تفسير سورة سورة المائدة

المكي الناصري

التيسير في أحاديث التفسير

المكي الناصري (ت 1415 هـ)

مقدمة التفسير
سورة المائدة مدنية وآياتها ١٢٠
والآن ونحن نشرع في سورة المائدة نرى من الواجب أن نفتتح القول فيها بكلمة خاصة عن سبب تسميتها ( بسورة المائدة )، وبكلمة عامة عن موضوعات هذه السورة الكريمة.
أما تسميتها بسورة المائدة فلعلها والله أعلم مبنية على ما نزل في هذه السورة من الآيات الكريمة المتعلقة بقصة المائدة، وذلك في قوله تعالى : إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين. وقال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك، وارزقنا، وأنت خير الرازقين. قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين .
وأما موضوعاتها فهذه السورة تشتمل على موضوعات تشريعية وأخلاقية واعتقادية متنوعة، وفيها بالخصوص أحكام تمس العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم، وأحكام تمس العلاقات الاجتماعية فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض، مما هو قاصر على الأسرة أو ممتد إلى المجتمع، وقد نقل القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) المعافري في كتابه ( أحكام القرآن ) عن أبي ميسرة أنه قال :( في المائدة ثمان عشرة فريضة ) ثم عقب على كلامه قائلا :( فأما قول أبي ميسرة إن فيها ثمان عشرة فريضة، فربما كان فيها ألف فريضة، وقد ذكرناها نحن في هذا المختصر للأحكام ).
وأول آية افتتحت بها هذه السورة مبدوءة بنداء هو أحب نداء يوجهه الحق سبحانه وتعالى إلى عباده المؤمنين يا أيها الذين آمنوا قال عبد الله بن مسعود لرجل سأله أن يعهد إليه ويوصيه وصية خير :( إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه ).
وبمجرد ما يصدر النداء الإلهي المحبب إلى المؤمنين يا أيها الذين آمنوا يصدر الأمر الإلهي إليهم بوجوب الوفاء بالعقود على اختلاف أنواعها، ما كان منها باسم الأفراد فيما بينهم، وما كان منها باسم الدولة الإسلامية التي تمثلهم، فيما بينها وبين الدول الأخرى من العقود والمواثيق، ويدخل في الوفاء بالعقد بطريق الأصالة الوفاء بالعقد الذي عقده الله بين المسلمين ورسولهم، على الاعتصام بكتابه الكريم، والتزام العمل بشريعته الفاضلة.
ومن الآيات التي يجب الوقوف عندها في هذا السياق قوله تعالى ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا يشير إلى ما قام به المشركون عدة مرات من الحيلولة بين المسلمين وبين الحج إلى بيت الله الحرام، أفرادا وجماعات، وخاصة ما قاموا به من التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى الحج، فكان من ذلك ( صلح الحديبية ) الشهير، فالله تعالى يأمر رسوله والمؤمنين –عندما فتح في وجوههم مكة وجزيرة العرب من أدناها إلى أقصاها فتحا مبينا، وغلبهم عن الشرك والوثنية – بأن لا ينتقموا من قريش، ولا يقابلوا عدوانها بعدوان مثله، وأن يعفوا ويصفحوا عما سلف، فالإسلام دين العفو لا دين الانتقام.
ثم يأمر كتاب الله المسلمين السابقين من المهاجرين والأنصار، والمسلمين اللاحقين بهم، الذين استسلموا لحكم الإسلام ودخلوا في دين الله أفواجا، أن ينسوا الماضي، ويتأهبوا للمستقبل، ويعبئوا طاقاتهم جميعا لخدمة الإسلام، والعمل في سبيل الله، على أساس من التعاون الصادق، بتوجيه من الله ورسوله، وذلك قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان .
وهكذا تم الفتح الإسلامي لمكة وجزيرة العرب، طبقا لتقاليد الشرف والشهامة والحكمة، وبرزت الدولة الإسلامية وشعارها البر دون الإثم، والتقوى دون العدوان، والتعاون دون التناكر، وذلك هو دستور الإسلام الذي تركه أمانة في أعناق أولي الأمر المسلمين، يلتزمونه ويهتدون بهديه، كلما تم لهم الغلب، أو آتاهم الله فتحا من عنده، فيكون شعارهم العفو دون الانتقام، وتجنيد الجميع في خدمة الصالح العام، عملا بدستور الفتح في الإسلام.
الربع الثالث من الحزب الحادي عشر
في المصحف الكريم
يستوعب هذا الربع من كتاب الله موضوع الحلال والحرام من المأكولات في الإسلام، كما يتحدث عن طعام أهل الكتاب بالنسبة للمسلمين، وطعام المسلمين بالنسبة لأهل الكتاب، ويشير إلى موضوع الزواج بالكتابيات، كما يشير إلى موضوع الطهارة المائية والطهارة الترابية عند القيام للصلاة، ويعين الأعضاء المطلوب غسلها أو مسحها، ويجدد الحديث عن العدل بالنسبة للصديق والعدو، ويذكر امتنان الله على المسلمين بنعمه التي لا تحصى، وعلى رأسها نعمة تمكين الدين وإكماله، ورضى الله عن أهله.
ونظرا لضيق الوقت نعالج في هذا الحديث الموضوع الأول، تاركين بقية الموضوعات لمناسبة قادمة، ففي موضوع الحلال والحرام من المأكولات حرم كتاب الله على المسلمين أكل الميتة، وهي ما مات من الحيوانات ميتة طبيعية، من غير ذكاة ولا اصطياد، وحرم الدم المسفوح الجاري، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون منهما، وحرم أكل الخنزير، ما كان منه انسيا أو وحشيا، وتحريم لحم الخنزير يستلزم تحريم شحمه، إذ ما من لحم إلا فيه شحم، ومن جملة حكم الله في تحريم هذه الأشياء حمايته للمسلمين مما فيها من الميكروبات والجراثيم والمواد الضارة، التي لم يهتد الأطباء لمعرفتها إلا في عهد متأخر جدا.
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :( اتفقت الأمة على أن لحم الخنزير حرام بجميع أجزائه، والفائدة في ذكر اللحم أن الخنزير حيوان يذبح للقصد إلى لحمه، وقد شغفت المبتدعة بأن تقول : فما بال شحمه، بأي شيء حرم ؟ وهم أعاجم، لا يعلمون أن من قال لحما قال شحما، ومن قال شحما فلم يقل لحما، إذ كل شحم لحم، وليس كل لحم شحما من جهة اختصاص اللفظ، وهو لحم من جهة حقيقة اللحمية ).
كما حرم الله على المسلمين أكل الذبائح التي ذبحت لغير الله، وذكر عليها عند الذبح اسم غيره من الأصنام والأوثان وما شابهها وما أهل لغير الله به والتحريم هنا لعلة اعتقادية، لها علاقة وثيقة بالشرك والوثنية.
ومن المحرمات من هذا النوع الذبائح التي كان المشركون يذبحونها وينضحون بدمائها الأحجار المنصوبة من حول الكعبة وما ذبح على النصب ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه . ومن بين المحرمات التي لها نفس الحكم الميتة ما مات مخنوقا بحبل أو غيره، إما عمدا وإما صدفة المنخنقة .
وما مات مضروبا بالحجر أو العصا أو الخشب أو غير ذلك، من كل شيء ثقيل غير محدد الموقوذة .
وما مات ساقطا من جبل أو سطح أو هوى في بئر، أو تردى من مكان شاهق المتردية ، ويلحق بها المتندية وهي الدابة التي انفلتت من وثاقها وشردت، فوقعت مطاردتها لإرجاعها، ورميت بسيف أو رمح فماتت.
وما مات منطوحا بقرون بهيمة أخرى النطيحة .
وما وقع فريسة للوحوش المفترسة ما آكل السبع وكان أهل الجاهلية إذا أكل السبع شاة أكلوا بقيتها.
فهذه كلها محرمات ملحقة بالميتة، اللهم إلا إذا وقع تداركها بالذبح وهي تحرك يدا أو رجلا ولا تزال فيها الروح إلا ما ذكيتم .
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :( اختلف قول مالك في هذه الأشياء، فروي عنه أنه لا يوكل إلا ما كان بذكاة صحيحة. والذي في ( الموطأ ) عنه أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري وهي تطرف فليأكلها. ثم عقب ابن العربي على ذلك قائلا :( وهذا هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد، عمره، فهو أولى من الروايات الغابرة ).
ومما ورد تحريمه في هذا السياق اللحوم التي يتم الوصول إليها وتقع قسمتها بين المقامرين عن طريق الاستقسام بالأزلام، وهي القداح والقراطيس التي كان المشركون يستشيرونها بحضرة أصنامهم في الإقدام على الأمور أو الإحجام عنها، والتي كانوا يقامرون بها أحيانا أخرى في الميسر، فكل من خرج له قدح أو قرطاس نال من لحم الجزور بقدر ما خصص لذلك القدح أو القرطاس، فيمثلون ما يخرج لهم، ويعتقدون أن ذلك هداية من الصنم لمطلبهم وأن تستقسموا بالأزلام .
وهذه المحرمات جميعا هي التي استوعبها قوله تعالى في هذا الربع : حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع –إلا ما ذكيتم – وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام . وسبقت في سورة البقرة آية أخرى لها علاقة بهذا الموضوع، وهي قوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله .
غير أن الحق سبحانه وتعالى – تخفيفا عن عباده، وحفظا لهم من خطر الهلاك في حالة الإضطرار – أباح لهم عند عدم وجود الحلال من المأكولات أن يأكلوا ما يدفعون به ألم الجوع وينقذهم من الخطر، ولو كان محرما، في انتظار وجود ما هو حلال، بشرط أن لا يتعمدوا أكل ذلك الحرام عن شهوة مقصودة، وإنما يتناولونه عن ضرورة ملحة لا خلاص لهم منها، وذلك قوله تعالى : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم على غرار قوله تعالى في آية أخرى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه .
وفي نفس هذا المعنى سبقت آية أخرى في سورة البقرة، وهي قوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم .
ومعنى قوله تعالى : غير باغ ولا عاد . عند المحققين من المفسرين : غير طالب شرا ولا متجاوز حدا، فيدخل تحت لفظ الباغي كل خارج عن الإمام وقاطع للطريق ومن في معناهما، ويدخل تحت لفظ ( العادي ) كل من تجاوز حد الضرورة إلى حد الاختيار، ولأجل ذلك لا يستبيح العاصي بسفره رخص السفر، لأن الله تعالى إنما أباح ذلك عونا، والعاصي لا تحل إعانته، فإن أراد الانتفاع بالرخصة فليتب أولا، ثم ليترخص ثانيا.
الربع الثالث من الحزب الحادي عشر
في المصحف الكريم
يستوعب هذا الربع من كتاب الله موضوع الحلال والحرام من المأكولات في الإسلام، كما يتحدث عن طعام أهل الكتاب بالنسبة للمسلمين، وطعام المسلمين بالنسبة لأهل الكتاب، ويشير إلى موضوع الزواج بالكتابيات، كما يشير إلى موضوع الطهارة المائية والطهارة الترابية عند القيام للصلاة، ويعين الأعضاء المطلوب غسلها أو مسحها، ويجدد الحديث عن العدل بالنسبة للصديق والعدو، ويذكر امتنان الله على المسلمين بنعمه التي لا تحصى، وعلى رأسها نعمة تمكين الدين وإكماله، ورضى الله عن أهله.
ونظرا لضيق الوقت نعالج في هذا الحديث الموضوع الأول، تاركين بقية الموضوعات لمناسبة قادمة، ففي موضوع الحلال والحرام من المأكولات حرم كتاب الله على المسلمين أكل الميتة، وهي ما مات من الحيوانات ميتة طبيعية، من غير ذكاة ولا اصطياد، وحرم الدم المسفوح الجاري، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون منهما، وحرم أكل الخنزير، ما كان منه انسيا أو وحشيا، وتحريم لحم الخنزير يستلزم تحريم شحمه، إذ ما من لحم إلا فيه شحم، ومن جملة حكم الله في تحريم هذه الأشياء حمايته للمسلمين مما فيها من الميكروبات والجراثيم والمواد الضارة، التي لم يهتد الأطباء لمعرفتها إلا في عهد متأخر جدا.
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :( اتفقت الأمة على أن لحم الخنزير حرام بجميع أجزائه، والفائدة في ذكر اللحم أن الخنزير حيوان يذبح للقصد إلى لحمه، وقد شغفت المبتدعة بأن تقول : فما بال شحمه، بأي شيء حرم ؟ وهم أعاجم، لا يعلمون أن من قال لحما قال شحما، ومن قال شحما فلم يقل لحما، إذ كل شحم لحم، وليس كل لحم شحما من جهة اختصاص اللفظ، وهو لحم من جهة حقيقة اللحمية ).
كما حرم الله على المسلمين أكل الذبائح التي ذبحت لغير الله، وذكر عليها عند الذبح اسم غيره من الأصنام والأوثان وما شابهها وما أهل لغير الله به والتحريم هنا لعلة اعتقادية، لها علاقة وثيقة بالشرك والوثنية.
ومن المحرمات من هذا النوع الذبائح التي كان المشركون يذبحونها وينضحون بدمائها الأحجار المنصوبة من حول الكعبة وما ذبح على النصب ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه . ومن بين المحرمات التي لها نفس الحكم الميتة ما مات مخنوقا بحبل أو غيره، إما عمدا وإما صدفة المنخنقة .
وما مات مضروبا بالحجر أو العصا أو الخشب أو غير ذلك، من كل شيء ثقيل غير محدد الموقوذة .
وما مات ساقطا من جبل أو سطح أو هوى في بئر، أو تردى من مكان شاهق المتردية ، ويلحق بها المتندية وهي الدابة التي انفلتت من وثاقها وشردت، فوقعت مطاردتها لإرجاعها، ورميت بسيف أو رمح فماتت.
وما مات منطوحا بقرون بهيمة أخرى النطيحة .
وما وقع فريسة للوحوش المفترسة ما آكل السبع وكان أهل الجاهلية إذا أكل السبع شاة أكلوا بقيتها.
فهذه كلها محرمات ملحقة بالميتة، اللهم إلا إذا وقع تداركها بالذبح وهي تحرك يدا أو رجلا ولا تزال فيها الروح إلا ما ذكيتم .
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :( اختلف قول مالك في هذه الأشياء، فروي عنه أنه لا يوكل إلا ما كان بذكاة صحيحة. والذي في ( الموطأ ) عنه أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري وهي تطرف فليأكلها. ثم عقب ابن العربي على ذلك قائلا :( وهذا هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد، عمره، فهو أولى من الروايات الغابرة ).
ومما ورد تحريمه في هذا السياق اللحوم التي يتم الوصول إليها وتقع قسمتها بين المقامرين عن طريق الاستقسام بالأزلام، وهي القداح والقراطيس التي كان المشركون يستشيرونها بحضرة أصنامهم في الإقدام على الأمور أو الإحجام عنها، والتي كانوا يقامرون بها أحيانا أخرى في الميسر، فكل من خرج له قدح أو قرطاس نال من لحم الجزور بقدر ما خصص لذلك القدح أو القرطاس، فيمثلون ما يخرج لهم، ويعتقدون أن ذلك هداية من الصنم لمطلبهم وأن تستقسموا بالأزلام .
وهذه المحرمات جميعا هي التي استوعبها قوله تعالى في هذا الربع : حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع –إلا ما ذكيتم – وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام . وسبقت في سورة البقرة آية أخرى لها علاقة بهذا الموضوع، وهي قوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله .
غير أن الحق سبحانه وتعالى – تخفيفا عن عباده، وحفظا لهم من خطر الهلاك في حالة الإضطرار – أباح لهم عند عدم وجود الحلال من المأكولات أن يأكلوا ما يدفعون به ألم الجوع وينقذهم من الخطر، ولو كان محرما، في انتظار وجود ما هو حلال، بشرط أن لا يتعمدوا أكل ذلك الحرام عن شهوة مقصودة، وإنما يتناولونه عن ضرورة ملحة لا خلاص لهم منها، وذلك قوله تعالى : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم على غرار قوله تعالى في آية أخرى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه .
وفي نفس هذا المعنى سبقت آية أخرى في سورة البقرة، وهي قوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم .
ومعنى قوله تعالى : غير باغ ولا عاد . عند المحققين من المفسرين : غير طالب شرا ولا متجاوز حدا، فيدخل تحت لفظ الباغي كل خارج عن الإمام وقاطع للطريق ومن في معناهما، ويدخل تحت لفظ ( العادي ) كل من تجاوز حد الضرورة إلى حد الاختيار، ولأجل ذلك لا يستبيح العاصي بسفره رخص السفر، لأن الله تعالى إنما أباح ذلك عونا، والعاصي لا تحل إعانته، فإن أراد الانتفاع بالرخصة فليتب أولا، ثم ليترخص ثانيا.
ثم مضت الآيات الكريمة تشرح تساؤل المسلمين من جديد عن هذا الموضوع، وكأنهم أخذوا يتحرجون من أكل بعض الأشياء الأخرى التي اعتادوا أكلها قبل الإسلام، فهم يستفسرون الرسول صلى الله عليه وسلم عنها لمعرفة حكم الله فيها، وذلك قوله تعالى : يسئلونك ماذا أحل لهم، قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلموهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه، واتقوا الله، إن الله سريع الحساب .
ومعنى هذا الجواب أن الله تعالى لم يحرم على المؤمنين شيئا من الطيبات ، وإنما حرم عليهم الخبائث وحدها : الخبائث بطبعها، والخبائث بالقصد منها، وأضاف إلى ما هو حلال نوعا آخر هو أكل ما وقع صيده بواسطة الكلاب المعلمة ) والكلب المعلم ( هو الذي إذا أشليته انشلى، وإذا زجرته انزجر، وإذن فصيد الكلب المعلم هو الحلال، لا نفس الكلب المعلم، وإنما يكون صيدا حلالا إذا أخذ الكلب الصيد وأمسكه حتى يجيء إليه صاحبه، وكان الصائد قد ذكر اسم الله عند إرساله للصيد، طبقا لقوله تعالى : واذكروا اسم الله عليه ويلحق بالكلب المعلم الفهود وجوارح الطير، فقد روى أشهب وغيره عن الإمام مالك أن الباز والصقر والعقاب وما أشبه ذلك من الطير إذا كان معلما يفقه ما يفقه الكلب فإنه يجوز صيده، وبه قال عامة العلماء.
الربع الثالث من الحزب الحادي عشر
في المصحف الكريم
يستوعب هذا الربع من كتاب الله موضوع الحلال والحرام من المأكولات في الإسلام، كما يتحدث عن طعام أهل الكتاب بالنسبة للمسلمين، وطعام المسلمين بالنسبة لأهل الكتاب، ويشير إلى موضوع الزواج بالكتابيات، كما يشير إلى موضوع الطهارة المائية والطهارة الترابية عند القيام للصلاة، ويعين الأعضاء المطلوب غسلها أو مسحها، ويجدد الحديث عن العدل بالنسبة للصديق والعدو، ويذكر امتنان الله على المسلمين بنعمه التي لا تحصى، وعلى رأسها نعمة تمكين الدين وإكماله، ورضى الله عن أهله.
ونظرا لضيق الوقت نعالج في هذا الحديث الموضوع الأول، تاركين بقية الموضوعات لمناسبة قادمة، ففي موضوع الحلال والحرام من المأكولات حرم كتاب الله على المسلمين أكل الميتة، وهي ما مات من الحيوانات ميتة طبيعية، من غير ذكاة ولا اصطياد، وحرم الدم المسفوح الجاري، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون منهما، وحرم أكل الخنزير، ما كان منه انسيا أو وحشيا، وتحريم لحم الخنزير يستلزم تحريم شحمه، إذ ما من لحم إلا فيه شحم، ومن جملة حكم الله في تحريم هذه الأشياء حمايته للمسلمين مما فيها من الميكروبات والجراثيم والمواد الضارة، التي لم يهتد الأطباء لمعرفتها إلا في عهد متأخر جدا.
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :( اتفقت الأمة على أن لحم الخنزير حرام بجميع أجزائه، والفائدة في ذكر اللحم أن الخنزير حيوان يذبح للقصد إلى لحمه، وقد شغفت المبتدعة بأن تقول : فما بال شحمه، بأي شيء حرم ؟ وهم أعاجم، لا يعلمون أن من قال لحما قال شحما، ومن قال شحما فلم يقل لحما، إذ كل شحم لحم، وليس كل لحم شحما من جهة اختصاص اللفظ، وهو لحم من جهة حقيقة اللحمية ).
كما حرم الله على المسلمين أكل الذبائح التي ذبحت لغير الله، وذكر عليها عند الذبح اسم غيره من الأصنام والأوثان وما شابهها وما أهل لغير الله به والتحريم هنا لعلة اعتقادية، لها علاقة وثيقة بالشرك والوثنية.
ومن المحرمات من هذا النوع الذبائح التي كان المشركون يذبحونها وينضحون بدمائها الأحجار المنصوبة من حول الكعبة وما ذبح على النصب ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه . ومن بين المحرمات التي لها نفس الحكم الميتة ما مات مخنوقا بحبل أو غيره، إما عمدا وإما صدفة المنخنقة .
وما مات مضروبا بالحجر أو العصا أو الخشب أو غير ذلك، من كل شيء ثقيل غير محدد الموقوذة .
وما مات ساقطا من جبل أو سطح أو هوى في بئر، أو تردى من مكان شاهق المتردية ، ويلحق بها المتندية وهي الدابة التي انفلتت من وثاقها وشردت، فوقعت مطاردتها لإرجاعها، ورميت بسيف أو رمح فماتت.
وما مات منطوحا بقرون بهيمة أخرى النطيحة .
وما وقع فريسة للوحوش المفترسة ما آكل السبع وكان أهل الجاهلية إذا أكل السبع شاة أكلوا بقيتها.
فهذه كلها محرمات ملحقة بالميتة، اللهم إلا إذا وقع تداركها بالذبح وهي تحرك يدا أو رجلا ولا تزال فيها الروح إلا ما ذكيتم .
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :( اختلف قول مالك في هذه الأشياء، فروي عنه أنه لا يوكل إلا ما كان بذكاة صحيحة. والذي في ( الموطأ ) عنه أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري وهي تطرف فليأكلها. ثم عقب ابن العربي على ذلك قائلا :( وهذا هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من كل بلد، عمره، فهو أولى من الروايات الغابرة ).
ومما ورد تحريمه في هذا السياق اللحوم التي يتم الوصول إليها وتقع قسمتها بين المقامرين عن طريق الاستقسام بالأزلام، وهي القداح والقراطيس التي كان المشركون يستشيرونها بحضرة أصنامهم في الإقدام على الأمور أو الإحجام عنها، والتي كانوا يقامرون بها أحيانا أخرى في الميسر، فكل من خرج له قدح أو قرطاس نال من لحم الجزور بقدر ما خصص لذلك القدح أو القرطاس، فيمثلون ما يخرج لهم، ويعتقدون أن ذلك هداية من الصنم لمطلبهم وأن تستقسموا بالأزلام .
وهذه المحرمات جميعا هي التي استوعبها قوله تعالى في هذا الربع : حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع –إلا ما ذكيتم – وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام . وسبقت في سورة البقرة آية أخرى لها علاقة بهذا الموضوع، وهي قوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله .
غير أن الحق سبحانه وتعالى – تخفيفا عن عباده، وحفظا لهم من خطر الهلاك في حالة الإضطرار – أباح لهم عند عدم وجود الحلال من المأكولات أن يأكلوا ما يدفعون به ألم الجوع وينقذهم من الخطر، ولو كان محرما، في انتظار وجود ما هو حلال، بشرط أن لا يتعمدوا أكل ذلك الحرام عن شهوة مقصودة، وإنما يتناولونه عن ضرورة ملحة لا خلاص لهم منها، وذلك قوله تعالى : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم على غرار قوله تعالى في آية أخرى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه .
وفي نفس هذا المعنى سبقت آية أخرى في سورة البقرة، وهي قوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم .
ومعنى قوله تعالى : غير باغ ولا عاد . عند المحققين من المفسرين : غير طالب شرا ولا متجاوز حدا، فيدخل تحت لفظ الباغي كل خارج عن الإمام وقاطع للطريق ومن في معناهما، ويدخل تحت لفظ ( العادي ) كل من تجاوز حد الضرورة إلى حد الاختيار، ولأجل ذلك لا يستبيح العاصي بسفره رخص السفر، لأن الله تعالى إنما أباح ذلك عونا، والعاصي لا تحل إعانته، فإن أراد الانتفاع بالرخصة فليتب أولا، ثم ليترخص ثانيا.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن طعام أهل الكتاب، مبينا أن ذبائح الكتابيين من اليهود والنصارى وأطعمتهم حلال للمسلمين، بخلاف المجوس فلا تؤكل ذبائحهم ولا أطعمتهم، وذلك قول الله تعالى : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم .
قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) :( فإن قيل : فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس. فالجواب : إن هذه ميتة، وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن، كالخنزير فإنه حلال لهم، ومن طعامهم، وهو حرام علينا، فهذه أمثلة، والله أعلم ).
ثم عاد فقال :( ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها، هل يأكل معه، أو تؤخذ طعاما منه ؟ فقلت : تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا ).
وذكر ابن كثير في تفسيره أن أصحاب مالك يحرمون على المسلمين أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم، إذ ليس من طعامهم، فلا يندرج تحت قوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم .
وفصل ابن رشد في كتابه بداية المجتهد القول في هذا الموضوع فقال، ( والحق أن ما حرم عليهم أو حرموه على أنفسهم – يقصد أهل الكتاب – هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل، إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع، فيجب أن لا يراعى اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين، ولا اعتقاد شريعتهم، لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه، لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا، واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم.
وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به، فذبائحهم – والله أعلم – جائزة لنا على الإطلاق، وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة، فتأمل هذا فإنه بين، والله أعلم ).
أما قوله تعالى : وطعامكم حل لهم فمعناه أن الله تعالى أباح للمسلمين أن يطعموا من ذبائحهم أهل الكتاب، أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم. وقال ابن كثير :( وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة. فأما الحديث الذي فيه ( لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي ) فمحمول على الندب والاستحباب، والله أعلم ).
وقوله تعالى : ذلكم فسق بعد قوله : وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام وارد على غرار قوله تعالى في آية أخرى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق فالواجب على المسلم تفادي ذلك بكل الوسائل، حتى لا يندرج في عداد الفاسقين.
الربع الأخير من الحزب الحادي عشر
في المصحف الكريم
تعرض الآيات الكريمة في هذا الربع الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل، وما تجرؤوا عليه من نقض لذلك الميثاق، وما نالهم من عذاب، نتيجة نقضه وخيانته ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا، وقال الله إني معكم ، ومن الفوائد في هذا الربع الإشارة إلى ( النقباء ) الذين هم بمنزلة النواب والمندوبين عن غيرهم، يتحدثون باسمهم بمختلف المناسبات، وينوبون عنهم في النظر إلى مختلف المشاكل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا فقد وجه موسى عليه السلام النقباء الإثني عشر إلى الأرض المقدسة، ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظروا معه في الغزو إليها.
وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة، وعددهم في تلك الليلة سبعون رجلا، كان فيهم اثنا عشر نقيبا بعدد نقباء موسى، ثلاثة من الأوس وتسعة من الخزرج، وهؤلاء هم الذين تولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وقد جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم نقباء على من كان معهم، وعلى من يأتي بعدهم.
قال ( ابن العربي ) :( قال علماؤنا، التسعة من الخزرج هم : أبو أسامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمر، وعمر بن الجموح )، وذكر بن كثير بدلا من هذا الإسم اسم ( رافع بن مالك بن العجلان ) والثلاثة من الأوس هم أسيد بن الخضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. ومن الناس من يعد فيهم أبا الهيثم بن التيهان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ( نقيب الأنصار ) بالنسبة لنقبائهم ولمن تحتهم جميعا.
وكلمة ( نقيب ) تطلق في اللغة على الأمين والكفيل، وإنما قيل له ( نقيب ) لأنه يعرف دخيلة أمر القوم ومناقبهم، والمناقب تطلق على الخلق الجميلة وعلى الأخلاق الحسنة.
وكما عرف الإسلام ( النقباء ) فقد عرف ( العرفاء )، جمع عريف، وهو الذي يعرف ما عند الشخص الذي كلف به، ليعرف به من جعله عريفا، فقد روي أن وفد هوازن لما جاؤوا تائبين إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلم رسول الله الناس، وسألهم أن يتركوا لهم نصيبهم من السبي، فقال الناس :( قد طيبنا ذلك يا رسول الله – أي وافقنا عليه- لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ). فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا، وبنى قراره صلى الله عليه وسلم على ما بلغه ( العرفاء ) إليه نيابة عمن يمثلونهم من الناس.
وهذه السابقة التاريخية تصح أن تكون سندا لكل نظام تمثيلي يراد إنشاؤه في العالم الإسلامي، تحقيقا للشورى العامة التي أمر بها الإسلام، وطبقها الرسول صلى الله عليه وسلم.
الربع الأخير من الحزب الحادي عشر
في المصحف الكريم
تعرض الآيات الكريمة في هذا الربع الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل، وما تجرؤوا عليه من نقض لذلك الميثاق، وما نالهم من عذاب، نتيجة نقضه وخيانته ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا، وقال الله إني معكم ، ومن الفوائد في هذا الربع الإشارة إلى ( النقباء ) الذين هم بمنزلة النواب والمندوبين عن غيرهم، يتحدثون باسمهم بمختلف المناسبات، وينوبون عنهم في النظر إلى مختلف المشاكل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا فقد وجه موسى عليه السلام النقباء الإثني عشر إلى الأرض المقدسة، ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظروا معه في الغزو إليها.
وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة، وعددهم في تلك الليلة سبعون رجلا، كان فيهم اثنا عشر نقيبا بعدد نقباء موسى، ثلاثة من الأوس وتسعة من الخزرج، وهؤلاء هم الذين تولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وقد جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم نقباء على من كان معهم، وعلى من يأتي بعدهم.
قال ( ابن العربي ) :( قال علماؤنا، التسعة من الخزرج هم : أبو أسامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمر، وعمر بن الجموح )، وذكر بن كثير بدلا من هذا الإسم اسم ( رافع بن مالك بن العجلان ) والثلاثة من الأوس هم أسيد بن الخضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. ومن الناس من يعد فيهم أبا الهيثم بن التيهان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ( نقيب الأنصار ) بالنسبة لنقبائهم ولمن تحتهم جميعا.
وكلمة ( نقيب ) تطلق في اللغة على الأمين والكفيل، وإنما قيل له ( نقيب ) لأنه يعرف دخيلة أمر القوم ومناقبهم، والمناقب تطلق على الخلق الجميلة وعلى الأخلاق الحسنة.
وكما عرف الإسلام ( النقباء ) فقد عرف ( العرفاء )، جمع عريف، وهو الذي يعرف ما عند الشخص الذي كلف به، ليعرف به من جعله عريفا، فقد روي أن وفد هوازن لما جاؤوا تائبين إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلم رسول الله الناس، وسألهم أن يتركوا لهم نصيبهم من السبي، فقال الناس :( قد طيبنا ذلك يا رسول الله – أي وافقنا عليه- لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ). فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا، وبنى قراره صلى الله عليه وسلم على ما بلغه ( العرفاء ) إليه نيابة عمن يمثلونهم من الناس.
وهذه السابقة التاريخية تصح أن تكون سندا لكل نظام تمثيلي يراد إنشاؤه في العالم الإسلامي، تحقيقا للشورى العامة التي أمر بها الإسلام، وطبقها الرسول صلى الله عليه وسلم.
كما تعرض الآيات الكريمة الميثاق الذي أخذه الله على النصارى، ثم نقضهم لميثاقه، بعد ذلك، وما نالهم من عقاب وعذاب، نتيجة نقضهم لميثاقه، وخيانتهم لعهده ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة .
ويوجه كتاب الله خطابه إلى أهل الكتاب من النصارى واليهود، مبينا لهم أن الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام جاء ليظهر الكثير مما كانوا يخفونه في كتبهم، وليبرز حقيقة الوحي الإلهي لهم خاصة وللناس عامة، وليخرجهم من الظلمات إلى النور يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين .
ثم يواجه كتاب الله العقيدة الباطلة التي يعتقدها النصارى في المسيح ابن مريم وأمه منها، ومذكرا بعبوديتها لله، وخضوعهما لمشيئته، ونزولهما عند إرادته لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا، ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما .
ويتناول كتاب الله بالأخص ما يمني به اليهود والنصارى أنفسهم، وما يعتقدونه، لمن هو منهم وعلى شاكلتهم، من منزلة عند الله، والمكانة الخاصة لديه دون بقية الناس، ثم يكر الخطاب الإلهي على دعواهم بالنقض والإبطال، مبينا لهم أنهم بشر ممن خلق لا أقل ولا أكثر، فهم لا يفضلون، غيرهم بأي فضل ذاتي، مهما ادعوا لأنفسهم من الدعاوى، ومهما تمنوا على الله من الأماني وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبهم بذنوبكم، بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء .
ويتجه الخطاب الإلهي مرة أخرى إلى أهل الكتاب مباشرة، لافتا نظرهم إلى الرسول الأعظم الذي أرسله الله ليبين لهم الحق، على حين فترة من الرسل، وليقيم عليهم الحجة حتى لا يقولوا : ما جاءنا من بشير ولا نذير يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير ونذير، والله على كل شيء قدير .
ثم يحكي كتاب الله للناس أجمعين قصة موسى مع قومه، وما وجهه إليهم من ذكرى وموعظة عسى أن يذكروا نعمة الله فيقابلوها بالشكر والطاعة، فقد جعل الله فيهم من الأنبياء والملوك ما لم يجعله في غيرهم من معاصريهم، وآتاهم من نعمه ما لم يؤت بقية الناس في عهدهم، لكنهم كفروا بنعمه، ولم يحفلوا بالميثاق الذي واثقهم عليه، ولم يجاهدوا في سبيله.
وذلك هو السر في جبنهم وتراجعهم أمام الأرض المقدسة وهم على أبوابها، وفزعهم من القوم الذين استولوا عليها فزعا جعلهم يصرخون في وجه نبيهم موسى، ويعلنون براءتهم منه ومن ربه كما حكى الله عنهم في كتابه المبين : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا، وأتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين، يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٠:ثم يحكي كتاب الله للناس أجمعين قصة موسى مع قومه، وما وجهه إليهم من ذكرى وموعظة عسى أن يذكروا نعمة الله فيقابلوها بالشكر والطاعة، فقد جعل الله فيهم من الأنبياء والملوك ما لم يجعله في غيرهم من معاصريهم، وآتاهم من نعمه ما لم يؤت بقية الناس في عهدهم، لكنهم كفروا بنعمه، ولم يحفلوا بالميثاق الذي واثقهم عليه، ولم يجاهدوا في سبيله.
وذلك هو السر في جبنهم وتراجعهم أمام الأرض المقدسة وهم على أبوابها، وفزعهم من القوم الذين استولوا عليها فزعا جعلهم يصرخون في وجه نبيهم موسى، ويعلنون براءتهم منه ومن ربه كما حكى الله عنهم في كتابه المبين : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا، وأتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين، يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون

قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون قال ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين .
وفي ( كتاب التفسير ) من صحيح البخاري عن طارق عن عبد الله قال :( قال المقداد يوم بدر : يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ولكن امض ونحن معك. فكأنه سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل أقوى دلالة على الأثر الحميد والعميق الذي كانت تتركه في نفوس المسلمين قصص الأنبياء مع أقوامهم، وذلك هو الغرض الأول من ذكرها في القرآن الكريم.
الربع الأول من الحزب الثاني
عشر من المصحف الكريم
في هذا الربع، من كتاب الله تتحدث الآيات الكريمة بالأخص عن ثلاثة أمور أساسية لا يقوم مجتمع سليم آمن ومطمئن بدون حفظ لها، وذب عنها، وصيانتها من كل اعتداء، ألا وهي أمن الأرواح وأمن الأموال وأمن الطرق، كما تتحدث عن موقف بني إسرائيل من الأرض المقدسة وتحريمها عليهم، جزاء خذلانهم لنبيهم موسى عليه السلام، وعن نفيهم في التيه وابتلائهم فيه مدة أربعين سنة قال فإنها محرمة عليهم، أربعين سنة يتيهون في الأرض .
الربع الأول من الحزب الثاني
عشر من المصحف الكريم
في هذا الربع، من كتاب الله تتحدث الآيات الكريمة بالأخص عن ثلاثة أمور أساسية لا يقوم مجتمع سليم آمن ومطمئن بدون حفظ لها، وذب عنها، وصيانتها من كل اعتداء، ألا وهي أمن الأرواح وأمن الأموال وأمن الطرق، كما تتحدث عن موقف بني إسرائيل من الأرض المقدسة وتحريمها عليهم، جزاء خذلانهم لنبيهم موسى عليه السلام، وعن نفيهم في التيه وابتلائهم فيه مدة أربعين سنة قال فإنها محرمة عليهم، أربعين سنة يتيهون في الأرض .
أما موضوع الأمن على الأرواح فقد تناوله القرآن الكريم عندما عرض على المؤمنين قصة ولدي آدم، وبين أنهما ذات يوم قدما إلى الله قربانا بقصد التقرب إليه، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وكانت الصدقة المقبولة هي صدقة ولد آدم التقي، دون أخيه غير المتقي، فثارت فورة الحسد والحقد في نفس الأخ الذي لم يقبل قربانه، وأحس أنه قد افتضح أمام الناس، إذ ظهر من أمره ما بطن، وألقى الشيطان في روعه أنه لا حياة له ما دام أخوه المتقي والمقبول القربان عند الله يمشي على الأرض، ففكر في قتل أخيه والتخلص منه لينفرد وحده بالعيش، وعندما هدد أخاه بالقتل أجابه أخوه بأن قبول القربان يتوقف على تقوى الله، فما عليه إذا أراد قبول قربانه إلا أن يتقي بدوره، لكن أخاه أصر على قتله مهما كلفه الأمر، فما كان من الأخ المتقي إلا أن ذكر أخاه الحسود الحقود بأنه يخاف الله، وأنه لن يقاتله ولن يقتله ولو دفاعا عن نفسه، وأنه يفضل أن يقع إثم قتله على أخيه، بدلا من يقع هو في الإثم مثله، وأخيرا تغلبت نزعة الشر في أخيه على نزعة الخير التي فيه، فقضى نحبه قتيلا على يد أخيه، وتحمل أخوه وزر قتله ووزر كل قتل وقع بين الناس من بعده، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل ).
وتشير قصة ابني آدم في نفس السياق إلى أن الأخ الحسود القاتل قد ارتبك بعد قتله لأخيه ولم يعرف ماذا يفعل به، إلى أن رأى غرابا يواري تحت التراب غرابا آخر قد مات، فأقبل على أخيه يواريه في التراب، وذلك قوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي، فأصبح من النادمين .
فهذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تصف لنا نموذجين من البشر تمكنت من أحدهما روح الاعتداء، كما تمكنت روح الطيبوبة من الآخر، وهما وجها لوجه، دون رادع يردع الأول من الثاني :
النموذج الأول : نموذج الإنسان النزاع إلى الشر، الميال إلى العدوان، المصر على الأذى، المتعدي للحدود.
النموذج الثاني : نموذج الإنسان النزاع للخير، الميال إلى الإنصاف، الحريص على الإحسان، المتمسك بالتقوى.
وتبين لنا نفس القصة أنه عندما واجه كل واحد منهما الآخر بمفردهما ولم يتدخل بينهما عنصر ثالث، ليردع الإنسان الشرير، ويحول بينه وبين الاعتداء على الإنسان الخير، كان عنصر الخير هو الضحية والفريسة لعنصر الشر، ولم تنفع تقوى المتقي أمام عدوان المعتدي.
ومن هنا اقتضت حكمة الله تشريع الحدود الرادعة عن ارتكاب الجرائم، وإقامة السلطة التي تقوم بتنفيذها، وتتولى مطاردة المجرمين، وحماية الأرواح والأموال والطرق، من اعتداء المعتدين حتى لا يعكروا صفو الحياة على بقية الناس الآمنين.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧:م٢٦
أما موضوع الأمن على الأرواح فقد تناوله القرآن الكريم عندما عرض على المؤمنين قصة ولدي آدم، وبين أنهما ذات يوم قدما إلى الله قربانا بقصد التقرب إليه، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وكانت الصدقة المقبولة هي صدقة ولد آدم التقي، دون أخيه غير المتقي، فثارت فورة الحسد والحقد في نفس الأخ الذي لم يقبل قربانه، وأحس أنه قد افتضح أمام الناس، إذ ظهر من أمره ما بطن، وألقى الشيطان في روعه أنه لا حياة له ما دام أخوه المتقي والمقبول القربان عند الله يمشي على الأرض، ففكر في قتل أخيه والتخلص منه لينفرد وحده بالعيش، وعندما هدد أخاه بالقتل أجابه أخوه بأن قبول القربان يتوقف على تقوى الله، فما عليه إذا أراد قبول قربانه إلا أن يتقي بدوره، لكن أخاه أصر على قتله مهما كلفه الأمر، فما كان من الأخ المتقي إلا أن ذكر أخاه الحسود الحقود بأنه يخاف الله، وأنه لن يقاتله ولن يقتله ولو دفاعا عن نفسه، وأنه يفضل أن يقع إثم قتله على أخيه، بدلا من يقع هو في الإثم مثله، وأخيرا تغلبت نزعة الشر في أخيه على نزعة الخير التي فيه، فقضى نحبه قتيلا على يد أخيه، وتحمل أخوه وزر قتله ووزر كل قتل وقع بين الناس من بعده، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل ).
وتشير قصة ابني آدم في نفس السياق إلى أن الأخ الحسود القاتل قد ارتبك بعد قتله لأخيه ولم يعرف ماذا يفعل به، إلى أن رأى غرابا يواري تحت التراب غرابا آخر قد مات، فأقبل على أخيه يواريه في التراب، وذلك قوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي، فأصبح من النادمين .
فهذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تصف لنا نموذجين من البشر تمكنت من أحدهما روح الاعتداء، كما تمكنت روح الطيبوبة من الآخر، وهما وجها لوجه، دون رادع يردع الأول من الثاني :
النموذج الأول : نموذج الإنسان النزاع إلى الشر، الميال إلى العدوان، المصر على الأذى، المتعدي للحدود.
النموذج الثاني : نموذج الإنسان النزاع للخير، الميال إلى الإنصاف، الحريص على الإحسان، المتمسك بالتقوى.
وتبين لنا نفس القصة أنه عندما واجه كل واحد منهما الآخر بمفردهما ولم يتدخل بينهما عنصر ثالث، ليردع الإنسان الشرير، ويحول بينه وبين الاعتداء على الإنسان الخير، كان عنصر الخير هو الضحية والفريسة لعنصر الشر، ولم تنفع تقوى المتقي أمام عدوان المعتدي.
ومن هنا اقتضت حكمة الله تشريع الحدود الرادعة عن ارتكاب الجرائم، وإقامة السلطة التي تقوم بتنفيذها، وتتولى مطاردة المجرمين، وحماية الأرواح والأموال والطرق، من اعتداء المعتدين حتى لا يعكروا صفو الحياة على بقية الناس الآمنين.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧:م٢٦
أما موضوع الأمن على الأرواح فقد تناوله القرآن الكريم عندما عرض على المؤمنين قصة ولدي آدم، وبين أنهما ذات يوم قدما إلى الله قربانا بقصد التقرب إليه، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وكانت الصدقة المقبولة هي صدقة ولد آدم التقي، دون أخيه غير المتقي، فثارت فورة الحسد والحقد في نفس الأخ الذي لم يقبل قربانه، وأحس أنه قد افتضح أمام الناس، إذ ظهر من أمره ما بطن، وألقى الشيطان في روعه أنه لا حياة له ما دام أخوه المتقي والمقبول القربان عند الله يمشي على الأرض، ففكر في قتل أخيه والتخلص منه لينفرد وحده بالعيش، وعندما هدد أخاه بالقتل أجابه أخوه بأن قبول القربان يتوقف على تقوى الله، فما عليه إذا أراد قبول قربانه إلا أن يتقي بدوره، لكن أخاه أصر على قتله مهما كلفه الأمر، فما كان من الأخ المتقي إلا أن ذكر أخاه الحسود الحقود بأنه يخاف الله، وأنه لن يقاتله ولن يقتله ولو دفاعا عن نفسه، وأنه يفضل أن يقع إثم قتله على أخيه، بدلا من يقع هو في الإثم مثله، وأخيرا تغلبت نزعة الشر في أخيه على نزعة الخير التي فيه، فقضى نحبه قتيلا على يد أخيه، وتحمل أخوه وزر قتله ووزر كل قتل وقع بين الناس من بعده، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل ).
وتشير قصة ابني آدم في نفس السياق إلى أن الأخ الحسود القاتل قد ارتبك بعد قتله لأخيه ولم يعرف ماذا يفعل به، إلى أن رأى غرابا يواري تحت التراب غرابا آخر قد مات، فأقبل على أخيه يواريه في التراب، وذلك قوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي، فأصبح من النادمين .
فهذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تصف لنا نموذجين من البشر تمكنت من أحدهما روح الاعتداء، كما تمكنت روح الطيبوبة من الآخر، وهما وجها لوجه، دون رادع يردع الأول من الثاني :
النموذج الأول : نموذج الإنسان النزاع إلى الشر، الميال إلى العدوان، المصر على الأذى، المتعدي للحدود.
النموذج الثاني : نموذج الإنسان النزاع للخير، الميال إلى الإنصاف، الحريص على الإحسان، المتمسك بالتقوى.
وتبين لنا نفس القصة أنه عندما واجه كل واحد منهما الآخر بمفردهما ولم يتدخل بينهما عنصر ثالث، ليردع الإنسان الشرير، ويحول بينه وبين الاعتداء على الإنسان الخير، كان عنصر الخير هو الضحية والفريسة لعنصر الشر، ولم تنفع تقوى المتقي أمام عدوان المعتدي.
ومن هنا اقتضت حكمة الله تشريع الحدود الرادعة عن ارتكاب الجرائم، وإقامة السلطة التي تقوم بتنفيذها، وتتولى مطاردة المجرمين، وحماية الأرواح والأموال والطرق، من اعتداء المعتدين حتى لا يعكروا صفو الحياة على بقية الناس الآمنين.

آية رقم ٣٠
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧:م٢٦
أما موضوع الأمن على الأرواح فقد تناوله القرآن الكريم عندما عرض على المؤمنين قصة ولدي آدم، وبين أنهما ذات يوم قدما إلى الله قربانا بقصد التقرب إليه، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وكانت الصدقة المقبولة هي صدقة ولد آدم التقي، دون أخيه غير المتقي، فثارت فورة الحسد والحقد في نفس الأخ الذي لم يقبل قربانه، وأحس أنه قد افتضح أمام الناس، إذ ظهر من أمره ما بطن، وألقى الشيطان في روعه أنه لا حياة له ما دام أخوه المتقي والمقبول القربان عند الله يمشي على الأرض، ففكر في قتل أخيه والتخلص منه لينفرد وحده بالعيش، وعندما هدد أخاه بالقتل أجابه أخوه بأن قبول القربان يتوقف على تقوى الله، فما عليه إذا أراد قبول قربانه إلا أن يتقي بدوره، لكن أخاه أصر على قتله مهما كلفه الأمر، فما كان من الأخ المتقي إلا أن ذكر أخاه الحسود الحقود بأنه يخاف الله، وأنه لن يقاتله ولن يقتله ولو دفاعا عن نفسه، وأنه يفضل أن يقع إثم قتله على أخيه، بدلا من يقع هو في الإثم مثله، وأخيرا تغلبت نزعة الشر في أخيه على نزعة الخير التي فيه، فقضى نحبه قتيلا على يد أخيه، وتحمل أخوه وزر قتله ووزر كل قتل وقع بين الناس من بعده، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل ).
وتشير قصة ابني آدم في نفس السياق إلى أن الأخ الحسود القاتل قد ارتبك بعد قتله لأخيه ولم يعرف ماذا يفعل به، إلى أن رأى غرابا يواري تحت التراب غرابا آخر قد مات، فأقبل على أخيه يواريه في التراب، وذلك قوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي، فأصبح من النادمين .
فهذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تصف لنا نموذجين من البشر تمكنت من أحدهما روح الاعتداء، كما تمكنت روح الطيبوبة من الآخر، وهما وجها لوجه، دون رادع يردع الأول من الثاني :
النموذج الأول : نموذج الإنسان النزاع إلى الشر، الميال إلى العدوان، المصر على الأذى، المتعدي للحدود.
النموذج الثاني : نموذج الإنسان النزاع للخير، الميال إلى الإنصاف، الحريص على الإحسان، المتمسك بالتقوى.
وتبين لنا نفس القصة أنه عندما واجه كل واحد منهما الآخر بمفردهما ولم يتدخل بينهما عنصر ثالث، ليردع الإنسان الشرير، ويحول بينه وبين الاعتداء على الإنسان الخير، كان عنصر الخير هو الضحية والفريسة لعنصر الشر، ولم تنفع تقوى المتقي أمام عدوان المعتدي.
ومن هنا اقتضت حكمة الله تشريع الحدود الرادعة عن ارتكاب الجرائم، وإقامة السلطة التي تقوم بتنفيذها، وتتولى مطاردة المجرمين، وحماية الأرواح والأموال والطرق، من اعتداء المعتدين حتى لا يعكروا صفو الحياة على بقية الناس الآمنين.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧:م٢٦
أما موضوع الأمن على الأرواح فقد تناوله القرآن الكريم عندما عرض على المؤمنين قصة ولدي آدم، وبين أنهما ذات يوم قدما إلى الله قربانا بقصد التقرب إليه، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، وكانت الصدقة المقبولة هي صدقة ولد آدم التقي، دون أخيه غير المتقي، فثارت فورة الحسد والحقد في نفس الأخ الذي لم يقبل قربانه، وأحس أنه قد افتضح أمام الناس، إذ ظهر من أمره ما بطن، وألقى الشيطان في روعه أنه لا حياة له ما دام أخوه المتقي والمقبول القربان عند الله يمشي على الأرض، ففكر في قتل أخيه والتخلص منه لينفرد وحده بالعيش، وعندما هدد أخاه بالقتل أجابه أخوه بأن قبول القربان يتوقف على تقوى الله، فما عليه إذا أراد قبول قربانه إلا أن يتقي بدوره، لكن أخاه أصر على قتله مهما كلفه الأمر، فما كان من الأخ المتقي إلا أن ذكر أخاه الحسود الحقود بأنه يخاف الله، وأنه لن يقاتله ولن يقتله ولو دفاعا عن نفسه، وأنه يفضل أن يقع إثم قتله على أخيه، بدلا من يقع هو في الإثم مثله، وأخيرا تغلبت نزعة الشر في أخيه على نزعة الخير التي فيه، فقضى نحبه قتيلا على يد أخيه، وتحمل أخوه وزر قتله ووزر كل قتل وقع بين الناس من بعده، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل ).
وتشير قصة ابني آدم في نفس السياق إلى أن الأخ الحسود القاتل قد ارتبك بعد قتله لأخيه ولم يعرف ماذا يفعل به، إلى أن رأى غرابا يواري تحت التراب غرابا آخر قد مات، فأقبل على أخيه يواريه في التراب، وذلك قوله تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين، فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي، فأصبح من النادمين .
فهذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تصف لنا نموذجين من البشر تمكنت من أحدهما روح الاعتداء، كما تمكنت روح الطيبوبة من الآخر، وهما وجها لوجه، دون رادع يردع الأول من الثاني :
النموذج الأول : نموذج الإنسان النزاع إلى الشر، الميال إلى العدوان، المصر على الأذى، المتعدي للحدود.
النموذج الثاني : نموذج الإنسان النزاع للخير، الميال إلى الإنصاف، الحريص على الإحسان، المتمسك بالتقوى.
وتبين لنا نفس القصة أنه عندما واجه كل واحد منهما الآخر بمفردهما ولم يتدخل بينهما عنصر ثالث، ليردع الإنسان الشرير، ويحول بينه وبين الاعتداء على الإنسان الخير، كان عنصر الخير هو الضحية والفريسة لعنصر الشر، ولم تنفع تقوى المتقي أمام عدوان المعتدي.
ومن هنا اقتضت حكمة الله تشريع الحدود الرادعة عن ارتكاب الجرائم، وإقامة السلطة التي تقوم بتنفيذها، وتتولى مطاردة المجرمين، وحماية الأرواح والأموال والطرق، من اعتداء المعتدين حتى لا يعكروا صفو الحياة على بقية الناس الآمنين.

الربع الأول من الحزب الثاني
عشر من المصحف الكريم
في هذا الربع، من كتاب الله تتحدث الآيات الكريمة بالأخص عن ثلاثة أمور أساسية لا يقوم مجتمع سليم آمن ومطمئن بدون حفظ لها، وذب عنها، وصيانتها من كل اعتداء، ألا وهي أمن الأرواح وأمن الأموال وأمن الطرق، كما تتحدث عن موقف بني إسرائيل من الأرض المقدسة وتحريمها عليهم، جزاء خذلانهم لنبيهم موسى عليه السلام، وعن نفيهم في التيه وابتلائهم فيه مدة أربعين سنة قال فإنها محرمة عليهم، أربعين سنة يتيهون في الأرض .
وهذا هو السر في قوله تعالى عقب الانتهاء من قصة ابني آدم مباشرة : من أجل ذلك، كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .
وذكر بني إسرائيل في هذه الآية بالخصوص إنما هو لمناسبة السياق الذي وردت فيه، فقد كان الحديث قبل قصة آدم يدور حول قصة موسى وقومه بخصوص الأرض المقدسة والتيه الطويل الذي عوقبوا به، وإلا فكما كتب الله القصاص على بني إسرائيل كتبه على من قبلهم وعلى من بعدهم، وإن كان بنو إسرائيل لم يتراجعوا بذلك كله عن سفك الدماء ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون .
وقوله تعالى : فكأنما قتل الناس جميعا إشارة إلى أن الحياة التي وهبها الله للإنسان إلى أجل مسمى في هذه الدنيا هي حق مقدس منحه الله لعباده، فلا يسوغ لغيره الوقوف في وجه هذا الحق المطلق، وإذن فمن اعتدى على حياة فرد يعتبر معتديا – من جهة المبدأ – على حياة كل الأفراد، والذي استباح لنفسه العدوان على حياة فرد بعينه أصبح في حل أمام نفسه من كل القيود التي تحول دون اعتدائه على الباقين، إذ لا فرق بين حياة عمرو وحياة زيد بالنسبة لطبيعة الحياة فيهما، ولا بالنسبة لواهب الحياة لهما.
ولهذه الاعتبارات يكون الذي حال دون الاعتداء على حياة فرد من الأفراد، أو اقتص من المعتدي عليها –ردعا له وحماية للباقين – كأنما أحيا أولئك الأفراد جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .
الربع الأول من الحزب الثاني
عشر من المصحف الكريم
في هذا الربع، من كتاب الله تتحدث الآيات الكريمة بالأخص عن ثلاثة أمور أساسية لا يقوم مجتمع سليم آمن ومطمئن بدون حفظ لها، وذب عنها، وصيانتها من كل اعتداء، ألا وهي أمن الأرواح وأمن الأموال وأمن الطرق، كما تتحدث عن موقف بني إسرائيل من الأرض المقدسة وتحريمها عليهم، جزاء خذلانهم لنبيهم موسى عليه السلام، وعن نفيهم في التيه وابتلائهم فيه مدة أربعين سنة قال فإنها محرمة عليهم، أربعين سنة يتيهون في الأرض .
وأما موضوع الأمن في الطرق الذي أشار إليه بالإجمال قوله تعالى : أو فساد في الأرض فقد تناولته بالتفصيل آيتان من هذا الربع، وهما قوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، وذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم .
وكما نلاحظ جميعا فقد اعتبر الحق سبحانه وتعالى قطاع الطرق المسلحين والعاملين على الإخلال بالأمن العام، والساعين في تعويق الناس عن التنقل بأنفسهم وبضائعهم آمنين مطمئنين بين مختلف المدن والقرى والبوادي والحواضر، ( محاربين ) لله ولرسوله، ومن ثم سميت جريمتهم بجريمة ( الحرابة ) إشعارا لكل من يهمه الأمر، بأن صيانة أمن الناس فريضة عامة من فرائض الدين، والإخلال بها عدوان على حق الله المبين، لا يسوغ القيام به لأي أحد من المسلمين، ولذلك وضع الله لهذه الجريمة عقوبات مغلظة، أنزلها وحددها في كتابه من فوق سبع سماوات، تتراوح بين القتل والصلب والنفي وقطع الأطراف من خلاف، وإنما حددها الله تعالى في كتابه الحكيم حتى لا يتهاون في شأنها المتهاونون، ولا يعترض على تنفيذها المتحذلقون، ووكل الحق سبحانه وتعالى أمر اختيار العقوبة المناسبة، من بين تلك العقوبات، لظروف الجريمة وملابساتها، إلى اجتهاد أمراء المؤمنين وولاة المسلمين.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٣:م٢٦
وأما موضوع الأمن في الطرق الذي أشار إليه بالإجمال قوله تعالى : أو فساد في الأرض فقد تناولته بالتفصيل آيتان من هذا الربع، وهما قوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، وذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم .
وكما نلاحظ جميعا فقد اعتبر الحق سبحانه وتعالى قطاع الطرق المسلحين والعاملين على الإخلال بالأمن العام، والساعين في تعويق الناس عن التنقل بأنفسهم وبضائعهم آمنين مطمئنين بين مختلف المدن والقرى والبوادي والحواضر، ( محاربين ) لله ولرسوله، ومن ثم سميت جريمتهم بجريمة ( الحرابة ) إشعارا لكل من يهمه الأمر، بأن صيانة أمن الناس فريضة عامة من فرائض الدين، والإخلال بها عدوان على حق الله المبين، لا يسوغ القيام به لأي أحد من المسلمين، ولذلك وضع الله لهذه الجريمة عقوبات مغلظة، أنزلها وحددها في كتابه من فوق سبع سماوات، تتراوح بين القتل والصلب والنفي وقطع الأطراف من خلاف، وإنما حددها الله تعالى في كتابه الحكيم حتى لا يتهاون في شأنها المتهاونون، ولا يعترض على تنفيذها المتحذلقون، ووكل الحق سبحانه وتعالى أمر اختيار العقوبة المناسبة، من بين تلك العقوبات، لظروف الجريمة وملابساتها، إلى اجتهاد أمراء المؤمنين وولاة المسلمين.

الربع الأول من الحزب الثاني
عشر من المصحف الكريم
في هذا الربع، من كتاب الله تتحدث الآيات الكريمة بالأخص عن ثلاثة أمور أساسية لا يقوم مجتمع سليم آمن ومطمئن بدون حفظ لها، وذب عنها، وصيانتها من كل اعتداء، ألا وهي أمن الأرواح وأمن الأموال وأمن الطرق، كما تتحدث عن موقف بني إسرائيل من الأرض المقدسة وتحريمها عليهم، جزاء خذلانهم لنبيهم موسى عليه السلام، وعن نفيهم في التيه وابتلائهم فيه مدة أربعين سنة قال فإنها محرمة عليهم، أربعين سنة يتيهون في الأرض .
وتتناول آيات هذا الربع بالذكر موضوع التقوى والوسيلة والجهاد يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون
كما تتناول محاولة الكافرين اليائسة يوم القيامة، للافتداء من عذاب الله والخروج من النار دون جدوى يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم .
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥:م٢٦
وتتناول آيات هذا الربع بالذكر موضوع التقوى والوسيلة والجهاد يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون
كما تتناول محاولة الكافرين اليائسة يوم القيامة، للافتداء من عذاب الله والخروج من النار دون جدوى يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم .

الربع الأول من الحزب الثاني
عشر من المصحف الكريم
في هذا الربع، من كتاب الله تتحدث الآيات الكريمة بالأخص عن ثلاثة أمور أساسية لا يقوم مجتمع سليم آمن ومطمئن بدون حفظ لها، وذب عنها، وصيانتها من كل اعتداء، ألا وهي أمن الأرواح وأمن الأموال وأمن الطرق، كما تتحدث عن موقف بني إسرائيل من الأرض المقدسة وتحريمها عليهم، جزاء خذلانهم لنبيهم موسى عليه السلام، وعن نفيهم في التيه وابتلائهم فيه مدة أربعين سنة قال فإنها محرمة عليهم، أربعين سنة يتيهون في الأرض .
وأما موضوع الأمن على الأموال فقد تناولته آيتان من هذا الربع أيضا، وهما قوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكلا من الله، والله عزيز حكيم، فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم وفي قوله تعالى : من بعد ظلمه إشارة إلى أن السارق هنا ظالم للمجتمع وغير مظلوم منه، فقد اعتدى بالسرقة على مال غيره لمجرد الرغبة في الإجرام والقيام بظلم الغير، حيث لا ضرورة من فقر ولا جوع تدفعه إلى ذلك، وإنما دفعه إلى السرقة استهانته بحرمة أموال الناس، وحرصه على الاستئثار بها لنفسه دونهم، رغبة في التكاثر والغنى من أيسر طريق، وفي الآية أيضا إيماء إلى وجوب كفاية حاجة المحتجين، وتمكينهم من ضروريات الحياة، حتى لا يقعوا في شرك الجريمة، فقد ( كاد الفقر أن يكون كفرا ) كما جاء في الأثر.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٨:م٢٦
وأما موضوع الأمن على الأموال فقد تناولته آيتان من هذا الربع أيضا، وهما قوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكلا من الله، والله عزيز حكيم، فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم وفي قوله تعالى : من بعد ظلمه إشارة إلى أن السارق هنا ظالم للمجتمع وغير مظلوم منه، فقد اعتدى بالسرقة على مال غيره لمجرد الرغبة في الإجرام والقيام بظلم الغير، حيث لا ضرورة من فقر ولا جوع تدفعه إلى ذلك، وإنما دفعه إلى السرقة استهانته بحرمة أموال الناس، وحرصه على الاستئثار بها لنفسه دونهم، رغبة في التكاثر والغنى من أيسر طريق، وفي الآية أيضا إيماء إلى وجوب كفاية حاجة المحتجين، وتمكينهم من ضروريات الحياة، حتى لا يقعوا في شرك الجريمة، فقد ( كاد الفقر أن يكون كفرا ) كما جاء في الأثر.

الربع الثاني من الحزب الثاني عشر
في المصحف الكريم
في هذا الربع، يتحدث كتاب الله عن الوقع الأليم الذي يحدثه في نفس الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم رجوع فريق من الناس إلى الكفر بعد الإيمان يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم .
ويتحدث كتاب الله عن أهل الكتاب وما هم عليه من تصديق للأكاذيب، وتواطؤ مع المتآمرين على الإسلام تحت جنح الظلام، وتحريف للكلم عن مواضعه، ومحاولة للدس والاستغلال، وتهالك على أكل أموال الناس بالباطل عن طريق الرشوة والربا ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم – آخرين لم ياتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا سماعون للكذب أكالون للسحت .
ويلفت كتاب الله نظر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى ما قد يحاوله اليهود من تحكيمه في بعض شؤونهم الملية، بالرغم عن وجود الأحكام الخاصة بتلك الشؤون منصوصا عليها في التوراة التي يدعون التزامهم لها، وإيمانهم بها، منبها إياه إلى أن غرضهم من مثل هذه المحاولات هو تفاديهم لأحكام التوراة، التي أخذوا يشعرون أنها – بالنسبة لأحكام الإسلام – أحكام قاسية تقضي بعقوبات مغلظة، تاركا للنبي صلى الله عليه وسلم الخيار حسب الظروف، فإن شاء الحكم بينهم طبقا لطلبهم تدخل وحكم، وإن فضل الأعراض بالرغم من طلبهم لم يتدخل ولم يحكم، داعيا له إذا رجح التدخل والحكم، طبقا لطلبهم، إلى أن يحكم بينهم بالعدل المجرد، دون أي اعتبار للأغراض والأهداف التي قصدوها من وراء التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بدلا من التحاكم مباشرة إلى التوراة.
وبهذه المناسبة نوه كتاب الله بالتوراة التي أوحى الله بها إلى موسى،
ولم يكتم أن في التوراة بالصيغة التي أنزلت عليها هدى ونورا، وإن كان القرآن الكريم مهيمنا على جميع الكتب المنزلة من قبله، وناسخا لما انتهى وقت العمل به منها.
وذلك قوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين، وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين، إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون، والأحبار، بما استحفظوا من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا .
وكلمة ( المقسطين ) في هذه الآية هي نقيض كلمة ( القاسطين ) التي وردت في آية أخرى، فالمقسط من عدل إن الله يحب المقسطين والقاسط من ظلم وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا .
وقوله تعالى : بما استحفظوا من كتاب الله إشارة إلى أن حفظ التوراة كان أمره موكولا إلى أحبار اليهود وعلمائهم أنفسهم، ولذلك وقع ما وقع من التحريف والتبديل عندما تهاونوا بحفظها والمحافظة عليها، وأخذوا يشترون بآياتها ثمنا قليلا، بخلاف القرآن العظيم فقد تعهد بحفظه رب العالمين الحفيظ العليم، ولم يكل الأمر إلى أحد من خلقه فقال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وذلك هو السر في بقائه محفوظا مصونا من كل تحريف أو تغيير إلى يوم الدين، وهو السر في خلود وصمود لسان القرآن العربي المبين، رغما عن الحرب الدائرة، الخفية والظاهرة، التي تشهرها عليه القوات المعادية والمكابرة.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٢:ويتحدث كتاب الله عن أهل الكتاب وما هم عليه من تصديق للأكاذيب، وتواطؤ مع المتآمرين على الإسلام تحت جنح الظلام، وتحريف للكلم عن مواضعه، ومحاولة للدس والاستغلال، وتهالك على أكل أموال الناس بالباطل عن طريق الرشوة والربا ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم – آخرين لم ياتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا سماعون للكذب أكالون للسحت .
ويلفت كتاب الله نظر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى ما قد يحاوله اليهود من تحكيمه في بعض شؤونهم الملية، بالرغم عن وجود الأحكام الخاصة بتلك الشؤون منصوصا عليها في التوراة التي يدعون التزامهم لها، وإيمانهم بها، منبها إياه إلى أن غرضهم من مثل هذه المحاولات هو تفاديهم لأحكام التوراة، التي أخذوا يشعرون أنها – بالنسبة لأحكام الإسلام – أحكام قاسية تقضي بعقوبات مغلظة، تاركا للنبي صلى الله عليه وسلم الخيار حسب الظروف، فإن شاء الحكم بينهم طبقا لطلبهم تدخل وحكم، وإن فضل الأعراض بالرغم من طلبهم لم يتدخل ولم يحكم، داعيا له إذا رجح التدخل والحكم، طبقا لطلبهم، إلى أن يحكم بينهم بالعدل المجرد، دون أي اعتبار للأغراض والأهداف التي قصدوها من وراء التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بدلا من التحاكم مباشرة إلى التوراة.
وبهذه المناسبة نوه كتاب الله بالتوراة التي أوحى الله بها إلى موسى،
ولم يكتم أن في التوراة بالصيغة التي أنزلت عليها هدى ونورا، وإن كان القرآن الكريم مهيمنا على جميع الكتب المنزلة من قبله، وناسخا لما انتهى وقت العمل به منها.
وذلك قوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين، وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين، إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون، والأحبار، بما استحفظوا من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا .
وكلمة ( المقسطين ) في هذه الآية هي نقيض كلمة ( القاسطين ) التي وردت في آية أخرى، فالمقسط من عدل إن الله يحب المقسطين والقاسط من ظلم وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا .
وقوله تعالى : بما استحفظوا من كتاب الله إشارة إلى أن حفظ التوراة كان أمره موكولا إلى أحبار اليهود وعلمائهم أنفسهم، ولذلك وقع ما وقع من التحريف والتبديل عندما تهاونوا بحفظها والمحافظة عليها، وأخذوا يشترون بآياتها ثمنا قليلا، بخلاف القرآن العظيم فقد تعهد بحفظه رب العالمين الحفيظ العليم، ولم يكل الأمر إلى أحد من خلقه فقال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وذلك هو السر في بقائه محفوظا مصونا من كل تحريف أو تغيير إلى يوم الدين، وهو السر في خلود وصمود لسان القرآن العربي المبين، رغما عن الحرب الدائرة، الخفية والظاهرة، التي تشهرها عليه القوات المعادية والمكابرة.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٢:ويتحدث كتاب الله عن أهل الكتاب وما هم عليه من تصديق للأكاذيب، وتواطؤ مع المتآمرين على الإسلام تحت جنح الظلام، وتحريف للكلم عن مواضعه، ومحاولة للدس والاستغلال، وتهالك على أكل أموال الناس بالباطل عن طريق الرشوة والربا ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم – آخرين لم ياتوك، يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا سماعون للكذب أكالون للسحت .
ويلفت كتاب الله نظر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى ما قد يحاوله اليهود من تحكيمه في بعض شؤونهم الملية، بالرغم عن وجود الأحكام الخاصة بتلك الشؤون منصوصا عليها في التوراة التي يدعون التزامهم لها، وإيمانهم بها، منبها إياه إلى أن غرضهم من مثل هذه المحاولات هو تفاديهم لأحكام التوراة، التي أخذوا يشعرون أنها – بالنسبة لأحكام الإسلام – أحكام قاسية تقضي بعقوبات مغلظة، تاركا للنبي صلى الله عليه وسلم الخيار حسب الظروف، فإن شاء الحكم بينهم طبقا لطلبهم تدخل وحكم، وإن فضل الأعراض بالرغم من طلبهم لم يتدخل ولم يحكم، داعيا له إذا رجح التدخل والحكم، طبقا لطلبهم، إلى أن يحكم بينهم بالعدل المجرد، دون أي اعتبار للأغراض والأهداف التي قصدوها من وراء التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بدلا من التحاكم مباشرة إلى التوراة.
وبهذه المناسبة نوه كتاب الله بالتوراة التي أوحى الله بها إلى موسى،
ولم يكتم أن في التوراة بالصيغة التي أنزلت عليها هدى ونورا، وإن كان القرآن الكريم مهيمنا على جميع الكتب المنزلة من قبله، وناسخا لما انتهى وقت العمل به منها.
وذلك قوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين، وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين، إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون، والأحبار، بما استحفظوا من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا .
وكلمة ( المقسطين ) في هذه الآية هي نقيض كلمة ( القاسطين ) التي وردت في آية أخرى، فالمقسط من عدل إن الله يحب المقسطين والقاسط من ظلم وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا .
وقوله تعالى : بما استحفظوا من كتاب الله إشارة إلى أن حفظ التوراة كان أمره موكولا إلى أحبار اليهود وعلمائهم أنفسهم، ولذلك وقع ما وقع من التحريف والتبديل عندما تهاونوا بحفظها والمحافظة عليها، وأخذوا يشترون بآياتها ثمنا قليلا، بخلاف القرآن العظيم فقد تعهد بحفظه رب العالمين الحفيظ العليم، ولم يكل الأمر إلى أحد من خلقه فقال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وذلك هو السر في بقائه محفوظا مصونا من كل تحريف أو تغيير إلى يوم الدين، وهو السر في خلود وصمود لسان القرآن العربي المبين، رغما عن الحرب الدائرة، الخفية والظاهرة، التي تشهرها عليه القوات المعادية والمكابرة.

ثم فصل كتاب الله ما أجمله في الربع الماضي من مبدأ القصاص الذي سجلته التوراة وأقره الإسلام، فقال تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والسن بالسن، والجروح قصاص وكما أمر الله تعالى بالقصاص، وجعله في هذا الباب هو الأساس، بالنسبة لأصحاب الحق فيه، الحريصين على استخلاصه بوجه شرعي، فقد فتح باب العفو وإسقاط القصاص في وجه أولئك الذين يفضلون العفو على المؤاخذة، ويسقطون حقهم في القصاص، إقفالا لباب الفتنة، ونشرا لروح التسامح بين الناس، وابتغاء المزيد من الطمأنينة والعيش في سلام ووئام، وذلك قوله تعالى : فمن تصدق به فهو كفارة له واعتبر الإسلام هذا النوع من العفو كفارة لذنوب القتيل.
وانتقلت الآيات الكريمة إلى الحديث عن عيسى بن مريم عليه السلام وما أمر به من تصديق التوراة، وما نزل عليه من الإنجيل، ولم يكتم كتاب الله أن الإنجيل حسب الصيغة التي أوحى الله بها إلى عيسى هدى ونورا، وإن كان القرآن الكريم مهيمنا عليه، كما هيمن على التوراة المنزلة من قبله.
ورغما عن الإسلام دعا اليهود والنصارى إلى الدخول فيه، والعمل بشريعته، فإن من اختار منهم البقاء على يهوديته أو نصرانيته، لم يجبره الإسلام على أن يتحاكم إلى الشريعة الإسلامية، بل أذن لليهود في تطبيق أحكام التوراة عليهم كما نزلت دون تحريف، وأذن للنصارى في تطبيق وصايا الإنجيل عليهم كما نزلت دون تحريف. وفتح الباب في وجه التدخل أو عدمه، في حالة ما إذا توجه إليه اليهود أو النصارى أنفسهم بطلب التدخل.
وعلى ضوء هذا التفسير ينبغي أن نفهم قوله تعالى : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على غرار الآية السابقة وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله أما التدخل في شؤونهم الملية أو عدمه فهو مرتبط بطلبهم الخاص ورغبتهم الخاصة، كما يدل عليه قوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم .
ثم وجه كتاب الله خطابه إلى الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، آمرا له بالحكم بين اليهود بعضهم مع بعض، وبين النصارى بعضهم مع بعض، إذا جاؤوا إليه طالبين تدخله وحكمه، على أن لا يتأثر حكمه عليهم بأي اعتبار خارج عن مقتضى العدل المجرد والحق الصراح فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق .
وعقب على ذلك بما معناه أنه بعد إقامة الحجة على صدق الدين الحق الذي هو دين الإسلام، ودعوة اليهود والنصارى إلى الدخول فيه، وامتناع من امتنع منهم، وإصراره على الاحتفاظ بيهوديته أو نصرانيته، لم يبق أمام الإسلام بالنسبة للمصرين على ما هم فيه إلا موقف واحد، هو موقف السماح لهم بالبقاء على دينهم والتحاكم إلى كتابهم، فلليهود توراتهم، وللنصارى إنجيلهم، وذلك قوله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم في ما آتيكم، فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .
أما الذين أسلموا من المشركين والكتابيين وكافة الأمم والملل فكتابهم الوحيد هو مسك الختام للوحي الإلهي وخاتمة كتبه المنزلة، وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي هو في آن واحد مصدق لما بين يديه، ومهيمن عليه، أي أنه مصدق لما في الكتب السابقة من حقائق إيمانية، وتشريعات سماوية، وتوجيهات إلهية، لكنه حاكم عليها كلها، بمعنى أن ما ينسب إليها إن أثبته وصدقه كان حقا وصدقا، وإن نفاه وكذبه كان زورا وبهتانا، وإن أقر منها تشريعا كان تشريعا للمسلمين كما هو تشريع لمن قبلهم، وإن نسخ منها تشريعا وألغاه اعتبره المسلمون كأن لم يكن.
يضاف إلى ذلك أن كتاب الله يعتبر في الدولة الإسلامية هو الدستور الأساسي العام، الذي يعيش في ظله جميع المتساكنين في دار الإسلام، من كافة الملل والأقوام، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه .
وقوله تعالى في سياق هذه الآيات : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون تنبيه إلى أن خصوم الشريعة الإلهية في الأرض هم ثلاثة أصناف :

١-
كافرون : لا يؤمنون بالله ولا برسله ولا بكتبه، فهم يفضلون شريعة الغاب على شريعة الكتاب.

٢-
وظالمون : لا يجدون في شريعة العدل والحق ما يؤيد ظلمهم، ويدعم بغيهم.

٣-
وفاسقون : لا تقع أيديهم في شريعة الله على أي سند يبيح لهم الفجور والفسوق، والاستهتار والعقوق.
فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم خصوم شريعة الله، وعليهم ألقى كتاب الله أضواءه الكشافة حتى تسفل كلمتهم في الأرض، ولا تعلو فيها إلا كلمة الله.
الربع الثالث من الحزب الثاني عشر
في المصحف الكريم
يبتدئ هذا الربع، بخطاب موجه إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، آمرا له أن يحكم بما أنزل الله، وأن لا يتأثر بأهواء المحكومين لفتنته عن بعض ما أنزل الله إليه.
وإذا كان الخطاب الإلهي يتوجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الأمور والنواهي، وهو المتميز عن غيره بالعصمة والرسالة – حرصا على إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإقامة العدل المطلق بين الناس – فمن باب أولى وأحرى أن يوجه هذا الخطاب الإلهي إلى غير المعصومين من ولاة المسلمين الحاكمين بين الناس من بعده، ومن باب أولي وأحرى أن تساق إليهم هذه الأوامر والنواهي، بل إنهم هم المقصودون بالذات من هذا الخطاب الموجه في الظاهر إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إذ هم وحدهم – دون الرسول – المعرضون للتأثر بأهواء المحكومين والمخالفين، على حساب الحق، وهم وحدهم المعرضون للفتنة عن العدل. والفتنة أنواع وأشكال، من بينها فتنة الرشوة، وفتنة البطانة والحاشية، وفتنة العداوة والصداقة، وفتنة الشفاعات والوساطات، وفتنة الانحراف والتحريف، وفتنة الآراء الفاسدة والنظريات الباطلة.
وذلك قوله تعالى في خطابه إلى الرسول وهو خطاب إلى المؤمنين عن طريقه وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتونك عن بعض ما أنزل الله إليك .
وتنتقل الآيات الكريمة إلى وصف أولئك الذين يولون الأدبار ويتراجعون عن الحكم بما أنزل الله تعالى، مفضلين التقهقر إلى الوراء، وناظرين إلى شريعة الله، إما شزرا، وإما بالاستخفاف و الاستهزاء.
وتبين نفس الآيات أن الوصول إلى هذا الحد الأقصى من الانحراف إنما هو نتيجة حتمية لانحرافات تدريجية سابقة، ونوع من أنواع العقاب الإلهي لأولئك المنحرفين الفاسقين، على ذنوبهم التي ارتكبوها وأصروا عليها إصرارا، وذلك قوله تعالى : فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرا من الناس لفاسقون .
ويرفع كتاب الله النقاب عن خصوم الشريعة وأعدائها، ويبين السر الخفي والدافع الحقيقي لخصومتهم لها في السر والعلن، ذلك أنهم يفضلون شريعة الغاب على شريعة الكتاب، لأنهم يجدون في كنف الأولى كل ما يحقق أغراضهم المنحرفة من الوسائل والأسباب، وحكم الغاب بالنسبة للإسلام هو حكم الجاهلية الأولى، وحكم الجاهلية هو حكم الهوى لا حكم الحق، وحكم العصبية لا حكم العدل، وحكم الطبقية لا حكم المساواة، وحكم الاستغلال لا حكم الإنصاف، وحكم الإباحة لا حكم ضبط النفس، وحكم الفوضى لا حكم النظام، وحكم الفواحش والخبائث لا حكم المكارم والطيبات، وبالجملة فحكم الجاهلية هو الحكم الذي يوحي به الشيطان، والنقيض الطبيعي التام من كل الوجوه، ومن جميع زوايا النظر، لحكم الحكيم الرحمان.
ومن أراد أن يستحضر مثالا حيا لثمرة حكم الجاهلية وثمرة حكم الإسلام، والوليد الشرعي لكل منهما، فليتذكر كيف كان المجتمع العربي في العهد الجاهلي، وكيف أصبح في العهد الإسلامي، وكيف كانت رقعة العالم، الذي أصبح فيما بعد عالما إسلاميا، كيف كانت قبل الإسلام وكيف عادت بعده. وهذا ما يشر إليه قوله تعالى : أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون .
وبطريق الإيماء تفيد هذه الآية الكريمة معنى دقيقا وصريحا لا مناص من لفت النظر إليه، ألا وهو أن كل حكم لم يكن مطابقا لما أنزل الله، ولا مستندا إلى ما أنزله، ولا منسجما مع روحه، ولا مستنبطا منه أو راجعا إليه، أو دائرا في فلكه، بوجه من وجوه الاستنباط وطريقة من طرق الاجتهاد، فهو مندرج تحت حكم الجاهلية، وداخل تحته دخولا أوليا، مهما أعطي له من الألقاب والأسماء، حيث إن كتاب الله اقتصر عند تعداد أنواع الحكم التي يحكم بها بين الناس على نوعين اثنين لا ثالث لهما : النوع الأول حكم الله، والنوع الثاني حكم الجاهلية، فمن ترك حكم الجاهلية انتقل عنه إلى حكم الله، ومن ترك حكم الله انتقل عنه إلى حكم الجاهلية، وهو في الحقيقة رمز لكل حكم يتنكر للتوجيهات الإلهية والمبادئ الأخلاقية، ويتجاهل وجودها، ويتعمد محاربتها، ويسقط من حسابه ومن تقديره كل علاقة تربطه بمن له الخلق والأمر ، متجاهلا قوله تعالى : أليس الله بأحكم الحاكمين .
وفي هذا السياق نفسه يوجه كتاب الله خطابه إلى المؤمنين، متحدثا عما يمكن أن يقع لبعضهم من الردة عن دينه – وكأن في ذلك إشارة إلى من يعطل الحكم بما أنزل الله، ويستبدل به حكم الجاهلية، ويفضله على حكم الإسلام – ثم يعقب على ذلك بأن الله تعالى غني عن هذا النوع من الناس، وقادر على أن يستبدل بهم قوما آخرين لا يبغضهم الله ولا يبغضونه، ولكن يحبهم الله كما يحبونه، ومن جملة خصالهم أنهم رحماء بالمؤمنين، يحققون بينهم مقتضيات شرعه الرحيم وعدله السليم، أشداء على الكافرين لا يقبلون منهم افتياتا ولا تطاولا، ولا يفتحون في وجوههم بابا للفتنة عما أنزل الله. ثم إنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم، فهم لا يتأثرون بأهواء المحكومين والمخالفين ولا بنزغات الجاهلية كيفما كانت، ولا يتنازلون عن شرع الله وعدله قلامة ظفر، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم .
وقوله تعالى في هذه الآية : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يشبه قوله تعالى في آية أخرى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم فلفظ أذلة هنا بمعنى رحماء هناك، ولفظ أعزة هنا بمعنى أشداء هناك، إذ القرآن يفسر بعضه بعضا.
ثم يزيد كتاب الله هذا الموضوع توضيحا وتبيينا، فيخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم، لافتا نظره إلى الدوافع والأسباب التي جعلت كفار أهل الكتاب ومن في حكمهم يتنكرون لحكم الله، ويصرون على الكفر بما أنزل الله، فهم يعيشون عيشة كلها فسوق وانحراف، وهم أسرع الناس إلى ارتكاب الفواحش والآثام ن وأكثرهم تهالكا على الظلم والطغيان، وأشدهم انهماكا في أكل أموال الناس بالباطل.
ولو كان هذا الأمر مقتصرا على عامتهم، والخاصة منهم تنكره وتقاومه لهان الخطب، ولكن خاصتهم متواطئة عليه مع العامة بسكوتها وتهاونها، إذ لا تنكره ولا تقف في وجهه بحال.
وذلك قوله تعالى : وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت، لبيس ما كانوا يعملون، لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، لبيس ما كانوا يصنعون .
وختمت آيات هذا الربع بدعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالله وتقواه، ودعوتهم إلى تنفيذ التوجيهات الإلهية التي تضمنها الوحي المنزل في التوراة والإنجيل والقرآن، كما تضمنت نفس الآيات الكريمة وعد الله لهم – إن دخلوا في حظيرة الإسلام وحكمه – بالمزيد من نعمه الظاهرة والباطنة، وذلك قوله تعالى : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم، ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، منهم أمة مقتصدة، وكثير منهم ساء ما يعملون . وهذا الوعد الإلهي وإن كان موجها لكفار أهل الكتاب، فهو موجه لعصاه المسلمين من باب أولى وأحرى، فما عليهم إلا أن يعودوا إلى الله ويرضوا بحكمه، ويسيروا في حياتهم الخاصة والعامة على ضوء الهدي المحمدي، ليكونوا من المهتدين، ومع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٥:وختمت آيات هذا الربع بدعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بالله وتقواه، ودعوتهم إلى تنفيذ التوجيهات الإلهية التي تضمنها الوحي المنزل في التوراة والإنجيل والقرآن، كما تضمنت نفس الآيات الكريمة وعد الله لهم – إن دخلوا في حظيرة الإسلام وحكمه – بالمزيد من نعمه الظاهرة والباطنة، وذلك قوله تعالى : ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم، ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، منهم أمة مقتصدة، وكثير منهم ساء ما يعملون . وهذا الوعد الإلهي وإن كان موجها لكفار أهل الكتاب، فهو موجه لعصاه المسلمين من باب أولى وأحرى، فما عليهم إلا أن يعودوا إلى الله ويرضوا بحكمه، ويسيروا في حياتهم الخاصة والعامة على ضوء الهدي المحمدي، ليكونوا من المهتدين، ومع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وإذا استنكر كتاب الله موقف التواطؤ على المنكر من بني إسرائيل، فإنه يستنكره من المسلمين من باب أولى وأحرى.
على أن كتاب الله في هذا الربع قد فتح في وجه المخالفين للإسلام أيا كان دينهم، وكيفما كان شعارهم – بالرغم عن مخالفتهم وانحرافاتهم – باب التوبة والمغفرة والدخول في حظيرة الإسلام على أساس المساواة التامة، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ووعدهم وعد الحق والصدق بالأمن في الدنيا والآخرة، رفقا بهم، وحرصا على هدايتهم، وإقامة للحجة عليهم، وذلك قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .


الربع الأخير من الحزب الثاني عشر
في المصحف الكريم
يبتدئ الخطاب الإلهي في هذا الربع، بحض الرسول صلى الله عليه وسلم على القيام بواجب التبليغ الذي كلفه الله به دون توان ولا تردد، وينبهه إلى أن أي تقصير في هذا الواجب يعتبر عملا مضادا للتبليغ، كما يؤكد للرسول صلى الله عليه وسلم أن الله الذي أرسله لتبليغ الرسالة قد تعهد بحفظه، وأنه مهما استعمل من الوسائل لتحقيق هذه الغاية وضاعف من الجهود في هذا السبيل، فلن ينال حياته أي مكروه، وأن أي محاولة يحاولها الكافرون ضده ستبوء بالفشل، وذلك قوله تعالى، يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين . وينبغي أن يفهم هذا الأمر الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والحرص عليه، على أنه أمر موجه إلى ورثة الرسول من بعده، وهم علماء الشريعة وحملة الدين، الذين هم مطالبون بتبليغ الدعوة الإسلامية، وكشف النقاب عنها على وجهها الحق، في كل العصور والأجيال، مهما كلفهم ذلك من الجهود والتضحيات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وإذا استنكر كتاب الله موقف التواطؤ على المنكر من بني إسرائيل، فإنه يستنكره من المسلمين من باب أولى وأحرى.
على أن كتاب الله في هذا الربع قد فتح في وجه المخالفين للإسلام أيا كان دينهم، وكيفما كان شعارهم – بالرغم عن مخالفتهم وانحرافاتهم – باب التوبة والمغفرة والدخول في حظيرة الإسلام على أساس المساواة التامة، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ووعدهم وعد الحق والصدق بالأمن في الدنيا والآخرة، رفقا بهم، وحرصا على هدايتهم، وإقامة للحجة عليهم، وذلك قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .


ثم يوجه كتاب الله خطابه إلى أهل الكتاب مرة أخرى، فيدينهم جميعا بما هم عليه من مخالفة صريحة للتوراة والإنجيل، مبينا أن ما يدعونه من التمسك بهما، وما ينسبونه إليهما مما ليس منهما، هو منتهى الزور والتضليل، وموضحا أن أهل الكتاب بسبب ابتعادهم في دينهم، وتحريفهم لكتبهم، وابتعادهم عن روح الدين ومنبع الإيمان، أصبحوا وهم ليسوا على شيء لا من الدين، ولا من الإيمان ولا من الكتاب، وأن الوسيلة الوحيدة لإنقاذهم مما هم فيه قبول رسالة الإسلام التي قامت على أساسها وهديها نفس التوراة ونفس الإنجيل، والتي جاء القرآن الكريم بتتميمها وختامها لخير الناس أجمعين، وذلك قوله تعالى، قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم .
وعقب كتاب الله على هذه الدعوة بما يفيد أن كثرة من أهل الكتاب ستصر على ضلالها، وسوف لا تستجيب لدعوة الإخاء الديني والإنساني التي ينادي به الإسلام، بل ما يؤكد أن هذه الدعوة ستزيدها طغيانا على طغيان، وكفرا على كفر، اعتزازا منها بالإثم والأنانية، وإمعانا في العناد والاستكبار، وتمسكا بحفظ مصالحها وامتيازاتها، وحرصا على إبقاء الجماهير المضللة في شبكتها، وتحت تأثيرها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا، فلا تاس على القوم الكافرين .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وإذا استنكر كتاب الله موقف التواطؤ على المنكر من بني إسرائيل، فإنه يستنكره من المسلمين من باب أولى وأحرى.
على أن كتاب الله في هذا الربع قد فتح في وجه المخالفين للإسلام أيا كان دينهم، وكيفما كان شعارهم – بالرغم عن مخالفتهم وانحرافاتهم – باب التوبة والمغفرة والدخول في حظيرة الإسلام على أساس المساواة التامة، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ووعدهم وعد الحق والصدق بالأمن في الدنيا والآخرة، رفقا بهم، وحرصا على هدايتهم، وإقامة للحجة عليهم، وذلك قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .


وانتقلت الآيات الكريمة إلى التنديد بموقف بني إسرائيل من ميثاق الله الذي واثقهم به، والتنديد بموقفهم من رسل الله الذين تعاقبوا عليهم الواحد بعد الآخر، فلم يكن آخرهم أحسن حظا من أولهم،
وأشارت نفس الآيات إلى ما تقلبت فيه كثرة بني إسرائيل من عصيان وتوبة، ثم عصيان مستمر جعلهم محل سخط الله وغضبه، وذلك قوله تعالى لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون، وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا، كثير منهم، والله بصير بما يعملون .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وإذا استنكر كتاب الله موقف التواطؤ على المنكر من بني إسرائيل، فإنه يستنكره من المسلمين من باب أولى وأحرى.
على أن كتاب الله في هذا الربع قد فتح في وجه المخالفين للإسلام أيا كان دينهم، وكيفما كان شعارهم – بالرغم عن مخالفتهم وانحرافاتهم – باب التوبة والمغفرة والدخول في حظيرة الإسلام على أساس المساواة التامة، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ووعدهم وعد الحق والصدق بالأمن في الدنيا والآخرة، رفقا بهم، وحرصا على هدايتهم، وإقامة للحجة عليهم، وذلك قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .


ومن الحديث عن بني إسرائيل وموقفهم من أنبيائهم انتقلت الآيات مرة أخرى إلى الحديث عن موقف المدعين لإتباع المسيح والإيمان به، مبينة كفرهم الصريح بسبب تأليههم لعيسى ابن مريم، على خلاف تعاليمه ووصاياه التي نادى بها من المهد إلى اللحد، فنفس المسيح عليه السلام منذ كان في المهد صبيا قال : إني عبد الله آتيني الكتاب وجعلني نبيئا ولم يقل إني إله، ونفس المسيح ظل خلال قيامه برسالته يدعوا أتباعه إلى عبادة الله الواحد الأحد، وعرفهم بأن الإله المعبود هو رب العالمين وحده لا شريك له، وبأن الشرك بالله ظلم عظيم لا جزاء له إلا النار، وليس لأهله شفعاء ولا أنصار، وذلك قوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار، لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم، أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه، والله غفور رحيم .
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٢:خ٧٩
ومن الحديث عن بني إسرائيل وموقفهم من أنبيائهم انتقلت الآيات مرة أخرى إلى الحديث عن موقف المدعين لإتباع المسيح والإيمان به، مبينة كفرهم الصريح بسبب تأليههم لعيسى ابن مريم، على خلاف تعاليمه ووصاياه التي نادى بها من المهد إلى اللحد، فنفس المسيح عليه السلام منذ كان في المهد صبيا قال : إني عبد الله آتيني الكتاب وجعلني نبيئا ولم يقل إني إله، ونفس المسيح ظل خلال قيامه برسالته يدعوا أتباعه إلى عبادة الله الواحد الأحد، وعرفهم بأن الإله المعبود هو رب العالمين وحده لا شريك له، وبأن الشرك بالله ظلم عظيم لا جزاء له إلا النار، وليس لأهله شفعاء ولا أنصار، وذلك قوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار، لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم، أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه، والله غفور رحيم .

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وإذا استنكر كتاب الله موقف التواطؤ على المنكر من بني إسرائيل، فإنه يستنكره من المسلمين من باب أولى وأحرى.
على أن كتاب الله في هذا الربع قد فتح في وجه المخالفين للإسلام أيا كان دينهم، وكيفما كان شعارهم – بالرغم عن مخالفتهم وانحرافاتهم – باب التوبة والمغفرة والدخول في حظيرة الإسلام على أساس المساواة التامة، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ووعدهم وعد الحق والصدق بالأمن في الدنيا والآخرة، رفقا بهم، وحرصا على هدايتهم، وإقامة للحجة عليهم، وذلك قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .


ثم يتولى كتاب الله وصف الحقيقة الصادقة عن المسيح وأمه مريم دون زيادة ولا نقص، ولا غلو ولا تحريف، ولا تأليه ولا تثليث، وذلك قوله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة، كانا يأكلان الطعام، أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم أنظر أنى يؤفكون، قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، والله هو السميع العليم، قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وأضلوا عن سواء السبيل .
وقوله تعالى : كانا يأكلان الطعام فيه توضيح لبشرية عيسى وأمه وتوابع هذه البشرية، بتعبير قرآني مهذب، فمن كان يتناول الطعام لدفع ألم الجوع، سوف يضطر بحكم تناوله الطعام إلى العمل على التخلص من فضلاته، وإذن فهو يحتاج لتناول الطعام أولا والتخلص من فضلاته ثانيا، ومن كان حاله هو هذا الحال، لا يمكن أن يكون إلها ولو في الخيال.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٥:خ٧٩
ثم يتولى كتاب الله وصف الحقيقة الصادقة عن المسيح وأمه مريم دون زيادة ولا نقص، ولا غلو ولا تحريف، ولا تأليه ولا تثليث، وذلك قوله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة، كانا يأكلان الطعام، أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم أنظر أنى يؤفكون، قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، والله هو السميع العليم، قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وأضلوا عن سواء السبيل .
وقوله تعالى : كانا يأكلان الطعام فيه توضيح لبشرية عيسى وأمه وتوابع هذه البشرية، بتعبير قرآني مهذب، فمن كان يتناول الطعام لدفع ألم الجوع، سوف يضطر بحكم تناوله الطعام إلى العمل على التخلص من فضلاته، وإذن فهو يحتاج لتناول الطعام أولا والتخلص من فضلاته ثانيا، ومن كان حاله هو هذا الحال، لا يمكن أن يكون إلها ولو في الخيال.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٥:خ٧٩
ثم يتولى كتاب الله وصف الحقيقة الصادقة عن المسيح وأمه مريم دون زيادة ولا نقص، ولا غلو ولا تحريف، ولا تأليه ولا تثليث، وذلك قوله تعالى : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة، كانا يأكلان الطعام، أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم أنظر أنى يؤفكون، قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا، والله هو السميع العليم، قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وأضلوا عن سواء السبيل .
وقوله تعالى : كانا يأكلان الطعام فيه توضيح لبشرية عيسى وأمه وتوابع هذه البشرية، بتعبير قرآني مهذب، فمن كان يتناول الطعام لدفع ألم الجوع، سوف يضطر بحكم تناوله الطعام إلى العمل على التخلص من فضلاته، وإذن فهو يحتاج لتناول الطعام أولا والتخلص من فضلاته ثانيا، ومن كان حاله هو هذا الحال، لا يمكن أن يكون إلها ولو في الخيال.

وإذا استنكر كتاب الله موقف التواطؤ على المنكر من بني إسرائيل، فإنه يستنكره من المسلمين من باب أولى وأحرى.
على أن كتاب الله في هذا الربع قد فتح في وجه المخالفين للإسلام أيا كان دينهم، وكيفما كان شعارهم – بالرغم عن مخالفتهم وانحرافاتهم – باب التوبة والمغفرة والدخول في حظيرة الإسلام على أساس المساواة التامة، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ووعدهم وعد الحق والصدق بالأمن في الدنيا والآخرة، رفقا بهم، وحرصا على هدايتهم، وإقامة للحجة عليهم، وذلك قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٩:وواصلت الآيات الكريمة حديثها عن كفار بني إسرائيل، مبينة تواطؤهم على المناكر، وحرصهم على موالاة الكافرين، وما أدى إليه هذا السلوك المنحرف من عذاب في الدنيا والآخرة، وذلك قوله تعالى : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون، ترى كثير منهم يتولون الذين كفروا، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون .
خ ٧٩

الربع الأول من الحزب الثالث عشر
في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع، يتحدث كتاب الله، وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم، عن مواقف أهل الكتاب من الإسلام، وما يبرز في صفوفهم من عداوة أو مودة له ولأهله، ولا يغفل كتاب الله التنبيه إلى أن الهوة التي تفصل بين الإسلام والوثنية من جهة، وبينه وبين اليهودية من جهة أخرى، هوة سحيقة جدا، فطبيعة الوثنية في حد ذاتها ومن أصلها لا تنسجم مع الوحي الإلهي في شيء، ولاسيما الوحي الإلهي الوثيق الذي لا تبديل فيه ولا تغيير، كوحي القرآن الكريم، وأنى للظلمة أن تنسجم مع النور، وللحق أن يعايش الباطل.
وعناد اليهودية وتجاهلها لبقية الأنبياء والرسل ولبقية الكتب المنزلة وتظاهرها بالاستعلاء والاستكبار على من لا يدين بدينها، كل ذلك جعلها سباقة إلى إشهار الحرب على الإنجيل ورسوله، كما جعلها سباقة إلى حرب القرآن ورسوله، وقد اختارت في كثير من الأوقات حرب الدسيسة، والتآمر، وبلبلة الأفكار، وإثارة المشاكل الجانبية، ثم محاولة التسرب إلى قلعة القرآن عن طريق التأويلات المبتذلة، والأساطير المنتحلة، فهي من الوجهة السياسية الحليفة الأولى للوثنية العربية طيلة عهد الرسالة المحمدية، وهي من الوجهة الاعتقادية والتشريعية تتزعم جميع الحركات والتيارات المناوئة للإسلام، والعاملة على تشويهه وتحريفه، وإبرازه كعنصر ثانوي لا أصالة فيه ولا ابتكار، ولا تفتر دوما عن ملاحقة الإسلام ومطاردته في مختلف المجالات، ولاسيما مجالات العقائد والأفكار والآراء، وإلى هذه المعاني يومئ قوله تعالى في إيجاز وإعجاز لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا .
ويلاحظ في هذه الآية تقديم اليهود على الذين أشركوا والسر في ذلك – والله أعلم – أن خطر هذا العنصر أقوى وأشد من خطر جميع العناصر الوثنية، لا فرق بين الوثنية العربية وغيرها، فالوثنية ليس لها أي أساس مقبول من الوحي والرسالة، ولا من المنطق والحكمة، وهي عاجزة أن تقف على قدمها أمام الإسلام الذي يقوم في صميمه على الكتاب والحكمة معا، بينما اليهودية تعتبر نفسها عقيدة توحيد، وبيدها شريعة التوراة التي لا تقبل فيها نسخا، وإن كانت من الوجهة العملية قد حرفتها بنفسها ومسختها مسخا، وهكذا تجد المجال مفتوحا عند غير المسلمين، لتضليلهم عن حقيقة الإسلام المثلي وجوهره الرفيع.
ثم تنتقل الآيات الكريمة إلى وصف طائفة أخرى من أهل الكتاب، هي طائفة من القسيسين والرهبان كانت تدين بالنصرانية، لكنها على أثارة من العلم بقرب ظهور خاتم الأنبياء والمرسلين طبقا لبشارة المسيح عليه السلام الثابتة من قبل وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فما كاد يظهر الإسلام، ويشرع الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة التي تلقاها من عند الله، حتى آمنوا به وبرسالته، بل أعرضوا عن لغو اليهود من جهة، وتركوا نصرانيتهم من جهة أخرى، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وتلقوا ما أنزل إلى الرسول بتلهف وشوق وتأثر بالغ، ففاضت أعينهم بالدموع، وبرزت على جوارحهم آثار الخشوع وأخذوا يسألون الحق سبحانه وتعالى أن يكتبهم في زمرة الأمة المحمدية الشاهدة على الناس، وأن يدخلهم الجنة في رفقة القوم الصالحين، ونظرا لصدق يقينهم، وإخلاص إيمانهم، وتوفيقهم، استجاب الله دعاءهم، وأحسن جزاءهم، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا النصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء المحسنين .
وفي هذه الطائفة أو في مثلها نزل قوله تعالى في سورة القصص الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين .
وإذن فالأمر في قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة الآية يتعلق بمن كانوا على النصرانية ثم تركوها نهائيا وانتقلوا إلى الإسلام، لا بمن أصروا على نصرانيتهم واستمروا عليها ووقفوا في وجه الإسلام يحاربون دعوته، ويطاردون شريعته، ويستعبدون أمته، منذ نشأته الأولى إلى هذه الأيام، فهؤلاء هم الذين تولى الحق سبحانه وتعالى ذكرهم وذكر عقابهم في قوله تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم .
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٢:الربع الأول من الحزب الثالث عشر
في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع، يتحدث كتاب الله، وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم، عن مواقف أهل الكتاب من الإسلام، وما يبرز في صفوفهم من عداوة أو مودة له ولأهله، ولا يغفل كتاب الله التنبيه إلى أن الهوة التي تفصل بين الإسلام والوثنية من جهة، وبينه وبين اليهودية من جهة أخرى، هوة سحيقة جدا، فطبيعة الوثنية في حد ذاتها ومن أصلها لا تنسجم مع الوحي الإلهي في شيء، ولاسيما الوحي الإلهي الوثيق الذي لا تبديل فيه ولا تغيير، كوحي القرآن الكريم، وأنى للظلمة أن تنسجم مع النور، وللحق أن يعايش الباطل.
وعناد اليهودية وتجاهلها لبقية الأنبياء والرسل ولبقية الكتب المنزلة وتظاهرها بالاستعلاء والاستكبار على من لا يدين بدينها، كل ذلك جعلها سباقة إلى إشهار الحرب على الإنجيل ورسوله، كما جعلها سباقة إلى حرب القرآن ورسوله، وقد اختارت في كثير من الأوقات حرب الدسيسة، والتآمر، وبلبلة الأفكار، وإثارة المشاكل الجانبية، ثم محاولة التسرب إلى قلعة القرآن عن طريق التأويلات المبتذلة، والأساطير المنتحلة، فهي من الوجهة السياسية الحليفة الأولى للوثنية العربية طيلة عهد الرسالة المحمدية، وهي من الوجهة الاعتقادية والتشريعية تتزعم جميع الحركات والتيارات المناوئة للإسلام، والعاملة على تشويهه وتحريفه، وإبرازه كعنصر ثانوي لا أصالة فيه ولا ابتكار، ولا تفتر دوما عن ملاحقة الإسلام ومطاردته في مختلف المجالات، ولاسيما مجالات العقائد والأفكار والآراء، وإلى هذه المعاني يومئ قوله تعالى في إيجاز وإعجاز لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا .
ويلاحظ في هذه الآية تقديم اليهود على الذين أشركوا والسر في ذلك – والله أعلم – أن خطر هذا العنصر أقوى وأشد من خطر جميع العناصر الوثنية، لا فرق بين الوثنية العربية وغيرها، فالوثنية ليس لها أي أساس مقبول من الوحي والرسالة، ولا من المنطق والحكمة، وهي عاجزة أن تقف على قدمها أمام الإسلام الذي يقوم في صميمه على الكتاب والحكمة معا، بينما اليهودية تعتبر نفسها عقيدة توحيد، وبيدها شريعة التوراة التي لا تقبل فيها نسخا، وإن كانت من الوجهة العملية قد حرفتها بنفسها ومسختها مسخا، وهكذا تجد المجال مفتوحا عند غير المسلمين، لتضليلهم عن حقيقة الإسلام المثلي وجوهره الرفيع.
ثم تنتقل الآيات الكريمة إلى وصف طائفة أخرى من أهل الكتاب، هي طائفة من القسيسين والرهبان كانت تدين بالنصرانية، لكنها على أثارة من العلم بقرب ظهور خاتم الأنبياء والمرسلين طبقا لبشارة المسيح عليه السلام الثابتة من قبل وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فما كاد يظهر الإسلام، ويشرع الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة التي تلقاها من عند الله، حتى آمنوا به وبرسالته، بل أعرضوا عن لغو اليهود من جهة، وتركوا نصرانيتهم من جهة أخرى، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وتلقوا ما أنزل إلى الرسول بتلهف وشوق وتأثر بالغ، ففاضت أعينهم بالدموع، وبرزت على جوارحهم آثار الخشوع وأخذوا يسألون الحق سبحانه وتعالى أن يكتبهم في زمرة الأمة المحمدية الشاهدة على الناس، وأن يدخلهم الجنة في رفقة القوم الصالحين، ونظرا لصدق يقينهم، وإخلاص إيمانهم، وتوفيقهم، استجاب الله دعاءهم، وأحسن جزاءهم، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا النصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء المحسنين .
وفي هذه الطائفة أو في مثلها نزل قوله تعالى في سورة القصص الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين .
وإذن فالأمر في قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة الآية يتعلق بمن كانوا على النصرانية ثم تركوها نهائيا وانتقلوا إلى الإسلام، لا بمن أصروا على نصرانيتهم واستمروا عليها ووقفوا في وجه الإسلام يحاربون دعوته، ويطاردون شريعته، ويستعبدون أمته، منذ نشأته الأولى إلى هذه الأيام، فهؤلاء هم الذين تولى الحق سبحانه وتعالى ذكرهم وذكر عقابهم في قوله تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم .

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٢:الربع الأول من الحزب الثالث عشر
في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع، يتحدث كتاب الله، وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم، عن مواقف أهل الكتاب من الإسلام، وما يبرز في صفوفهم من عداوة أو مودة له ولأهله، ولا يغفل كتاب الله التنبيه إلى أن الهوة التي تفصل بين الإسلام والوثنية من جهة، وبينه وبين اليهودية من جهة أخرى، هوة سحيقة جدا، فطبيعة الوثنية في حد ذاتها ومن أصلها لا تنسجم مع الوحي الإلهي في شيء، ولاسيما الوحي الإلهي الوثيق الذي لا تبديل فيه ولا تغيير، كوحي القرآن الكريم، وأنى للظلمة أن تنسجم مع النور، وللحق أن يعايش الباطل.
وعناد اليهودية وتجاهلها لبقية الأنبياء والرسل ولبقية الكتب المنزلة وتظاهرها بالاستعلاء والاستكبار على من لا يدين بدينها، كل ذلك جعلها سباقة إلى إشهار الحرب على الإنجيل ورسوله، كما جعلها سباقة إلى حرب القرآن ورسوله، وقد اختارت في كثير من الأوقات حرب الدسيسة، والتآمر، وبلبلة الأفكار، وإثارة المشاكل الجانبية، ثم محاولة التسرب إلى قلعة القرآن عن طريق التأويلات المبتذلة، والأساطير المنتحلة، فهي من الوجهة السياسية الحليفة الأولى للوثنية العربية طيلة عهد الرسالة المحمدية، وهي من الوجهة الاعتقادية والتشريعية تتزعم جميع الحركات والتيارات المناوئة للإسلام، والعاملة على تشويهه وتحريفه، وإبرازه كعنصر ثانوي لا أصالة فيه ولا ابتكار، ولا تفتر دوما عن ملاحقة الإسلام ومطاردته في مختلف المجالات، ولاسيما مجالات العقائد والأفكار والآراء، وإلى هذه المعاني يومئ قوله تعالى في إيجاز وإعجاز لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا .
ويلاحظ في هذه الآية تقديم اليهود على الذين أشركوا والسر في ذلك – والله أعلم – أن خطر هذا العنصر أقوى وأشد من خطر جميع العناصر الوثنية، لا فرق بين الوثنية العربية وغيرها، فالوثنية ليس لها أي أساس مقبول من الوحي والرسالة، ولا من المنطق والحكمة، وهي عاجزة أن تقف على قدمها أمام الإسلام الذي يقوم في صميمه على الكتاب والحكمة معا، بينما اليهودية تعتبر نفسها عقيدة توحيد، وبيدها شريعة التوراة التي لا تقبل فيها نسخا، وإن كانت من الوجهة العملية قد حرفتها بنفسها ومسختها مسخا، وهكذا تجد المجال مفتوحا عند غير المسلمين، لتضليلهم عن حقيقة الإسلام المثلي وجوهره الرفيع.
ثم تنتقل الآيات الكريمة إلى وصف طائفة أخرى من أهل الكتاب، هي طائفة من القسيسين والرهبان كانت تدين بالنصرانية، لكنها على أثارة من العلم بقرب ظهور خاتم الأنبياء والمرسلين طبقا لبشارة المسيح عليه السلام الثابتة من قبل وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فما كاد يظهر الإسلام، ويشرع الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة التي تلقاها من عند الله، حتى آمنوا به وبرسالته، بل أعرضوا عن لغو اليهود من جهة، وتركوا نصرانيتهم من جهة أخرى، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وتلقوا ما أنزل إلى الرسول بتلهف وشوق وتأثر بالغ، ففاضت أعينهم بالدموع، وبرزت على جوارحهم آثار الخشوع وأخذوا يسألون الحق سبحانه وتعالى أن يكتبهم في زمرة الأمة المحمدية الشاهدة على الناس، وأن يدخلهم الجنة في رفقة القوم الصالحين، ونظرا لصدق يقينهم، وإخلاص إيمانهم، وتوفيقهم، استجاب الله دعاءهم، وأحسن جزاءهم، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا النصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء المحسنين .
وفي هذه الطائفة أو في مثلها نزل قوله تعالى في سورة القصص الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين .
وإذن فالأمر في قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة الآية يتعلق بمن كانوا على النصرانية ثم تركوها نهائيا وانتقلوا إلى الإسلام، لا بمن أصروا على نصرانيتهم واستمروا عليها ووقفوا في وجه الإسلام يحاربون دعوته، ويطاردون شريعته، ويستعبدون أمته، منذ نشأته الأولى إلى هذه الأيام، فهؤلاء هم الذين تولى الحق سبحانه وتعالى ذكرهم وذكر عقابهم في قوله تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم .

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٢:الربع الأول من الحزب الثالث عشر
في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع، يتحدث كتاب الله، وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم، عن مواقف أهل الكتاب من الإسلام، وما يبرز في صفوفهم من عداوة أو مودة له ولأهله، ولا يغفل كتاب الله التنبيه إلى أن الهوة التي تفصل بين الإسلام والوثنية من جهة، وبينه وبين اليهودية من جهة أخرى، هوة سحيقة جدا، فطبيعة الوثنية في حد ذاتها ومن أصلها لا تنسجم مع الوحي الإلهي في شيء، ولاسيما الوحي الإلهي الوثيق الذي لا تبديل فيه ولا تغيير، كوحي القرآن الكريم، وأنى للظلمة أن تنسجم مع النور، وللحق أن يعايش الباطل.
وعناد اليهودية وتجاهلها لبقية الأنبياء والرسل ولبقية الكتب المنزلة وتظاهرها بالاستعلاء والاستكبار على من لا يدين بدينها، كل ذلك جعلها سباقة إلى إشهار الحرب على الإنجيل ورسوله، كما جعلها سباقة إلى حرب القرآن ورسوله، وقد اختارت في كثير من الأوقات حرب الدسيسة، والتآمر، وبلبلة الأفكار، وإثارة المشاكل الجانبية، ثم محاولة التسرب إلى قلعة القرآن عن طريق التأويلات المبتذلة، والأساطير المنتحلة، فهي من الوجهة السياسية الحليفة الأولى للوثنية العربية طيلة عهد الرسالة المحمدية، وهي من الوجهة الاعتقادية والتشريعية تتزعم جميع الحركات والتيارات المناوئة للإسلام، والعاملة على تشويهه وتحريفه، وإبرازه كعنصر ثانوي لا أصالة فيه ولا ابتكار، ولا تفتر دوما عن ملاحقة الإسلام ومطاردته في مختلف المجالات، ولاسيما مجالات العقائد والأفكار والآراء، وإلى هذه المعاني يومئ قوله تعالى في إيجاز وإعجاز لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا .
ويلاحظ في هذه الآية تقديم اليهود على الذين أشركوا والسر في ذلك – والله أعلم – أن خطر هذا العنصر أقوى وأشد من خطر جميع العناصر الوثنية، لا فرق بين الوثنية العربية وغيرها، فالوثنية ليس لها أي أساس مقبول من الوحي والرسالة، ولا من المنطق والحكمة، وهي عاجزة أن تقف على قدمها أمام الإسلام الذي يقوم في صميمه على الكتاب والحكمة معا، بينما اليهودية تعتبر نفسها عقيدة توحيد، وبيدها شريعة التوراة التي لا تقبل فيها نسخا، وإن كانت من الوجهة العملية قد حرفتها بنفسها ومسختها مسخا، وهكذا تجد المجال مفتوحا عند غير المسلمين، لتضليلهم عن حقيقة الإسلام المثلي وجوهره الرفيع.
ثم تنتقل الآيات الكريمة إلى وصف طائفة أخرى من أهل الكتاب، هي طائفة من القسيسين والرهبان كانت تدين بالنصرانية، لكنها على أثارة من العلم بقرب ظهور خاتم الأنبياء والمرسلين طبقا لبشارة المسيح عليه السلام الثابتة من قبل وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فما كاد يظهر الإسلام، ويشرع الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة التي تلقاها من عند الله، حتى آمنوا به وبرسالته، بل أعرضوا عن لغو اليهود من جهة، وتركوا نصرانيتهم من جهة أخرى، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وتلقوا ما أنزل إلى الرسول بتلهف وشوق وتأثر بالغ، ففاضت أعينهم بالدموع، وبرزت على جوارحهم آثار الخشوع وأخذوا يسألون الحق سبحانه وتعالى أن يكتبهم في زمرة الأمة المحمدية الشاهدة على الناس، وأن يدخلهم الجنة في رفقة القوم الصالحين، ونظرا لصدق يقينهم، وإخلاص إيمانهم، وتوفيقهم، استجاب الله دعاءهم، وأحسن جزاءهم، وذلك ما أشار إليه قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا النصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء المحسنين .
وفي هذه الطائفة أو في مثلها نزل قوله تعالى في سورة القصص الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين، أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون، وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين .
وإذن فالأمر في قوله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة الآية يتعلق بمن كانوا على النصرانية ثم تركوها نهائيا وانتقلوا إلى الإسلام، لا بمن أصروا على نصرانيتهم واستمروا عليها ووقفوا في وجه الإسلام يحاربون دعوته، ويطاردون شريعته، ويستعبدون أمته، منذ نشأته الأولى إلى هذه الأيام، فهؤلاء هم الذين تولى الحق سبحانه وتعالى ذكرهم وذكر عقابهم في قوله تعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم .

ومضى كتاب الله يدعو المؤمنين إلى تجنب مظاهر الرهبانية التي ابتدعها النصارى في دينهم، مطالبا للمؤمنين بتناول جميع الطيبات التي أحلها الله لهم، لكن في غير تجاوز الحدود، ودون إسراف بما يزيد عن الهدف المقصود يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا .
ولفتت الآيات الكريمة أنظار المؤمنين إلى ما يجب أن يحيطوا به اسم الله من تقديس واحترام، وأنهم لا ينبغي لهم أن يقسموا باسمه العظيم إلا عند الضرورة القصوى واحفظوا أيمانكم منبهة إلى أنه إذا كان الله تعالى لا يؤاخذهم باللغو في أيمانهم، لأنها صدرت منهم عن غير قصد ودون عمد، فإنه سبحانه سيحاسبهم على الأيمان التي قصدوها، وتعمدوا توكيد مقاصدهم بها هل بروا بها أو لم يبروا، وعليهم إذا لم يبروا بأيمانهم أن يكفروا عن تقصيرهم في البرور بها. وحددت نفس الآية الوجوه التي يمكن أن تقع كفارة اليمين باختيار واحد منها، وذلك قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، واحفظوا أيمانكم، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون .
وجدد كتاب الله الحديث عن تحريم الخمر والقمار، وتحريم الذبائح التي كان المشركون يذبحونها، ويرشون بدمائها أحجارا وثنية مخصوصة يدعونها ( الأنصاب ) أو يقتسمونها بواسطة قداح أو قراطيس خاصة يدعونها ( الأزلام ) مبينا الآثار السيئة التي تنشأ عن شرب الخمر وعن لعب القمار، ومعلنا تحريم الخمر والميسر تحريما قاطعا، وذلك قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكما العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة. فهل أنتم منتهون .
وهنا يجب التنبيه والتأكيد على أن من صيغ التحريف التي يستعملها القرآن الكريم صيغة ( اجتنبوا ) كما ورد في هذه الآية وغيرها من الآيات، مثل قوله تعالى في سورة النحل واجتنبوا الطاغوت ، وقوله تعالى في سورة الحج فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ، وقوله تعالى في سورة الحجرات : اجتنبوا كثيرا من الظن الآية، فكل ما ورد في هذه الآيات بعد صيغة اجتنبوا يعتبر في الشريعة من المحرمات المقطوع بتحريمها.
ثم يعقب كتاب الله على ذلك كله بقوله : وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، منبها إلى أن شارب الخمر ولاعب القمار هما عمليا في حرب مع الله ورسوله، مجاهران لله ولرسوله بالعصيان، متمردان على طاعته، متهاونان بأحكام شريعته.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٠:وجدد كتاب الله الحديث عن تحريم الخمر والقمار، وتحريم الذبائح التي كان المشركون يذبحونها، ويرشون بدمائها أحجارا وثنية مخصوصة يدعونها ( الأنصاب ) أو يقتسمونها بواسطة قداح أو قراطيس خاصة يدعونها ( الأزلام ) مبينا الآثار السيئة التي تنشأ عن شرب الخمر وعن لعب القمار، ومعلنا تحريم الخمر والميسر تحريما قاطعا، وذلك قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكما العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة. فهل أنتم منتهون .
وهنا يجب التنبيه والتأكيد على أن من صيغ التحريف التي يستعملها القرآن الكريم صيغة ( اجتنبوا ) كما ورد في هذه الآية وغيرها من الآيات، مثل قوله تعالى في سورة النحل واجتنبوا الطاغوت ، وقوله تعالى في سورة الحج فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ، وقوله تعالى في سورة الحجرات : اجتنبوا كثيرا من الظن الآية، فكل ما ورد في هذه الآيات بعد صيغة اجتنبوا يعتبر في الشريعة من المحرمات المقطوع بتحريمها.
ثم يعقب كتاب الله على ذلك كله بقوله : وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، منبها إلى أن شارب الخمر ولاعب القمار هما عمليا في حرب مع الله ورسوله، مجاهران لله ولرسوله بالعصيان، متمردان على طاعته، متهاونان بأحكام شريعته.

وإذا كان المتمرد على سلطة المخلوق مثله يتعرض لأشد أنواع العقاب، جزاء تمرده وعصيانه، فما بالك بالمخلوق المتمرد على سلطة الخالق القاهر فوق عباده، ماذا يكون مصيره بين يدي الله ؟ يوم لا ينفعه إلا طاعة الله وتقواه وما قدمت يداه، وذلك هو معنى قوله تعالى : واحذروا بعد قوله : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أي احذروا مغبة عصيانكم لله، فقد تكون العاقبة أوخم عاقبة، وقد تكون الخاتمة أسوء خاتمة، فأطيعوا الله ليثبتكم في أحرج المواقف، ولا تلقوه وأنتم سكارى عند سكرات الموت، وكونوا من أهل الإيمان والإذعان، حتى ينعم الله عليكم في مواقف الحيرة والفزع بالثبات والاطمئنان، قال تعالى : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء .
الربع الثاني من الحزب الثالث عشر
في المصحف الكريم
يبتدئ الحديث في هذا الربع، بذكر فضائل الكعبة وخصائص البيت الحرام، وما اقتضته الحكمة الإلهية من جعل هذه المنطقة منطقة أمن عام، وطمأنينة شاملة، بالنسبة للإنسان وبالنسبة للحيوان، فالإنسان في دائرتها لا يتعرض لأي انتقام من أخيه أو عدوان، والحيوان في محيطها يتمتع بعهد الأمان وبالحصانة التامة من طرف الإنسان، بحيث لا يسفك بها دم، ولا يتوقع فيها ثأر، ولا يروع فيها سرب، ولا يقتل فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر، ويكون الحجاج إليها كلهم فارغي البال، اللهم إلا من عبادتهم التي يعكفون عليها، ومناسكهم التي يقومون بها وهم على أحسن حال، دون رفث ولا فسوق ولا جدال، وذلك قوله تعالى : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس أي آمنا لهم وصلاحا. وسميت الكعبة ( كعبة ) لنتوئها وبروزها، إذ يقال لكل ناتئ بارز ( كعب )، مستديرا أو غير مستدير، على ما صححه المحققون.
ويتجه خطاب الله إلى نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم، آمرا له أن ينبه الناس إلى أن الخبيث والطيب لا يستويان عند الله في شيء، وأن يلفت نظر الإنسان أيا كان وحيثما كان، إلى أن مجرد الاستلذاذ بالخبيث والإعجاب به لا يقف في وجه هذه الحقيقة الناصعة، فقد يكون الخبيث جذابا وبراقا ومثيرا، ولكنه في جوهره خبيث، وفي أثره خبيث، ولن يقف الخبيث مع الطيب على قدم المساواة بأي وجه من الوجوه، وإذا كان الخبيث ( أوزن ) في الدنيا فالطيب أوزن منه في الآخرة، وإذا كان مآل الطيب إلى الجنة، فإن مآل الخبيث إلى النار، وإذا كان منفق المال الخبيث يعتبر إنفاقه هباء منثورا، فمنفق المال الطيب يظل إنفاقه ثابتا مذكورا، هذا إلى ما يترتب على تناول كل من الطيب والخبيث، وعلى ممارسة كل من الطيبات والخبائث، من الآثار النفسية والأخلاقية، الفردية والاجتماعية، مما يجعل سلوك الطيبين رحمة لهم وللناس، وسلوك الخبيثين نقمة عليهم قبل أن يكون على بقية الناس، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون .
ثم يتناول كتاب الله الحديث عن طائفة من الناس، مصابة بنوع غريب من حب الاستطلاع والهوس بلغ إلى حد الوسواس، فهي تحاول أن تحيط علما بكل شيء، وهي تحشر أنفها في جميع المقامات والمجامع، وهي مولعة بالبحث عن أسرار الناس الخاصة ودخائل أمورهم دون أي موجب شرعي ولا مبرر أخلاقي، وهي حريصة على إثارة الأسئلة الفارغة أو الملتوية، التي لا جدوى من ورائها ولا نفع في الجواب عنها، بغية إيقاع المجيب عنها في ورطة يصعب عليه الخلاص منها، وهكذا فإلى هذه الطائفة ومثيلاتها يتجه الخطاب الإلهي قائلا : يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .
ومما يندرج تحت هذه الآية ما جاء في الأثر : أن رجلا من بني سهم يقال له عبد الله بن حذافة كان يطعن فيه، فقال يا رسول الله من أبي ؟ فقال أبوك حذافة، فدعاه لأبيه. قال الزهري، فقالت أم عبد الله بن حذافة : ما رأيت ولدا أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس ) فقال ( والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته ).
وأشار كتاب الله في تعقيبه على هذا النوع من الناس الموسوسين وأسئلتهم الفجة، إلى أن المؤمنين لا يمنعهم أي مانع من توجيه أسئلتهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ما دام الغرض منها هو الاستفسار عن الدين والسؤال عن الشريعة، منبها إلى أن أحسن فرصة مناسبة لإلقاء هذا النوع المفيد من الأسئلة هي الوقت الذي ينزل فيه الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي تلك المناسبة يكون الرسول صلى الله عليه وسلم على أتم استعداد لإجابة المؤمنين وتفقيههم في الدين، بتوضيح ما فيه إشكال، وتفصيل ما فيه إجمال، وذلك قوله تعالى : وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم .
وقوله تعالى : عفا الله عنها، والله غفور حليم يمكن تفسيره بالجزء الأخير من الحديث الصحيح الذي ثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن الله أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمة منه فلا تسألوا عنها ) فيكون معنى عفا الله عنها سكت عنها رحمة بالمؤمنين. قال القاضي أبو بكر ( ابن العربي ) ما خلاصته : قوله تعالى عفا الله عنها أي أسقطها، والذي يسقط لعدم بيان الله فيه هو باب التكليف، فإنه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم تختلف العلماء فيه. واختلاف العلماء رحمة للخلق، وفسحة في الحق، وطريق إلى الرفق ).
ثم نادى كتاب الله بإبطال الشعائر الوثنية وإلغائها، وخاصة ما ابتدعه المشركون من اعتناق الإبل والغنم وتسييبها للأصنام والأوثان، فهذه ناقة تشق أذنها وتترك، وهي ( البحيرة )، وتلك ناقة يخلى سبيلها مع أمها دون راع ولا قيد، وهي ( السائبة ) بحيث لا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها، ولا يشرب لبنها، وهناك شاة تلد ذكرا أو ذكرا وأنثى، وهي ( الوصيلة ) فتخلى للأوثان والأصنام، وهذا فحل من الإبل ينقضي ضرابه، فيجعل عليه من ريش الطواويس ويسيب، وهو ( الحامي ).
وهكذا ذم الله تعالى ما كان يفعله المشركون من هذه الشعائر الباطلة، وحذر المسلمين من الوقوع فيما وقعوا فيه، بعد أن عرفهم أن ذلك كله مجرد كذب على الله، ومحض افتراء عليه، وذلك قوله تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباءهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون .
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٥:وفي هذا الربع( الربع الثاني من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم )، آية كريمة يجب الوقوف عندها وقفة خاصة، فقد فهمها بعض الناس على غير وجهها منذ عهد مبكر، ألا وهي قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعلمون .
وأقل نظر إلى هذه الآية بتعمق وإمعان يؤدي إلى فهم المقصود منها على أحسن وجه، إذ هي واردة في سياق الآية التي سبقتها، وهي قوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا فها هنا دعوة موجهة إلى المشركين من الرسول والمؤمنين، ليتركوا ما هم عليه من ضلال وخبال، لكنهم يصرون على تقليدهم الأعمى، ويأبون الاستجابة إلى الدعوة الإسلامية.
وما دام الأمر هكذا، وما دام الرسول والمؤمنون قد بذلوا كل ما في وسعهم للقيام بتوجيه الدعوة وتبليغ الرسالة، وحاولوا بكل الوسائل إقناع المشركين دون جدوى، فقد برئت ذمتهم ولم يبق أمامهم إلا العمل على نجاة أنفسهم وخلاصها، ولن يحاسبوا على ضلال من أصر على الضلال، بعد دعوتهم لهم باستمرار، ورفضه لدعوتهم بكامل الرفض ومزيد من الإنكار. وليس معنى هذه الآية الإذن للمسلم بالتخلي عن واجباته نحو المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، ولا الترخيص له بالوقوف منهما موقف المتفرج الذي لا يهمه من أمرهما شيء، فذلك فهم مقلوب للإسلام، وتأويل مضاد للمعنى المقصود من هذه الآية.
روى أصحاب السنن أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الناس إذا أرادوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه ).
ومما لا يسوغ للمسلم التخلي عنه ولا إهماله أبدا أمر أسرته وأولاده، امتثالا لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين .

وفي هذا الربع( الربع الثاني من الحزب الثالث عشر في المصحف الكريم )، آية كريمة يجب الوقوف عندها وقفة خاصة، فقد فهمها بعض الناس على غير وجهها منذ عهد مبكر، ألا وهي قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعلمون .
وأقل نظر إلى هذه الآية بتعمق وإمعان يؤدي إلى فهم المقصود منها على أحسن وجه، إذ هي واردة في سياق الآية التي سبقتها، وهي قوله تعالى : وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا فها هنا دعوة موجهة إلى المشركين من الرسول والمؤمنين، ليتركوا ما هم عليه من ضلال وخبال، لكنهم يصرون على تقليدهم الأعمى، ويأبون الاستجابة إلى الدعوة الإسلامية.
وما دام الأمر هكذا، وما دام الرسول والمؤمنون قد بذلوا كل ما في وسعهم للقيام بتوجيه الدعوة وتبليغ الرسالة، وحاولوا بكل الوسائل إقناع المشركين دون جدوى، فقد برئت ذمتهم ولم يبق أمامهم إلا العمل على نجاة أنفسهم وخلاصها، ولن يحاسبوا على ضلال من أصر على الضلال، بعد دعوتهم لهم باستمرار، ورفضه لدعوتهم بكامل الرفض ومزيد من الإنكار. وليس معنى هذه الآية الإذن للمسلم بالتخلي عن واجباته نحو المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، ولا الترخيص له بالوقوف منهما موقف المتفرج الذي لا يهمه من أمرهما شيء، فذلك فهم مقلوب للإسلام، وتأويل مضاد للمعنى المقصود من هذه الآية.
روى أصحاب السنن أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الناس إذا أرادوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه ).
ومما لا يسوغ للمسلم التخلي عنه ولا إهماله أبدا أمر أسرته وأولاده، امتثالا لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين .
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١١:الربع الثالث من الحزب الثالث عشر
في المصحف الكريم
م ١١١
فقوله تعالى : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي الذي نبتدئ به ربع هذا اليوم هو وارد في سياق آيات أخرى سبقت في نهاية الربع الماضي، وهو تابع لها ومرتبط بها في المعنى كل الارتباط، فقد سبقها قوله تعالى : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم، قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب، إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك، إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا، وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طائرا بإذني، وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني، وإذ تخرج الموتى بإذني، وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين، وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي .
والمقام في هذه الآيات مقام استعراض عام أمام الله وبين يديه لجميع الرسل الذين أرسلهم الحق سبحانه وتعالى إلى خلقه، من أولهم إلى آخرهم، واستجوابهم أمام الجناب الإلهي الأقدس، ماذا كان موقف أممهم من الرسالات التي أرسلهم بها، وماذا كان جواب أممهم عنها ؟
وفي وسط هذا الاستعراض الضخم لموكب الرسل الكرام جميعا يقف كتاب الله خاصة عند سؤال عيسى ابن مريم وجوابه، ويصف الحق سبحانه وتعالى له بشيء من التفصيل، وفي أسلوب من الحوار، فقد اختلط أمر عيسى ابن مريم على من يدعون أتباعه اختلاطا كبيرا، وقد ارتبك في شأنه عدد غير قليل من البشر، وفي هذا السياق يذكر الله رسوله عيسى ابن مريم بالمعجزات التي أيده بها اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ويعدها عدا، مؤكدا أنها كلها إنما كانت معجزات من عند الله ومن صنعه وبإذنه، لا من وضع عيسى ولا بقوته وقدرته إذ أيدتك بروح القدس وإذ علمتك الكتاب والحكمة - وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي – وهكذا وردت هذه الآية الأخيرة في معرض تذكير الله لعيسى بن مريم بنعمه التي أنعم بها عليه، تمهيدا لاستجوابه واستفساره عن الغلو في تعظيمه، وتأليهه من طرف المنتسبين إليه، وموقفه من ذلك الغلو.
والنعمة التي يمتن الله بها على عيسى ابن مريم في قوله تعالى : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي هي نعمة ما أكرمه الله به من الأصحاب والأنصار، إعانة له على تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، فقد ألهم الله الحواريين المعرفة بصدق رسالته، وألقى في قلوبهم بذور محبته، وهداهم إلى الإيمان بالله بواسطته، و الوحي إلى الحواريين في هذا المقام، لا يتجاوز أن يكون وحي ( الإلهام )، على غرار ما جاء في قوله تعالى : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا الآية. ثم بين كتاب الله كيف استجاب الحواريون لدعوة عيسى ابن مريم، وكيف آمنوا وشهدوا على أنفسهم بعقيدة الإسلام، التي جاء بها كافة الرسل من عند الله.
وانتقل بعد ذلك إلى تفصيل قصة المائدة، التي طلب الحواريون من عيسى ابن مريم أن يسألها لهم من الله، وبها سميت هذه السورة ( سورة المائدة ).

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١١:الربع الثالث من الحزب الثالث عشر
في المصحف الكريم
م ١١١
فقوله تعالى : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي الذي نبتدئ به ربع هذا اليوم هو وارد في سياق آيات أخرى سبقت في نهاية الربع الماضي، وهو تابع لها ومرتبط بها في المعنى كل الارتباط، فقد سبقها قوله تعالى : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم، قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب، إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك، إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا، وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طائرا بإذني، وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني، وإذ تخرج الموتى بإذني، وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين، وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي .
والمقام في هذه الآيات مقام استعراض عام أمام الله وبين يديه لجميع الرسل الذين أرسلهم الحق سبحانه وتعالى إلى خلقه، من أولهم إلى آخرهم، واستجوابهم أمام الجناب الإلهي الأقدس، ماذا كان موقف أممهم من الرسالات التي أرسلهم بها، وماذا كان جواب أممهم عنها ؟
وفي وسط هذا الاستعراض الضخم لموكب الرسل الكرام جميعا يقف كتاب الله خاصة عند سؤال عيسى ابن مريم وجوابه، ويصف الحق سبحانه وتعالى له بشيء من التفصيل، وفي أسلوب من الحوار، فقد اختلط أمر عيسى ابن مريم على من يدعون أتباعه اختلاطا كبيرا، وقد ارتبك في شأنه عدد غير قليل من البشر، وفي هذا السياق يذكر الله رسوله عيسى ابن مريم بالمعجزات التي أيده بها اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ويعدها عدا، مؤكدا أنها كلها إنما كانت معجزات من عند الله ومن صنعه وبإذنه، لا من وضع عيسى ولا بقوته وقدرته إذ أيدتك بروح القدس وإذ علمتك الكتاب والحكمة - وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي – وهكذا وردت هذه الآية الأخيرة في معرض تذكير الله لعيسى بن مريم بنعمه التي أنعم بها عليه، تمهيدا لاستجوابه واستفساره عن الغلو في تعظيمه، وتأليهه من طرف المنتسبين إليه، وموقفه من ذلك الغلو.
والنعمة التي يمتن الله بها على عيسى ابن مريم في قوله تعالى : وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي هي نعمة ما أكرمه الله به من الأصحاب والأنصار، إعانة له على تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، فقد ألهم الله الحواريين المعرفة بصدق رسالته، وألقى في قلوبهم بذور محبته، وهداهم إلى الإيمان بالله بواسطته، و الوحي إلى الحواريين في هذا المقام، لا يتجاوز أن يكون وحي ( الإلهام )، على غرار ما جاء في قوله تعالى : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا الآية. ثم بين كتاب الله كيف استجاب الحواريون لدعوة عيسى ابن مريم، وكيف آمنوا وشهدوا على أنفسهم بعقيدة الإسلام، التي جاء بها كافة الرسل من عند الله.
وانتقل بعد ذلك إلى تفصيل قصة المائدة، التي طلب الحواريون من عيسى ابن مريم أن يسألها لهم من الله، وبها سميت هذه السورة ( سورة المائدة ).

في هذا الربع، من كتاب الله نجمع بين آخر ثمن من سورة المائدة وأول ثمن من سورة الأنعام، وبذلك نكون قد اختتمنا سورة وابتدأنا أخرى، مستعينين بالله ومعتمدين عليه.
والحديث في الثمن الأخير من سورة المائدة يتعلق بعيسى ابن مريم عليه السلام والحواريين الذين آمنوا به وصدقوه. وقصة المائدة التي طلبوها، والحوار الذي دار بينهم وبين عيسى في شأنها، كما يتناول وصف الكيفية التي يكون عليها سؤال الحق سبحانه وتعالى يوم القيامة لعيسى عن موقف المسيحيين الذين غالوا في تعظيمه حتى رفعوه إلى درجة الألوهية، فأشركوا بالله الواحد الأحد، ثم وصف الجواب الذي يجيب به عيسى ابن مريم ربه، متبرئا من المنتسبين إليه زورا وبهتانا، والغالبين في حقه ظلما وعدوانا.
وبين كتاب الله تحرج عيسى ابن مريم من هذا الطلب، ثم إصرار الحواريين على رجائهم قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين .
وأمام إلحاح الحواريين لم يسع عيسى ابن مريم إلا أن يسأل ربه إنزال المائدة قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك، وارزقنا وأنت خير الرازقين فاستجاب الله دعاء رسوله عيسى ابن مريم
قال الله إني منزلها عليكم ولكن الحق سبحانه وتعالى حذر من الكفر بعد ذلك، وأنذر من كفر بعد نزول المائدة بعذاب لا مثيل له فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين .
وبعد الانتهاء من تعداد النعم التي أنعم الله بها على عيسى ابن مريم ينتقل كتاب الله إلى محور الموضوع، وهو وصف الاستجواب الإلهي لعيسى ابن مريم أمام مجمع الرسل يوم القيامة، ووصف جواب عيسى لربه عن نفس السؤال، وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فأجاب عيسى ربه منزها مقام الربوبية، ومتبرئا من أتباعه المحرفين المغالبين قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وإن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم .
ثم يتفصى عيسى ابن مريم أمام الحق سبحانه وتعالى من كل مسؤولية يمكن إلقاؤها عليه من جراء ادعاءات المسيحيين إلا ما شاهده عيانا وهو لا يزال بين أظهرهم. أما بعد أن توفاه الله ورفعه إليه فإنه لم يعد يعرف عنهم شيئا. نعم بقيت رقابة الله عليهم مبسوطة، فهو الذي يعلم حقيقة أحوالهم، وهو سبحانه الشهيد على جميع عباده وعلى كل شيء من أعمالهم، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد .
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٦:وبعد الانتهاء من تعداد النعم التي أنعم الله بها على عيسى ابن مريم ينتقل كتاب الله إلى محور الموضوع، وهو وصف الاستجواب الإلهي لعيسى ابن مريم أمام مجمع الرسل يوم القيامة، ووصف جواب عيسى لربه عن نفس السؤال، وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فأجاب عيسى ربه منزها مقام الربوبية، ومتبرئا من أتباعه المحرفين المغالبين قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وإن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم .
ثم يتفصى عيسى ابن مريم أمام الحق سبحانه وتعالى من كل مسؤولية يمكن إلقاؤها عليه من جراء ادعاءات المسيحيين إلا ما شاهده عيانا وهو لا يزال بين أظهرهم. أما بعد أن توفاه الله ورفعه إليه فإنه لم يعد يعرف عنهم شيئا. نعم بقيت رقابة الله عليهم مبسوطة، فهو الذي يعلم حقيقة أحوالهم، وهو سبحانه الشهيد على جميع عباده وعلى كل شيء من أعمالهم، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد .

وأخيرا سجل كتاب الله إذعان عيسى ابن مريم لمشيئة الله إذعانا كليا، ورضاه بحكمه الفاصل في شأن الأباطيل والضلالات التي روجها المسيحيون واعتقدوها من بعده، ولم يتجرأ على الشفاعة الصريحة فيهم لعظم جرمهم، واقتصر على مخاطبة الحق سبحانه وتعالى بقوله : إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
وبعدما تحدث كتاب الله عن الاستعراض الإلهي لموكب الرسل واستفسارهم عامة، واستفسار عيسى ابن مريم خاصة عقب على ذلك بما يعتبره خلاصة الموقف والحكم النهائي، قائلا : قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك الفوز العظيم. لله ملك السماوات والأرض وما فيهن، وهو على كل شيء قدير ومعنى ذلك أن يوم القيامة يوم مجموع له الناس، تجمع فيه كافة الخلائق، وتنكشف فيه كل الحقائق، فلا مكان فيه للتدجيل والتضليل، ولا مجال فيه للتزييف والتحريف، والفوز فيه إنما هو لمن صدق الله، والتزم طاعته ورضاه.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

79 مقطع من التفسير