تفسير سورة سورة المنافقون

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تفسير السمعاني

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)

الناشر

دار الوطن، الرياض - السعودية

الطبعة

الأولى، 1418ه- 1997م

المحقق

ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم

نبذة عن الكتاب

لأبي المظفر السمعاني (ت: 489)، وهو من التفاسير النافعة القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، فعقيدة المؤلف ومباحثه العقدية هي أهم ما تميز به هذا التفسير، فقد اهتمَّ فيه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والردِّ على أهل البدع والأهواء، ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فما من آية في القرآن اتخذها أهل البدع والأهواء دليلاً لنصرة مذهبهم، أو صرفوها عن ظاهرها وأوَّلوها، إلا رأيته متصدياً لهم، مبطلاً لبدعهم، ومنتصراً لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد أكثر من ذلك على مدار تفسيره كله، بالإضافة إلى ترجيحه بين الأقوال، والاستشهاد بالشعر على المعاني اللغوية، إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها تفسيره، ويؤخذ عليه ذكره لكثير من الأحاديث دون بيان حكمها صحةً وضعفاً، أو عزوها إلى مصادرها.
وقد طبع في ستة مجلدات بدار الوطن بالسعودية، وحققه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وأبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم.

مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة المنافقين
وهي مدنية في قول الجميع. والله أعلم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ قَالُوا نشْهد إِنَّك لرَسُول الله﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: نزلت السُّورَة فِي شَأْن عبد الله بن أبي بن سلول وَأَصْحَابه، كَانُوا يأْتونَ النَّبِي وَيَقُولُونَ: نَحن مُؤمنُونَ بك، ونشهد إِنَّك لرَسُول الله، وَأَن مَا جِئْت بِهِ حق، ثمَّ إِذا رجعُوا إِلَى مَا بَينهم أظهرُوا الْكفْر. وَعَن بَعضهم: أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿نشْهد﴾ مَعْنَاهُ: نحلف بِدَلِيل أَن الله تَعَالَى قَالَ بعد هَذِه الْآيَة: ﴿اتَّخذُوا أَيْمَانهم جنَّة﴾.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَأشْهد عِنْد الله أَنِّي أحبها فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدهَا ليا)
أَي: أَحْلف.
وَقَوله: ﴿وَالله يعلم إِنَّك لرَسُوله وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ هُوَ تطييب لقلب النَّبِي وتسلية لَهُ، وَمَعْنَاهُ: أَن علمي أَنَّك رَسُول الله وشهادتي لَك بذلك خير من شَهَادَتهم.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ قَالَ أَبُو عبيد: أَي: الْكَافِرُونَ، يُسَمِّي الْكفْر باسم الْكَذِب. وَقَالَ غَيره: هُوَ الْكَذِب حَقِيقَة. وَسمي قَوْلهم كذبا؛ لأَنهم كذبُوا على قُلُوبهم. وَقيل: لما أظهرُوا بألسنتهم خلاف مَا كَانَ فِي ضمائرهم سمي بذلك كذبا، كَالرّجلِ يخبر بالشَّيْء على خلاف مَا هُوَ عَلَيْهِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّخذُوا أَيْمَانهم جنَّة﴾ أَي: ستْرَة لما أبطنوه من الْكفْر. وَقيل: جنَّة أَي: يترسوا بهَا عَن الْقَتْل، مثل الْمِجَن يتترس بهَا الْمقَاتل بهَا الْمقَاتل عَن سلَاح الْعَدو.
— 440 —
﴿فصدوا عَن سَبِيل الله إِنَّهُم سَاءَ مَا كَانُوا يعْملُونَ (٢) ذَلِك بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا فطبع على قُلُوبهم فهم لَا يفقهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم وَإِن يَقُولُوا﴾
وَقَوله: ﴿فصدوا عَن سَبِيل الله﴾ أَي: منعُوا النَّاس عَن سَبِيل الْإِيمَان. وَمعنى صدهم النَّاس عَن سَبِيل الله أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ لضعفة الْمُسلمين: إِنَّا نشْهد عِنْد هَذَا الرجل ونظهر خلاف مَا نسر، فَلَو كَانَ نَبيا لعلم إسرارنا، ومنعنا من المخالطة مَعَ أَصْحَابه.
وَقَوله: ﴿إِنَّهُم سَاءَ مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ أَي: بئس الْعَمَل عَمَلهم. وَقُرِئَ فِي الشاذ: " اتَّخذُوا إِيمَانهم جنَّة " بِكَسْر الْألف، وَالْمَعْرُوف إِيمَانهم بِالْفَتْح جمع الْيَمين.
— 441 —
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا﴾ أَي: آمنُوا بألسنتهم، وَكَفرُوا بقلوبهم.
وَقَوله: ﴿فطبع على قُلُوبهم﴾ أَي: ختم على قُلُوبهم فَلَا يدخلهَا الْإِيمَان وَقبُول الْحق.
وَقَوله: ﴿فهم لَا يفقهُونَ﴾ أَي: لَا يتدبرون، وَالْفِقْه هُوَ التدبر والتفهم. وَقيل: فهم لَا يفقهُونَ أَي: لَا يعْقلُونَ، كَأَنَّهُمْ لم يقبلُوا الدّين مَعَ ظُهُور الدَّلَائِل عَلَيْهِ بِمَنْزِلَة من لَا يعقل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم﴾ فِي التَّفْسِير: أَن عبد الله بن أبي بن سلول كَانَ رجلا جسيما فصيحا صبيحا ذلق اللِّسَان. قَالَ الزّجاج: أخبر الله تَعَالَى بِصِحَّة أجسامهم وَحسن مناظرهم وفصاحة ألسنتهم. وَهُوَ فِي قَوْله: ﴿وَإِن يَقُولُوا تسمع لقَولهم﴾ أَي: للسان الَّذِي لَهُم، ثمَّ قَالَ فِي شَأْنهمْ: ﴿كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة﴾ أَي: هم مناظر بِلَا مخابر، وصور بِلَا مَعَاني، وَإِنَّمَا مثلهم بالخشب؛ لِأَن الْخشب لَا قلب لَهُ وَلَا عقل، وَلَا يعي خَبرا وَلَا يفهمهُ. وَيُقَال فِي الْعَادة: فلَان خشب أَي: لَيْسَ لَهُ عقل وَلَا فهم. وَقُرِئَ: " خشب " بِسُكُون الشين، وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد، يُقَال: بدن وبدنة وثمر وَثَمَرَة، فالخشب والخشب جمع، والواحدة خَشَبَة، ومثاله مَا ذكرنَا.
— 441 —
﴿تسمع لقَولهم كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم هم الْعَدو فَاحْذَرْهُمْ قَاتلهم الله أَنى يؤفكون (٤) وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا يسْتَغْفر لكم رَسُول الله لووا﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿مُسندَة﴾ أَي: ممالة إِلَى الْجِدَار. قَالَ عَليّ بن عِيسَى: جعلهم كخشب نخرة، متآكلة فِي الْبَاطِن، صَحِيحَة فِي الظَّاهِر.
وَقَوله: ﴿يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: إِذا سمعُوا نِدَاء أَو سمعُوا من ينشد ضَالَّة أَو أَي صَوت كَانَ، ظنُّوا أَنهم المقصودون بذلك الصَّوْت، وَأَن سرائرهم قد ظَهرت للْمُسلمين، وَهُوَ وصف لجبنهم وخوفهم من الْمُسلمين. وَفِي بعض التفاسير أَن مَعْنَاهُ: هُوَ أَن كل من سَار النَّبِي بِشَيْء كَانُوا يظنون أَن ذَلِك فِي أَمرهم وشأنهم. وَقيل: كَانَ كلما نزلت لآيَة أَو سُورَة ظنُّوا من الْخَوْف أَنَّهَا نزلت فيهم، قَالَه ابْن جريح. وأنشدوا لجرير فِي الْجُبْن:
(مَا زلت تحسب كل شَيْء بعدهمْ خيلا تكر عَلَيْهِم ورجالا)
وَقَالَ غَيره:
(لقد خفت حَتَّى لَو تمر كمامة لَقلت عدوا وطليعة معشر)
وَقَوله: ﴿هم الْعَدو﴾ أَي: الْأَعْدَاء.
وَقَوله: ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ قَالَ ذَلِك لأَنهم يطلعون الْمُشْركين على أسرار الْمُسلمين، ويجبنون ضعفاء الْمُسلمين.
قَوْله: ﴿قَاتلهم الله﴾ أَي: أخزاهم وأهلكهم. وَقيل: نزلهم منزلَة من يقاتله عَدو قاهر لَهُ.
وَقَوله: ﴿أَنى يؤفكون﴾ أَي: كَيفَ يصرفون عَن الْحق مَعَ ظُهُوره؟ وَهُوَ يتَضَمَّن تقبيح فعلهم وتعجيب رَسُول الله مِنْهُم.
— 442 —
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا يسْتَغْفر لكم رَسُول الله﴾ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ لِلْمُنَافِقين: احضروا النَّبِي واعترفوا بذنوبكم يسْتَغْفر لكم، وَكَانُوا يهزون
— 442 —
﴿رُءُوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون (٥) سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم لن يغْفر الله لَهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين (٦) هم الَّذين يَقُولُونَ لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا وَللَّه خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَكِن﴾ رُءُوسهم، وَيَنْظُرُونَ يمنة ويسرة استهزاء، قيل: هَذَا فِي عبد الله بن أبي بن سلول خَاصَّة. قَالَ بعض الصَّحَابَة لَهُ ذَلِك فَثنى رَأسه وحركه استهزاء، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿لووا رُءُوسهم﴾ وَيقْرَأ بِالتَّخْفِيفِ. وَمَعْنَاهُ: ثنوا رُءُوسهم، وَمن قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ فَهُوَ تَأْكِيد.
وَقَوله: ﴿ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون﴾ أَي: يعرضون وهم ممتنعون عَن الْإِيمَان.
— 443 —
وَقَوله: ﴿سَوَاء عَلَيْهِم أَسْتَغْفَرْت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم لن يغْفر الله لَهُم﴾ وَمَعْنَاهُ: أَن استغفارك لَهُم لَا يَنْفَعهُمْ، وَعِنْدهم أَن وجوده وَتَركه وَاحِد. فَإِن قيل: كَيفَ أسْتَغْفر لَهُم رَسُول الله وَقد علم أَنهم مُنَافِقُونَ؟ وَالْجَوَاب: أَنه كَانَ يسْتَغْفر لَهُم لأَنهم كَانُوا يأْتونَ يطْلبُونَ الاسْتِغْفَار، ويسألون مِنْهُ الصفح وَالْعَفو، مثل مَا ذكرنَا فِي سُورَة التَّوْبَة، وَلم يكن يَنْفَعهُمْ؛ لأَنهم كَانُوا كفَّارًا عِنْد الله.
وَقَوله: ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ أَي: الْمُنَافِقين، وهم كفار وفساق ومنافقون. وَحكى بَعضهم عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان أَنه قيل لَهُ: من الْمُنَافِق؟ قَالَ: الَّذِي يصف الْإِيمَان وَلَا يعْمل بِهِ. وَعَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: إِنِّي لَا أَخَاف عَلَيْكُم مُؤمنا تبين إيمَانه، وَلَا كَافِرًا تبين كفره، وَإِنَّمَا أَخَاف عَلَيْكُم كل مُنَافِق عليم اللِّسَان.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هم الَّذين يَقُولُونَ لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا﴾ وَقُرِئَ فِي الشاذ " حَتَّى يَنْفضوا " من النفض أَي: حَتَّى يَنْفضوا أوعيتهم فيفتقروا ويتفرقوا.
وَقَوله: ﴿هم الَّذين يَقُولُونَ﴾ يُقَال: الْوَاو محذوفة، وَمَعْنَاهُ: وهم الَّذين يَقُولُونَ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: ﴿لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة﴾ أَي: وَيَقُولُونَ، قَالَ الشَّاعِر:
— 443 —
(لأمر مَا تصرفت اللَّيَالِي... لأمر مَا تحركت النُّجُوم)
أَي: ولأمر.
وَقَوله: ﴿لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله﴾ نزلت الْآيَة على سَبَب، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن أُسَامَة بن زيد أَن عمر رَضِي الله عَنهُ كَانَ اسْتَأْجر رجلا من غفار يُقَال لَهُ: " جَهْجَاه " ليعْمَل لَهُ فِي بعض الْغَزَوَات، وَهِي غَزْوَة " الْمُريْسِيع " فجرت بَينه وَبَين رجل من الْأَنْصَار مُنَازعَة على رَأس بِئْر للإسقاء فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: يَا للْأَنْصَار، وَقَالَ جَهْجَاه: يَا للمهاجرين، فَسمع النَّبِي ذَلِك فَقَالَ: " مَا بَال دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة دَعُوهَا فَإِنَّهَا ميتَة ". وَبلغ ذَلِك عبد الله بن أبي سلول فَغَضب وَقَالَ: هَذَا مثل مَا قَالَ الأول سمن كلبك، وَقَالَ: أما إِنَّكُم لَو أطعتموني لم تنفقوا على من اجْتمع عِنْد هَذَا الرجل وَكَانَ الْأَنْصَار يُنْفقُونَ على الْمُهَاجِرين، وَكَانُوا يَنْفضونَ عَنهُ وَقَالَ: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل وعنى بالأعز نَفسه، وَبِالْأَذَلِّ مُحَمَّدًا فَبلغ ذَلِك النَّبِي وَقَالَ عمر: دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " لَا يبلغ النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه " أَي: لَا أَقتلهُ لهَذَا قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة أخبرنَا أَبُو الْحسن بن فراس أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الديبلي، أخبرنَا أَبُو عبد الله سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، أخبرنَا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ... الحَدِيث.
وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الْخَبَر فِي كِتَابه بِرِوَايَة زيد بن أَرقم قَالَ: كنت مَعَ عمر فِي غزَاة فَسمِعت عبد الله بن أبي بن سلول يَقُول لأَصْحَابه: لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا، وَقَالَ: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل. قَالَ فَجئْت إِلَى عمر وَذكرت لَهُ ذَلِك، وَذكر عمر ذَلِك لرَسُول الله، فجَاء ابْن أبي بن سلول إِلَى النَّبِي وَحلف أَنه مَا قَالَه فَصدقهُ وَكَذبَنِي، فَأَصَابَنِي من الْهم مَا لم يُصِبْنِي مثله قطّ حَتَّى جَلَست فِي بَيْتِي، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَالَّتِي قبلهَا،
— 444 —
﴿الْمُنَافِقين لَا يفقهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ فدعاني رَسُول الله وَقَالَ: " إِن الله تَعَالَى قد صدقك ".
وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر " أَن رجلا من الْمُهَاجِرين كسع رجلا من الْأَنْصَار، فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: ياللأنصار، وَقَالَ الْمُهَاجِرِي: ياللمهاجرين وَكَانَ الْأَنْصَار أَكثر من الْمُهَاجِرين حِين قدم رَسُول الله الْمَدِينَة، ثمَّ كثر الْمُهَاجِرين من بعد فَلَمَّا سمع عبد الله بن أبي بن سلول ذَلِك قَالَ مَا ذَكرْنَاهُ، (وسَاق) الحَدِيث قَرِيبا من الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَولا ". قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذكرنَا عَن سُفْيَان.
وَقَوله: ﴿حَتَّى يَنْفضوا﴾ أَي: يتفرقوا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَللَّه خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم لَو لم تنفقوا فَللَّه خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهُوَ يرزقكم. وَيُقَال: خَزَائِن السَّمَوَات بالمطر، وخزائن الأَرْض بالنبات. وَعَن بَعضهم: خَزَائِن السَّمَوَات مَا قَضَاهُ، وخزائن الأَرْض مَا أعطَاهُ. وَقَالَ بعض أَرْبَاب الخواطر: خَزَائِن السَّمَوَات: الغيوب، وخزائن الأَرْض: الْقُلُوب. وَالصَّحِيح الأول.
قَوْله: ﴿وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يفقهُونَ﴾ قد بَينا.
— 445 —
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ قد ذكرنَا، والأعز هُوَ الأقدر على منع الْغَيْر، والأذل هُوَ الأعجز عَن نفع الْغَيْر. وَقيل مَعْنَاهُ: ليخرجن الْعَزِيز مِنْهَا الذَّلِيل. وَفِي أفعل بِمَعْنى فعيل قَالَ الفرزدق:
— 445 —
﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ (٨) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم عَن ذكر الله وَمن يفعل ذَلِك فَأُولَئِك هم الخاسرون (٩) وأنفقوا من مَا رزقناكم من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني﴾ أَي: عَزِيز طَوِيلَة.
وَقَوله: ﴿وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾ أَي: الْغَلَبَة والمنعة وَالْقُوَّة، والعزة لله لعزة فِي ذَاته، والعزة لرَسُوله وَلِلْمُؤْمنِينَ بِمَا أَعْطَاهُم الله تَعَالَى من الْغَلَبَة والمنعة وَالْقُوَّة.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يعلمُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ أَن الْعِزَّة وَالْغَلَبَة لله وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ.
— 446 —
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تلهكم أَمْوَالكُم وَلَا أَوْلَادكُم﴾ أَي: لَا تشغلكم، وَمَعْنَاهُ: لَا تشتغلوا بِالْقيامِ على أَمْوَالكُم وَأَوْلَادكُمْ فيشغلكم ذَلِك عَن ذكر الله كَمَا شغل الْمُنَافِقين. وَذكر الله هُوَ الْإِيمَان بِهِ هَاهُنَا.
وَقَوله: ﴿وَمن يفعل ذَلِك فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾ أَي: المغبونون بحظوظهم. وَيُقَال: هم الَّذين غبنوا أنفسهم وخسروها فِي الْآخِرَة. وَعَن عَطاء: أَن ذكر الله هَاهُنَا هُوَ الصَّلَوَات الْخمس. وَقَالَ الضَّحَّاك: هُوَ جَمِيع مَا فَرْضه الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنفقوا مِمَّا رزقناكم﴾ الْأَصَح أَنه الزَّكَاة، وَقيل: هُوَ صَدَقَة التَّطَوُّع، وكل مَا ندب الله تَعَالَى إِلَيْهِ من النَّفَقَة فِي الْخيرَات.
وَقَوله: ﴿من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني﴾ أَي: هلا أخرتني.
قَوْله: ﴿إِلَى أجل قريب﴾ أَي: إِلَى مُدَّة قريبَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: كل من كَانَ لَهُ مَال وَلم يؤد زَكَاته يسْأَل الله الرّجْعَة إِذا حَضَره الْمَوْت. فَقَالُوا لَهُ: يَا ابْن عَبَّاس، اتَّقِ الله، فَإِنَّمَا الرّجْعَة للْكَافِرِ، فَقَالَ: اتْلُوا هَذِه الْآيَة: ﴿وأنفقوا مِمَّا رزقناكم﴾ الْآيَة. وَفِي رِوَايَة: أَن هَذَا فِي الْحَج بدل الزَّكَاة.
— 446 —
﴿إِلَى أجل قريب فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين (١٠) وَلنْ يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ (١١).﴾
وَقَوله: ﴿فَأَصدق وأكن من الصَّالِحين﴾ وَقُرِئَ: " وأكون " وَمن قَرَأَ " وأكون " فَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله فَأَصدق. وَقيل لِابْنِ عمر: وَكَيف خَالَفت الْمُصحف فِي قَوْله: ﴿وأكون من الصَّالِحين﴾ ؟ فَقَالَ: هُوَ مثل قَوْلهم فِي هجاء أبجد كلمن، وَهُوَ كلمون.
وَأما تَقْرِير الْآيَة على الْقِرَاءَة بِدُونِ الْوَاو: " وَإِن أخرتني أصدق وأكن من الصَّالِحين ". وَقيل: " أصدق " أَي: أزكي، " وأكن من الصَّالِحين " أَي: أحج.
— 447 —
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلنْ يُؤَخر الله نفسا إِذا جَاءَ أجلهَا﴾ أَي: لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر إِذا جَاءَ الْأَجَل.
وَقَوله: ﴿وَالله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
— 447 —

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿يسبح لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير (١) هُوَ الَّذِي خَلقكُم فمنكم كَافِر ومنكم مُؤمن﴾
تَفْسِير سُورَة التغابن
وَهِي مَدَنِيَّة فِي قَول الْأَكْثَرين. وَقَالَ الضَّحَّاك: مَكِّيَّة. وَقَالَ الْكَلْبِيّ: مَكِّيَّة ومدنية. وَمَعْنَاهُ: أَن بَعْضهَا مَكِّيَّة، وَبَعضهَا مَدَنِيَّة. وَالله أعلم.
— 448 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

11 مقطع من التفسير

(إِن الَّذِي سمك السَّمَاء بنى لنا بَيْتا دعائمه أعز وأطول)