تفسير سورة سورة الإخلاص

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

اللباب في علوم الكتاب

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت 775 هـ)

الناشر

دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان

الطبعة

الأولى، 1419 ه -1998م

عدد الأجزاء

20

المحقق

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

نبذة عن الكتاب

- تم إعادة تصوير الكتاب كاملا بجودة أفضل مما سبق.



مقدمة التفسير
مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك، والسدي، وهي أربع آيات١، وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا.
١ ينظر تفسير الماوردي (٦/٣٦٩)..
آية رقم ١
مكية في قول ابن مسعود، والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك، والسدي، وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾. في «هُوَ» وجهان:
أحدهما: أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول أنهم قالوا: صف لنا ربَّك وانسبه.
وقيل: قالوا له: أنُحَاسٌ هو أم حَديدٌ؟ فنزلت.
وحينئذ يجوز أن يكون «اللهُ» مبتدأ، و «أحد» خبره، والجملة خبر الأولِ، ويجوز أن يكون «الله» بدلاً، و «أحد» الخبر، ويجوز أن يكون «الله» خبراً أولاً، و «أحد» خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون «أحد» خبراً لمبتدأ محذوف، أي «هو أحد»، والثاني: ضمير الشأن؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة.
وهمزة «أحد» بدل من واو؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، منه: امرأة أناة من الونى، وهو الفُتُور، وتقدم الفرق بين «أحد» هذا، و «أحد» المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها.
ونقل أبو البقاء: أن همزة «أحد» هذا غير مقلوبة، بل أصلها بنفسها، فالمراد به العموم. والأول هو المعروف.
وفرق ثعلب بين «أحد» و «واحد» بأنَّ الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان
— 559 —
و «أحد» لا يدخله ذلك، ويقال: اللهُ أحد، ولا يقال: زيد أحد؛ لأن الله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيَّان بأنه يقال: أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد انتهى.
وقال مكيٌّ: إن أصله: «واحد» فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفاً.
وقرأ عبد الله وأبيّ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ دون «قُلْ».
وقرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ بغير ﴿قُلْ هُوَ﴾.
وقرأ الأعمش: «قل هو الله الواحد».
وقرأ العامة: بتنوين «أحَدٌ» وهو الأصل.
وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق والحسن، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية، في عدد كثير: بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، كقوله: [الكامل]
٥٣٥٢ - عَمروُ الذي هَشمَ الثَّريدَ لقومهِ ورِجالُ مكَّة مُسنتُونَ عِجَافُ
وقوله: [المتقارب]
٥٣٥٣ -................................... ولا ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً

فصل


والصمد: الذي يصمدُ إليه في الحاجات، ولا يقدر على قضائها إلا هو.
قال: [الطويل]
٥٣٥٤ - ألاَ بكَّرَ النَّاعِي بخَيْرِ بَنِي أسَدْ بِعمْرِو بنِ مسعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقال آخر: [البسيط]
— 560 —
٥٣٥٥ - عَلوتهُ بحُسَامٍ ثُمَّ قلتُ لهُ خُذهَا حُذيْفُ فأنتَ السيِّدُ الصَّمدُ
وقيل: الصمد: المصمت الذي لا جوف له.
ومنه قوله: [الطويل]
٥٣٥٦ - شِهَابُ حُروبٍ لا تَزَالُ جِيَادهُ عَوابِسَ يَعلُكْنَ الشَّكيمَ المُصَمَّدَا
وقال أبيّ بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: تفسيره، من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وهذا يشبه ما قالوه من تفسير الهلوع، والأحسن في هذه الجملة أن تكون مستقلة بفائدة هذا الخبر، ويجوز أن يكون «الصَّمدُ» صفة، والخبر في الجملة بعده، كذا قيل، وهو ضعيف من حيث السِّياق، فإن السياق يقتضي الاستقلال بأخبار عن كل جملة.
قال القرطبي: [ «لأنه ليس شيء إلا سيموت]، وليس شيء يموت إلا يورث».
قيل: الصمد: الدائمُ الباقي الذي لم يزل، ولا يزال.
وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد.
وقال السديُّ: إنه المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب.
[وقال الحسن بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقال مقاتل: إنه الكامل الذي لا عيب فيه].
قال القرطبيُّ: والصحيح من هذه الأقوال ما شهد له الاشتقاق وهو القول الأول، ذكره الخطابي.

فصل في لفظ أحد


قال ابن الخطيب: ونكر لفظ أحد، لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العرف سبق؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، وفي سورة «الإسراء» :﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإسراء: ١١١]، لأن من
— 561 —
النصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول: إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين.

فصل في الرد على من أسقط «قل هو»


قال القرطبي: وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» والناس يستمعون، فأسقط «قل هو» وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ «أحد»، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو أم من نُحاس أم من [صفر] ؟.
فقال الله تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، ففي «هُوَ» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله - عَزَّ وَجَلَّ - والتكذيب لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «انسب لنا ربك» فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، والصمد: الذي لم يلد، ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث.
وروى أبو العالية: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر آلهتهم، فقالوا: انسب لنا ربك، قال: فأتاه جبريل بهذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾.
قال الترمذي: وهذا أصحّ.
قال القرطبيُّ: «ففي هذا الحديث إثبات لفظ،» قل هو الله أحد «، وعن عكرمة نحوه».
وقال ابن عباس: «لَم يلدْ» كما ولدت مريم، و «لَمْ يُولدْ» كما ولد عيسى، وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحدٍ.
— 562 —

فصل في الكلام على الآية


قال ابن الخطيب: دل العقل على استحالة كونه تعالى ولداً ووالداً، والأحديَّةُ والصَّمديَّةُ يوجبان نفي كونه تعالى والداً، أو مولوداً، وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل.
قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾. في نصب «كُفُواً» وجهان:
أحدهما: أنه خبر «يَكُونُ» و «أحَدٌ» اسمها و «لهُ» متعلق بالخبر أي: ولم يكن كفواً له كما تقدم وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظَّرف كان هو الخبر وهنا لم يجعله خبراً مع تقدمه.
وقد رد على المبرِّد بوجهين:
أحدهما: أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه.
والثاني: أنا لا نسلم أنَّ الظرف هنا ليس بخبر، بل هو خبر، ونصب «كُفواً» على الحال، على ما سيأتي بيانه.
وقال الزمخشري: الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك، فما باله مقدماً في أفصح كلام وأعربه؟
قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبُّه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقديم وأحراه.
والثاني: أن ينصب على الحال من «أحدٌ» ؛ لأنه كان صفة، فلما تقدم عليه نصب حالاً و «له» هو الخبر. قاله مكي، وأبو البقاء، وغيرهما.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبراً.
قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي: وهذه الجملة ليست من هذا الباب، وذلك أن قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ليس الجار والمجرور فيه تامَّا، إنما هو ناقص، لا يصلح أن يكون خبراً ل «كان» بل متعلق ب «كُفُواً»، وتقدم على «كُفُواً» للاهتمام به إذ فيه ضمير الباري تعالى وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير؛ لآن تأخير الاسم هو فاصلة، فحسن ذلك، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره، أن «لهُ» والخبر، و «كُفُواً» حال من «أحَدٌ» لأنه ظرف ناقص، ولا يصلح أن يكون خبراً، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه، وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبراً، ويصلح أن يكون غير خبر.
— 563 —
قال سيبويه: وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت «فيها» مستقراً ولم تجعله على قولك: فيها زيد قائم، ثم أجريت الصفة على الاسم فإن جعلته على قولك: فيها زيد قائم نصبت، تقول: ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقراً، تكتفي به، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
وقال الشاعر: [الرجز]
٥٣٥٧ - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا... انتهى كلام سيبويه.
قال أبو حيَّان: فأنت ترى كلامه، وتمثيله بالظرف الذي لا يصلح أن يكون خبراً، ومعنى قوله: «مستقرَّا» أي: خبراً للمبتدأ، ول «كان».
فإن قلت: قد مثل بالآية الكريمة.
قلت: هذا الذي أوقع مكياً والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام، وهو في قوله: [الرجز]
٥٣٥٨ - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا... أجري فضلة، لا خبراً، كما أن «لهُ» في الآية أجري فضلة، فجعل الظرف القابل أن يكون خبراً كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبراً، ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله: «ولم يكن له أحد» بل لو تأخر «كُفُواًُ» وارتفع على الصفة وجعل «لهُ» خبراً لم ينعقد منه كلام، بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو «كُفُواً» و «لَهُ» متعلق به، والمعنى: لم يكن أحد مكافئه انتهى ما قاله ابن حيَّان.
قال شهاب الدين: قوله: «ولا يشك» إلى آخره، تهويل على الناظر، وإلا
— 564 —
فقوله: «هذا الظرف ناقص» ممنوع، لأن الظرف الناقص عبارة عما لم يكن في الإخبار به فائدة كالمقطوع عن الإضافة ونحوه، وقد نقل سيبويه الأمثلة المتقدمة، نحو: «ما كان فيها أحد خيراً منك» وما الفرق بين هذا، وبين الآية الكريمة، وكيف يقول هذا، وقد قال سيبويه في آخر كلامه: «والتقديم والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير».

فصل


قرأ العامة: «كُفُواً» بضم الكاف والفاء، وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع في رواية، وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة، وأبدلها حفص واواً مطلقاً، والباقون بالهمزة مطلقاً.
قال
القرطبي
: وتقدم
في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى «أتتّخذنا هزواً».
وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «كفاء» بالكسر والمد أي لا مثل له، وأنشد للنابغة: [البسيط]
٥٣٥٩ - لاَ تَقْذفنِّي برُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ..........................................
وقرأ نافع في رواية: كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها.
والكفو النظير كقوله: هذا كفؤ لك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح.
قال ابن الخطيب: والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة، والصمديّة، ونفى الوالدية، والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال، والعظمة لانفراده سبحانه، وتعالى بوجوب الوجود لذاته.

فصل


روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَقُول الله تعالى: كذَّبنِي
— 565 —
ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، فأما تَكْذيبهُ فقوله: لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي، وليْسَ بأوَّل الخَلقِ وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ، وأمَّا شتمهُ إيَّاي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمَدُ، لم ألدْ ولم أولَدْ ولم يكن لي كفواً أحد».

فصل في فضائل هذه السورة


روى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فذكر ذلك له، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» والَّذي نَفْسِي بيدهِ، إنَّها لتعْدِلُ ثُلثَ القُرآنِ «» لأن القرآن أنزل ثلاثاً؛ ثلثاً: أحكام. وثلثاً: وعد ووعيد. وثلثاً: أسماء وصفات، وجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات.
وروى مسلم عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال:» سلُوه لأيِّ شيءٍ يصْنَعُ ذلِكَ «؟ فسألوه: فقال: لأنَّها صفةُ الرَّحمنِ، فأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أخبرُوهُ أنَّ الله تعالى يُحِبُّهُ «».
وروى الترمذي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سمع رجلاً يقول: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» وَجَبَتْ «، قلتُ: ومَا وَجبَتْ؟ قال:» الجَنَّةُ «».
وروى أنس عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ خمسِينَ مرَّة غُفِرَتْ ذُنوبهُ».
وروى سعيد بن المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ أحَدَ عشرة مرَّة بَنَى اللهُ لهُ قصْراً في الجنَّةِ، ومن قَرَأهَا عِشْرينَ مَرَّةً بَنى اللهُ لهُ قَصرينِ في الجنَّة، ومن قَرأهَا ثلاثين مرَّةً، بَنَى له بِهَا ثلاثة قُصُورٍ في الجنَّة «فقال عمرُ بن الخطاب: والله يا رسول الله إذاً لنُكثِّرنَّ قُصُورنَا، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» اللهُ أوسعُ مِنْ ذلِكَ «».
— 566 —
وقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ في مَرَضِه الَّذي يَمُوتُ فِيهِ لمْ يُفْتَنْ في قَبْرِهِ، وأمِنَ من ضغطهِ القبْرِ، وحمَلتهُ الملائِكةُ يومَ القِيامةِ بأكُفِّها، حتَّى يُجيزَ الصِّراطَ إلى الجنَّةِ». فصل في أسماء هذه السورة
في أسمائها: قال ابن الخطيب: سورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة التوحيد، وسورة الإخلاص، وسورة النجاة، وسورة الولاية، وسورة النسبة، لقولهم: انسبْ لنا ربَّك، وسورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة البراءة؛ لأنها تبرئ من النفاق، وسورة الأساس، وسورة المحضر؛ لأن الملائكة تحضر لسماعها، وسورة المانعة، والمنفرة، لأنها تنفر الشيطان، وسورة النور، لأنها تنور القلب، والله نور السموات والأرض. والله أعلم.
— 567 —
سورة الفلق
— 568 —
آية رقم ٢
فصل
والصمد : الذي يصمدُ إليه في الحاجات، ولا يقدر على قضائها إلا هو.
قال :[ الطويل ]
٥٣٥٤- ألاَ بكَّرَ النَّاعِي بخَيْرِ بَنِي أسَدْ بِعمْرِو بنِ مسعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ١
وقال آخر :[ البسيط ]
٥٣٥٥- عَلوتهُ بحُسَامٍ ثُمَّ قلتُ لهُ خُذهَا حُذيْفُ فأنتَ السيِّدُ الصَّمدُ٢
وقيل : الصمد : المصمت الذي لا جوف له.
ومنه قوله :[ الطويل ]
٥٣٥٦- شِهَابُ حُروبٍ لا تَزَالُ جِيَادهُ عَوابِسَ يَعلُكْنَ الشَّكيمَ المُصَمَّدَا٣
وقال أبيّ بن كعب رضي الله عنه : تفسيره.
١ قائله هو سيرة بن عمرو الأسدي ينظر الاقتضاب ص ٢٨٩، وسمط اللآلىء ٢/٣٩٢، ومجاز القرآن ٢/٣١٦، وإصلاح المنطق ص ٥٨، ومعاني القرآن للفراء ٣/٢٦٨، والأمالي ٢/٣٢٠، والطبري ٣٠/٢٢٤، ومجمع البيان ١٠/٧٥٧، والقرطبي ٢٠/١٦٧، واللسان (صمد)، والدر المصون ٦/٥٨٩..
٢ ينظر: القرطبي ٢٠/١٦٧..
٣ ينظر القرطبي ٢٠/١٦٨، والبحر ٨/٥٢٩، والدر المصون ٦/٥٨٩..
آية رقم ٣
فصل في لفظ أحد
قال ابن الخطيب٨ : ونكر لفظ أحد ؛ لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد ؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم لَمْ يَلِدْ وإن كان العرف سبق ؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى : وَلَمْ يُولَدْ كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا لَمْ يَلِدْ ، وفي سورة «الإسراء» : لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [ الإسراء : ١١١ ] ؛ لأن من النصارى من يقول : عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول : إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين.

فصل في الرد على من أسقط «قل هو» :

قال القرطبي٩ : وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» والناس يستمعون، فأسقط «قل هو»، وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ «أحد»، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية ؛ لأن أهل التفسير قالوا : نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله ﷺ : صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو، أم من نُحاس، أم من [ صفر ]١٠ ؟
فقال الله تعالى رداً عليهم : قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ، ففي «هُوَ» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله - عز وجل - والتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب : أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ :«انسب لنا ربك»، فأنزل الله تعالى : قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ١١، والصمد : الذي لم يلد، ولم يولد ؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث.
وروى أبو العالية : أن النبي ﷺ ذكر آلهتهم، فقالوا : انسب لنا ربك، قال : فأتاه جبريل بهذه السورة : قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ١٢.
قال الترمذي : وهذا أصحّ.
قال القرطبيُّ١٣ :«ففي هذا الحديث إثبات لفظ، «قل هو الله أحد»، وعن عكرمة نحوه»١٤.
وقال ابن عباس :«لَم يلدْ» كما ولدت مريم، و«لَمْ يُولدْ» كما ولد عيسى وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال : عزير ابن الله.
آية رقم ٤
وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحدٍ١.

فصل في الكلام على الآية


قال ابن الخطيب٢ : دل العقل على استحالة كونه تعالى ولداً ووالداً، والأحديَّةُ والصَّمديَّةُ يوجبان نفي كونه تعالى والداً، أو مولوداً، وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل.
قوله : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ . في نصب «كُفُواً » وجهان :
أحدهما : أنه خبر «يَكُونُ »، و «أحَدٌ » اسمها، و «لهُ » متعلق بالخبر، أي : ولم يكن كفواً له كما تقدم، وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظَّرف كان هو الخبر، وهنا لم يجعله خبراً مع تقدمه.

وقد رد على المبرِّد بوجهين :

أحدهما : أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه.
والثاني : أنا لا نسلم أنَّ الظرف هنا ليس بخبر ؛ بل هو خبر، ونصب «كُفواً » على الحال، على ما سيأتي بيانه.
وقال الزمخشري٣ : الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك، فما باله مقدماً في أفصح كلام وأعربه ؟
قلت : هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبُّه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقديم وأحراه.
والثاني : أن ينصب على الحال من «أحدٌ » ؛ لأنه كان صفة، فلما تقدم عليه نصب حالاً، و «له » هو الخبر. قاله مكي، وأبو البقاء٤، وغيرهما.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبراً.
قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي٥ : وهذه الجملة ليست من هذا الباب، وذلك أن قوله : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ليس الجار والمجرور فيه تامَّا، إنما هو ناقص، لا يصلح أن يكون خبراً ل «كان » ؛ بل متعلق ب «كُفُواً »، وتقدم على «كُفُواً » للاهتمام به ؛ إذ فيه ضمير الباري تعالى، وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير ؛ لآن تأخير الاسم هو فاصلة، فحسن ذلك، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره أن «لهُ » الخبر، و«كُفُواً » حال من «أحَدٌ » ؛ لأنه ظرف ناقص، ولا يصلح أن يكون خبراً، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه، وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبراً، ويصلح أن يكون غير خبر.
قال سيبويه : وتقول : ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت «فيها » مستقراً، ولم تجعله على قولك : فيها زيد قائم، ثم أجريت الصفة على الاسم، فإن جعلته على قولك : فيها زيد قائم نصبت، تقول : ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقراً، تكتفي به، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، قال تعالى : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ .
وقال الشاعر :[ الرجز ]

٥٣٥٧-
*** مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا٦ ***
انتهى كلام سيبويه.
قال أبو حيَّان٧ : فأنت ترى كلامه، وتمثيله بالظرف الذي لا يصلح أن يكون خبراً، ومعنى قوله :«مستقرَّا » أي : خبراً للمبتدأ، ول «كان ».
فإن قلت : قد مثل بالآية الكريمة.
قلت : هذا الذي أوقع مكياً والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام، وهو في قوله :[ الرجز ]

٥٣٥٨-
*** مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا٨ ***
أجري فضلة، لا خبراً، كما أن «لهُ » في الآية أجري فضلة، فجعل الظرف القابل أن يكون خبراً كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبراً، ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله :«ولم يكن له أحد » ؛ بل لو تأخر «كُفُواًُ » وارتفع على الصفة وجعل «لهُ » خبراً لم ينعقد منه كلام ؛ بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو «كُفُواً » و «لَهُ » متعلق به، والمعنى : لم يكن أحد مكافئه. انتهى ما قاله ابن حيَّان.
قال شهاب الدين٩ : قوله :«ولا يشك » إلى آخره، تهويل على الناظر، وإلا فقوله :«هذا الظرف ناقص » ممنوع ؛ لأن الظرف الناقص عبارة عما لم يكن في الإخبار به فائدة كالمقطوع عن الإضافة ونحوه، وقد نقل سيبويه الأمثلة المتقدمة، نحو :«ما كان فيها أحد خيراً منك »، وما الفرق بين هذا، وبين الآية الكريمة، وكيف يقول هذا، وقد قال سيبويه في آخر كلامه :«والتقديم، والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير ».

فصل


قرأ العامة :«كُفُواً » بضم الكاف والفاء، وقد سهل الهمزة الأعرج١٠ ونافع في رواية، وسكن الفاء حمزة، وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة، وأبدلها حفص واواً مطلقاً، والباقون بالهمزة مطلقاً.
قال القرطبي : وتقدم في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى «أتتّخذنا هزواً »١١.
وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس١٢ رضي الله عنهم «كفاء » بالكسر والمد، أي لا مثل له، وأنشد للنابغة :[ البسيط ]

٥٣٥٩-
لاَ تَقْذفنِّي برُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ***...
وقرأ نافع في رواية : كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد، كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها.
والكفو النظير، كقوله : هذا كفؤ لك : أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح.
قال ابن الخطيب١٣ : والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة، والصمديّة، ونفى الوالدية، والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال والعظمة لانفراده سبحانه، وتعالى بوجوب الوجود لذاته.

فصل


روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله ﷺ :«يَقُول الله تعالى : كذَّبنِي ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، فأما تَكْذيبهُ فقوله : لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي، وليْسَ بأوَّل الخَلقِ، وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ، وأمَّا شتمهُ إيَّاي، فقوله : اتخذ الله ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمَدُ، لم ألدْ ولم أولَدْ، ولم يكن لي كفواً أحد »١٤.
١ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/٣٧٢)، والقرطبي (٢٠/١٦٧)..
٢ ينظر: الفخر الرازي ٣٢/١٦٨ -١٦٩..
٣ الكشاف ٤/٨١٨..
٤ الإملاء ٢/٣٩٧..
٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٥٣٠..
٦ البيت لابن ميادة وهو أحد ثلاثة أبيات هي:
لتقربن قربا جلديا *** ما دام فيهن فصيل حيا
*** فقد دجا الليل فهيا هيا ***
ينظر ديوانه ص ٢٣٧، وخزانة الأدب ٤/٥٩، ٩/٢٧٢، ٢٧٣، ٢٧٤، وشرح أبيات سيبويه ١/٢٦٦، وشرح المفصل ٤/٣٣، واللسان (جلذ)، وسمط اللآلىء ص ٥٠١، والكتاب ١/٥٦، والمقتضب ٤/٩١، والدر المصون ٦/٥٩٠..

٧ ينظر البحر المحيط ٨/٥٣١..
٨ تقدم..
٩ الدر المصون ٦/٥٩٠..
١٠ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٥٣٧، والبحر المحيط ٨/٥٣٠، والدر المصون ٦/٥٩٠..
١١ الذي في القرطبي ٢٠/١٦٨: قوله تعالى: وجعلوا له من عباده جزءا [الزخرف: ١٥]..
١٢ ينظر السابق..
١٣ صدر بيت وعجزه:
*** وإن تأثفك الأعداء بالرقد ***
ينظر الديوان ص ٢٦، والطبري ٣٠/٢٢٤، وإعراب القرآن ٥/٣١١، والبحر المحيط ٨/٥٣٠، وفتح القدير ٥/٥٧٧..

١٤ تقدم تخريجه..
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

4 مقطع من التفسير