتْ تَتَنَفَّسُ فِي هَذِهِ الْحَالِ بِقُوَّةٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَقْسَمَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: ٢ - ١]، وَأَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
«٢»، [الحجر: ٧٢]، وَأَقْسَمَ بِخَيْلِهِ وَصَهِيلِهَا وَغُبَارِهَا، وَقَدْحِ حَوَافِرِهَا النَّارَ مِنَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً... الْآيَاتُ الْخَمْسُ. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ «٣»:
وَطَعْنَةٍ ذَاتِ رَشَاشٍ وَاهِيهْ طَعَنْتُهَا عِنْدَ صُدُورِ الْعَادِيَهْ
يَعْنِي الْخَيْلَ. وَقَالَ آخَرُ:
وَالْعَادِيَاتُ أَسَابِيُّ الدِّمَاءِ بِهَا كَأَنَّ أَعْنَاقَهَا أَنْصَابُ تَرْجِيبِ «٤»
يَعْنِي الْخَيْلَ. وَقَالَ عَنْتَرَةُ:
وَالْخَيْلُ تُعْلَمُ حِينَ تَضْ - بَحُ فِي حِيَاضِ الْمَوْتِ ضَبْحًا
وَقَالَ آخَرُ:
لَسْتُ بِالتُّبَّعِ الْيَمَانِيِّ إِنْ لَمْ تَضْبَحِ الْخَيْلُ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ
وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَأَصْلُ الضَّبْحِ وَالضُّبَاحِ لِلثَّعَالِبِ، فَاسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ. وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: ضَبَحَتْهُ النَّارُ: إِذَا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ وَلَمْ تُبَالِغْ فِيهِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَمَّا أَنْ تَلَهْوَجْنَا شِوَاءً بِهِ اللَّهَبَانُ مَقْهُورًا ضَبِيحًا «٥»
وَانْضَبَحَ لَوْنُهُ: إِذَا تَغَيَّرَ إِلَى السَّوَادِ قَلِيلًا. وَقَالَ:
عُلِقْتُهَا قَبْلَ انْضِبَاحِ لَوْنِي
(١). الكعام: شي يجعل على فم البعير.
(٢). آية ٧٢ سورة الحجر.
(٣). قوله: (قال أهل اللغة... ) إلى آخر البيت. هكذا ورد في جميع نسخ الأصل وظاهر أن فيه سقطا يوضحه أبو حيان في البحر بقوله: (قال أهل اللغة: أصله للثعلب فاستعير للخيل... ) إلخ. على أن المؤلف أورده فيما يأتي.
(٤). البيت لسلامة بن جندل. والاسابي: الطرق من الدم. وأسابي الدماء: طرائقها. والترحيب: أن تدعم الشجرة إذا كثر حملها لئلا تتكسر أغصانها. قال ابن منظور: (فإنه شبه أعناق الخيل بالمرجب. وقيل: شبه أعناقها بالحجارة التي تذبح عليها النسائك).
(٥). البيت لمضرس الأسدي. والملهوج من الشواء: الذي لم يتم نضجه. واللهبان: اتقاد النار واشتعالها.
— 154 —
وَإِنَّمَا تَضْبَحُ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ إِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُهَا مِنْ فَزَعٍ وَتَعَبٍ أَوْ طَمَعٍ. وَنَصَبَ ضَبْحاً عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ وَالْعَادِيَاتِ تَضْبَحُ ضَبْحًا. وَالضَّبْحُ «١» أَيْضًا الرَّمَادُ. وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: ضَبْحاً نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَقِيلَ: مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ضَبَحَتِ الْخَيْلُ ضَبْحًا مِثْلُ ضَبَعَتْ، وَهُوَ السَّيْرُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الضَّبْحُ وَالضَّبْعُ: بِمَعْنَى الْعَدْوِ وَالسَّيْرِ. وَكَذَا قَالَ الْمُبَرِّدُ: الضَّبْحُ مَدُّ أَضْبَاعِهَا فِي السَّيْرِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى أُنَاسٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ خَبَرُهَا، وَكَانَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّهُمْ قُتِلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إِخْبَارًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَلَامَتِهَا، وَبِشَارَةً لَهُ بِإِغَارَتِهَا عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ. وَمِمَّنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعَادِيَاتِ الْخَيْلَ، ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ. وَالْمُرَادُ الْخَيْلُ الَّتِي يَغْزُو عَلَيْهَا الْمُؤْمِنُونَ. وَفِي الْخَبَرِ: (مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حُرْمَةَ فرس الغازي، فيه شُعْبَةٌ مِنَ النِّفَاقِ). وَقَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّهَا الْإِبِلُ، قَالَ مُسْلِمٌ: نَازَعْتُ فِيهَا عِكْرِمَةَ فَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ الْخَيْلُ. وَقُلْتُ: قَالَ عَلِيٌّ هِيَ الْإِبِلُ فِي الْحَجِّ، وَمَوْلَايَ أَعْلَمُ مِنْ مَوْلَاكَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَمَارَى «٢» عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْعادِياتِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: هِيَ الْإِبِلُ تَعْدُو فِي الْحَجِّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الْخَيْلُ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً [العاديات: ٤] فَهَلْ تُثِيرُ إِلَّا بِحَوَافِرِهَا! وَهَلْ تَضْبَحُ الْإِبِلُ! فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ كَمَا قُلْتَ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا مَعَنَا إِلَّا فَرَسٌ أَبْلَقُ لِلْمِقْدَادِ، وَفَرَسٌ لِمَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَتُفْتِي النَّاسَ بِمَا لَا تَعْلَمُ! وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَأَوَّلَ غَزْوَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا مَعَنَا إِلَّا فَرَسَانِ: فَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ، وَفَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ، فَكَيْفَ تَكُونُ الْعَادِيَاتُ ضَبْحًا! إِنَّمَا الْعَادِيَاتُ الْإِبِلُ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَمِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى عَرَفَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَمِنْهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
فَلَا وَالْعَادِيَاتِ غَدَاةَ جَمْعٍ بِأَيْدِيهَا إِذَا سَطَعَ الْغُبَارُ
(١). في القاموس: (والضبح بالكسر الرماد).
(٢). التماري والمماراة: المجادلة.
— 155 —
يَعْنِي الْإِبِلَ. وَسُمِّيَتِ الْعَادِيَاتُ لِاشْتِقَاقِهَا مِنَ الْعَدْوِ، وَهُوَ تَبَاعُدُ الْأَرْجُلِ فِي سُرْعَةِ الْمَشْيِ. وَقَالَ آخَرُ:
رَأَى صَاحِبِي فِي الْعَادِيَاتِ نَجِيبَةً وَأَمْثَالَهَا فِي الْوَاضِعَاتِ الْقَوَامِسِ «١»
وَمَنْ قَالَ هِيَ الْإِبِلُ فَقَوْلُهُ ضَبْحاً بِمَعْنَى ضَبْعًا، فَالْحَاءُ عِنْدَهُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْعَيْنِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: ضَبَعَتِ الْإِبِلُ وَهُوَ أَنْ تَمُدَّ أَعْنَاقَهَا فِي السَّيْرِ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الضبع مد أضباعها في السير. والضبح أكثر مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْلِ. وَالضَّبْعُ فِي الْإِبِلِ. وَقَدْ تُبَدَّلُ الْحَاءُ مِنَ الْعَيْنِ. أَبُو صَالِحٍ: الضَّبْحُ مِنَ الْخَيْلِ: الْحَمْحَمَةُ، وَمِنَ الْإِبِلِ التَّنَفُّسُ. وقال عطاء: ليس شي مِنَ الدَّوَابِّ يَضْبَحُ إِلَّا الْفَرَسَ وَالثَّعْلَبَ وَالْكَلْبَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: ضَبَحَ الثَّعْلَبُ، وَضَبَحَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَيْضًا. قَالَ تَوْبَةُ:
وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ عَلَيَّ وَدُونِي تُرْبَةٌ «٢» وَصَفَائِحُ
لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ الْبَشَاشَةِ أَوْ زَقَا إِلَيْهَا صَدًى مِنْ جَانِبٍ الْقَبْرِ ضَابِحُ «٣»
زَقَا الصَّدَى يَزْقُو زُقَاءً «٤»: أَيْ صَاحَ. وَكُلُّ زَاقٍ صَائِحٍ. وَالزَّقْيَةُ: الصَّيْحَةُ. (فَالْمُورِياتِ قَدْحاً) قَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ: هِيَ الْخَيْلُ حِينَ تُورِي النَّارَ بِحَوَافِرِهَا، وَهِيَ سَنَابِكُهَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا: أَوْرَتْ بِحَوَافِرِهَا غُبَارًا. وَهَذَا يُخَالِفُ سَائِرَ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي قَدْحِ النَّارِ، وَإِنَّمَا هَذَا فِي الْإِبِلِ. وَرَوَى ابْنُ نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً. فَالْمُورِياتِ قَدْحاً قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ فِي الْقِتَالِ وَهُوَ فِي الْحَجِّ. ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ الْإِبِلُ تَطَأُ الْحَصَى، فَتَخْرُجُ مِنْهَا النَّارُ. وَأَصْلُ الْقَدْحِ الِاسْتِخْرَاجُ،
(١). في اللسان مادة (عدا): (وحكى الأزهري عن ابن السكيت (وابل عادية: ترعى الخلة ولا ترعى الحمض.. ) وقال: وكذلك العاديات) وساق البيت. وفي اللسان أيضا مادة (رضع): (وناقة واضع وواضعة ونوق واضعات: ترعى الحمض حول الماء. وأنشد ابن برى قول الشاعر... ) إلخ. ولفظ (القوامس) هكذا ورد في اللسان وشرح القاموس. وبعض نسخ الأصل. وفي نسخة: (القرامس) بالراء. ولعل الصواب: (العرامس) جمع عرمس (بكسر العين): وهي الناقة الصلبة الشديدة.
(٢). في نسخة: (جندل) وهي رواية في البيت.
(٣). في رواية صائح. ولا شاهد فيه. [..... ]
(٤). في اللسان: (زقا يزقو ويزقى زقوا وزقاء وزقوا وزقيا وزقيا وزقيا.)
— 156 —
وَمِنْهُ قَدَحْتُ الْعَيْنَ: إِذَا أَخْرَجْتُ مِنْهَا الْمَاءَ الْفَاسِدَ. وَاقْتَدَحْتُ بِالزَّنْدِ. وَاقْتَدَحْتُ الْمَرَقَ: غَرَفْتُهُ. وَرَكِيٌّ قَدُوحٌ: تُغْتَرَفُ بِالْيَدِ. وَالْقَدِيحُ: مَا يَبْقَى فِي أَسْفَلِ الْقِدْرِ، فَيُغْرَفُ بِجَهْدٍ. وَالْمِقْدَحَةُ: مَا تُقْدَحُ بِهِ النَّارَ. وَالْقَدَّاحَةُ وَالْقَدَّاحُ: الْحَجَرُ الَّذِي يُورِي النَّارَ. يُقَالُ: وَرَى الزَّنْدُ (بِالْفَتْحِ) يَرِي وَرْيًا: إِذَا خَرَجَتْ نَارُهُ. وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى: وَرِيَ الزَّنْدُ (بِالْكَسْرِ) يَرِي فِيهِمَا. وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَةِ" الْوَاقِعَةٍ" «١». وقَدْحاً انْتُصِبَ بِمَا انْتُصِبَ بِهِ ضَبْحاً. وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْخَيْلِ، وَلَكِنَّ إِيرَاءَهَا: أَنْ تُهَيِّجَ الْحَرْبَ بَيْنَ أَصْحَابِهَا وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ. وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْحَرْبِ إِذَا الْتَحَمَتْ: حَمِيَ الْوَطِيسُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ «٢» [المائدة: ٦٤]. وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَقَالَهُ قَتَادَةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَقَالَهُ قَتَادَةُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُورَيَاتِ قَدْحًا: مَكْرُ الرِّجَالِ فِي الْحَرْبِ، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلَ أَنْ يَمْكُرَ بِصَاحِبِهِ: وَاللَّهِ لَأَمْكُرَنَّ بِكَ، ثُمَّ لَأُورِيَنَّ لَكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: هُمُ الَّذِينَ يَغْزُونَ فَيُورُونَ نِيرَانَهُمْ بِاللَّيْلِ، لِحَاجَتِهِمْ وَطَعَامِهِمْ. وَعَنْهُ أَيْضًا: أَنَّهَا نِيرَانُ الْمُجَاهِدِينَ إِذَا كَثُرَتْ نَارُهَا إِرْهَابًا. وَكُلُّ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْعَدُوِّ يُوقِدُ نِيرَانًا كَثِيرَةً لِيَظُنَّهُمُ الْعَدُوُّ كَثِيرًا. فَهَذَا إِقْسَامٌ بِذَلِكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هِيَ النَّارُ تُجْمَعُ. وَقِيلَ: هِيَ أَفْكَارُ الرِّجَالِ تُورِي نَارَ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ أَلْسِنَةُ الرِّجَالِ تُورِي النَّارَ مِنْ عَظِيمِ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيَظْهَرُ بِهَا، مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَجِ، وَإِقَامَةِ الدَّلَائِلِ، وَإِيضَاحِ الْحَقِّ، وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ. وَرَوَى ابْنُ جُرَيْحٍ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ: فَالْمُنْجِحَاتِ أَمْرًا وَعَمَلًا، كَنَجَاحِ الزَّنْدِ إِذَا أَوُرِيَ. قُلْتُ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ مَجَازٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يُورِي زِنَادَ الضَّلَالَةِ. وَالْأَوَّلُ: الْحَقِيقَةُ، وَأَنَّ الْخَيْلَ مِنْ شِدَّةِ عَدْوِهَا تَقْدَحُ النَّارَ بِحَوَافِرِهَا. قَالَ مُقَاتِلٌ: الْعَرَبُ تُسَمِّي تِلْكَ النَّارَ نَارَ أَبِي حُبَاحِبٍ، وَكَانَ أَبُو حُبَاحِبٍ شَيْخًا مِنْ مُضَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ أَبْخَلِ النَّاسِ، وَكَانَ لَا يُوقِدُ نَارًا لِخُبْزٍ وَلَا غَيْرِهِ حَتَّى تَنَامَ الْعُيُونُ، فَيُوقِدَ نُوَيْرَةً تَقِدُ مَرَّةً وَتَخْمَدُ أُخْرَى، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ لها أحد
(١). راجع ج ١٧ ص (٢٢١)
(٢). آية ٦٤ سورة المائدة.
— 157 —
آية رقم ٣
أَطْفَأَهَا، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا أَحَدٌ. فَشَبَّهَتِ العرب هذه النار بناره، لأنه لا ينتقع بِهَا. وَكَذَلِكَ إِذَا وَقَعَ السَّيْفُ عَلَى الْبَيْضَةِ فَاقْتَدَحَتْ نَارًا، فَكَذَلِكَ يُسَمُّونَهَا. قَالَ النَّابِغَةُ:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ الْمُضَاعَفَ نَسْجُهُ... وَتُوقِدُ بِالصِّفَاحِ نَارَ الحباحب «١»
[سورة العاديات (١٠٠): آية ٣]
فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣)
الْخَيْلُ تُغِيرُ عَلَى الْعَدُوِّ عِنْدَ الصُّبْحِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا الْغَارَةَ سَرَوْا لَيْلًا، وَيَأْتُونَ الْعَدُوَّ صُبْحًا، لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ غَفْلَةِ النَّاسِ. وَمِنْهُ قوله تعالى: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ «٢» [الصافات: ١٧٧]. وَقِيلَ: لِعِزِّهِمْ أَغَارُوا نَهَارًا، وصُبْحاً عَلَى هَذَا، أَيْ عَلَانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هِيَ الْإِبِلُ تُدْفَعُ بِرُكْبَانِهَا يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ مِنًى إِلَى جَمْعٍ. وَالسُّنَّةُ أَلَّا تُدْفَعَ حَتَّى تُصْبِحَ، وَقَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَالْإِغَارَةُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: أَشْرِقْ ثبير «٣»، كيما نغير.
[سورة العاديات (١٠٠): آية ٤]
فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤)
أَيْ غُبَارًا، يَعْنِي الْخَيْلُ تُثِيرُ الْغُبَارَ بِشِدَّةِ الْعَدْو فِي الْمَكَانِ الَّذِي أغارت به. قال عبد الله ابن رَوَاحَةَ:
عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا... تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ «٤»
وَالْكِنَايَةُ فِي بِهِ تَرْجِعُ إِلَى الْمَكَانِ أَوْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الْإِغَارَةُ. وَإِذَا عُلِمَ الْمَعْنَى جَازَ أَنْ يُكَنَّى عَمَّا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ بالتصريح، كما قال حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ «٥» [ص: ٣٢]. وقيل: فَأَثَرْنَ بِهِ،
(١). السلوقي: الدرع المنسوبة إلى سلوق قرية باليمن. والصفاح: جمع صفاحة وهي الحجر العريض.
(٢). آية ١٧٧ سورة الصافات.
(٣). ثبير: جبل بقرب مكة وهو على يمين الذاهب إلى عرفة. أي ادخل في الشروق وهو ضوء الشمس.
(٤). كداء (بفتح الكاف ومد الدال): جبل بمكة. والهاء في تروها: راجعة إلى الخيل المفهومة من السياق. ورواية صدر البيت في الشوكاني ٤٦٩/ ٥: (عدمنا خيلنا... ).
(٥). آية ٣٢ سورة ص.
— 158 —
أَيْ بِالْعَدْوِ (نَقْعاً). وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعَدْوِ. وَقِيلَ: النَّقْعُ: مَا بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى، قاله محمد ابن كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ. وَقِيلَ: إِنَّهُ طَرِيقُ الْوَادِي، وَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْغُبَارِ الْمُثَارِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَفِي الصِّحَاحِ: النَّقْعُ: الْغُبَارُ، وَالْجَمْعُ: نِقَاعٍ. وَالنَّقْعُ: مَحْبِسُ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا اجْتَمَعَ فِي الْبِئْرِ مِنْهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُمْنَعَ نَقْعُ الْبِئْرِ. وَالنَّقْعُ الْأَرْضُ الْحَرَّةُ الطِّينِ يُسْتَنْقَعُ فِيهَا الْمَاءُ، وَالْجَمْعُ: نِقَاعٌ وَأَنْقُعٌ، مِثْلُ بَحْرٍ وَبِحَارٍ وَأَبْحُرٍ. قُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ النَّقْعُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ حِينَ قِيلَ لَهُ: إِنَّ النِّسَاءَ قَدِ اجْتَمَعْنَ يَبْكِينَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ: وَمَا عَلَى نِسَاءِ بَنِي الْمُغِيرَةِ أَنْ يَسْفِكْنَ مِنْ دُمُوعِهِنَّ وَهُنَّ جُلُوسٌ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ، وَلَا لَقْلَقَةٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي بِالنَّقْعِ رَفْعَ الصَّوْتِ، عَلَى هَذَا رَأَيْتُ قَوْلَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
فَمَتَى يَنْقَعْ صُرَاخٌ صَادِقٌ يُحْلِبُوهَا ذَاتَ جَرْسٍ وَزَجَلْ
وَيُرْوَى" يَحْلِبُوهَا" أَيْضًا. يَقُولُ: مَتَى سَمِعُوا صُرَاخًا أَحَلَبُوا الْحَرْبَ، أَيْ جَمَعُوا لَهَا. وَقَوْلُهُ" يَنْقَعْ صُرَاخٌ": يَعْنِي رَفْعَ الصَّوْتِ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: قَوْلُهُ" نَقْعٌ وَلَا لَقْلَقَةٌ" النَّقْعُ: صَنْعَةُ الطَّعَامِ، يَعْنِي فِي الْمَأْتَمِ. يُقَالُ مِنْهُ: نَقَعْتُ أَنْقَعُ نَقْعًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ذَهَبَ بِالنَّقْعِ إِلَى النَّقِيعَةِ، وَإِنَّمَا النَّقِيعَةُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ: صَنْعَةُ الطَّعَامِ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ سَفَرٍ، لَا فِي الْمَأْتَمِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُرِيدُ عُمَرُ بِالنَّقْعِ: وَضْعُ التُّرَابِ عَلَى الرَّأْسِ، يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ النَّقْعَ هُوَ الْغُبَارُ. وَلَا أَحْسَبُ عُمَرَ ذَهَبَ إِلَى هَذَا، وَلَا خَافَهُ مِنْهُنَّ، وَكَيْفَ يَبْلُغُ خَوْفُهُ ذَا وَهُوَ يَكْرَهُ لَهُنَّ الْقِيَامَ. فَقَالَ: يَسْفِكْنَ مِنْ دُمُوعِهِنَّ وَهُنَّ جُلُوسٌ. قَالَ بَعْضُهُمْ: النَّقْعُ: شَقُّ الْجُيُوبِ، وَهُوَ الَّذِي لَا أَدْرِي مَا هُوَ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَا أَعْرِفُهُ، وَلَيْسَ النَّقْعُ عِنْدِي فِي الْحَدِيثِ إِلَّا الصَّوْتَ الشَّدِيدَ، وَأَمَّا اللَّقْلَقَةُ: فَشِدَّةُ الصَّوْتِ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ اخْتِلَافًا. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ (فَأَثَّرْنَ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ أَرَتْ آثَارَ ذَلِكَ. وَمَنْ خَفَّفَ فَهُوَ مِنْ أَثَارَ: إذا حرك، ومنه وَأَثارُوا الْأَرْضَ «١» [الروم: ٩].
(١). آية ٩ سورة الروم.
— 159 —
آية رقم ٤
قوله تعالى : فأثرن به نقعا
أي غبارا، يعني الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به. قال عبد الله بن رواحة :
عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إن لم تَرَوْها*** تُثِيرُ النَّقْعَ من كَنَفَيْ كَدَاءِ١
والكناية في " به " ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة. وإذا علم المعنى جاز أن يكني عما لم يجر له ذكر بالتصريح، كما قال حتى توارت بالحجاب ٢[ ص : ٣٢ ]. وقيل : فأثرن به ، أي بالعدو " نقعا ". وقد تقدم ذكر العدو. وقيل : النقع : ما يبين مزدلفة إلى منى. قاله محمد بن كعب القرظي. وقيل : إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع. وفي الصحاح : النقع : الغبار، والجمع : نقاع. والنقع : محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه. وفي الحديث : أنه نهى أن يمنع نقع البئر. والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع : نقاع وأنقع، مثل بحر وبحار وأبحر.
قلت : وقد يكون النقع رفع الصوت، ومنه حديث عمر حين قيل له : إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال : وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن وهن جلوس على أبي سليمان، ما لم يكن نقع، ولا لقلقة. قال أبو عبيد : يعني بالنقع رفع الصوت، على هذا رأيت قول الأكثرين من أهل العلم، ومنه قول لبيد :
فمتى ينْقَعْ صراخٌ صادقٌ يُحْلِبُوهَا ذاتَ جرس وزَجَلْ
ويروى " يَحْلِبوها " أيضا. يقول : متى سمعوا صراخا أحلبوا الحرب، أي جمعوا لها. وقوله " ينقع صراخ " : يعني رفع الصوت. وقال الكسائي : قوله " نقع ولا لقلقة " النقع : صنعه الطعام، يعني في المأتم. يقال منه : نقعت أنقع نقعا. قال أبو عبيد : ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء : صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم. وقال بعضهم : يريد عمر بالنقع وضع التراب على الرأس، يذهب إلى أن النقع هو الغبار. ولا أحسب عمر ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا وهو يكره لهن القيام. فقال : يسفكن من دموعهن وهن جلوس. قال بعضهم : النقع : شق الجيوب، وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللقلقة : فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافا. وقرأ أبو حيوة " فأثّرن " بالتشديد، أي أرت آثار ذلك. ومن خفف فهو من أثار : إذا حرك، ومنه وأثاروا الأرض ٣[ الروم : ٩ ].
١ كداء (بفتح الكاف ومد الدال): جبل بمكة. والهاء في تروها: راجعة إلى الخيل المفهومة من السياق. ورواية صدر البيت في الشوكاني ٥/٤٦٩: (عدمنا خلينا...).
.

٢ آية ٣٢ سورة ص..
٣ آية ٩ سورة الروم..
آية رقم ٥

[سورة العاديات (١٠٠): آية ٥]

فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥)
جَمْعاً مفعول ب فَوَسَطْنَ، أَيْ فَوَسَطْنَ بِرُكْبَانِهِنَّ الْعَدُوَّ، أَيِ الْجَمْعَ الَّذِي أَغَارُوا عَلَيْهِمْ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً: يَعْنِي مُزْدَلِفَةَ، وَسُمِّيَتْ جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ. وَيُقَالُ: وَسَطْتُ الْقَوْمَ أَسِطُهُمْ وَسْطًا وَسِطَةً، أَيْ صِرْتُ وَسْطُهُمْ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فَوَسَّطْنَ) بِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ قَتَادَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي رَجَاءٍ، لُغَتَانِ بِمَعْنًى، يُقَالُ: وَسَطْتُ الْقَوْمَ (بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ) وَتَوَسَّطَهُمْ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقِيلَ: مَعْنَى التَّشْدِيدِ: جَعْلُهَا الْجَمْعَ قِسْمَيْنِ. وَالتَّخْفِيفِ: صِرْنَ فِي وَسَطِ الْجَمْعِ، وَهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى الْجَمْعِ.
[سورة العاديات (١٠٠): آية ٦]
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)
هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ، أَيْ طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَكَنُودٌ لَكَفُورٌ جَحُودٍ لِنِعَمِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ. وَقَالَ: يَذْكُرُ الْمَصَائِبَ وَيَنْسَى النِّعَمَ. أَخَذَهُ الشَّاعِرُ فَنَظَمَهُ:
يَا أَيُّهَا الظَّالِمُ فِي فِعْلِهِ وَالظُّلْمُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ ظَلَمْ
إِلَى مَتَى أَنْتَ وَحَتَّى مَتَى تَشْكُو الْمُصِيبَاتِ وَتَنْسَى النِّعَمْ!
وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْكَنُودُ، هُوَ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ «١»، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ). وَرَوَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ)؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (مَنْ نَزَلَ وَحْدَهُ، وَمَنَعَ رِفْدَهُ، وَجَلَدَ عَبْدَهُ). خَرَّجَهُمَا التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: الْكَنُودُ بِلِسَانِ كِنْدَةَ وَحَضْرَمَوْتَ: الْعَاصِي، وَبِلِسَانِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ: الْكَفُورُ. وَبِلِسَانِ كِنَانَةَ: الْبَخِيلُ السَّيِّئُ الْمَلَكَةِ، وَقَالَهُ مُقَاتِلٌ: وَقَالَ الشَّاعِرُ:
كَنُودٌ لِنَعْمَاءِ الرِّجَالِ وَمَنْ يَكُنْ كَنُودًا لِنَعْمَاءِ الرِّجَالِ يُبَعَّدِ
(١). الرفد (بكسر الراء): العطاء والصلة.
— 160 —
أَيْ كَفُورٌ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ الَّذِي يَكْفُرُ بِالْيَسِيرِ، وَلَا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ. وَقِيلَ: الْجَاحِدُ لِلْحَقِّ. وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ كِنْدَةُ كِنْدَةَ، لِأَنَّهَا جَحَدَتْ أَبَاهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرْمَةَ الشَّاعِرُ:
دَعِ الْبُخَلَاءَ إِنْ شَمَخُوا وَصَدُّوا وَذِكْرَى بُخْلِ غَانِيَةٍ كَنُودِ
وَقِيلَ: الْكَنُودُ: مِنْ كَنَدَ إِذَا قَطَعَ، كَأَنَّهُ يَقْطَعُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَاصِلَهُ مِنَ الشُّكْرِ. وَيُقَالُ: كَنَدَ الْحَبْلَ: إِذَا قَطَعَهُ. قَالَ الْأَعْشَى:
أَمِيطِي «١» تُمِيطِي بِصُلْبِ الْفُؤَادِ وَصُولِ حِبَالٍ وَكَنَّادِهَا
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ. وَيُقَالُ: كَنَدَ يَكْنُدُ كُنُودًا: أَيْ كَفَرَ النِّعْمَةَ وَجَحَدَهَا، فَهُوَ كنود. وامرأة كنود أيضا، وكند مِثْلُهُ. قَالَ الْأَعْشَى:
أَحْدِثْ لَهَا تُحْدِثُ لِوَصْلِكَ إِنَّهَا كُنُدٌ لِوَصْلِ الزَّائِرِ الْمُعْتَادِ «٢»
أَيْ كَفُورٌ لِلْمُوَاصَلَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْإِنْسَانُ هُنَا الْكَافِرُ، يَقُولُ إِنَّهُ لَكَفُورٌ، وَمِنْهُ الْأَرْضُ الْكَنُودُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: الْكَنُودُ: الْمَانِعُ لِمَا عَلَيْهِ. وَأَنْشَدَ لِكَثِيرٍ:»
أَحْدِثْ لَهَا تُحْدِثُ لِوَصْلِكَ إِنَّهَا كُنُدٌ لِوَصْلِ الزَّائِرِ الْمُعْتَادِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ: الْكَنُودُ: الَّذِي يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ فِي مَعَاصِي اللَّهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: الْكَنُودُ: الَّذِي يَرَى النِّعْمَةَ مِنْ نَفْسِهِ وَأَعْوَانِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: الَّذِي يَرَى النِّعْمَةَ وَلَا يَرَى الْمُنْعِمَ. وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: الْهَلُوعُ وَالْكَنُودُ: هُوَ الَّذِي إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعٌ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعٌ. وَقِيلَ: هُوَ الْحَقُودُ الْحَسُودُ. وَقِيلَ: هُوَ الْجَهُولُ لِقَدْرِهِ. وَفِي الْحِكْمَةِ: من جهل قدرة: هتك ستره.
(١). ماط الأذى ميطا وأماطه: نجاه ودفنه. يقول إن تنحيت عنى باني صلب الفؤاد وصول لمن وصل، كفور لمن كفر. ورواية صدر البيت في اللسان. فميطى أي تنحى واذهبي.
(٢). المعتاد: الذي يعود مرة بعد أخرى.
(٣). تقدم أن هذا البيت للأعشى وهو في ديوان، ولم نجده في ديوان كثير الذي بين أيدينا.
— 161 —
آية رقم ٦
قوله تعالى : إن الإنسان لربه لكنود
هذا جواب لنعم القسم، أي طبع الإنسان على كفران النعمة. قال ابن عباس :" لكنود " لكفور جحود لنعم الله. وكذلك قال الحسن. وقال : يذكر المصائب، وينسى النعم. أخذه الشاعر فنظمه :
يا أيُّهَا الظالمُ في فعله والظُّلْمُ مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحَتَّى مَتَى تشكو المصيباتِ وتنسى النعم
وروى أبو أمامة الباهلي قال : قال رسول الله ﷺ :( الكنود، هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده١، ويضرب عبده ). وروى ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ ( ألا أنبئكم بشراركم ) ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال :( من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده ). خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقد روي عن عباس أيضا أنه قال : الكنود بلسان كندة وحضر موت : العاصي، وبلسان ربيعة ومضر : الكفور. وبلسان كنانة : البخيل السيء الملكة، وقاله مقاتل، وقال الشاعر :
كنودٌ لنعماءِ الرجال ومن يكن كَنُودًا لنعماءِ الرجال يُبَعَّدِ
أي كفور. ثم قيل : هو الذي يكفر باليسير، ولا يشكر الكثير. وقيل : الجاحد للحق. وقيل : إنما سميت كندة كندة ؛ لأنها جحدت أباها. وقال إبراهيم بن هرمة الشاعر :
دعِ البُخَلاَءَ إن شمخُوا وصَدُّوا*** وذكرَى بُخْلٍ غانيةٍ كَنودِ
وقيل : الكنود من كند إذا قطع، كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر. ويقال : كند الحبل : إذا قطعه. قال الأعشى :
أمِيطِي٢ تُمِيطِي بصُلْبِ الفؤاد وَصُولِ حبالٍ وكَنَّادَهَا
فهذا يدل على القطع. ويقال : كند يكند كنودا : أي كفر النعمة وجحدها، فهو كنود. وامرأة كنود أيضا، وكند مثله. قال الأعشى :
أَحْدِثْ لها تُحْدِثْ لوصلكَ إنَّهَا كُنُدٌ لوصل الزائر المعتاد٣
أي كفور للمواصلة. وقال ابن عباس : الإنسان هنا الكافر، يقول : إنه لكفور، ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئا. وقال الضحاك : نزلت في الوليد بن المغيرة. قال المبرد : الكنود : المانع لما عليه. وأنشد لكثير٤ :
أَحْدِثْ لها تُحْدِثْ لوصلكَ إنَّهَا كُنُدٌ لوصل الزائر المعتاد
وقال أبو بكر الواسطي : الكنود : الذي ينفق نعم الله في معاصي الله. وقال أبو بكر الوراق : الكنود : الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه. وقال الترمذي : الذي يرى النعمة، ولا يرى المنعم. وقال ذو النون المصري : الهلوع والكنود : هو الذي يرى النعمة، ولا يرى المنعم. وقيل : هو الحقود الحسود. وقيل : هو الجهول لقدره. وفي الحكمة : من جهل قدره هتك ستره.
قلت : هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود. وقد فسر النبي ﷺ معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال غير محمودة، فإن صح فهو أعلى ما يقال، ولا يبقى لأحد معه مقال.
١ الرفد (بكسر الراء) : العطاء والصلة..
٢ ماط الأذى ميطا وأماطه: نحاه ودفنه. يقول إن تنحيت عني، بأني صلب الفؤاد، وصول لمن وصل، كفور لمن كفر. ورواية صدر البيت في اللسان. فميطى أي تنحى واذهبي..
٣ المعتاد: الذي يعود مرة بعد أخرى..
٤ تقدم أن هذا البيت للأعشى، وهو في ديوان، ولم نجده في ديوان كثير الذي بين أيدينا..
آية رقم ٧
قُلْتُ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْكُفْرَانِ وَالْجُحُودِ. وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْنَى الْكَنُودِ بِخِصَالٍ مَذْمُومَةٍ، وَأَحْوَالٍ غَيْرِ مَحْمُودَةٍ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ أَعْلَى مَا يقال، ولا يبقى لاحد معه مقال.
[سورة العاديات (١٠٠): آية ٧]
وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)
أَيْ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ مِنِ ابْنِ آدَمَ لَشَهِيدٌ. كَذَا رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عباس. وقال الحسن وقتادة ومحمد ابن كَعْبٍ: وَإِنَّهُ أَيْ وَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَشَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يَصْنَعُ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا.
[سورة العاديات (١٠٠): آية ٨]
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّهُ) أَيِ الْإِنْسَانَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. (لِحُبِّ الْخَيْرِ) أَيِ الْمَالِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً «١» [البقرة: ١٨٠]. وَقَالَ عَدِيٌّ:
مَاذَا تُرَجِّي النُّفُوسُ مِنْ طَلَبٍ الْ - خَيْرِ وَحُبُّ الْحَيَاةِ كَارِبُهَا «٢»
(لَشَدِيدٌ) أَيْ لَقَوِيٌّ فِي حُبِّهِ لِلْمَالِ. وَقِيلَ: لَشَدِيدٌ لَبَخِيلٌ. وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: شَدِيدٌ وَمُتَشَدِّدٌ. قَالَ طَرَفَةُ:
أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ
يُقَالُ: اعْتَامَهُ وَاعْتَمَاهُ، أَيِ اخْتَارَهُ. وَالْفَاحِشُ: الْبَخِيلُ أَيْضًا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ «٣» [البقرة: ٢٦٨] أَيِ الْبُخْلِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَمَّى اللَّهُ الْمَالَ خَيْرًا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ شَرًّا وَحَرَامًا «٤»، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَعُدُّونَهُ خَيْرًا، فَسَمَّاهُ اللَّهُ خَيْرًا لذلك. وسمي الجهاد سواء، فَقَالَ: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ «٥» [آل عمران: ١٧٤] عَلَى مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: نَظْمُ الْآيَةِ أَنْ يُقَالَ: وَإِنَّهُ لَشَدِيدُ الْحُبِّ لِلْخَيْرِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ الْحُبُّ قَالَ: شَدِيدٌ، وَحُذِفَ مِنْ آخره
(١). آية ١٨٠ سورة البقرة. [..... ]
(٢). كاربها: غامها من كربه الامر: اشتد عليه.
(٣). آية ٢٦٨ سورة البقرة.
(٤). في بعض نسخ الأصل: (شرا وخيرا).
(٥). آية ١٧٤ سورة آل عمران.
آية رقم ٨
قوله تعالى : وإنه لحب الخير لشديد
قوله تعالى :" وإنه " أي الإنسان من غير خلاف. لحب الخير أي المال، ومنه قوله تعالى : إن ترك خيرا ١ [ البقرة : ١٨٠ ]، وقال عدي :
ماذا تُرَجِّي النفوسُ من طلب ال***خَيْرِ وحُبُّ الحياةِ كَارِبُها٢
" لشديد " أي لقوي في حبه للمال. وقيل :" لشديد " لبخيل. ويقال للبخيل : شديد ومتشدد. قال طرفة :
أرى الموتَ يَعْتَامُ الكرامَ ويَصْطَفِي عَقِليةَ مال الفاحش المتشدِّدِ
يقال : اعتامه واعتماه، أي اختاره. والفاحش : البخيل أيضا. ومنه قوله تعالى : ويأمركم بالفحشاء ٣ [ البقرة : ٢٦٨ ] أي البخل. قال ابن زيد : سمى الله المال خيرا، وعسى أن يكون شرا وحراما٤، ولكن الناس يعدونه خيرا، فسماه الله خيرا لذلك. وسمى الجهاد سواء، فقال : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم٥ سوء [ آل عمران : ١٧٤ ] على ما يسميه الناس. قال الفراء : نظم الآية أن يقال : وإنه لشديد الحب للخير، فلما تقدم الحب قال : شديد، وحذف من آخره ذكر الحب ؛ لأنه قد جرى ذكره، ولرؤوس الآي، كقوله تعالى : في يوم عاصف ٦ [ إبراهيم : ١٨ ] والعصوف : للريح لا الأيام، فلما جرى ذكر الريح، كأنه قال : في يوم عاصف الريح.
١ آية ١٨٠ سورة البقرة..
٢ كاربها: غامها، من كربه الأمر: اشتد عليه..
٣ آية ٢٦٨ سورة البقرة..
٤ في بعض نسخ الأصل: "شرا وخيرا"..
٥ آية ١٧٤ سورة آل عمران..
٦ آية ١٨ سورة إبراهيم..
ذِكْرُ الْحُبِّ، لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى ذِكْرُهُ، وَلِرُءُوسِ الآي، كقوله تعالى: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ «١» [إبراهيم: ١٨] وَالْعُصُوفُ: لِلرِّيحِ لَا الْأَيَّامِ، فَلَمَّا جَرَى ذِكْرُ الرِّيحِ قَبْلَ الْيَوْمِ، طُرِحَ مِنْ آخِرِهِ ذِكْرُ الرِّيحِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فِي يَوْمٍ عَاصِفِ الرِّيحِ.
[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٩ الى ١١]
أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَفَلا يَعْلَمُ) أَيِ ابْنُ آدَمَ (إِذا بُعْثِرَ) أَيْ أُثِيرَ وَقُلِبَ وَبُحِثَ، فَأُخْرِجَ مَا فِيهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بَعْثَرْتُ الْمَتَاعَ: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُونَ. الْفَرَّاءُ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَعْرَابِ بَنِي أَسَدٍ يَقْرَأُ:" بُحْثِرَ" بِالْحَاءِ مَكَانَ الْعَيْنِ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُمَا بِمَعْنًى. (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) أَيْ مُيِّزَ مَا فِيهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، كَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُبْرِزَ. وَقَرَأَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ" وَحَصَلَ" بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ وَفَتْحِهَا، أَيْ ظَهَرَ. (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) أَيْ عَالِمٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ. وَهُوَ عَالِمٌ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُجَازِيهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَوْلُهُ: إِذا بُعْثِرَ الْعَامِلُ فِي إِذا: بُعْثِرَ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ يَعْلَمُ، إِذْ لَا يُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ مِنَ الْإِنْسَانِ ذَلِكَ الْوَقْتَ، إِنَّمَا يُرَادُ في الدنيا. ولا يعمل فيه لَخَبِيرٌ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ إِنَّ لَا يَعْمَلُ فِيمَا قبلها. والعامل في يَوْمَئِذٍ: لَخَبِيرٌ، وَإِنْ فَصَلَتِ اللَّامُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ مَوْضِعَ اللَّامِ الِابْتِدَاءُ. وَإِنَّمَا دَخَلَتْ فِي الْخَبَرِ لِدُخُولِ إِنَّ عَلَى الْمُبْتَدَأِ. وَيُرْوَى أَنَّ الْحَجَّاجَ قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَحُضُّهُمْ عَلَى الْغَزْوِ، فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ: أَنَّ رَبَّهُمْ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، ثُمَّ استدركها فقال: لَخَبِيرٌ بِغَيْرِ لَامٍ. وَلَوْلَا اللَّامُ لَكَانَتْ مَفْتُوحَةً، لِوُقُوعِ الْعِلْمِ عَلَيْهَا. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ أَنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبِيرٌ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(١). آية ١٨ سورة إبراهيم.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

8 مقطع من التفسير