تفسير سورة الغاشية

تفسير البيضاوي
تفسير سورة سورة الغاشية من كتاب أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بـتفسير البيضاوي .
لمؤلفه البيضاوي . المتوفي سنة 685 هـ
سورة الغاشية مكية وهي ست وعشرون آية.

(٨٨) سورة الغاشية
مكية وهي ست وعشرون آية
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤)
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ الداهية التي تغشى الناس بشدائدها يعني يوم القيامة، أو النار من قوله تعالى وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ذليلة.
عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تعمل ما تتعب فيه كجر السلاسل وخوضها في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلالها ووهادها، أو عملت ونصبت في أعمال لا تنفعها يومئذ.
تَصْلى نَاراً تدخلها وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر تَصْلى من أصلاه الله، وقرئ «تُصَّلِّ» بالتشديد للمبالغة. حامِيَةً متناهية في الحر.
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ بلغت أناها في الحر.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٦ الى ٧]
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لاَّ يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ يبيس الشبرق وهو شوك ترعاه الإِبل ما دام رطباً، وقيل شجرة نارية تشبه الضريع، ولعله طعام هؤلاء والزقوم والغسلين طعام غيرهم، أو المراد طعامهم ما تتحاماه الإِبل وتعافه لضره وعدم نفعه كما قال:
لاَّ يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ والمقصود من الطعام أحد الأمرين.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٨ الى ١١]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ذات بهجة أو متنعمة.
لِسَعْيِها راضِيَةٌ رضيت بعملها لما رأت ثوابه.
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ علية المحل أو القدر.
لاَ تَسْمَعُ يا مخاطب أو الوجوه، وقرأ على بناء المفعول بالياء ابن كثير وأبو عمرو ورويس وبالتاء نافع. فِيها لاغِيَةً لغواً أو كلمة ذات لغو أو نفساً تلغو، فإن كلام أهل الجنة الذكر والحكم.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٢ الى ١٦]
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ يجري ماؤها ولا ينقطع والتنكير للتعظيم.
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ رفيعة السمك أو القدر.
وَأَكْوابٌ جمع كوب وهي آنية لا عروة لها. مَوْضُوعَةٌ بين أيديهم.
وَنَمارِقُ وسائد جمع نمرقة بالفتح والضم. مَصْفُوفَةٌ بعضها إلى بعض.
وَزَرابِيُّ بسط فاخرة جمع زربية. مَبْثُوثَةٌ مبسوطة.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٧ الى ١٨]
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)
أَفَلا يَنْظُرُونَ نظر اعتبار. إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ خلقاً دالاً على كمال قدرته وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى البلاد النائية، فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة بالحمل منقادة لمن اقتادها طوال الأعناق لينوء بالأوقار، ترعى كل نابت وتحتمل العطش إلى عشر فصاعداً ليتأتى لها قطع البوادي والمفاوز، مع مالها من منافع أخرى ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعاً، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع. وقيل المراد بها السحاب على الاستعارة.
وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ بلا عمد.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)
وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ فهي راسخة لا تميل.
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ بسطت حتى صارت مهاداً، وقرئ الأفعال الأربعة على بناء الفاعل المتكلم وحذف الراجع المنصوب، والمعنى أَفَلا يَنْظُرُونَ إلى أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ليتحققوا كمال قدرة الخالق سبحانه وتعالى، فلا ينكروا اقتداره على البعث ولذلك عقب به أمر المعاد ورتب عليه الأمر بالتذكير فقال:
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ فلا عليك إن لم ينظروا ولم يذكروا إذ ما عليك إلا البلاغ.
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ بمتسلط، وعن الكسائي بالسين على الأصل وحمزة بالإِشمام.
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ لكن من تولى وكفر.
فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ يعني عذاب الآخرة. وقيل متصل فإن جهاد الكفار وقتلهم تسلط، وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة وقيل هو استثناء من قوله فَذَكِّرْ أي فذكر إلا من تولى وأصر فاستحق العذاب الأكبر، وما بينهما اعتراض ويؤيد الأول أنه قرئ «ألا» على التنبيه.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ رجوعهم، وقرئ بالتشديد على أنه فيعال مصدر فيعل من الإياب، أو فعال من الأوب قلبت واوه الأولى قلبها في ديوان ثم الثانية للإِدغام.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ في المحشر، وتقديم الخبر للتخصيص والمبالغة في الوعيد.
عن النبي صلّى الله عليه وسلم «من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حساباً يسيراً».
Icon