تفسير سورة النساء

اللباب
تفسير سورة سورة النساء من كتاب اللباب في علوم الكتاب المعروف بـاللباب .
لمؤلفه ابن عادل الحنبلي . المتوفي سنة 775 هـ
وهي مائة وست وتسعون آية، وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة، وستة عشر ألفا وثلاثة وثلاثون حرفا.
قال القرطبي١ : هذه السورة مدنية إلا آية واحدة منها [ وهي ] قوله تعالى :﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ [ النساء : ٥٨ ] فإنها نزلت ب " مكة " عام الفتح، وفي عثمان بن طلحة على ما سيأتي بيانه.
قال النقاش٢ : وقيل : نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
وقيل : إن قوله تعالى :﴿ يا أيها الناس ﴾ حيث وقع في القرآن إنما هو مكي.
قاله علقمة وغيره :" فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني ".
وقال النحاس :" هذه السورة مكية ".
وقال القرطبي٣ : والصحيح الأول.
قال في " صحيح البخاري " :" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم " ٤، تعني قد بنى بها، ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها، وأما من قال :﴿ يا أيها الناس ﴾ [ مكي ]٥ حيث وقع، فليس بصحيح.
قال٦ : البقرة مدنية، وفيها ﴿ يا أيها الناس ﴾ مرتين في موضعين.
١ ينظر: القرطبي ٥/٣..
٢ ينظر: المصدر السابق والمحرر ٢/٣..
٣ ينظر: القرطبي ٥/٣..
٤ أخرجه البخاري في صحيحه كما في "الدر المنثور" (٢/٢٠٥) عن عائشة بلفظ: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده..
٥ سقط في ب..
٦ أي القرطبي ينظر تفسيره ٥/٣..

قال بعض المفسرين: «ابتدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بالعطف على النساء والأيتام، ذكر فيها أحكاماً كثيرة، وبذلك ختمها، ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس والطِّبَاع، افتتحها بالأمر بالتقوى المشتملة على كل خير».

فصل


روى الواحدي عن ابن عباس في قوله: ﴿ياأيها الناس﴾ أن هذا الخطاب لأهل مكة.
ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
وأما الأصوليون من المفسرين فاتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلّفين، وهذا هو الأصحُّ؛ لأن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق، ولأنه علّل الأمر بالاتِّقَاءِ لكونه تعالى خالق لهم من نفس واحدة، وهذه العلة موجودة في جميع المكلفين.
وأيضاً فالتكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام، وَإذَا كان لفظ الناس عاماً، والمر بالتقوى عاماً، وعلة هذا التكليف عامةً، فلا وجه للتخصيص، وحجة ابن عباس أن قوله: ﴿واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: ١] مختص بالعرب؛ لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم، فيقولون: «أسألك بالله وبالرحم، أنشدك الله والرحم»، وإذا كان كذلك، كان قوله: ﴿واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ [النساء: ١]، مختصاً بالعرب، فيكون قوله: ﴿ياأيها الناس﴾ مختصاً بهم، لأن الخطابين متوجهان إلى مخاطب واحد.
ويمكن الجواب عنه بأن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم الآية.

فصل


اعلم أنه تعالى جعل الافتتاح لسورتين في القرآن:
أحدهما: هذه وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن، وعلل الأمر بالتقوى فيهما بما يدل على معرفة المبدأ بأنه خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وحكمته.
139
والثانية: سورة الحج وهي الرابعة أيضاً من النصف الثاني من القرآن وعلَّلَ الأمر بالتقوى فيها بما يدل على معرفة المعاد.
فَجَعَلَ صدر هاتين السورتين دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، وقدّم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وهذا سر عظيم.
﴿مِّن نَّفْسٍ﴾ متعلق ب «خلقكم» فهو في محل نصب، و «من» لابتداء الغاية، وكذلك «منها زوجها وبتَّ منهما» والجمهور على واحدة بتاء التأنيث، وأجمع المسلمون على أنَّ المراد بالنفس الواحدة [هاهنا] آدم عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس لقوله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤].
وابن أبي عبلة واحدٍ من غير [تاء] تأنيث وله وجهان:
أحدهما: مراعاة المعنى؛ لأنه المراد بالنفس آدم عليه السلام.
والثاني: أن النفس تذكر وتؤنث. وعليه قوله: [الوافر]
١٧٢٦ - ثَلاَثَةُ أنْفُسٍ وَثَلاَثُ ذَوْدٍ لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي
قوله: ﴿وَخَلَقَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه عطفٌ على معنى «واحدة» لما فيه من معنى الفعل، كأنه قيل: «من نفس وحدت» أي: انفردت، يُقال: «رجل وَحُد يَحِدُ وَحْداً وَحِدَة» انفرد.
الثاني: انه عَطْفٌ على محذوف.
قال الزَّمَخْشرِيُّ: «كأنه قيل: من نفسٍ واحدةٍ أنشأها أو ابتدأها وخلق منها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى شَعَّبكم من نفس واحدةٍ هذه صفتها» بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقكم منها، وَإنَّما حمل الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى والقائل الذي قبله على ذلك مراعاةُ الترتيب الوجودي؛ لأن خلق حواء - وهي المعبر عنها بالزوج - قبل خلقنا ولا حاجة إلى ذلك، لأن الواو لا تقتضي ترتيباً على الصحيح.
الثالث: أنه عطف على «خَلْقَكُمْ»، فهو داخل في حيز الصلة والواو ولا يُبَالَى بها،
140
إذ لا تقتضي ترتيباً؛ إلا أن الزَّمَخشريَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى خَصَّ هذا الوجه بكون الخطاب [للمؤمنين] في ﴿ياأيها الناس﴾ لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال: والثاني أنه يُعْطَفُ على «خلقكم» ويكون الخطاب للذين بُعِثَ إليهم الرسول، والمعنى: خلقكم من نفس آدم؛ لأنه من جملة الجنس المفرّع [منه] وخلق منها أُمَّكم حواء.
فظاهر هذا خصوصيَّةُ الوجه الثاني أن يكون الخطاب للمعاصرين، وفيه نظر، وَقَدَّرَ بعضهم مضافاً في «منها» أي: «مِنْ جِنْسِها زوجَها»، وهو قول أبي مسلم، قال: وهو كقوله: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النحل: ٧٢] وقال ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
قال: وحواء لم تخلق من آدم، وإنما خلقت من طينة فَضَلَتْ من طينة آدم.
قال الْقَاضِي: والأول أقوى لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
قال ابن الخَطِيبُ: «يمكن أن يجاب بأن كلمة» مِن «لابتداء الغاية، فَلمَّا كان ابتداء الغاية وهو ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم صحّ أن يُقَالَ: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وأيضاً فالقادر على خلق آدم من التراب، [كان قادراً أيضاً على خلق حواء من التراب]، وَإذا كان كذلك فأيّ فائدة في خلقها من ضلع من أضلاعه».
وقرئ «وخالِقُ وباثٌّ» بلفظ اسم الفاعل، وخَرَّجَهُ الزمخشريُّ على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: وهو خالِقٌ وباثٌّ.
وَيُقَالُ: بَثَّ وأبَثَّ ومعناه «فَرَّقَ» ثلاثياً ورباعياً.
قال ابن المظفر: «البثُّ تَفْرِيقَكَ الأشياء».
يقال: بَثَّ الخيلَ في الغارة، وبَثَّ الصَّيادُ كِلاَبَهُ، وخلق الله الخلق: بَثَّهُمْ في الأرض، وبثثت البسطة إذا نشتريها. قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦].
فإن قيل: ما المناسبةُ بين الأمر بالتقوى وما ذكر معه من الوصف؟ فالجواب: لما ذكر أنَّه خَلَقَنَا من نفس واحدة، وذلك علة لوجوب الانقياد علينا لتكاليفه؛ لأنا عبيدة وهو
141
مولانا، ويجب على العبد الانقياد لمولاه؛ ولأنه أنعم ومَنَّ بوجوه الإنعام والامتنان، فأوجَدَ وأَحْيَا وعَلَّمَ وهَدَى، فعلى العبد أن يُقَابِلَ تلك النِّعَم بأنواع الخضوع والانقياد؛ ولأنه بكونه موجداً وخالقاً وِرِبَّاً يجبُ علينا عبادته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويلزم من ذلك ألا نوجب لتلك الأفعال ثواباً؛ لأن أداء الحق لمستحقه لا يوجب، وثواب هذا إن سَلَّمْنَا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه، فكيف وهذا محال؛ لأن الطاعات لا تحصل إلاَّ بخلق الله - تعالى - القدرة عليها، والداعية إليها [ومتى حصلت القدرة والداعي كان] مجموعهما موجباً لصدور الطاعة، فتكون تلك الطاعة إنعاماً آخر.
وأيضاً أنَّهُ خلقنا مِنْ نفسٍ واحدةٍ، ذلك أيضاً يوجبُ عَلَيْنَا طَاعَتَهُ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على كمالِ القدرة؛ لأن ذلك لو كان بالطبيعة لما تولد عن الإنسان إلاَّ إنسان يشاكله ويشابهه في الْخِلْقَةِ والطبيعةِ، ولَمَّا اختلف الناس في الصفات والألوان، دَلَّ على أن الخالق قَادِرٌ مختارٌ عَالِمٌ، يجب الانقياد لتكاليفه؛ ولأن الله تَعالى عَقَّبَ الأمر بالتقوى بالأمر بالإحسان إلى الْيَتَامَى والنساءِ والضُّعَفَاء وكونهم من نفْس واحدة باعث على ذلك بكونه [وذلك لأن الأقارب لا بد أن] يكون بينهم مواصلة وقرابة، وذلك يزيد في المحبة، ولذلك يفرح الإنسان بمدح أقاربه ويحزن بذمهم فقدَّمَ ذكرهم، فقال: ﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ليؤكد شفقة بعضنا على بعض.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: وبَثَّ منها الرِّجال والنِّسَاءَ.
فالجواب: لأن ذلك يقتضي كونهما مبثوثين من نفسيهما، وذلك محال، فلهذا عدل إلى قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً﴾.
وقوله: «كثيراً» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه نَعْتٌ ل «رِجَالاً».
قال أبو البقاء: ولم يؤنثه حَمْلاً على المعنى؛ لأن «رجالاً» بمعنى عدد أو جمع أو جنس كما ذَكَّر الفعل المسند إلى جماعةِ لمؤنثِ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة﴾ [يوسف: ٣٠].
والثاني: أنه نعت لمصدر تقديره: وبث منهم بثاً كثيراً؛ وقد تقدم أن مذهب سيبويه في مثله النصبُ على لحالِ.
142
فإن قيل: لم خَصَّ لرّجالَ بوصفِ الكثرةِ دون النساء؟ ففيه جوابان:
أحدهما: أنه حَذَفَ صِفَتَهُنّ لدلالة ما قبلها عليها تقديره: ونساءً كثيرة.
والثاني: أنَّ الرِّجال لشهرتهم [وبروزهم] يُنَاسِبُهم ذلك بخلاف النِّسَاء، فإنَّ الأليقَ بِهِنَّ الخمولُ والإخفاء.
قوله: ﴿تَسَآءَلُونَ﴾ قرأ الكوفيون «تَسَاءَلُونَ» بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين تخفيفاً، والأصل: «تتساءلون» به، وقَدْ تَقَدَّمَ الخلافُ: هَلْ المحذوفُ الأولى أو الثانية وقرأ الباقون بالتشديد على إدغام تاء التفاعل في السين؛ لأن مقاربتها في الهمس، ولهذا تُبْدَلُ من السين، قالوا: «ست» والأصل «سِدْسٌ» وقرأ عبد الله: «تَسْاَلُون» من سأل الثلاثي، وقُرِئَ «تَسَلون» بنقل حركة الهمزة على السين، و «تَسَاءلون» على التفاعل فيه وجهان:
أحدهما: المشاركة في السؤال.
والثاني: أنه بمعنى فَعَلَ، ويدلّ عليه قراءة عبد الله.
قال أبُو البَقَاءِ: «وَدَخَلَ حَرْفُ الجرِّ في المفعول؛ لأن المعنى:» تتخالفون: يعني أن الأصل تعدية «تسألون» إلى الضمير بنفسه، فلما ضُمِّن «تتخلفون» عُدِّي تَعْدِيَتَه «.
قوله: ﴿والأرحام﴾ الجمهور نصبوا الميم، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه عطف على لفظ الجلالة، أي: واتقوا الأرحام أي: لا تقطعوها، وقَدَّرَ بعضهم مضافً أي: قَطْعَ الأرحام.
ويقال: إنَّ هذا في الحقيقةِ من عطف الخاصِّ علا العام، وذلك أن معنى اتقوا
143
الله؛ اتقوا مخالَفَتَه، وقَطْعُ لأرحام مندرج فيه، وهذا قول مجاهد وقتادة والسَّدي والضحاك والفرّاء والزّجّاج.
قال الواحدي: ويجوز أن يكون منصوباً بالإغراء، أي: والأرحام احفظوها وصلوها كقولك: الأسدَ الأسدَ، وهذا يَدُلُّ على تحريم قطعيةِ الرحم ووجوب صلته.
والثاني: أنه معطوف على محل المجرور في» به «، نحو: مررت بزيد وعمراً، ولمَّ لم يَشْرَكه في الإتباع على اللفظ تبعه على الموضع، وه يؤيده قراءة عبد الله» وبالأرحام «.
وقال أبو البقاء: تُعَظِّمُونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تَعْظِيم له»
،
وقرأ حمزة «والأرحامِ» بالجر، قال القفال: وقد رويت هذه القراءة عن مجاهد وغيره، وفيها قولان.
أحدهما: أنه عَطَفَ على الضمير المجرور في «به» من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون، وقد تَقَدَّم تحقيقُ ذلك، وأن فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاج كل فريق
144
في قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام﴾ [البقرة: ٢١٧] وقد طَعَنَ جَمَاعَةٌ في هذه القراءة، كالزجاج وغيره، حتى يحكى عن الفراء الذي مذهبه جوازُ ذلك أنه قال: حدثني شريك بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم، قال: ﴿والأرحام﴾ بخفض [الأرحام] هو كقولهم: «أسألك باللَّهِ والرحمِ» قال: «وهذا قبيح؛ لأنَّ العرب لا ترُدُّ مخفوضاً على مخفوضٍ قَدْ كُنِي به، وَضَعَّفَهُ بَعْضُهمُ بأنه عطف للمظهر على الضمير، وهو لا يجوز.
قال ابن عيس: إنهم لم يستحسنوا عطف المظهر على الضمير المرفوع، فلا يجوز أن يقال:»
اذهب وزيد «و» ذهبت وزيدا «، بل يقولون: اذهبْ أنت وزيد وذهبت أنا وزيد، قال تعالى: ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ﴾ [المائدة: ٢٤] مع أن الضمير المرفوع قد ينفصل، فإذا لم يجز عطف المظهر على الضمير المرفوع مع أنه أقوى من الضمير المجرور، بسبب أنه قد ينفصل؛ فلأن لا يجوز عطف المظهر على الضمير المجرور، مع أنه [لا] ينفصل أَلْبَتَّةَ أولى.
والثاني: أنه ليس معطوفاً على الضمير المجرور، بل الواو للقسم وهو خفض بحرف القسم مقسم به، وجوابُ القسمِ ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ وضُعِّفَ هذا بوجهين:
أحدهما: أن قراءتي النصبِ وإظهار حرفِ الجر في ب»
الأرحام «يمنعان من ذلكَ، والأصلُ توافق القراءات.
والثاني: أنَّهُ نُهِيَ أن يُحْلَفَ بغيرِ الله تعالى، والأحاديثُ مُصَرَّحةٌ بذلك.
145
وَقَدَّرَ بَعْضهم مضافاً فراراً من ذلك فقال: «ورَبِّ الأرحام».
قال أبو البقاء: وهذا قد أغنى عنه ما قبله «يعني: الحلف بالله تعالى.
ويمكن الجواب عن هذا بأن للهَ تعالى أن يُقسمَ بما يشاء من مخلوقاته [كما أقسم] بالشمس والنجم والليل، وإن كنا نَحْنُ منهيين عن ذلك، إلا أنَّ المقصود من حيث المعنى، ليس على القسم، فالأولى حمل هذه القراءات على العطف على الضمير، ولا التفات إلى طَعْنِ مَنْ طَعَنَ فيها.
وأجاب آخرون بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ لأنهم كانوا يقولون: أسألك بالله وبالرحم، فمجيء هذا الفعل عنهم في الماضي لا ينافي ورود النهي عنه في المستقبل؛ وأيضاً فالنهي ورد عن الحلف بالآباء فقط، وهاهنا ليس كذلك، بل هو حلف باللهِ أولاً، ثُمَّ قرن بِهِ بَعْدَ ذكر لرحم، وهذا لا ينافي مدلول الحديث.
أيضاً فحمزة أحد القراءة السبعة، الظاهر أنه لم يأتِ بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذلك يوجب القطع بصحة اللغة، ولا التفات إلى أقيسة النحاة عند وجود السماع، وأيضاً فلهذه القراءة وجهان:
أحدهما: ما تقدم من تقدير تكرير الجر، وإن لم يجزه البصريون فقد أجازه غيرهم.
والثاني: فقد ورد في الشعر وأنشد سيبويه: [البسيط]
١٧٢٧ - فاليَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونَا وتَشْتُمْنَا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأيَّامِ مِنْ عَجَب
وقال الآخر [الطويل]
١٧٢٨ - تُعَلَّقُ في مِثْلِ السَّوَاري سُيُوفُنَا وَمَا بَيْنَهَا والْكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ
وقال آخر [الوافر]
146
وحمزة بالرتبة السَّنيَّة المانعةِ له من نقلِ قراءة ضعيفة.
قال بن الخطيبِ:» والعَجَبُ من هَؤلاء [النحاة] أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين، ولا يستحسنوها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن «.
وقرأ عبد الله أيضاً»
والأرحامُ «رفعاً على الابتداء، والخبرُ محذوف فقدَّرَهُ ابن عطية: أهلٌ أنْ توصل، وقَدَّرَهُ الزمخشري:» والأرحام مِمَّا يتقي «أو» مما يتساءل به «.
وهذا أحسنُ للدلالة اللفظية، والمعنوية، بخلاف الأول فإنَّه للدلالة المعنوية فقط، وقَدَّرَهُ أبو البقاء: والأرحام محترمة، أي: واجبٌ حرمتها.
فإن قيل: ما فائدةُ هذا التكرير في قوله أولاً:»
اتقوا الله الذي خلقكم «. ثم قال بعده:» واتقوا الله «.
فالجواب فائدته من وجوه:
الأول: فائدته تأكيد الأمر والحث عليه.
والثاني: أن الأمر الأول عامّ في التقوى بناء على الترتيب. والأمر الثاني خاص فيما يلتمس البعض من البعض، ويقع التساؤل به.
الثالث: قوله أولاً: ﴿اتقوا رَبَّكُمُ﴾ ولفظ»
الرَّبِّ «يَدَلُّ على التربية والإحسان، وقوله ثانياً ﴿واتقوا الله﴾ ولفظ» الإله «يدل على الغلبة والقهر، فالأمر الأول بالتقوى بناء على الترغيب، والأمر الثاني يدل على الترهيب، فكأنَّهُ قيل: اتقِ الله إنه ربّاك، وأحسن إليك، واتق مخالفته؛ لأنه شديدُ العقاب عظيم السطوة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.
جارٍ مجرى التعليل والرقيب: فَعيل للمبالغة من رَقَبَ يَرْقُبُ رَقْباً، ورُقوباً، ورِقْباناً
147
إذا أحدَّ النَّظَرَ [لأمر يريد تحقيقه]، والرقيب هو المراقب الذي يحفظ جميع أفعالك، واستعماله في صفات الله تعالى بمعنى الحفيظ قال: [مجزوء الكامل]
١٧٢٩ - أكُرُّ على الكِتيبَةِ لا أُبالِي أفِيهَا كَانَ حَتْفِي أمْ سِوَاهَا
١٧٣٠ - كَمَقَاعِدِ الرُّقَبَاءِ للضْ ضُرَبَاءِ أيْدِيهمْ نَوَاهِدْ
وقال: [الكامل]
١٧٣١ - وَمَعَ الحَبيبِ بِهَا لَقَدْ نِلْتَ المُنَى لِي عَقْلَهُ الْحُسَّادُ وَالرُّقَباءُ
والْمَرْقَبُ: المكان العالي المشرف يقف عليه الرقيب، والرقيب أيضاً [ضرب] من الحيات، والرقيب السهم الثالث من سهام الميسر، وقد تقدمت من البقرة، والارتقاب: الانتظار.

فصل


دَلَّتْ الآيةُ على تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعه.
قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض وتقطعوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] قيل: إنَّ الإلّ القرابة، قال: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: ٢٣] وقال عليه السلام: قال الله تعالى: «أنا الرحمن وهي الرحم اشتققتُ لها اسماً من اسمي، من وَصَلَها وَصَلْتُه، ومن قطعها قطعته».

فصل


قال القرطبيُّ: الرحم: اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره. وأبو حنيفةَ يعتبر الرَّحم المحرم في منع الرجوعِ في الهِبَةِ، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أنَّ القطيعة موجودة، والقرابة حاصلة ولذلك تعلّق بها الإرث، والولاية، وغيرهما من الأحكام، فاعتبار المحرم زيادة على نصِّ القرآن من غير دليل، وهم يرون ذلك [نسخاً]، سيما وفيه إشارة بالتعليل إلى القطيعة قد جوَّزها في حق بني الأعمام، وبني الأخوال والخالات.

فصل


أجمعت الأمةُ على أنَّ صلة الرَّحم واجبة، وأن قطيعتها محرَّمة، وقد صحَّ أن
148
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لأسْمَاءَ وقد سألته: أأصِلُ أمِّي؟ «صِلِي أمَّكِ» فأمرها بصلتها وهي كافرة فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الكافرة حتى انتهى لحل بأبي حنيفة وأصحابه ومن وافقهم إلى توارث ذوي الأرحام، إذا لم يكن عصبة، ولا ذو فرض ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرّحم، ويؤيده قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «مَنْ مَلَكَ ذَا رحمٍ محرمٍ فَهُوَ حُرٌّ» وهذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ولا يعرف لهما من الصحابة مخالف.

فصل


واختلفوا في ذَوِي المَحَارمِ من الرِّضَاعةِ، فقال أكْثَرُ أهلِ العلمِ: لا يدخلون في مقتضى الحديث.
وقال شريك القاضي: يُعْتَقُونَ.
وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب [لا] يعتق على الابن إذا ملكه.
149
لما وَصَّى في الآية السابقة بالأرحام وصَّى في هذه الآية بالأيتام؛ لأنهم قد صاروا بحيثُ لا كافِلَ لهم ولا مُشْفِقَ فيهم - أسوأ حلاً ممن له رحم، فإنه عطفه عليه، وهذا خطاب الأولياء والأوصياء. قالوا: إن اليتيم من لا أب له ولا جد، والإيتاء: الإعطاء قال أبو زيد: أتَوْتُ الرجلَ آتُوه إتاوَةٌ، وهي الرّشوة.
وقال الزمخشري: الأيتام الذين مات آباؤهم، وَالايُتْمُ: الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة، والدُّرة اليتيمة.
وقيل: [اليتيم] في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات.
قال: وحق هذا الاسم أن يقع على الضعفاء والكبار لمن يبقى معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنَّ في العرف اختصّ هذا الاسم بمن لم يبلغ، فإذا صار مستعينً بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافله، زال عنه هذا الاسم؛ وكانت قريش تقول لرسول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: يَتِيم أبي طَالِبٍ، إمَّا على القياس، وإما حكاية للحال التي كان عليها حين صغره ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له.
وأما على قوله عليه السلام: «لاَ يتم بَعْدَ بُلُوغ» فهو تعليم للشريعة لا تعليم للغة.
وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟ فكتب إليه: إذا أونِسَ منه الرشد انقطع يتمه.
150
وفي بعض الروايات: إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعدُ [فأخبر ابن عباس] أن اسم اليتيم يلزمه بعد البلوغ، إذا لم يؤنس منه الرُّشْدُ، ثم قال أبو بكر: «واسم اليتم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها».
قال عليه السلام: «تستأمر اليتيمة في نفسها» وهي لا تستمر إلاَّ وهي بالغة.
قال الشاعر: [الرجز]
١٧٣٢ - إنَّ الْقُبٌورَ تَنْكِحُ الأيَامى النِّسْوَةَ ولأرَمِلَ الْيَتَامَى
فالحاصل أنّ اسم اليتيم بحسب اللُّغة يتناول الصغير والكبير.
فإن قيل: كيف جُمِعَ اليتيمُ على يتامى؟ واليتيم فعيل: فيجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى؟ فقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فيه وجهان.
أحدهما: أن يقال: إن جمع اليتيم، يَتْامَى، ثمّ يجمع فعلى على فَعَالَى كأسير وأسَارِى.
والثاني: أن نقول: جمع اليتيم يتائم؛ لأن اليتيم جار مجرى الاسم نحو «صاحب» و «فارس» ثم تنقلب «اليتائم» «يتامى».
قال القفّال: «ويجوز يتيم ويتامى كنديم وندامى، ويجوز أيضاً يتيم وأيتام كشريف وأشراف».
فإن قيل: إن اسم اليتيم مختص بالصغير فما دام يتيماً، فكيف قال: ﴿وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ﴾.
فالجوابُ من وجهين:
الأول: أن يقال: المراد من اليتامى الذين بلغوا وكبروا، وسمَّاهم لله - تعلى - يتامى، إما على أصل اللغة، وإما لقرب عهدهم باليُتْم، وإن كان قد زال من هذا الوقت
151
كقوله تعالى:
﴿وَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠].
أي: الذين كانوا سحرة قبل السُّجود، وأيضاً سمَّى اللهُ تعالى مقاربة انقضاء العدة بلوغ الأجل في قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] والمعنى مقاربة الأجل، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] والإشهاد عليهم لا يصح قبل البلوغ.
الوجه الثاني: أن يقال: المراد باليتامى الصِّغار، وعلى هذا ففي الآية وجهان:
أحدهما: أن قوله «وَآتَوَا» أمر، والأمر يتناول المستقبل فيكون المعنى: أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم. فتزول المناقضة.
والثاني: أنَّ المُرَاد: وآتوا اليتامى حال كونهم يَتَامَى ما يحتاجونه مِنْ نفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه: أنه كان يجوز أن يظنّ أنّه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال صغره، فباح اللهُ - تعالى - ذلك، وفيه إشكال وهو: أنه لو كان المراد ذلك لقال: وآتوهم من أموالهم، والآية تَدُلُّ على إيتائهم كل مالهم.

فصل


نقل أبو بكر الرازيُّ في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وعزلوا أموالهم عن أموال اليتامى، فَشَكَوا ذلك إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنزل اللهُ تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.
قال المفسرون: الصحيح أنها «نزلت في رجل من غطفان، كان معه كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمُّهُ فترافعا إلى النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فلما علمها العَمُّ قال: أطَعْنَا لرَّسُولَ، نعوذ بالله من الحُوب الكبير، ودفع إليه ماله فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيطعْ رَبَّهُ هكذا فإنَّهُ يَحِلُّ دَارَهُ «أي: جَنَّتهُ، فلما قبض الصَّبِيُّ ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى لله عليه وسلم» ثَبَتَ الأجْرُ وَبَقِيَ الوِزْرُ «.
قال القرطبيُّ: وإيتاء اليتامى أموالهم يكون من وجهين:
152
أحدهما: إجراء الطَّعام والكسوة ما دامت الولاية، إذْ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي كالصغير والسفيه الكبير.
والثاني: الإيتاء بالتمكين وتسليم المال إليه، وذلك عند ابتلاء والإرشاد وتكون تسميته حينئذ يتيماً مجازاً بمعنى: الَّذي كان يتيماً استصحاباً للاسم، كقوله ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦] أي الذين كانوا سحرة، وكان يقال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يتيم أبي طالب «فإذا تحقَّقَ الوليّ رشده حَرُمَ عليه إمساك ماله عنه.
قال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة، أعطي ماله على كل حال؛ لأنَّه يصير جداً.
قوله: ﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ﴾ وقد تقدَّم في البقرة قوله: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾
[البقرة: ٥٩] أنَّ المجرور بالباء هو المتروك، والمنصوب هو الحاصل، وتفعل هنا بمعنى استفعل، وهو كثير، نحو تَعَجَّل وَتََأَخَّرَ بمعنى استعجل واستأخر ومن مجيء تبدَّلَ بمعنى اسْتَبْدَلَ قولُ ذي الرمة: [الطويل]
١٧٣٣ - فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا عَنِ الدَّارِ وَالمُسْتَخْلَفِ الْمَتِبَدِّلِ
أي: المستبدل.
قل الواحدي: «تبدل الشَّيء بالشيء إذا أخذ مكانه»
.
قوله: «بالطّيب».
هو المفعول الثاني ل «تتبدلوا».
وفي معنى هذا التبدُّل وجوه:
الأول: قال الفرّاء والزَّجَّاج: لا تستبدلوا الحرام، وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم الذي لأبيح لكم.
الثاني: قل سعيد بن المسيب والنخعي والزهْري والأسُّدِّيُّ: وكان ولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد، ويجعل مكانه الزيف، يقول: درهم بدرهم، فَنُهُوا عن ذلك.
وطعن الزمخشريُّ: في هذا الوجه فقال: ليس هذا تَبَدُّلاً، إنما هو تبديل.
153
الثالث: أن يكون صديقه فيأخذ منه نعجة عجفاء مكان سمينة من مال الصبي.
الرابع: معناه لا تأكلوا مال اليتيم سلفاً مع التزام بَدَلِهِ بعد ذلك.

فصل


قل أبو العباس المقرئ: ورد لفظ «الطيِّب» في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: الحلال كهذه الآية.
الثاني: بمعنى الظَّاهر كقوله تعالى: ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣] أي: ظاهراً.
الثالث: بمعنى الحَسَن قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] أي: الحسن، ومثله ﴿والطيبات لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] أي: الكلام الحسن للمؤمنين.
الرابع: الطيِّبَ: المؤمن قال تعالى: ﴿حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب﴾ [آل عمران: ١٧٩] يعني: الكافر من المؤمن.
قوله: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ في قوله ثلاثة أوجه:
أحدها: أن «إلى» بمعنى «مع» كقوله: ﴿إِلَى المرافق﴾ [المائدة: ٦]، وهذا رأي الكوفيين.
الثاني: أنها على بابها وهي ومجرورها متعلّقة بمحذوف على أنَّه حال، أي: مضمومة، أو مضافة إلى أموالكم.
الثالث: أن يضمَّن «تأكلوا» بمعنى «تضموا» كأنه قيل: ولا تَضمُّوها إلى أموالكم آكلين.
قال الزمخشري: «فإن قلت: قد حَرَّمَ عليهم أكل مال اليتامى، فدخل فيه أكله وحده ومع أموالهم، فَلِمَ ورد النهي عن أكلها معها؟
قلت:»
لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله - تعالى - من الحلال، وهم من ذلك يَطْعمون منها، كان القبحُ أبلغ والذمُّ ألحق، ولأنهم كنوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم، وَنَّعَ بهم ليكون زجر لهم «.
واعلم أنه تعالى، وَإن ذكر الأكل، فالمرادُ به سائر التصرفات المملكة للمال، وإنما
154
ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع التصرف لأجله.
قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً﴾ في الهاء ثلاثة أوجه:
حده: أنها تعود على الأكل المفهوم، من» لا تأكلوا «.
الثَّاني: على التبدُّلِ المفهوم من»
لا تَتَبَدَّلُوا الخبيث «.
الثالث: عليهما ذهاباً به مذهب اسم الإشارة نحو:
﴿عَوَانٌ
بَيْنَ
ذلك
[البقرة: ٦٨] ومنه: [الرجز]
١٧١٤ - كأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ وقد تقدم ذلك في البقرة، والأول أولى لأنه أقرب مذكور.
وقرأ الجمهور «حُوبً»
بضم الحاءِ، ولحسن بفتحها، وبعضهم: «حَباً» بالألف، وهي لغت في المصدر، والفتح لغة تميم.
ونظير الحوْب والحاب، والقول والقال، والطُّرد والطَّرْد - وهو لإثم - وقيل: المضموم اسم مصدر، [والمفتوح مصدر] وصله من حوب الأبل، وهو زجرها فسُمِّي به لإثم؛ لأنه يزجر به، ويطلق على الذَّنب أيضاً؛ لأنه يزجر عنه، ومنه قول عليه السلام: «إنَّ طَلاقَ أمِّ أيُّوبَ لَحُوبْ» أي: لذنب عظيم. وقل القرطبي: والحوبُ الوحشة، ومنه قوله عليه السَّلام أبي أيوب «إن طلاق أم أيوب لحوب».
قال القفال: وكأن أصل لكلمةِ من لتَّحوُّبِ وهو التَّوجُّعُ، فالحوبُ هو ارتكاب ما يتوجَّعُ لمرتكبُ منه، يقال: حَابَ يَحُوب، حَوْباً، وحَاباً وحِيابة.
قال المخبل السعدي: [الطويل]
155
وقال آخر [الوافر]
١٧٣٥ - فلا يَدْخُلَنَّ الدَّهْرَ قَبْرَكَ حُوبُ فَإنَّكَ تَلْقَاهُ عَلَيْكَ حَسِيبُ
١٧٣٦ - وإنّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ غَدَاتَئِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَحَابَا
والحَوْبةُ: المرة الواحدة، والحَوْبَةُ: الحاجة، ومنه في الدعاء «إليكَ أرفع حَوْبَتِي»، وأوقْعَ اللهُ الْحَوْبَة، و «تحوَّب فلان» إذا خرج من الحَوْب كتحرَّج وتَأَثَّمَ، والتضعيف للسَّلْبِ، و «الحَوِأب» بهمزة بعد الواو المكان الواسع والحوب الحاجة، يقال: ألحق اللهُ به الحوبةَ، أي: [المسألة] والحاجة، والمسكنة ومنه قولهم باب بحيبة سوء، وأصل الياء الواو، وتحوَّب فلان أي: تعبد وألقى الحوب عن نفسه، والتحوُّب أيضاً التحزُّن، وهو أيضاً الصياحُ الشديد كالزَّجْرِ.
156
قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط، وفي جوابه وجهان:
أحدهما: أنه قوله: ﴿فانكحوا﴾ وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمانَ، والعشر، ولا يقومون بحقوقهن، فلمَّا نزلت ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ﴾ أخذوا يَتحرّجونَ من ولاية اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم من الجورِ في حقوق اليتامى فخافوا أيضاً من الجور في حقوق النساء، فانكحوا ما طاب لكم من [النساء مثنى وثلاث ورباع من] الأجنبيات أي: اللاتي لسن تحت ولايتكم، فعلى هذا يحتاج إلى تقدير مضاف، أي: في نكاح يتامى النساء.
فإن قيل: «فواحدة» جواب لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ فكيف يكون جواباً للأول؛ فالجواب: أنَّهُ أَعَادَ الشرط الثاني لأنه كالأول في المعنى، لما طالَ الفصل بين الأول وجوابه وفيه نظر لا يخفى. والخوف هنا على بابه فالمراد به الحذر.
وقال أبو عبيدة إنه بمعنى اليقين وأنشد الشاعر: [الطويل]
156
أي: أيقِنُوا، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيْقُ ذلك والردُّ عليه عند قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: ٢٢٩].
قوله: ﴿أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾ إنْ قَدَّرَتْ أنها على حذف حرف الجر، أي: «مِنْ أن لا» ففيها الخلاف المشهور أي: في محل نصب [أو جر، وإنْ لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه، كأنك قلت: «فَإنْ حَذَرْتم» فهي في محل نصب] فقط كما تَقَدَّمَ في البقرة.
وقرا الجمهور: «تقسطوا» بضم التاء، من أقْسَط: إذا عدل، فتكون لا على هذه القراءة نافيةُ، والتقديرُ: وإنْ خِفْتُمْ عدم الإقساط أي: العدل.
وقرأ إبراهيم النخعي: ويحيى بن وثَّاب بفتحها من «قسط» وفيها تأويلان:
أحدهما: أن «قَسَطَ» بمعنى «جار»، وهذا هو المشهور في اللغة، أعني أن الرباعي بمعنى عَدَلَ، والثلاثي بمعنى جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلْبِ بمعنى «أقسط» أي: أزال القسط وهو الجور، و «لا» على هذا القول زائدة ليس إلا، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله: ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩].
والثاني: حكي الزجاج أن «قسط» الثلاثي يستعمل استعمال «أقسط» الرباعي، فعلى هذا تكون «لا» غير زائدة، كهي في القراءة الشهيرة؛ إلاَّ أنَّ التَّفْرِقَةَ هي المعروفةُ لغة.
قالوا: قاسطته إذَا غَلَبْتَهُ على قِسْطِهِ، فبنوا «قسط» على بناء ظلم وجار وغلب.
وقال الراغب: «القِسْط» أن يأخذ قِسْطَ غيره، وذلك جَوْرٌ، وأَقْسَطَ غيره، والإقسَاطِ أن يُعْطِيَ قِسْطَ غَيْرِهِ، وذلك إنصاف، ولذلك يقال: قَسَطَ الرَّجُلُ إذَا جَار، وأَقْسَطَ إذَا عدَلَ، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥].
[وقال تعالى: ﴿وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [الحجرات: ٩].
وَحُكِيَ أنَّ الحَجَّاجَ لما أحضر سعيد بن جبير، قال له: ما تقول فيَّ؟ قال: «قَاسِطٌ عادِلٌ» فأعجب الحاضرون، فقال لهم الحجاج: ويلكم لم تفهموا عنه إنّه جعلني جائراً كافراً، ألم تسمعوا قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥].
المادة من قوله: ﴿قَآئِمَاً بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨].
قوله: ﴿مَا طَابَ﴾ في «ما» هذه أوجه:
أحدها: أنها بمعنى الذي وذلك عند من يرى أن «ما» تكون للعاقل، وهي مسألة
157
مشهورة، وذلك أن «ما» و «من» وهما يتعاقبان، قال تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وقال: ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] وقال ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥].
وحكى أبو عمرو بن العلاء: سبحان من سبح الرعد بحمده.
وقال بعضهم: نَزَّلَ الإناث منزلة غير العقلاء كقوله: ﴿إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦].
قال بعضهم: وَحَسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات العقول. وبعضهم يقول: هي لصفات من يعقل.
وبعضهم يقول: لنوع من يعقل كأنه قيل: النوع الطيب من النساء، وهي عبارات متقاربة. فلذلك لم نعدّها أوجهاً.
الثاني: أنها نَكِرَةٌ موصوفة، أي: انكحوا جنساً طيباً أو عدداً طيِّباً.
الثالث: أنها مصدرية، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل، تقديره: فانحكوا [الطَّيِّبَ.
وقال أبو حيان: والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل، والمعنى فانكحوا] النكاح الذي طاب لكم. والأول أظهر.
الرابع: أنها ظرفية تستلزم المصدريَّة، والتقدير: فانحكوا ما طاب مدة يطيب فيها النكاح لكم. إذا تقرر هذا، فإن قلنا: إنها موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، والمصدرُ واقع اسم الفاعل كانت «ما» مفعولاً ب «انكحوا» ويكون «من النساء» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لبيان الجنس المبهم في «ما» عند مَنْ يثبت لها ذلك.
158
والثاني: أنها تبعيضية، أي: بعض النساء، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من «ما طاب» وإن قلنا: إنها مصدرية ظرفية محضة، ولم يُوقع المصدر موقع اسم فاعل كما قال أبو حيان كان مفعول «فانكحوا» قوله «من النساء» نحو قولك: أكلت من الرغيفِ، وشربتُ من العسل أي: شيئاً من الرغيف وشيئاً من العسل.
فإن قيل: لِمَ لا يجعل على هذا «مثنى» وما بعدها هو مفعول «فانكحوا» أي: فانكحوا هذا العدد؟ فالجواب أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل.
وقرأ ابن أبي عبلة «مَنْ طَابَ» وهو يرجحُ كون «ما» بمعنى الذي للعاقل، وفي مصحف أبي بن كعب بالياء، وهذا ليس بمبني للمفعول؛ لأنه قاصر، وإنما كُتِبَ كذلك دلالة على الإمالة وهي قراءة حمزة.

فصل


اختلف المفسرون في كيفية تعلق هذا الجزاء بهذا الشرط فروى عروة قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله تعالى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾.
فقالت: يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليِّها فَيرغَبُ في مالها وجمالها، إلاَّ أنَّهُ يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يَذُبُّ عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - ثم إن الناس استفتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعد هذه الآية فيهن، فانزل اللهُ تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء [اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] فالمراد منه هذه الآية، وهن قوله ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾.
وقيل: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية المتقدمة في اليتامى وأكل أموالهم خاف الأولياء من
159
لحوق الحوبِ بتركِ الإقْسَاطِ في حقوق اليتامى فتحرجوا من أموالهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشرة من الأزواج أو اكثر، ولا يقوم بحقوقهنَّ في العدل. فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل في النساء، فقللوا عدد المنكوحات؛ لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله، فكأنه لم يتحرّج، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة والضحاك والسدي.
وقيل: لما تحرّجوا من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، قاله مجاهد.
وقال عكرمة: هو الرجل عنده النسوة ويكون عند الأيتام، فإذا أنفق ماله على النسوة، وصار محتاجاً أخذ في إنفاق مال اليتامى عليهن، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ عند كثرة الزوجات فقد حرمت عليكم [نكاح] أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، وهذه رواية لطاوس عن ابن عباس.

فصل


قال الواحدي والزمخشري: قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي ما حلَّ لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها وهي الأنواع المذكورة في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
قال ابن الخطيب: وهذا فيه نظر؛ لأن قوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ هو أمر إباحة، فلو كان المراد ما حل لكم لنزلت الآية منزلة قوله، أبَحْنَا لَكُمْ نِكَاحَ من يكون نكاحها مباحاً لكم، وذلك يخرج الآية من الفائدة، وأيضاً على التقدير الذي ذكره تصير الآية مجملة؛ لأنَّ أسباب الحِلِّ والإبَاحَةِ لمَّا لَمْ تُذْكَرْ في هذه الآية صارت مجملة لا محالة،
160
وإذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص، وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإجمال كان رفع الإجمال أولى؛ لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجملُ لا يكون حجة أصلاً.
قوله «مَثْنَى» منصوب على الحال من «طَابَ» وجعله أبو البَقاء حالاً من «النساء» فأجاز هو وابن عطية أن يكون بدلاً من «ما» وهذان الوجهان [ضعيفان].
أمَّا الأول: فلأنَّ الْمُحْدَّث عنه إنما هو الموصول وأتى بقوله ﴿النسآء﴾ كالتبيين.
وأما الثاني: فلأنَّ البدل على نِيَّةِ تكرار العامل، وقد تقدم أن هذه الألفاظ لا تباشر العوامل.
واعلم أن هذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أم يقتصر فيها على السماع؟ قولان:
وقول الكوفيين وأبي إسحاق: جوازه.
والمسموع [من ذلك] أحد عشر لفظاً: أُحاد، وَمَوْحَد، وثُنَاء، وَمَثْنَى، وَثُلاَثَ، وَمَثْلَث، ورُباع، وَمَرْبَع، ولم يسمع خُماس ومَخْمس، وعَشار ومَعْشَر.
واختلفوا أيضاً في سبب منع الصرف فيها على أربعة مذاهب:
أحدها: مذهب سيبويه، وهو أنها مُنِعَتْ من الصرف للعدلِ والوصفِ أمَّا الوصف فظاهر، وَأَمَّا العدل فلكونها معدولة من صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر.
فإذا قلت: جاء القوم أحاد أو مَوْحَدَ أو ثُلاثَ أو مَثْلَثَ، كان بمنزلة قولك: جاءوا واحداً واحداً وثلاثةً ثَلاثَةً، ولا يُرادُ بالمعدولِ عنه التوكيد، إنما يُرادُ به تكرار العدد لقولهم: علمته الحساب باباً باباً.
والثاني: مذهب الفراء، وهو العدل والتعريف بنية الألف واللام ولذلك يمتنع
161
إضافتها عنده لتقدير الألف واللام، وامتنع ظهور الألف واللام عنده لأنها في نِيَّة الإضافة.
الثالث: مذهب أبي إسحاق: وهو عدلها عن عدد مكرر وعدلها عن التأنيث.
والرابع: نَقَلَهُ الأخفش عن بعضهم، أنه تكرار العدل، وذلك أنه عَدَلَ عن لفظ اثنين اثنين، وعن معناه؛ لأنه قد لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد في المعدولة بقوله: جاءني اثنان وثلاثة، ولا تقول: «جاءني مَثْنَى وثلاث» حتى يتقدم قبله جمع؛ لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل، فإذا قلت: «جَاءَ الْقَوْمُ مَثْنَى»، أَفَادَ أنَّ مجيئهم وقع من اثنين اثنين، بخلاف غير المعدولة، فَإنَّها تفيد الإخبار عن مقدارِ المعدودِ دُونَ غيره؛ فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العِلَّةُ مَقَامَ العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين - انتهى.
وقال الزمخشري: «إنَّمَا منعت الصرف لما فيها من العَدْلَيْن؛ عدلها من صيغتها، وعدلها عن تكررها، وهن نكرات يُعَرَّفْنَ بلام التعريف، يقال: فلان ينكح المثْنَى والثلاث».
قال أبو حيان: «ما ذهب إليه من امتناعها لذلك لا اعلم أحداً قاله، بل المذهب فيه أربعة» ذكرها كما تقدم، وقد يقال: إنَّ هذا هو المذهب الرابع وعبَّر عن العدل في المعنى بعدلها عن تكررها وناقشه [أبو حيان] أيضاً في مثاله بقوله: ينكح المثنى من وجهين:
أحدهما: دخول «أل» عليها، قال: «وهذا لم يذهب إليه أحد بَلْ لَمْ تُسْتَعْمَلْ في لسان العرب إلاَّ نكرات»
الثاني: أنه أولاها العوامل، ولا تلي العوامل بل يتقدمها شيء يلي العوامل، ولا تقع إلا أخباراً كقوله عليه السلام:
«صلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» أو أحوالاً كهذه الآية الكريمة أو صفات نحو قوله تعالى: ﴿أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] وقوله: [الطويل]
١٧٣٨ -..............................
162
ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنَى وَمَوْحَدُ
وقد وقعت إضافتها قليلاً كقوله: [الطويل]
١٧٣٩ -........................... بِمَثْنَى الزُّقَاقِ المُتْرَعَاتِ وَبِالجُزُرْ
وقد استدلَّ بعضهم على إيلائها العَوَامل على قِلَّةٍ بقوله: [الوافر]
١٧٣٧ - فَقُلْتُ لهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِي الْمُسَرَّدِ
١٧٤٠ - ضَرَبْتُ خُمَاسَ ضَرْبَةَ عَبْشَمِيٍّ أذارُ سُدَاس ألاَّ يَسْتَقِيمَا
ويمكن تأويله على حذف المفعول لفهم المعنى تقديره: ضربتهم خماس.
ومن أحكام هذه الألفاظ ألا تؤنث بالتاءِ، لا تقول: «مثناة» ولا «ثُلاثة» بل تَجْرِي على المذكر والمؤنث جَرَياناً واحداً.
وقرأ النخعي وابن وثّاب «ورُبَعَ» من غير ألف، وزاد الزمخشري عن النخعي: «وثُلَثَ» أيضاً، وغيره عنه «ثُنَى» مقصوراً من «ثُناء» حَذَفوا الألف من ذلك كله تحقيقاً، كما حذفها الآخر في قوله: [الرجز]
١٧٤١ -........................ يريد بارداً وَصلَّياناً بَرِدَا
فصل معنى قوله: «مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ» أي اثنين وثلاثاً وأربعاً أربعاً، والواو بمعنى «أو» للتخيير كقوله تعالى: ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى﴾ [سبأ: ٤٦] وقوله: {أولي
163
أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: ١] وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يتزوج أكثر من أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.

فصل


ذهبَ أكْثرُ الفقهاء إلى أن قوله تعالى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ لا يتناول العبد؛ لأن الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طلب امرأة قَدِرَ على نكاحها، والعبد ليس كذلك؛ لأنه لا يتمكن من النكاح إلا بإذن مولاه لقوله تعالى: ﴿عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، فَيَنْفِي كونه مستقلاًّ بالنكاح.
وقال عليه السلام: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذنِ مَوْلاَهُ فَهُوَ عَاهِرٌ».
وقال مالك: يجوز للعبد أن يتزوج أربعاً لظاهر الآية.
وأجيب بأن قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مختص بالأحرار؛ لأن العبد لا ملك له، وبقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده.
قال مالك: إذا ورد عمومان مستقلان فدخول التقييد في الآخر لا يوجب دخوله في السابق.
وأجيب بأن هذه الخطابات وردت متوالية على نسق واحد، فلما ذكر في بعضها الأحرار علم أن الكل كذلك.

فصل


ذهبت طائفة فقالوا: يجوز التزويج بأيّ عدد شاء، واحتجوا بالقرآن والخبر، أمَّا القرآن فتمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه:
الأول: أن قوله ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ إطلاق في جميع الأعداد، بدليل أنه لا عدد إلاّ ويصح استثناؤه منه.
164
وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل.
الثاني: أن قوله: «مثنى وثلاث ورباع» لا يصلح مخصصاً لذلك العموم؛ لأن تخصيص بعض الأعداد يدخل على رفع الحرج؛ والحجر مطلقاً، فإن الإنسانَ إذا قال لولده: افعل ما شئت، اذهب إلى السوق وإلى المدرسة، وإلى البستان، لم يكن تنصيصاً للإذن بتلك الأشْيَاء المذكورة فقط، بل يكون ذلك إذناً في المذكور، وغيره، هكذا هنا.
الثالث: أن الواو للجمع المطلق، فقوله تعالى: ﴿مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ لا يدخل هذا المجموع، وهو تسعة، بل يفيد ثمانية عشر؛ لأن قوله مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين، وكذا البقية.
وأما الخبر فمن وجهين:
الأول: أنه ثبت بالتواتر أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ مات عن تسع، وأمرنا الله باتباعه بقوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: ١٥٣] وأقل [مراتب] الأمر الإباحة.
الثاني: أن التزويج بأكثر من أربع طريقة عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، فيكون سنةً له.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «النِّكَاحُ سُنَّتِي وَسُنَّةُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وهذا يقتضي الذم لمن ترك التزويج بأكثر من أربع، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز.
أجاب القدماء بما رُوِيَ أن غَيْلاَنَ أسلم وتحته عشر نسوة فقال له عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «أمْسِكْ أربعاً وَفَارِقْ بَاقِيهنَّ» وهذا ضعيف من وجهين:
الول: أن هذا نسخ للقرآن بخبر الواحد، وذلك لا يجوز.
الثاني: أن هذه واقعة حال، فلعله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ إنَّما أمره بإرسال أربع ومفارقة البواقي؛ لأن الجمع بين الأربع وبين البواقي غير جائز، إمَّا لنسب أو رضاع، أو اختلاف دين محرم، وإذا قام الاحتمال فلا يمكن نسخ القرآن إلا بمثله.
واستدلوا أيضاً بإجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الربع، وهذا أيضاً فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن الإجْمَاعَ لا يُنْسَخُ به فكيف يقال: الإجماع نسخ هذه الآية؟
الثاني: أن هؤلاء الذين قالوا بجواز الزيادة على الأربع من جملة فقهاء الأمصار، والإجماع لا ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين.
165
وأجيب عن الأول بأن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وعن الثاني أن هذا المخالف من أهل البدعة، فلا عبرة بمخالفته.
فإن قيل: إذا كان المر على ما قلتم فكان الأولى أن يقال: «مثنى او ثلاث أو رباع» فلم جاء بواو العطف [دون «أو» ].
فالجواب: أنه لو جاء بالعطف ب «أو» لكان يقتضي أنه يجوز ذلك إلا أحد هذه الأقسام، وألاَّ يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية، وبعضهم بالتثليث، والفريق الثالث بالتربيع، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسماً من هذه الأقسام، ونظيره أن يقال للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف، درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذا ها هنا في ترك «أو» وذكر الواو.

فصل


قال مالك والشافعيُّ: - رحمهما الله تعالى - «إذا تزوج خامسة وعنده أربع عليه الحد إن كان عالماً».
وقال الزُّهْرِيُّ: «يرجم إذا كان عالماً، وإذا كان جاهلاً عليه أدنى الحدين، الذي هو الجلد وهو مهرها، ويفرِّق بينهما ولا يجتمعان أبداً».
وقال النُّعْمَانُ: «لا حدّ عيه في شيء من ذلك».
وقالت طائفة: «يحدُّ في ذات المحرم، ولا يحدّ في غير ذلك من النكاح، مثل أن يتزوج مجوسية، أو خمساً في عقد، أو تزوّج معتدة، أو بغير شهود، أو [تزوج] أمة بغير إذن مولاها».
قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط، إذا أنتج من الآيتين هذه وقوله: ﴿وَلَن تستطيعوا﴾ [النساء: ١٢٩] ما أنتج [من] الدلالة اقتضى أنه لا يجوز أن يتزوّج غير واحدة، أو يتسرَّى بما ملكت يمينه، ويبقى الفصل بجملة الاعتراض لا فائدة له، بَلْ يكون لغواً على زعمه.
والجمهور على نصب «فواحدة» بإضمار فعل أي: فانكحوا واحدة وطؤوا ما ملكت
166
أيمانكم، وإنما قدّرنا ناصباً آخر لملك اليمين؛ لأن النكاح لا يقع في ملك اليمين، إلا أن يريد به الوطء في هذا، والتزويج في الأول، فيلزم استعمال المشترك في معنيين أو الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما مقول به، وهذا قريب من قوله: [الرجز]
١٧٤٢ - عَلَفْتُهَا تِبْنَاً وَمَاءً بَارِدَاً.................................
وبابه.
وقرأ الحسن وأبو جعفر: «فواحدةٌ» بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: الرفع بالابتداء، وسوَّغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على فاء الجزاء، والخبر محذوف أي: فواحدة كافية.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي فالمقنع واحدة.
الثالث: أنه فاعل بفعل مقدّر أي: يكفي واحدة.
و «أو» على بابها من كونها للإباحة أو التخيير. و «ما ملكت» كهي [في قوله] :«مَا طَابَ» [فإن قيل: المالك هو نفسه لا يمينه، فلِمَ] أضاف المِلْك لليمين [فالجواب] لأنها محل المحاسن، وبها تُتَلَقَّى رايات المجد.
وروي عن أبي عمرو: «فما ملكت أيمانكم»، والمعنى: إن لم يعدل في عِشْرَةِ واحدة فما ملكت يمينه.
وقرأ ابن أبي عبلة «أو من ملكت أيمانكم».
ومعنى الآية: إن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها فاكتفوا بزوجة واحدة، أو بالمملوكة.
قوله: «ذلك أدنى» مبتدأ وخبر، و «ذلك» إشارة إلى اختيار الواحدة أو التسرِّي.
و «أدنى» أفعل تفضيل من دنا يدنو أي: قرُب إلى عدم العول.
قال أبو العباس المقرئ: «ورد لفظ أدنى في القرآن على وجهين:
الأول: بمعنى أحرى قال تعالى: ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾.
والثاني: بمعنى»
دون «قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] يعني الرديء بالجيد».
167
قوله تعالى: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ في محل نصب أو جرٍّ على الخلاف المشهور في «أن» بعد حذف حرف الجر، وفي ذلك الحرف المحذوف ثلاثة أوجه:
أحدها: «إلى» أي: أدنى إلى ألا تعولوا.
والثاني: «اللام» والتقدير: أدنى لئلا تعولوا.
والثالث: وقدّره الزمخشريُّ من ألا تميلوا؛ لأن أفعل التفضيل يجري مجرى فعله، فما تعدى به فعله [تعدى] هو به، وأدنى من «دنا» و «دنا» يتعدى ب «إلى» و «اللام»، و «من» تقول: دنوت إليه، وله، ومنه.
وقرأ الجمهور: «تعولوا» من عال يعول إذا مال وجار، والمصدر العول والعيالة، وعال الحاكم أي: جار.
حكي أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له: أتعول عليَّ.
وقال أبو طالب في النبي عليه السلام [الطويل]
١٧٤٣ -............................... لَهُ حَاكِمٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ
وروي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مرفوعاً عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣] قال: «لاَ تَجُورُوا».
وفي رواية أخرى «ألا تميلوا».
قال الواحدي رَحِمَهُ اللَّهُ: «كلا اللفظين مرويّ؛ وعال الرجل عيالَهُ يَعُولهم إذا مانَهُمْ من المؤونة ومنه أبْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بمَنْ تَعُول».
168
وحكى ابن العرابي: عال الرجل يعول: كثر عياله، وَعَالَ يِعِيلُ افتقر وصار له عائلة، والحاصل أن «عال» يكون لازماً ومتعدياً، فاللازم يكون بمعنى: مال وجار، والمتعدي ومنه «عال الميزان».
قال أبو طالب: [الطويل]
١٧٤٤ - بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَغِلُّ شَعِيرَةً وَوَزَّان صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ
وعالت الفريضة إذا زارت سهامها، ومعنى كثر عياله، وبمعنى تفاقم الأمر، والمضارع من هذا كله يَعُولُ، وعال الرجل افتقر، وعالَ في الأرض: ذهب فيها، والمضارع من هذين يَعِيل، والمتعدي يكون بمعنى أثقل، وبمعنى مانَ من المؤونة، وبمعنى غَلَبَ ومنه «عيل صبري»، ومضارع هذا كله يَعُول، وبمعنى أعجز، تقول: أعجزني الأمرُ، ومضارع هذا يَعيل، والمصدر «عَيْل» و «مَعِيل»، فقد تلخص من هذا أن «عال» اللازم يكون تارة من ذوات الواو، وتارة من ذوات الياء، باختلاف المعنى، وكذلك عال المتعدي أيضاً. ومنه: [الطويل]
١٧٤٥ - وَوَزَّانُ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ وفسَّر الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ ﴿تَعُولُواْ﴾ بمعنى يكثر عيالُكُم.
وردَّ هذا القول جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج وصاحب النظم.
قال الرازي: «هذا غلط من جهة المعنى واللفظ، أما المعنى فللإباحة السراري صح أنه مظنة كثرة العيال كالتزويج، وأما اللفظ؛ فلأن مادة عال بمعنى كثر عياله من ذوات الياء؛ لأنه من العَيْلَةِ، وأما عال بمعنى» جار «فمن ذوات الواو، واختلفت المادتان، وأيضاً فقد خالف المفسرين».
وقال صاحبُ النظم: قال أولاً «ألاَّ تعدلوا» فوجب أن يكون ضده الجور.
وأجيب عن الأول وهو أنَّ التَّسْتَرِي أيضاً يكثر معه العيال، مع أنه مباح ممنوع؛ لأن الأمة ليست كالزوجة؛ لأنه يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجرها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعلى أولاده وعليها.
قال الزمخشري: «وجههُ أن يُجْعَلَ من قولك: عَالَ الرجلُ عياله يعولهم كقولك:
169
مانَهم يُمُونهم أي: أنْفَقَ عليهم؛ لأن من كثر عياله لَزِمَهُ أن يَعُولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة من كسب الحلال والأخذ من طيب الرزق» ثم أثنى على الشافعي ثناءً جميلاً، وقال: ولكن للعلماء طُرق وأساليبُ، فسلك في تفسير هذه الآية مسلك الكنايات، انتهى.
وأما قولُهم: «خالف المفسرين» فليس بصحيح، بل قاله زيد بن أسلم وابن زيد.
واما قولهم: «اختلفت المادتان» فليس بصحيح أيضاً؛ لأنه قد تقدَّم حكايةُ ابن الأعرابي عن العرب: عال الرجل يعول كثر عياله، وحكاها الْكِسَائِيُّ أيضاً قال: يقالُ: عالَ الرَّجل يَعُولُ، وأعال يعيل كثر عياله.
قال أبو حاتم: كان الشَّافِعِيُّ أعْلَمَ بلسانِ العرب مشنَّا، ولعلّه لغة، ويقال: هي لغة «حمير» ونقلها أيضاً الدَّوْرِيُّ المقرِئُ لغةً عِنْ حِمْيَرَ وأنشد [الوافر] :
١٧٤٦ - وَإنَّ الْموتَ يأخُذُ كُلَّ حَيٍّ بِلاَ شَكٍّ وَإنْ أمْشِي وَعَالا
أمشى: كثرت ماشيته، وعَالَ كَثُرَ عياله، ولا حجَّةَ في هذا؛ لاحتمال أن يكون «عال» من ذَوَاتِ الياء، وهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ «عال» يكون بمعنى كثر عياله، ورُوِيَ عنه أيضاً أنَّهُ فَسَّرَ تعولوا بمعنى تفتقروا، ولا يُريدُ به أنَّ «تعولوا» وتعيلوا بمعنى، بل قصد الكِنَايَة أيضاً؛ لأن كثرةَ العيالِ سَبَبٌ للفقر.
وقرأ طلحة: «تَعيلوا» بفتح تاء المضارعة من عال يعيل افتقر قال: [الوافر]
١٧٤٧ - فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ
وقرأ طاوس: «تُعيلوا» بضمها من أعَالَ: كثر عياله، وهي تُعَضَّدُ تفسير الشَّافعيِّ المتقدِّم من حيث المعنى.
وقال الرَّاغبُ: عَالَهُ، وَغَالَهُ يتقاربان، لكن الغَوْلَ: فيما يُهلك والعَوْل فيما يُثْقِلُ.
170
مفعول ثانٍ، وهي جمع «صَدُقة» بفتح الصَّاد وضمَّ الدَّال بزنة «سَمُرة»، والمرادُ
170
بها: المهر وهذه هي القراءة المشهُورَةُ، وهي لُغَةُ الحجاز.
وقرأ قتادةُ: «صُدْقاتهن» بضمِّ الصَّادِ وإسكان الدَّال، جمعُ صُدْقَةٍ بزنة غُرْفَةٍ.
وقرأ مجاهدٌ وابن أبي عبلة بضمهما وهي جمع صدقة بضم الصاد والدال، وهي تثقيل الساكنة الدَّال للاتباع.
وقرأ ابن وثاب والنخعي «صُدُقَتَهُنَّ» بضمهما مع الإفراد.
قال الزَّمخشريُّ وهي تثقيل صُدْقة كقولهم في «ظُلْمة» «ظُلُمة»، وقد تقدم الخلاف، هل يجوز تثقيل الساكن المضموم الفاء؟
وقرئ: «صدقاتهن» بفتح الصَّادِ وإسْكَانِ الدَّالِ وهي تخفيف القراءة المشهورة، كقولهم في عَضُد: عَضْد.
قال الوَاحِدِيُّ: «ولفظ الصَّاد والدَّال والقاف موضوع للكمال والصحة، يسمّى المهر صداقاً وصدقة وذلك لأنَّ عقد النكاح به يتم.
وفي نصب»
نحلة «أربعةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّها منصوبةِ على المصدر، والعامل فيها الفعل قبلها؛ لأن»
آتوهن «بمعنى انحلوهُنَّ، فهي مصدر على غير الصدر نحو:» قَعَدْت جلوساً «.
الثاني: أنها مصدرٌ واقِعٌ موقع الحال، وفي صاحب الحال ثلاثة احتمالات:
أحدها: أنَّهُ الفاعل من»
فآتوهن «أي: فآتوهن ناحِلين.
الثاني: أنَّهُ المفعول الأوَّل وهو: النِّسَاءُ.
الثالث: أنه المفعول الثاني وهو»
صدقاتهن «. أي: منحولات.
الوجه الثَّالثُ: أنَّها مفعول من أجله، إذا فُسِّرَتْ بمعنى: شِرْعة.
الوجه الرابع: انتصابها بإضمار فعل بمعنى: شَرَعَ أي: نحل الله ذلك نِحلة، أي: شَرَعَةُ شِرْعة وديناً.
والنِّحْلَةُ العَطِيَّةُ عَنْ طِيبِ النَّفْسِ، والنَّحْلَة: الشِّرْعَة، ومنه: نِحْلة الإسلام خَير النحل، وفلان ينتحل بكذا: أي يَدِيِنُ به، والنَّحْلَةُ: الفَرِيضةُ.
171
قال الراغب: والنِّحْلَة والنَّحْلَةُ: الْعَطِيَّةُ على سبيل التبرع، وهي أخصُّ من الهِبَةَ، إذ كُل هبة نحلة من غير عكس، واشتقاقهُ فيما أرَى من النَّحْلِ، نظراً منه إلى فعله، فكأن» نَحَلْتهُ «أعْطَيْتَهُ عَطِيةَ النحل، ثم قال: ويجوز أن تكون النِّحْلةُ أصلاً فَسُمَّى النَّحْلُ بذلك اعتباراً بفعله.
وقال الزَّمخشريُّ: مِنْ نَحَلَه كذا أي: أعطاه إيَّاه ووهبه له عن طيب نفسه، نِحْلَةً وَنَحْلاً، ومنه حديث أبي بكر - رضي الله عَنْهُ -:»
غنّي نَحَلْتُكَ جِدَادَ عِشْرِينَ وِسْقاً «.
قال القَفَّالُ: وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو له، يقال: هذا شعر منحول، أي: مضاف إلى غير قائله، وانتحلت كذا إذا ادَّعَْتَهُ وَأَضَفْتَهُ إلى نَفْسِكَ.

فصل من المقصود بالخطاب في الآية


في هذا الخطاب قولان:
أحدهما: أنه»
لأولياء « [النساء] ؛ لأنَّ العربَ كانت في الجاهليَّةِ لا تعطي النساء من مهورهن شيئاً، وكذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئاً لك النافجة، ومعناه: أنَّك تأخذ مهرها إبلاً فَتَضُمَّهَا إلى إبلك فتنفج مالك اي: تعظمه، وقال ابن العرابي: النافجة ما يأخذه الرَّجلُ من الحلوانِ إذا زوج ابنته، فَنَهى الله عن ذلك، وامر بدفع الحقِّ إلى أهله، وهذا قول الكلبيِّ وأبي صالح واختيار الفرَّاء وابن قتيبةَ.
وقال الحضرميّ: وكان أولياء النساء يُعطى هذا أُخْتَه على أن يعطيه الآخرُ أخته، ولا مهر بينهما، فَنُهوا عن ذلك، «ونهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الشِّغَار»
، وهو أن يزوج الرَّجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا صداق بَيْنَهُمَا.
الثاني: أنَّ الخطاب للأزواج، أمِرُوا بإيفاء مهور النساء، وهذا قول علقمة، والنَخَعِيّ وقتادة، واختيار الزجَّاج، لأنه لا ذكر للأولياء ها هنا، والخطاب قبله للأزواج.
قال قَتَادَةُ: نحلة فريضة.
172
وقال ابن جريج: فريضة مسمَّاة.
قال أبو عبيدة: لا تكون النِّحْلَةُ إلاَّ مُسَمَّاة ومعلومة. قال القَفَّال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة، ويحتمل أن يكون المراد منه الالتزام كقوله تعالى: ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] أي: يضمنوها ويلتزموها، فعلى الول المراد دفع المُسَمَّى، وعلى الثاني أن المراد بيان أن الفروج لا تُستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمَّي أو لم يسمَّ، إلا ما خُصَّ به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الموهوبة.
قوله: «فإن طبن لكم منه» «منه» في محل جر؛ لأنه صفة ل «شيء» فيتعلق بمحذوف أي: عن شيء كائن منه.
و «مِنْ» فيها وجهان:
أحدهما: أنها للتبغيض، ولذلك يجوز أن تَهَبَهُ كُلَّ الصَّداق.
قال ابن عطيَّة: و «مِنْ» لبيان الجنس ها هنا ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو [وقعت] على التبغيض لما جَازَ ذلك انتهى.
وقد تَقَدَّمَ أن الليث يمنع ذلك، ولا يشكل كونها للتَّبغيض، وفي هذا الضمير أقوال:
أحدها: أنه يعود على الصَّداق المدلول عليه ب ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾.
الثاني: أنه يعود على «الصَّدُقات» لسدِّ الواحِدِ مَسَدَّها، لو قيل: صَداقَهُنَّ لم يختلَّ المعنى، وهو شبيهٌ بقولهم: هو أحسنُ الفتيان وأجْمَلُهُ؛ ولأنه لو قيل: «هو أحسنُ فتىً» لَصَحَّ المعنى.
ومثله: [الرجز]
١٧٤٨ - وَطَابَ ألْبَانُ اللِّقَاحِ وَبَرَدْ... في «برد» ضمير يعود على «ألبان» لسدِّ «لبن» مسدَّها. الثالث: أنه يعود على «الصَّدُقات» أيضاً، لكن ذهاباً بالضمير مذهب الإشارة فَإنَّ اسم الإشارة قد يُشارُ بِهِ مفرداً مذكراً إلى أشياء تقدمت، كقوله: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن
173
ذلكم} [آل عمران: ١٥] بعد ذكر أشياء قبله، وقد تقدم ما روي في البقرة ما حكي عن رؤية لما قيل له في قوله: [الرجز]
١٧٤٩ - فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادِ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
فقال: أردت ذلك فأجْرَى الضمير مجرى اسم الإشارة.
الرابع: أنه يعود على المال، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ؛ لأنَّ الصَّدُقاتِ تدُلُّ عليه.
الخامس: أنه يعود على الإيتاء المدلول عليه ب «آتوا»، قاله الرَّاغب وابن عطيَّة.
السَّادس: قال الزمخشريُّ «ويجوز أن يُذَكَّر الضمير؛ لينصرف إلى الصَّداق الواحد، فيكون متناولاً بَعْضَهُ، ولو أَنّثَ لتناول ظاهرة هبةَ الصَّداق كُلِّه؛ لأنَّ بعض الصُّدقات واحد منها فصاعداً».
وقال أبو حَيَّان: وأقولُ حَسَّن تذكير الضمير أن معنى «فَإنْ طِبْنَ» فإن طابَتْ كُلُّ واحدةٍ فلذلك قال: «منه» أي: مِنْ صَداقِها، وهو نظير قوله: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾ [يوسف: ٣١] ؛ أي لكلّ واحدة منهن، ولذلك أفرد «متكأ».
قوله: «نَفْسَاً» منصوب على التَّمييز، وهو هنا منقولٌ من الفاعل؛ إذ الأصل: فإنْ طابَتْ أنفسُهُنَّ، ومثله ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤].
وهذا منصوب عن تمام الكلام، وجِيء بالتمييز هنا مفرداً، وإن كان قبلَه جمعٌ لعدم اللَّبْسِ، إذْ من المعلوم أنَّ الكُلَّ لَسْنَ مشتركاتٍ في نفسٍ واحدةٍ، ومثله: قَرَّ الزيدون عيناً، كقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْع﴾ [هود: ٧٧] وقيل: لَفْظثهَا واحد ومعناها جمع، ويجوز «انفساً» «وأعيناً» وَلاَ بُدَّ مِنَ التعرُّض لقاعدةٍ يَعُمُّ نفعها، وهي أنَّه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصبٍ عن تمام الكلام فلا يخلو: إمَّا أن يكون موافقاً لما قبله نحو: كَرُمَ الزيدون رجالاً، كما يطابقهُ خبراً وصفةً وحالاً.
وإن كان الثاني: فإمَّا أن يكونَ مفرد المدلول أو مختلفة، فإن كان مفردَ المدلول وَجَبَ إفرادُ التمييز كقولك في أبناء رجل واحد: كَرُمَ بنو زيدٍ أباً أو أصلاً، أي: إنَّ لهم جميعهم أباً واحداً متصفاً بالكرمِ، ومثله «كَرم التقياء سَعْياً»، إذا لم تَقصدْ بالمصدر اختلافَ الأنواع لاختلاف محالَّه، وإنْ كَانَ مختلفَ المدلول: فإما أن يُلبِسَ إفرادُ التمييز لو أُفرد أولاً، فإن ألْبَسَ وَجَبَت المطابقُ نحو: كَرُمَ الزيدون آباء، أي: أن لكل واحد أباً غير أب الآخر يتصفُ بالكرمِ، ولو أفردت هنا لَتُوُهِّم أنهم كلَّهم بنو أبٍ واحد، والغرضُ خلافه، وإنْ لم يُلبس جاز الأمران المطابقة والإفراد، وهو الأوْلى، ولذلك جاءت عليه
174
الآية الكريمةُ، وحكمُ التثنية في ذلك كالجمع، وَحَسَّنَ الإفرادَ ها هنا أيضاً ما تقدَّم مِن مُحَسِّنِ تذكير الضمير وإفراده في «منه»، وهو أنَّ المعنى: فإن طابت كُلُّ واحدة نفساً.
وقال بعض البصريين: «إنَّما أفرد؛ لأن المراد بالنفس هنا الهوى، والهوى مصدر، والمصادر لا تُثَنَّى ولا تجمع».
وقال الزَّمخشريُّ: و «نَفْسَاً» تمييزٌ، وتوحيدثها؛ لأن الغرضَ بيانُ الجنس والواحد يدل عليه. ونحا أبو البَقاءِ نَحْوَهُ، وشَبَّهَهُ ب «درهماً» في قولك: عشرون درهماً.
واختلف النحاةُ في جوازِ تقديمِ التمييزِ على عامله إذا كان متصرفاً فمنعه سيبويه، وأجازه المبرد وجماعة مستدلين بقوله: [الطويل]
١٧٥٠ - أتَهْجُرُ لَيْلَى بِالفُرَاقِ حَبيبَها وَمَا كَانَ نَفْساً بالفراقِ تَطِيبُ
وقوله: [الطويل]
١٧٥١ - رَدَدْتُ بِمِثْلِ السَّيدِ نَهْدٍ مُقَلَّصٍ كَمِيشٍ إذَا عِطْفَاهُ مَاءً تَحَلَّبَا
والأصل تطيبُ نفساً، وتحلَّبا ماء، وفي البيتين كلامٌ طويل ليس هذا محلَّه، وحجةُ سيبويه في منع ذلك انَّ التَّمييز فاعل في الأصْلِ، والفاعِلُ لا يَتضقَدَّم، فكذلك ما في قوته، واعترضَ على هذا بنحو: زيداً، من قولك أخرجْتُ زيداً، فإن زيداً في الأصل فاعل قبل النَّقْل، إذ الأصل: خرج زيدٌ والفرق لائح فالتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم. والجارّان في قوله ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما متضمناً معنى الاعراض، ولذلك عُدِّي ب «عن» كأنَّهُ قيل: فَإن أعْرَضْنَ لَكُمْ عِن شيء منه طيبات النفوس، والفاء في «فَكُلوه» جواب الشرط وهي واجبة، والفاء في «فُكلوه» عائدة على «شيء».
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ﴾ ولم يقل: وَهَبْنَ لَكُمْ أوْ سَمضحْنَ لَكُمْ؟
فالجواب أنَّ المراعى وهو تجافي نفسها عن بالموهوب طيبة].
قوله: «فكلوه هنيئاً مريئاً».
175
في نصب «هَنِيئاً» أربعةُ أقوال:
أحدها: أنَّهُ منصوبٌ على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: أكْلاّ هنيّئاً.
الثاني: أنه منصوب على الحال من الهاء في «فَكُلُوهُ» أي: مُهَنِّئاً، أي سهلاً.
والثالث: أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهاره ألبتة؛ لأنَّهُ قصد بهذه الحالِ النيابةُ عن فعلها نحو: «أقائماً وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ»، كما ينوب المصدر عن فعله نحو «سَقْياً لَهُ وَرَعْياً».
الرابع: أنهما صفتان قامتا مقام المصدر المقصود به الدعاءُ النائب عن فعله.
قال الزَّمَخشرِيُّ: «وقد يوقف على» فَكُلُوهُ «ويبتدأ ب» هنيئاً مريئاً «على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين؛ كأنه قيل:» هَنْئاً مًرْءاً «.
قال أبو حيان: وهذا تحريف لكلام النُّحاة، وتحريفه هو جَعْلهما أُقِيما مُقام المصدر، فانتصابهما انتصباَ المصدرِ، ولذلك قال: كَأَنَّهُ قيل:»
هَنْئاً مَرْءاً «، فصار كقولك» سٌقْياص لك «و» رَعْياً لك «، وَيَدُلُّ على تحريفه وَصِحَّةِ قول النحاة انَّ المصادرَ المقصودَ بها الدعاء لا ترفع الظاهر، لا تقول:» سقياً اللهَ لك «، ولا:» رعياً الله لك «، وإنْ كانَ ذلك جائزاً في أفعالها، و» هنيئاً مرئياً «، يرفعان الظاهر بدليل قوله: [الطويل]
١٧٥٢ - هَنِيئاً مَرِيئاً غَيْرَ دَاءٍ مُخامِرٍ لِعِزَّةَ مِنْ أعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ
ف»
ما «مرفوع ب» هنيئاً «أو» مريئاً «على الإعمال، وجاز ذلك وَإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعَاملين رَبْطٌ بِعَطْفٍ ولا غيره؛ لأن» مريئاً «لا يستعملُ إلاَّ تابعاً ل» هنيئاً «فكأنَّهما عاملٌ واحد.
ولو قلت: «قام قعد زيد»
لم يكن من الإعمال إلاَّ على نِيَّة حرف العطف. انتهى.
إلاَّ أن عبارة سيبويه فيها ما يُرْشِدُ لِما قاله الزَّمخشريُّ، فإنه قال: هنيئاً مَرِيئاً صِفَتَانِ نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل المذكور غير المستعمل إظهارُهُ المختزل لدلالة الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً مريئاً، فَاَوَّلُ البعارة يُسَاعِدُ الزمخشري، وآخرها وهو تقديره بقوله: كأنهم قالوا: ثَبَتَ هنيئاً، يُعَكِّرُ عليه، فعلى القولين الوَّلين يكُون «هَنيئاً مَريئاً» متعلقين بالجملة قبلهما لفظاً ومعنى، وعلى الآخرين مقتطعين لفظاً؛ لأنَّ عاملهما مُقَدَّر من جُملةٍ أخرى كما تقدم تقريره.
واختلف النحويون في قولك لمن قال: أصاب فلان خيراً هنيئاً مريئاً له ذلك. هل «ذلك» مرفوع بالفعل المقدر، وتقديره: ثبت له ذلك هنيئاً، فحذف «ثبت» وقام «
176
هنيئاً» مقامه الذي هو حال أو مرفوع ب «هنيئاً» نفسه؛ لأنه لمَّا قَامً مقامَ الفعلِ رَفَعَ ما كان الفعل يرفعه، كما أن قولك: «زَيْدٌ في الدَّارِ» «في الدَّارِ» ضمير كان مستتراً في الاستقرار فلما حذف الاستقرار، وقام الجار مقامه رفع الضمير [المستتر] الذي كان فيه، وقد ذهب إلى الأول السيرافي وجعل في «هنيئاً» فارغاً من الضمير لرفعه الاسمَ الظاهر، وَإذا قُلْتَ: «هَنِيئاً» وَلَمْ تَقُلْ «ذلك» فعلى مذهب السيرافي يكون في «هَنِيئاً» ضمير عائدٌ على ذِي الْحَالِ، وهو ضمير الفاعل الذي استتر في «ثبت» المحذوفِ، وعلى مذهب الفارسي يكون في «هنيئاً» قد قام مقام الفعل المحذوف فارغاً من الضمير.
وأما نصب «مريئاً» ففيه خمسة أوجه: أحدها: أنَّهُ صِفَةٌ ل «هنيئاً» وإليه ذَهَبَ الحوفي.
والثاني: أنَّهُ انتصب انتصاب «هنيئاً» وقد تقدَّم ما فيه من الأوجه، ومنع الفارسي كونه صفة ل «هنيئاً» قال: لأنَّ هنيئاً قام مقام الفعل، والفعل لا يوصف، فكذا ما قام مَقَامَهُ، ويؤيد ما قاله الفارسيُّ انَّ اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المالغة والمصادر إذا وُصِفَت لم تَعْمَل عمل الفعل، ولم تستعمل «مريئاً» إلا تابعاً ل «هنيئاً»، ونقل بعضهم أنه قد يجيء [غير] تابع وهو مردود؛ لأن العرب لم تَستَعْمِله إلاَّ تابعاً، وهل «هَنِيئاً» في الأصل اسما فاعل على زنة المَبَالَغَة؟ أم هما مصدران جاءا على وزن فَعِيلٍ، كالصَّهيلِ والهدير؟ خلاف. نقل أبُو حَيَّان القول الثاني عن أبي البَقَاءِ قال: وأجاز أبو البقاء أن يكونا مصدرين جاءا على خلاف وزن «فعيل»، كالصَّهيل والهدير، وليسا من باب ما يطرد فيه فعيل في المصدر. انتهى.
وأبو البقاء في عبارته إشْكَالٌ، فلا بد من التعرض إليها ليُعرف ما فيها، قال: «هنيئاً» مصدر جاء على وزن «فَعِيل»، وهو نعت لمصدر محذوفٍ، أي: أكْلاً هنيئاً، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الهاء والتقدير مُهَنَّأً، و «مريئاً» مثله، وتلمريء فعيل بمعنى مُفْعِل، لأنَّك تقول: «أمْرَأَنِي الشَّيْء»، ووجه لمصدر محذوف؟ وكيف يفسر «مريئاً» المصدر بمعنى اسم الفاعل؟
ذهب الزمخشري إلى انَّهُمَا وصفان قال: «فإنَّ الهنيءَ والْمَريءَ صفتان من هَنُء
177
الطعام ومَرُؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه».
انتهى.
وَهَنَا يضهْنَا بغير همز - لغة ثانية أيضاً - وقرأ أبو جعفر: «هنيّاً مريّاً»، بتشديد الياء فيهما من غير همزة، كذلك «بري» و «بريون» و «بريَّا»، ويقال: هَنَأَني الطعامُ ومرأني، وإن أفردت «مَرَأنِي»، وهذا كما قالوا: أخَذَهُ ما قَدُمَ وَمَا حَدُثَ، بضم الدَّال من «حدث» مشاكلة ل «قَدُمَ»، ولو أُفرد لم يستعمل إلاَّ مفتوح الدال، وله نظائر أخر، ويقال: هَنَأتُ الرجل أهْنِئُهُ بكسر العين في المضارع أي: أعطيته. واشتقاق الهنيء من الهِناء، وهو ما يُطْلَى به البَعير للجرب كالقطران قال: [الطويل]
١٧٥٣ - مُتَبَدِّلاً تَبْدُو مَحَاسِنُهُ يَضَعُ الْهَنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
والمريءُ مَا سَاغَ وَسَهُلَ من الحق، ومنه قِيل لمجرى الطَّعَام من الحُلْقُوم إلى فم المعدة: مَرِيء.

فصل في دلالة الآية على أمور


دَلَّت الآية الكريمة على أمور:
منها انَّ المهر لها ولا حق للولي فيه.
ومنها جواز هبتها للمهر قبل القبضِ؛ لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالين.
فإن قيل: قوله: «فكلوه هنيئاً مريئاً» يتناول ما إذا كان المهر عيناً، أما إذا كان ديناً فالآية غير متناولة له لأنَّهُ لا يقال لما في الذمة كُلْهُ مريئاً.
فالجواب أن المراد بقوله «هنيئاً مريئاً» ليس نفس الكل، بل المراد منه كل التصرفات، وإنما خَصَّ الأكل بالذكر، لأنَّهُ معظم المقصود من المال لقوله ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ بالنساء: ١٠] وقوله: ﴿لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [النساء: ٢٩].

فصل


قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة، علم أنها لم تطب عنه نفساً،
178
وعن الشعبي: أن امرأة جاءت مع زوجها إلى شُريح في عَطِيَّة أعْطَتْهَا إيَّاهُ، وَهِيَ تطلب الرجوع، فقال شُرَيْح: رُدَّ عَلَيْهَا، فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ﴾، فقال: لو طابت نفسها عنه ما رجعت فيه.
وروي عنه أيضاً: أقيلها فيما وهبت ولا أقليه؛ لأنهن يخدعن.
وَرُوِيَ أنَّ رجلاً من آل أبي معيطٍ أعطته امرأته ألف دينار صداقاً كان لها عليه، فلبثت شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرَّجُلُ: أعْطَتْنِي طيبة به نفسها، فقال عبدُ الملك: فإن الآية التي بَعْدَهَا ﴿فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء: ٢٠] أردد عليها.
وعن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه كتب إلى قُضاتِه: إن النساءَ يُعْطين رَغْبَةً ورهبة، وَأَيُّمَا امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.
179
أصل تُؤْتُوا تُؤتيوا: تُكْرِموا فاستثقلت الضمةُ على الياءِ وواو الضمير فحذفت الياء لئلا يلتقي ساكنان.
والسُّفَهاء جمع: سفيه، وعن مجاهد: «المراد بالسُّفَهاءِ» النِّسَاءِ مَنْ كُنَّ أزواجاً، أو بنات، أو أمهات، وضَعَّفَهُ بَعْضُهُم بأنَّ فَعِيلة إنَّما تُجْمَع على فَعَائلِ أوْ فَعِيلات، قاله [أبو البقاء] وابن عطية، وقد نقل بعضهم أنَّ سَفَيهةَ تُجْمَعُ: على «سُفَهَاءَ» كالمُذكَّر، وعلى هذا لا يَضْعُفُ قول مُجَاهِدٍ. وجمعُ فَعِيلَةٍ ابن عطية جمع فَعِيلة بِفَعَائِلٍ، أوْ فَعِيلات ليس بظاهر، لأنَّهَا يَطَّرد فيها أيْضاً «فِعَال» نحو: كريمةٍ، وَكرامٍ، وظريفةً، وظِراف، وكذلك إطلاقهُ فَعِيلة، وَكَانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقيِّدَها بألاَّ تكون بمعنى: مَفْعُولةٍ، تَحَرُّزاً من قتيلة فَإنَّها لا تُجْمَعُ على فَعَائِل.
والجمهورُ قرؤوا (الَّتِي) بلفظِ الإفراد صفةً للأمْوالِ، وإنْ كانت جَمْعاً؛ لأنَّهُ تَقَدَّم أنَّ جمع ما لا يعقل من الكثرة، أو لم يكن له إلا جمعٌ واحدٌ، الأحسنُ فيه أنْ يُعَامَل مُعَاملةَ الوَاحِدَةِ المؤنَّثة، والأمْوالِ من هذا القبيل، لأنَّهَا جمعُ ما لا يُعْقل، ولم تُجْمَع إلاَّ على أفْعال، وإنْ كانت بلفظِ القِلَّةِ؛ لأن المرادَ بها الكثرة.
179
وقرأ الحسن والنخعي «اللاتي» مطابقةٌ للفظ الجمع، وكان القياسُ ألاَّ يوصف ب «اللاتي» إلا ما يوصفُ مفرده ب «التي» والأموال لا يوصف مفردها وهو «مال» ب «التي».
وقال الفراء: العرب تقول في النِّساءِ «اللاتي» أو جمع «التي» نفسها.
قوله: «قياماً» إن قلنا: أن «جَعَلَ» بمعنى صَيَّرَ ف «قياماً» مفعول ثانٍ، والأول محذوف، وهو عائد الموصول والتقدير: الَّتِي جعلها اللهُ، أي: صَيَّرَها لكم قياماً، وَإنْ قُلْنَا: إنها بمعنى «خلق» ف «قياماً» حال، من ذلك العائد على المحذوف، والتقدير: جعلها أي: خلقها وأوجدها في حال كونها قياماً.
وقرأ نافع وابن عامر «قيماً»، وباقي السبعة «قياماً» وابن عمر «قِواماً» بكسر القاف، والحسن وعيسى بن عمر «قَواماً» بفتحها وَيُرْوَى عَنْ أبي عمرو، وقرئ «قِوَماً» بزنة «عِنب».
فَأَمَّا قراءة نافع وابن عامر ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن «قِيماً» مصدر كالقيام وليس مقصوراً منه قال الكسائِيُّ والأخْفشُ والفراء. فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُرادُ به الثباتُ والدَّوامُ، وقد رُدَّ هذا القولُ بأنه كان يَنْبَغِي أن تَصِحَّ الواو لتحضُنها بِتَوسُّطِها، كما صَحَّت واو «عِوَض» «وحِوَل»، وقد أجيبَ عنه بأنه تَبعَ فعله من الإعلال وكما أُعِلَّ فعله أُعِلَّ هو، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِلَ عليه في الإعلال.
وَحَكَى الأخفش: «قِيماً» و «قِوَماً» قال: والقياسُ تصحيحُ الواو، وإنما اعتلت على وجه الشُّذُوذِ كقولهم: «ثِيرَة» وقول بني ضبة «طِيال» في جمع طويل، وقول الجميع «جِياد» في جمع جواد، وإذا أعلّوا «دِيَماً» لإعلال «دِيْمة»، فاعتلالُ المصدر
180
لاعتلال فعلِه أوْلى، ألا تَرَى إلى صِحَّةِ الجمع مع اعتلالِ مُفْرده في معيشة، ومعايش، ومقامة، ومَقَاوِم، ولم يُصَححوا مَصْدراً أعلُّوا فِعْلهُ.
الثاني: أنه جمع «قِيمة» ك «دِيَم» في جمع «دِيْمَة»، والمعنى: أنَّ الأموال كالقيم للنفوس؛ لأنَّ بقاءها بها، وقد رَدَّ الفارسيُّ هذا الوجه، وإنْ كان هو قول البصريين غير الأخفشِ، بأنه قد قرئ قوله تعالى: ﴿دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [الأنعام: ١٦١] وقوله: ﴿البيت الحرام قِيَاماً لِّلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]. ولا يصحُّ معنى القيمة فيهما، وقد رَدَّ عليه الناس بأنَّه لا يلزم من عدم صحَّة معناه في الآيتين المذكورتين ألا يصح هنا، إذ معناه لائق، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما قراءة باقي السَّبعة فهو مصدرُ «قام» والأصلُ «قِوام»، فأبدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة، والمعنى: التي جعلها اللهُ سبب قيام أبدانكم أي: بقائها.
وقال الزَّمخشريُّ: «أي: تقومون بها وتنتعشون بها».
وأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان:
أحدهما: أنه مصدرُ قَاوَمَ ك «لاوَذَ، لِواذاَ» صحَّت الواوُ في المصدرِ كما صحَّت في الفعل.
الثاني: أنه اسم لما يقوم به الشَّيء، وليس بمصدر كقولهم: «هذا ملاك الأمر» أي: ما يملك به الأمر.
وَأمَّا قراءة الحَسَن ففيها وجهان:
أحدهما: أنَّه اسم مصدر كالكلام، والدَّوام، والسَّلام.
والثاني: أنَّهُ لغة من القوام المراد به القامة، والمعنى: التي جعلها الله سببُ بقاءِ قاماتكم، يقال: جارية حَسَنةُ القِوام، والقَوام، والقمة كله بمعنى واحد.
وقال أبو حاتم قوام بالفتح خطأ، قال: لأنَّ القوام امتداد القامة، وقد تقدَّم تأويلُ ذلك على أنَّ الكسائيَّ قال: هو بمعنى القِوام أي بالكسر، يعني أنه مصدر، وَأمَّا «قِوَماً» فهو مصدر جاء على الأصلِ، أعني: الصَّحِيحَ العين كالعِوَض، والحِوَل.

فصل


لما أمر في الآية الأولى بإيتاء اليتامى أمْوَالَهم، وبدفع صدقات النساء إليهنَّ فَكَأنَّهُ
181
قال: إنَّمَا أمرتكم بذلك إذا كانوا عاقلين بالغين، متمكنين من حفظ أموالهم، فأمَّا إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو كانوا بالغين عقلاء؛ إلاَّ أنَّهم سُفهاء، فلا تدفعوا إليهم أموالهم، والمقصود منه الاحتياطُ في حفظ أموال الضُّعفاء العاجزين.
واختلفوا في السُّفَهاء:
فقال مجاهد والضَّحَّاك: هم النِّسَاءَ كما قَدَّمْنَا، وهذا مذهب ابن عمر ويدلُّ عليه ما روى أبو أمامة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:
«ألا إنَّما خُلِقَت النَّارُ للسُّفَهاء، يقولها [ثلاثاً] ألا وإن السُّفهاء النِّساء، [إلاّ امرأة أطاعت قيّمها» ].
وقال الزَّمخشريُّ وابن زيد: والسُّفهاء ههنا السفهاء عن من الأولاد، ويقول: لا تعط مالك [الذي هو قيامك] ولدك السَّفيه فيفسده. وقال ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: هم النِّساء [والصبيان] إذا علم الرجل أنَّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وَأنَّ ولده سفيه مفسد، فلا يسلط واحداً منهما على ماله.
وقيل: المرادُ بالسُّفهاء كل من لم يحفظ المال للمصلحة من النِّسَاءِ والصبيان والأيتام، وكلُّ من اتَّصف بهذه الصفة؛ لأنَّ التَّخصيص بغير دليل لا يجوز، وقد تقدَّم في «البقرة» أنَّ السَّفه خفة العقل ولذلك سُمِّي الفاسق سفيهاً، لأنه لا وزن له عند أهل العلم والدين، ويسمى النَّاقص العقل سفيهاً لخفة عقله.

فصل في دلالة الآية في الحجر على السفيه


قال القرطبيُّ: دلت هذه على جواز الحجر على السَّفيه لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ﴾، وقوله: ﴿فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأثبت الولاية على السَّفيه كما أثبتها على الضَّعيف، والمراد بالضَّعيف في الآية الضَّعيف الْعَقْلِ لصغرِ أو مرض.

فصل في حال السفيه قبل الحجر عليه


[قال القرطبيُّ] : واختلفوا في حال السَّفيه قبل الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فقال مالك وأكثر
182
أصحابه: إنَّ فعل السَّفيه وأمره كُلّهُ جائز، حتى يحجر عليه الإمامُ، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأبي يوسف.
وقال ابن القَاسِم: أفعاله غير جائزة، وإن لم يضرب الإمام على يَدِهِ.

فصل: في الحجر على الكبير


واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهورُ الفقهاء: يحجر عليه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلا ان يكون مُفسداً لماله، فإذا كان كذلك منع من تسلميهم المالَ حتى يبلغ [خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها]، سُلِّمَ إليه المال بكل حالٍ، سواء كان مُفْسِداً، أو غير مفسد؛ لأنَّه يُحبَلُ منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يُولد له لِستَّةِ أشهرٍ فيصير جَدَّاً وأباً، وأنا أستحي أن أحجر على مَنْ يصلح أن يكون جَدَّاً.

فصل في الخطاب في الآية


في هذا الخطاب قولان:
الأوَّلُ: أنَّهُ خطاب الأولياء بأن يُؤتُوا السُّفهاء الذين تحت ولايتهم أموالهم لقوله تعالى: ﴿وارزقوهم فِيهَا واكسوهم﴾ [النساء: ٥] وبه يصلح نظمُ الآيةِ مع ما قَبلها.
فإن قيلَ: فكان ينبغي على هذا ان يقال: ولا يؤتوا السُّفَهَاء أموالهم.
فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: أنَّه تعالى أضاف المال إليهم، لا لأنَّهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في الإضافة الملابسة بأدنى سبب.
وثانيهما: إنَّما حَسًنَتِ هذه الإضافَةُ إجراءاً للوحدة بالنَّوع مجرى الوحدة بالشخص كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [النساء: ٢٥] ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] ومعلوم أنَّ الرَّجل منهم ما كان يقتل نفسه، وإنَّمَا كان يقتل بعضهم بعضاً، وكان الكلُّ من نَوْع واحدٍ، فكا ها هنا لما كان المال ينتفع به نَوْع الإنسان، ويحتاج إليه، فلأجل هذه الوَحْدَة النَّوعيَّة حسنت إضافة أموال السُّفهاء إلى الأولياء.
183
القول الثاني: أنَّه خطاب للآباء بألاَّ يدفعوا مالهم إلى أولادهم إذا كانوا لا يحفظون المال سفهاءُ، وعلى هذا فإضَافَةُ الأموال إليهم حقيقة، والقول الأوَّلُ أرجحُ؛ لأنَّ ظاهر النَّهي التحريم، وأجمعوا على انَّهُ لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصّغار، ومن النِّسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السُّفهاء أموالهم؛ لأنه قال في آخر الآية: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ وهذه الوصيّة بالأيتام أشبه، لأنَّ المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقولُ له إلا المعروفَ، وإنَّما يحتاج إلى هذه الوصيَّة مع الأيتام الأجانب.
قال ابنُ الخطيب: «ولا يمتنع [أيضاً] حمل الآية على كلا الوجهين».
قال القاضي: هذا بعيد؛ لأنه يقتضي حمل قوله: «أمْوالُكم» على الحقيقة والمجاز جميعاً، ويمكن الجوابُ عنه بأن قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ يفيدُ كون تلك الأموال مختصة بهم، اختصاصاً يمكنه التّصرف فيها، ثم إنَّ هذا الاختصاص حاصل في المال المملوك له وفي المال المملوك للصَّبي، إلاَّ أنَّه تحت تصرُّفه، فهذا التَّفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ وإذا كَانَ كذلك لم يبعد حمل اللَّفظ عليهما من حيث إن اللفظ [أفاد] معنى واحداً مشتركاً بينهما.
قوله: ﴿وارزقوهم فِيهَا واكسوهم﴾.
ومعنى الرزق: أن أنفقوا عليهم. وقوله «فيها» فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ «في» على بابها من الظرفية، أي اجعلوا رزقهم فيها.
والثاني: أنها بمعنى «مِنْ»، أي: بعضها والمراد: [من] أرباحها بالتجارة.
قال ابن الخطيب: «وإنَّمَا قال» فيها «ولم يقل: مِنْهَا، لئلا يكون ذلك أمراً بأن يجعلوا بعض أموالهم رِزْقاً [لهم]، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكاناً لرزقهم، بأنْ يَتَجِرُوا فيها، فيجعلوا أرزاقهم من الأرْبَاحِ لا من أصول الأموال». والأمر بالكِسْوَةِ ظاهر.

فصل في تفسير القول المعروف


قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾.
اختلف المفسِّرون في القول المعروف:
184
قال ابن جُريْجٍ ومجاهد: إنه العدة الجميلة من البرِّ والصِّلة.
وقال ابنُ عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سَفْرتِي هذه فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غَزَاتِي جعلت لك حظاً.
وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن يجب عليك نفقته، فقل له: عافانا الله وإيَّاك، وبارك اللهُ فيك.
وقيل: قولاً لَيِّنَاً تَطِيبُ بهِ أنفسهم.
وقال الزَّجَّاجُ: «علموهم مع إطعامهم وكسوتهم أمر دينهم».
وقال القَفَّالُ: «هو أنه إن كان المولى عليه صبياً فيعرفه الولي أنَّ المال ماله، وهو خازن له، وأنه إذا زال صباه يَردُّ إليه المال، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] [و] لا تعاشره بالتَّسلُّطِ عليه كمعاشرة العبيد، وكذا قوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ [الإسراء: ٢٨] وإن كان المولى عليه سفيهاً، وَعَظَهُ ونصحه وحثه على الصلاة، ورَغَّبَهُ في ترك التبذير والإسراف، وعَرَّفَهُ عاقبة التبذير الفقر والاحتياج إلى الخلق، إلى ما يشبه هذا النوع من الكلام».
وقال ابن الخطيب: وهذا أحسن من سائر الوجوه.
185
لما أمر بدفع مال اليتيم إليه، بيَّن هنا متى يؤتيهم أموالهم، وشرَطَ في دفع أموالهم إليهم شرطين:
أحدهما: بلوغ النكاح.
والثًَّاني: إينَاسِ الرُّشد.
في «حتى» هذه وما أشبهها أعني الداخلة على «إذا» قولان:
أشهرهما: أنَّها حرف غاية، دخلت على الجملة الشَّرطيَّة وجوابها، والمعنى: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم، بشرط إيناس الرُّشد، فهي حرف ابتداء كالدَّاخلة على سائِرِ الجمل كقوله: [الطويل]
185
وقول امرئ القيس: [الطويل]
١٧٥٤ - فَمَا زَالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا بِدجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دَجْلَةَ أشْكَلُ
١٧٥٥ - سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بأرْسَانِ
والثاني: وهو قول جماعة منهم الزَّجَّاج وابن درُسْتَوية: أنَّها حرف جر، وما بعدها مجرور بها، وعلى هذا ف «إذا» تتمحَّضّ للظَّرْفِيَّةِ، ولا يكون فيه معنى الشَّرط، وعلى القول الأوَّلِ يكون العامل في «إذَا» ما تَخَلَّص من معنى جوابها تقديره: إذا بلغوا النِّكاح راشدين فادفعوا. وظاهرُ العبارة لبعضهم أنَّ «إذا» ليست بشرطيَّة، لحُصُولِ ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازي بها في الشِّعر، وقال: «فعلوا ذلك مضطرين»، وإنما جُوزي بها لأنَّها تحتاج إلى جواب، وبأنَّه يليها الفعلُ ظاهراً، أو مضمراً، واحتجَّ الخليلُ على عدم شَرطيَّتِها بحصولِ ما بعدِها، ألا ترى أنك تقول: أجيئك إذا احمر البُسر، ولا تقول: إن أحمر.
قال أبُو حيان: وكلامُه يُدلُّ على أنها تكون ظرفاً مجرداً، ليس فيها معنى الشَّرط، وهو مخالف للنَّحويين، فإنَّهم كالمجمعين على أنها [ظرف] فيها معنى الشِّرط غالباً، وإن وُجِدَ في عبارةِ بعضهم ما يَنْفَى كونها أداة شرطٍ، فإنَّما أنها لا يجزم بها، إلاَّ أنها لا تكون شرطاً، وقَدَّرَ بعضهم مضافاً قال: تقديره يبلغوا حَدَّ النكاحِ أو وقته، والظَّاهرُ أنها لا تحتاج إليه، والمعنى: صَلَحوا للنكاح.

فصل في معنى الابتلاء وكيفيته


والابتلاءُ: الاختيارُ، أي اختبروهم في عقولهم وإدراكهم، ، وحفظهم أموالهم. نزلت في ثابت بن رفاعة، مات أبُوهُ رفاعةُ وتركه صغيراً عند عمه، فجاء عمُّه إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يَحِلُّ لي مِنْ ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزلت هذه الآية.
قال سعيد بن جبير ومجاهد والشَّعبيُّ: «لا يدفع إليه ماله، وإنْ كان شيخاً حتى يؤنس رشده»، فالابتلاءُ باختلاف أحوالهم، فإن كان مِمَّنْ يتصرف في السوق
186
فيدفع الولي إليه شيئاً من المال، وينظر في تَصَرُّفه، وإن كان ممَّن لا يتصرف فيختبره في نفقة داره، والإنفاق على عبيده وأجرائه وتُخْتبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها فإذَا رأى حسن تصرُّفه وتدبيره مراراً حيث يغلب على الظن رشده دفع إليه المال.

فصل فيما إذا عاد إلى السَّفه بعد اخذ المال


قال القرطبيُّ: «إذا سُلِّم إليه المال لوجود الرشد، ثم عاد إلى السَّفه عاد الحجرُ والقصاص. دليلنا قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
ويجوز للوصيّ أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارةٍ وإبضاع وشراء وبيع، وعليه أنْ يؤدّى الزَّكاة من سائر أمواله عينٍ وحرث وماشية وفطرة، ويؤدّي عنه أرُوش الجنايات، وقيم المُتْلَفَاتِ، ونفقةِ الوالدين، وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز ان يزوجه، ويؤدّي عنه الصداق، ويشتري له جارية يتسرّى بها، ويصالح له وعليه على وجه النَّظر.

فصل المراد من بلوغ النكاح


والمراد من بلوغ النِّكاح هو الاحتلام، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم﴾ [النور: ٥٩] وعند هذا الحدّ يجري على صاحبه قلم التَّكليف، وإنَّما سمي الاحتلام بلوغ النَّكاح بمعنى الجماع.
واعلم أن للبلوغ خمس علامات ثَلاثَةٌ منها مُشْتَرَكةٌ بين الذكور والإناث وهي: الاحتلامُ، والسنُّ المخصوص، ونَبضاتُ الشّعر الخشن على العانَةِ.
وقيل: إنبات الشَّعر الخشن بلوغ في أولاد المشركين، ولا يكون لأولاد المسلمين؛ لأن أولاد المسلمين يمكن الوقوف على مواليدهم بالرُّجوع إلى آبائهم، وأولاد الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يُقْبَلُ قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمَارةُ البلوغ بلوغاً في حقِّهم.
واثنان منها تختّص بالنّساء وهما: الْحَيْضُ والْحِبَلُ.
187

فصل


قال أبُو حنيفةَ:» تصرفات [الصَّبي] العاقل المميز بإذن الوليّ صحيحة لهذه الآية، ولأنه يصحّ الاستثناء فيه فيقال: ابتلوا اليتامى إلاَّ في البَيْع والشِّراء «.
قال الشَّافعيُّ: اختبار عقله في أنه هل له فَهْم وعَقْلٌ في معرفة المصالح والمفاسد؟ بأن يبيع الوليُّ ويشتري له بحضوره، ثم يستكشفُ من الصبيِّ أحوال ذلك البيع والشِّراء، وما فيها من المصالح والمفاسد، وبهذا القَدْر يحصل الابتلاء والاختبار، وأيضاً هَبْ أنَّا سَلَّمْنَا أنه يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري، فَلِمَ قلتَ: إنَّ هذا القدر يدل على صِحَّةِ ذلك البيع والشِّراء؟ قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾. والفاءُ جواب»
إذا «وفي قوله: ﴿فادفعوا﴾ جواب» إن «.
وقرأ ابن مسعود»
فإن أحستم «والأصْلُ أحسسْتُم فحذف إحدى السّينين، ويحتمل أن تكون العينَ أو اللام، ومثله قول أبي زبيد: [الوافر]
١٧٥٦ - سِوَى أنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا حَسِينَ بِهِ فَهُنَّ إلّيْهِ شُوسُ
وهذا خلاف لا ينقاسُ، ونقل بعضهم أنَّها لغةُ سُلَيم، وَأنَّهَا مُطَّردة في عين كل فعلٍ مضاعفة اتصل به تاءُ الضَّمير أو نونه ونَكَّر»
رُشْداً «دلاّلةُ على التنويعِ، والمعنى أيّ نوعٍ حَصَلَ من الرُّشدِ كان كافياً.
وقرأ الجمهور»
رُشْداً «بضمة وسكون، وابن مسعود والسُّلميُّ بفتحتين،
188
وبعضهم بضمتين، وسيأتي الكلامُ على ذلك في الأعراف إن شاء الله تعالى. وآنس كذا أحسَّ به وشَعَرَ، قال: [الخفيف]
١٧٥٧ - آنسَنْ نَبْأةً وَأفْزَعَهَا القُنْ نَاصُ عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْسَاءُ
وقد قيل: «وجد» عن الفراء.
وقيل: أبصر.
وقيل: رأيتم.
وقيل: آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحدٍ.
وقال القرطبي: وأصْلُ الإيناس في اللُّغة الإبصار، ومنه قوله ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً﴾ [القصص: ٢٩].
قال أهل اللُّغة: هو إصابة الخير، قال تعالى: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦]، والغيُّ: هو العصيان: قال تعالى: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ [طه: ١٢١] يكون نقضيه هو الرشد، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧].
وقال أبو حنيفة: «لا يعتبر هنا الصَّلاح في المال فقط»، وينبني على هذا أن أبا حنيفة لا يرى الحجر على الفاسق، والشافعي يراه.

فصل


إذا بلغ الرُّشْد زال عنه الحجر، ودفع إليه، رجلاً كان أو امرأة، تزوج أو لم يتزوج.
وعند مالك إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوّجتْ دفع المال إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلاَّ بإذن الزَّوج ما لم تكبر وَتُجَرَّبْ، فإذا بلغ الصبي رشيداً وزال الحجر عنه ثم عاد سفيهاً [نُظِرَ] إنْ مبذراً لماله حُجِرَ عليه، كما يستدام الحجر عَلَيْهِ إذا بلغ بهذه الصفة، وقيل: لا يُعَادُ؛ لأن حكم الدوام أقْوَى من حكم الابتداء، وعند أبي حنيفة لا حَجْرَ على البَالِغِ العاقِلِ بحال.
قوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً﴾.
في نصبهما وجهان:
أحدهما: أنهما منصوبان على المفعولِ من أجْلِهِ أي: لأجل الإسراف والبِدَارِ.
189
ونقل عن ابن عباس أنه قال: «كان الأولياء يستغنمون أكل مال اليتيم، لئلا يكبر فينزع المال منهم».
والثَّاني: أنَّهما مصدران في موضع الحالِ أي: مُسْرِفينَ وَمُبادِرِينَ.
وبداراً مصدرُ بادرَ والمفاعلة هنا يجوز أن تكون من اثنين على بابها، بمعنى ان الوليَّ يبادرُ ليتيم إلى أخْذِ مالهِ، واليتيمُ يُبَادِرُ إلى الكبر، ويجوز أن يكون من واحد بمعنى: أنَّ فاعل بمعنى فعل نحو: سافر وطارق.
قوله: «أن تكبروا». فيه وجهان:
أحدهما: أنه مفعول بالمصدر أي: وبداراً كبرهم، كقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤، ١٥] وفي إعمال المصدر المُنَوِّنِ الخلاف المشهور.
والثَّاني: أنَّه مفعول من أجله على حذف أي: مخافة أن يكبروا، وعلى هذا فمفعولُ «بِدَاراً» محذوف، وهذه الجملة النَّهْييَّةُ فيها وجهان:
أصحهما: أنها استئنافية، وليست معطوفةً على ما قبلها.
والثَّاني: أنَّها عطف على ما قبلها، وهو جوابُ الشرط ب «إن» أي: فادفعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسدٌ؛ لأن الشّرط وجوابه، مترتِّبان على بلوغ النِّكاح وهو معارضٌ لقوله: ﴿وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ﴾ فَيَلزَمُ منه سَبْقُه على ما ترتَّب عَلَيْهِ، وذلك ممتنع.
والمعنى: ولا تأكلوها يا معشرَ الأولياءِ «إسْرافاً» أي: بغير حقٍّ، «وبداراً» أي: ومبادرة، ثم بَيَّنَ مَا يَحِلُّ لهم من مالهم فقال: «وَمَنْ كَانَ غَنِياً فَلْيَسْتَعْفِفْ» أي: فليمتنع من مال اليتيم فلا يرزؤه قليلاً ولا كثيراً، والعفة الامتناع مما لا يحل.
قال الواحديُّ: استعفف عن الشيءِ وعَفَّ: إذا امتنعَ منه وتَرَكَهُ.
قال الزمخشريُّ: «استعفف أبلغ مِنْ عَفٍّ كأنَّه طالب زيادة العِفَّةِ».
قوله: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً﴾.
محتاجاً إلى مال اليتيم، وهو يحفظه ويتعمَّده ﴿فَلْيَأْكُلْ بالمعروف﴾.
رُوِيَ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن رجلاً أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «إنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِي يَتيمٌ، فقال: كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمكَ عَيْرَ مُسْرِفٍ وَلا مُبَذِّرٍ وَلاَ مُتَأثِّل».
190
واختلفوا، هل يلزمهُ القضاءُ؟ فقال مجاهدٌ وسعيدُ بن جبير: يقضي إذا أيسر لقوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بالمعروف﴾ والمعروف: هو ان يقترض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيْسَرَ قَضَاهُ.
قال عمرُ بن الخطّاب: «إنِّي أنْزَلْتُ نفسي من مال الله بمنزلة مال اليتيم، إن استغنيتُ استعففتُ، وإنْ افترقتُ أكَلْتُ بالمعروفِ، فَإذا أيْسَرْتُ قضيتُ».
وأكثر الروايات عن ابن عباس، وبعض العلماء أنّ القرض مخصوص بأصول الأموال من الذَّهب والفضَّة وغيرهما، فأمَّا التَّناول من ألبان المواشي، واستخدام العبيد، وركوب الدَّواب، فمباح له إذا لم يضرَّ بالمال، وهذا قول أبي العالية؛ لأنه أمر بدفع أموالهم إليهم.
قال الشَّعْبيُّ: «لا يأكله إلا أن يضطر كما يضطر إلى الميتة».
وقال قوم: لا قضاء عليه لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً﴾ وهذا يُشْعِرُ بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، وقوله ﴿فَلْيَأْكُلْ بالمعروف﴾ أن للوصي أن ينتفع بمقدار الحاجة، وقوله ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] ﴿سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] يدل على أن مال اليتيم قد يؤكل وغير ظلم، وإلاَّ لم يكن لقوله ﴿ظُلْماً﴾ معنى.
وأيضاً الحديث المتقدم، وأيضاً فيقاسُ على السَّاعي فإنَّهُ يُضْرَبُ له من الصَّدقات على قدر عمله، فكذا ها هنا.
وقال أبُو بكرٍ الرازيُّ: الَّذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذ على سبيل القرض، ولا على سبيل الابتداء سواء كان غنياً أو فقيراً، لقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] إلى قوله ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] إلى قوله ﴿سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] وقوله: ﴿وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط﴾ [النساء: ١٢٧].

فصل


قال القرطبيُّ: كما على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه كذلك عليه حفظ الصبيِّ في بدنه وتأديبه، «رُوِيَ أنَّ رجلاً قال لِلنبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنَّ في حجري يتيماً أآكل من ماله؟ قال:»
191
نعم «غير متأثل مالاً ولا واقٍ مالك بماله» قال: يا رسول الله أفأضربه، قال: «مَا كُنْت ضَارِبً منه وَلَدَكَ».
﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾.
وهذا أمر رشاد، وليس بواجب، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ ليزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة.
واختلفوا فيما إذا ادَّعى الوصيُّ بعد بلوغ اليتيم أنَّه دفع المال إليه هل يصدَّق؟
أو قال أنْفَقْتُ عليه المالَ في صغر؟ فقال مالكٌ والشَّافعيُّ: لا يصدَّقُ.
وقال أبو حنيفة: «يصدَّقُ».
قوله: ﴿وكفى بالله حَسِيباً﴾.
في «كفى» قولان:
أحدهما: أنَّها اسم فعل.
والثاني: وهو الصَّحيح - إنها فعلٌ، وفي فاعلها قولان:
الأول: وهو الصَّحيح أنَّهُ المجرور بالباء، والباء زائدة فيه وفي فاعل مضارعه نحو: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ [فصلت: ٥٣] باطِّراد فقال أبُو البقاء: زيدت لتدلَّ على معنى الأمر إذ التقدير: اكتف بالله، وهذا القول سبقه إليه مَكِي والزَّجاجُ فإنه قال: دَخَلَتْ الباءُ في الفاعل؛ لأن معنى الكلام الأمرُ أي: الباء ليست بزائدة، وهو كلامٌ غيرُ صحيح؛ لأنه من حيث المعنى الذي قدَّره يكون الفاعل هم المخاطبين، و «بالله» متعلّق به، ومن حيث كون «الباء» دخلت في الفاعل يكون الفاعل هو اللهُ تعالى، فيتناقض. وفي كلام ابن عطية نحو من قوله أيضاً فإنه قال: «بالله» في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض،
192
وفائدة زيادته تبيَّن معنى الأمر في صورة الخَبَرِ أي: اكتفوا بالله، «فالباء» تدل على المراد من ذلك، وفي هذا ما رُدَّ به على الزَّجَّاجِ، وزيادة جَعْلِ الحرف زائداً وغير زائدٍ.
والثاني: أنَّه مضمر والتَّقديرُ: كفى الاكتفاء و «بالله» على هذا في موضع نصب؛ لأنه مفعول به في المعنى، وهذا رأي ابن السَّراج، وَرُدَّ هذا بأن إعمال المصدر المحذوف لا يجوز عند البصريين إلا ضرورة كقوله: [البسيط]
١٧٥٨ - هَلْ تَذْكُرُونَ إلَى الدَّيْرَينِ هجْرَتَكُمْ وَمَسْحَكُمْ صُلْبَكُمْ رَحْمَانُ قُرْبَاناً
أي قولكم: يا رحمان قرباناً، وقَالَ أبو حيان: وقيل: الفاعِلُ مضمر، وهو ضمير الاكتفاء أي: كفى هو أيْ: الاكتفاء، و «الباء» ليست زائدة، فيكون في موضع نصب ويتعلق أنذاك بالفاعل، وهذا الوجه لا يسوغ على مذهب البصريين، لأنه لا يجوز عندهم إعْمَالُ المصدر مضمراً، وإن عني بالإضمار الحذف امتنع عندهم أيضاً لوجهين: حذف الفاعل، وإعمال المصدر محذوفاً وإبقاء معموله، وفيه نظرٌ؛ إذْ لقائل أن يقول: إذا قلنا بأن فاعل «كفى» مضمر لا نعلق «بالله» بالفاعل حتّى يلزم ما ذكر بل نعلقه بنفس الفعل كما تقدَّمَ.
وقال ابْن عيسى: إنَّما دخلت الباء في «كفى بالله» ؛ لأنَّهُ كان يتصل اتَّصال الفاعل [وبدخول الباء اتصل] اتصالَ المضافِ، واتَّصال الفاعل، لأنَّ الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره فضوعِفَ لفظها لمضاعفة معناها، ويحتاج إلى فكر.
قوله: ﴿حَسِيباً﴾ فيه وجهان:
أصحهما: أنه تمييز يدلُّ على ذلك صلاحيَّة دخول «مِنْ» عليه، وهي علامة التمييز.
والثَّاني: أنه حال.
و «كفى» ها هنا متعدّية لواحد، وهو محذوف تقديره: «وكفاكم الله».
وقال أبُو البَقَاءِ: «وكفى» يتعدَّى إلى مفعولين حُذِفَا هنا تقديره: كفاك اللهُ شرَّهم بدليل قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله﴾ [البقرة: ١٣٧] والظاهر أن معناها غيرُ معنى هذه.
قال أبو حيّان بعد أن ذكر أنها متعدية لواحد: وتأتي بغير هذا المعنى متعدية إلى اثنين كقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله﴾ [البقرة: ١٣٧] وهو محل نظر.
قال ابن الأنباري والأزهري: يحتمل أن يكون الحَسِيبُ بمعنى المحاسب، وأن يكون بمعنى الكافي، فمن الأول قولهم للرَّجل تهديداً: حَسْبُهُ اللهُ، [ومعناه: يحاسبه] الله على ما يفعل من الظُّلم، ومن الثَّاني قولهم: حسبك الله، أي: كافيك الله وهذا وعيد سواء فسَّرنا الحسيب بالمحاسب، أو بالكافي.
193
لما ذَكَرَ تعالى أمر اليتامى، وصله بذكر المواريثِ، وهذا هو النَّوْع الرَّابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة، ويكون ما يتعلق بالمواريث.
قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من بَنِي عمّه وهما وصيّان له يقال لهما: سُوَيدٌ وعَرْفجَة فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً وكانوا في الجاهليَّةِ لا يورثون النِّساء ولا الصغار، وإنْ كان الصغير ذكراً إنما كانوا يورثون الرِّجال، ويقولون لا يعطي إلا من قاتل، وطاعن بالرُّمح، وحاز القسمة وذبَّ عن الحَوْزَةِ، «فجأت أمُّ كُحّة فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات، وترك عليّ بنات، وأنا امرأته ليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك أبوهنّ مالاً حسناً، وهو عند سويد وعرْفجة، ولكم يعطياني ولا بناتي شيئاً وهن في حجري لا يطمعْنَ ولا يسقين، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» ارجعي إلى بيتك حتى أنظر فيما يحدثُ الله في أمرك «. فدعاهما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاًّ، ولا يَنْكَأُ عَدُوّاً فأنزل الله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ يعني للذُّكور مما ترك أولاد الميِّت وأقربائه ﴿نَصيِبٌ﴾ حظّ ﴿مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ من الميراث، ﴿وَلِلنِّسَآءِ﴾ نصيب، ولكنه تعالى لم يُبَيِّن المقدار في هذه الآية، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لا تُفَرِّقَا مِنْ مَالِ أوْسِ بْنِ ثَابِتْ شيئاً فَإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِبَنَاتِهِ نَصِيباً مِمَّا تِرَكَ، ولَمْ يبيِّن كَمْ هُوَ حَتَّى أنْظُر مَا يَنْزِلُ فِيهِنَّ «فأنزل اللهُ - عزّ وجلّ -: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ [النساء: ١١] فأرسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى سُوَيْدٍ وَعُرْفُجة أن ادفعا إلى أمّ كُحة الثمن وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال،» فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية.
بين الله تعالى أن للنِّسَاء حقاً في الميراث خلافاً لعادَةِ العرب في الجاهليَّةِ وذكره مُجْملاً أولاً ثم بَيَّنَهُ بعد ذلك على سبيل التدريج؛ لأنَّ النَّقل عن العادة يشق، فقال لهما: «ادفعا إليها نصيب بناتها الثُّلثين ولَكُمَا باقي المال».
قوله: ﴿مِّمَّا تَرَكَ﴾ هذا الجارُّ في محل رفع؛ لأنه صفة للمرفوع قبله أيْ: نَصِيبٌ
194
كائن أو مستقر، ويجوز أن يكون في محلّ نصبٍ متعلِّقاً بلفظ «نصيب» لأنه من تمامه. وقوله ﴿مِمَّا قَلَّ﴾ [و] في هذا الجارّ أيضاً وجهان:
أحدهما: أنه بدل من «ما» الأخيرة في «مما ترك» بإعادة حرف الجرّ في البدل، والضمير في «منه» عائد على «ما» الأخيرة، وهذا البدل مرادٌ أيضاً في الجملة الأولى حُذِفَ للدلالة عليه، ولأن المقصود بذلك التأكيد؛ لأنه تفصيلٌ للعموم المفهوم من قوله ﴿مِّمَّا تَرَكَ﴾ فجاء هذا البدل مفصّلا لحالتيه من الكثرة والقِلَّةِ.
والثاني: أنه حال من الضَّمِيرِ المحذوف من «ترك» أي: مما تركه قليلاً، أو كثيراً، أو مستقراً مما قلّ.

فصل


قال القُرْطِبِيُّ: استدلّ علماؤنا بهذه الآية على قسم المتروك على الفرائض، فإن كانت القِسْمَةُ لغير المتروك عن حاله كالحمام الصّغير، والدّار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها فقال مالك: يقسم ذلك، وإن لم ينتفع أحدهم بنصيبه لقوله تعالى ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ [النساء: ٧] وبه قال الشَّافعيُّ وأبو حنيفة.
قال أبو حنيفة: في الدِّار الصَّغيرة يكون بين اثنين فطلب أحدهما القسمة، وأبى صَاحِبُه قُسمتْ له.
وقال ابن أبي ليلى: إن كان فيهم من لا يَنْتَفِعُ بقسمه، فلا يقسم، وكل قسم يدخل فيه الضّرر على أحدهما، دون الآخر فإنَّه لا يقسم، وهو قول أبي ثَوْرٍ.
وقال ابْنُ المُنْذِرِ: وهو أصحُّ القولين.
قوله: ﴿نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن «نصيباً» ينتصب على أنَّهُ واقع موقع المصدر، والعامل فيه معنى ما تقدَّم إذ التَّقدير عطاءً أو استحقاقاً، وهذا معنى قول مَنْ يقول منصوب على المصدر المؤكد.
قال الزَّمخشريُّ: كقوله: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ الله﴾ [النساء: ١١] كأنه قيل: قسمة مفروضة، وقد سَبَقه الفرَّاءُ إلى هذا، قال: نُصِبَ؛ لأنه أخرج مُخْرَجَ المَصْدَر؛ ولذلك وحّده كقولك: له عَليَّ كذا حقّاً لازماً، ونحوه ﴿فَرِيضَةً مِّنَ الله﴾ [النساء: ١١]، ولو كان اسْماً صحيحاً لم ينصب، لا تقول: لك عليّ حق درهماً.
195
الثاني: أنَّه منصوبٌ على الحالِ ويُحتمل أن يكون صاحبُ الحال الفاعل في «قَلَّ» أو «كَثر» ويُحتمل أن يكون «نَصِيب»، وإن كان نكرة لتخصّصه إمَّا بالوَصْفِ، وإمَّا بالعمل والعامل في الحال الاستقرار الَّذي في قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ﴾، وإلى نصبه حالاً ذهب الزَّجَّاج ومكيٌّ قالا: المعنى لهؤلاء أنْصِباء على ما ذكرناها في حالِ الفرض.
الثالث: أنَّهُ منصوبٌ على الاختصاص بمعنى: أعني نَصيباً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قال أبو حيَّان: إن عنى الاخْتِصاص المصطلَح عليه فهو مردود بكونه نكرةً، وقد نَصُّوا على اشتراط تعريفه.
الرابع: النصب بإضمار فعل أي: أو جُعِلَت لهم نصيباً.
الخامس: أنه مصدر صريح أي نَصَّبْتُهُ نَصيباً.

فصل دلالة الآية على توريث ذوي الأرحام


قال أبُو بكرٍ الرازي: هذه الآية تَدُلُّ على توريث ذوي الأرْحَام لأنَّ العمَّاتِ والأخوالِ، والخالاتِ، وأولادَ النبات من القريبين، فوجب دُخُولُهُم تَحْتَ قوله ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ أقصى ما في الباب أنَّ قدر ذلك النَّصيب غير مذكور في هذه الآية إلاَّ أنَّا نثبت كونهم مستحقين لأصل النَّصيب بهذه الآية، وَأَمَّا المقدار فنستفيده من سائر الدلائل.

فصل


معنى «مفروضاً» أي: مَقْطُوعَاً واجباً الفرضِ: الحز والتأثير، ولذلك سُمِيَ الحزّ الَّذي في سية القوس، فرضاً، والحزُّ الَّذي في القداح يسمَّى أيضاً فرضاً، وهو علامة لتميّز بينها وبين غيرها، والفرضة علامة في مقسم الماء يعرفُ بها كل ذي حقٌّ حقَّه من الشُّرْبِ، فهذا أصلُ الفرض في اللُّغةِ، ولهذا سَمَّى أصحابُ أبي حنيفة الفرض [به] ما ثبت بدليل قَطْعِيٍّ، والواجب عبارة عن السقوط يقال: وَجَبَتِ الشَّمْسُ: إذا سَقَطَت وسمعتُ وجبةٌ يعني: سَقْطَة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: سَقَطَتْ، وتأثير القَطْعِ أقوى من تأثير السُّقوط.
قال ابن الخطيب: وهذا التقرير يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام [
196
لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل] قاطع بإجْمَاعِ الأمَّةِ، فلم يكن توريثهم فَرْضَاً، والآية إنَّمَا تناولت التَّوريث المفروض فَلَزِمَ القَطْعُ بأنَّ هذه الآية ما تَنَاولت ذوي الأرحام.
197
اختلفوا في المُرَادِ بهذه القسمة على ثَلاثَةِ أقوال:
القول الأوَّلُ: أن المُرَادَ بها في قسمة الميراث، واختلفَ القائلون بهذا القول، هل المرادُ به لوجوبُ أو النَّدْبُ؟ فالقائلون بالوُجُوبِ اختلفوا، فقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ والضَّحاك: كانت هذه قَبْلَ آية المواريث، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيةُ المواريث جعلت المواريثُ لأهْلَها ونسخت هذه الآية وقال ابنُ عَبَّاسٍ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ: وهي محكمة.
قل مُجَاهِدٌ: وهي واجبةٌ على أهل الميراثِ ما طالت به أنفسهم.
قال الحَسَنُ: كانوا يُعْطون التابوت والأواني ورثّ الثياب والمتاع والشيء الذي يُسْتَحْيَا من قسمته، وإن كان بَعْضُ الوَرَثَة صغاراً فقد اختلفوا فيه، قل ابن عبَّاسٍ وغيره: إن كانت الورثة كباراً رضخوا لهم، وإن كانت الوَرَثَةِ صغارً اعتذروا إليهم، فَيَقُولُ الولي: إني لا أملك هذا المال إنَّمَا هو الصغار، ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم.
وقال بعضهم: ذلك حقٌّ واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانُوا كِبَاراً تَوَلوا إعطاءَهم وإن كانوا صِغاراً أعطى وليهم، وروى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرينَ أنَّ عبيدة السَّلْمَانِي قسم أموال أيتام، وأمر بشاة فذبحت فصنع لهم طعاماً لأجل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.
197
وقَالَ قَتَادَةُ عن يَحْيَى بن معمر: ثلاث آياتٍ محكمات مذنيات تركهن النَّاسُ، هذه الآية، وآية الاستئذان ﴿ياأيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ [النور: ٥٨] وقوله: ﴿يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال آخرون: ذلك على سبيل النَّدْبِ إذا كان الورثة كباراً، فإن كَانُوا صغاراً فليس إلاَّ القول المعروف، وهذا هو الَّذي عليه فقهاءُ الأمصار لأنَّه لو كان لهم حَقٌّ معين لبينه اللهُ - تعالى - كسائر الحقوق، ولو كان واجباً لتوفّرت الدَّواعي على نقله لشدَّة حرص الفقراء والمساكين على تقريره، ولو كان كَذَلِكَ لنقل على سبيل التَّوَاتُرِ.
القول الثَّاني: أنَّ المراد بالقسمة الوصيَّة فَإذَا [حضرها منة لا يرث] من الأقرباء اليتامى والمساكين أي: الذين لا يرثون ثم قال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى﴾ واليتامى والمساكين} أنَّهُ راجع إلى أولي القربى الذين يرثون. [وقوله: ﴿فارزقوهم مِّنْهُ﴾ راجع إلى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون]. وهذا القَوْلُ محكيٌّ عن سعيد بن جُبَيْرٍ، وقدم اليتامى على المساكين، لأنَّ ضعفهم أكثرُ وحاجاتهم أشَدُّ فكان وضع الصدقات أفضل وأعظم في الأجر.
قوله: ﴿فارزقوهم مِّنْهُ﴾.
في هذا الضمير ثَلاَثَةُ أوْجهٍ:
أحدها: أنه يعود على المال، لأنَّ القسمة تَدُلُّ عليه بطريق الالتزام.
الثَّانِي: أنَّهُ يعود على «ما» في قوله: ﴿مِّمَّا تَرَكَ﴾.
الثَّالِثُ: أنَّهُ يعود على نفس القِسْمَةِ، وإن كان مذكراً مراعاة للمعنى إذ المراد بالقسمة الشيء المقسوم، وهذا على رأي من يرى ذلك، وَأمَّا مَنْ يقول: القسمة من الاقتسام كالخبرة من الاختبار أو بمعنى القَسَم فلا يتأتى ذلك.
198
قرأ الجمهور بسكون اللاَّم في الأفعال الثَّلاَثَةِ وهي لام الأمر، والفعل بعدها مجزومٌ
198
بها، وقرأ الحَسَنُ وعيسى بْنُ عُمَرَ بكسر اللامِ في الأفْعَالِ الثَّلاثة وهو الأصل، والإسكان تخفيفٌ إجراءً للمنفصل مُجْرى المتصل، فإنهم شَبَّهوا «وليخش» ب «كَيف» وهذا ما تَقَدَّمَ الكلام في نحو: «وهْيَ» و «لَهْي» في أول البقرة.
قال القرطبي: حذفت الأولف من ﴿وَلْيَخْشَ﴾ للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سِيبَويْه إضمار لام الأمر قياساً على حروف الجرّ إلاّ ضرورة شعر، وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم.
وأنشدوا: [الوافر]
١٧٥٩ - مُحَمَّدُ تَفِدُ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيءٍ تَبَالاَ
أراد لتفد وهو مفعل «يخشى» محذوف لدلالة الكلام عليه، و «لو» هذه فيها احتمالان:
أحدهما: أنَّهَا على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره أو حرف امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين.
والثَّانِي: أنَّهَا بمعنى «إن» الشَّرطية وإلى الاحتمال الأوَّل ذهب ابْنُ عطيّة والزَّمخشري.
قال الزَّمخشريُّ: فإن قلت ما معنى وقوع ﴿لَوْ تَرَكُواْ﴾ وجوابه صلة ل «الذين» قلت: معناه: وليخش الَّذِينَ صفتهم وحالهم أنَّهم لو شارفوا أن يتركوا خَلْفَهُمْ ذريّة ضِعافاً، وذلك عند احتضارهم خَافُوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم كما قال القائل: [الوافر]
199
وقال ابن عطية تقديره: لو تركوا لخَافُوا، ويجوزُ حذف اللام من جواب «لو» ووجه التمسك بهذه العبارة أنَّهُ جعل اللامَ مقدَّرَةً في جوابها، ولو كانت «لَوْ» يمتنع بها الشَّيء لامتناع غيره، و «خَافُوا» جوابُ «لَوْ».
وإلى الاحتمال الثَّانِي ذهب أبو البقاءِ وابنُ مَالِكٍ: «لو» هنا شرطية بمعنى «إنْ» فتقلب الماضي إلى معنى الاستقبال، والتَّقدير: وليخش الذين إنْ تركوا ولو وقع بعد «لو» هذه مضارع كان مستقبلاً كما يكونُ بَعْدَ «إنْ» وأنشد: [الكامل]
١٧٦٠ - لَقَدْ زَادَ الحَيَاةَ إليَّ حُبّاً بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ
أُحَاذِرُ أنْ يَرَيْنَ البُؤسَ بَعْدِي وَأنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِي
١٧٦١ - لاَ يُلْفِكَ الرَّاجُوكَ إلاَّ مُظْهِراً خُلُقَ الكِرَام وَلَوْ تَكُونُ عَدِيماً
أي: وإنْ تكن عديماً، ومثلُ هذا البيت قول الآخر: [البسيط]
١٧٦٢ - قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ دُونَ النَّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بأطْهَارِ
والَّذي ينبغي أن تكون على بابها كونها تعليقاً في الماضي، وَإِنَّمَا حمل ابْنُ مالك، وَأبَا البقاء على جَعْلِها بمعنى «إنْ» توهُّمُ أنَّهُ لَمَّا أمر بالخشيةِ - والأمرُ مستقبل ومتعلِّقُ الأمر موصول لم يصحّ أن تكون الصِّلةُ ماضية على تقدير دلالته على العدم الذي ينافي امتثالَ الأمر، وحَسَّنَ مكانَ «لو» لفظ «إنْ» ولأجل هذا التوهُّم لم يُدْخل الزمخشري «لَوْ» على فعل مستقبل، بل أتى بفعل ماضٍ مسندٍ للموصول حالةَ الأمر فقال: «وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا».
قال أبُو حَيَّان: «وهو الَّذي تَوهَّموه لا يلزم، إلاَّ كانت الصِّلةُ ماضيةً في المعنى واقعةً بالفعل، إذا معنى» لو تركوا من خلفهم «أي: ماتوا فتركوا من خلفهم، فلو كان كذلك للزم التَّأويلُ في» لَوْ «أن تكون بمعنى» إنْ «إذ لا يجامع الأمر بإيقاع فعل مَنْ مات بالفعل، فَإذَا كَانَ مَاضياً على تقدير فَيَصِحُّ أن يقع صِلَةً وأن يكون العاملُ في الموصول الفعل المستقبل نحو قولك: ليزرْنَا الذي لو مات أمسِ لبكيناه». انتهى.
وَأمَّا البيتان المتقدّمان فلا يلزمُ من صِحَّةِ جَعْلِهَا فيهما بمعنى «إنْ» أنْ تكن في الآية كذلك؛ لأنَّا في البيتين نضطر إلى ذلك، أمَّا البيتُ الأوَّلُ فلأن جواب «لو» محذوف
200
مدلولٌ عليه بقوله: «لا يلفك» وهو نَهْيٌ، والنًّهْيُ مستقبلٌ فلذلك كانت «لَوْ» تعليقاً في المستقبل.
وأمَّا البيت الثَّاني فلدخول ما بعدها في حَيزِ «إذا»، و «إذا» للمستقبل. ومفعول ﴿وَلْيَخْشَ﴾ محذوفٌ أي: وليخش الله.
ويجوز أن تكون المسألةُ من باب التَّنَازُع فإنَّ ﴿وَلْيَخْشَ﴾ يطلبُ الجلالة، وكذلك ﴿فَلْيَتَّقُواّ﴾ فيكون من إعمال الثَّاني للحذف من الأوَّلِ.
قوله: ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فيه وجهان:
أظهرهما: أنَّهُ متعلِّقٌ ب «تَرَكُوا» ظرفاً له.
والثَّاني: أنَّه مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّه حالٌ من «ذرية» ؛ لأنَّه في الأصل صفة نكرة قُدِّمَتْ عليها فَجُعِلَتْ حالاً.
قوله: ﴿ضِعَافاً﴾، أمال حمزة: ألف ﴿ضِعَافاً﴾ ولم يبال بحرف الاستعلاء لانكساره ففيه انحدارٌ فلم ينافِِ الإمالَة.
وقرأ ابن مُحَيْصِنٍ «ضُعُفاً» بضمِّ الضَادِ والعين وتنوين الفاء، والسُّلمي وعائشة «ضعفاء» بضم الضاد وفتح العين والمد، وهو جمع مَقِيسٌ في فعيل صفةً نحو: ظَرِيفٍ وَظُرَفاء وكَرِيم وكرماء، وقرئ «ضَعافَى» بالفتح والإمالة نحو: سَكَارى، وظاهر عبارةِ الزَِّمشري أنَّه قُرِئَ «ضُعافى» بضمِّ الضَّادِ مثل سُكارى فَإِنَّهُ قال: «وقُرِئَ ضُعَفَاء، وضَعافى وضُعافى نحو سَكارى وسُكارى» فيحتمل أنْ يريد أنَّه قُرِئَ بضمّ الضَّادِ وفتحها، ويحتمل أن يُرِيدَ أنََّهُ قُرِئَ «ضَعافى» بفتح الضَّاد دونً إمَالَةٍ، و «ضَعافَى» بفتحها مع الإمالة [كَسَكارى بفتح اسلين دون إمالة، وسكارى بفتحها مع الإمالة]، والظَّاهِرُ الأوَّلُ، والغالب على الظَّنِّ أنَّهَا لم تُنْقل قراءة.
قوله: ﴿خَافُواْ عَلَيْهِمْ﴾. أمَالَ حمزةُ ألف «خَافُوا» للكسرة المقدَّرَةِ في الألف، إذ الأصل «خَوِفَ» بكسر العين؛ بدليلِ فتحها في المُضَارعِ نحو: «يَخَافُ».
201
وعلَّل أبو البَقَاءِ وغيره ذلك بأنَّ الكَسْرَ قد يَعْرِض في حال من الأحوال وذلك إذَا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّم، أو إحدى أخواته: خِفْت وخِفْنَا، والجملةُ من «لَوْ» وجوابها صلةُ «الَّذينَ».

فصل


اختلفوا في المعنيِّ على أقْوَالٍ:
أحدها: أنَّهَا في الرَّجُلِ يحضره الموت فيقول مَنْ في حضرته: انظر لنفسك فَإنَّ أولادك ورثتك لا يغنون عنك من الله شيئاً. قَدِّم لنفسك، أعتِقْ، وتصدَّقْ، وأعْطِ فلاناً كَذَا، وفلاناً كذا، حتَّى يأتي على عامَّة ماله، فنهاهم اللهُ تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه بأن ينظر لولده ولا يزيد في وصيَّتِهِ على الثُّلُثِ فيكون خطاباً للحاضرين عند الميت. فقيل لهم: كما أنَّكم تكرهون بقا أولادكم الضُّعفاء ماله، ومعناه كما أنَّك لا ترضى لنفسك مثل هذا الفعل فلا تَرْضَاهُ لأخيك المسلم.
وثانيها: أنَّهُ خِطَابٌ للمريض بحضرة الموت ويريد الوصيَّة للأجانب، فيقول له من يحضره: اتَّق الله وأمسك مالك على ولدك مع أنَّ القَائِلَ لَهُ يجب أنْ يُوصِيَ لَهُ.
وثالثها: أنَّهُ خِطَابٌ لمن قرب أجله ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصيَّة، لئلا تضيع ورثته بعد مَوْتِهِ، فَإنْ كانت هذه الآية نزلت قبل تَقْدِيرِ الوصيَّة بالثُّلُثِ، كان المرادُ بها ألا يستغرق التركةَ بالوصيَّةِ، وَإن كانت نزلت بعد تقدير الوصيَّة بالثُّلُثِ كان المرادُ منها ألا يوصي أيضاً بالثُّلُث بل ينقص إذا خاف على ذُرِّيته، وهذا مَرْويٌّ عن كثير من الصَّحَابَة.
رابعها: أنَّ هذا خطابٌ لأولياء اليتيم، قال الكَلْبِيُّ: كَأَنَّهُ يقول من كان في حِجْرِهِ فليحسن إليْه بما يجب أن يُفْعَلَ بذريته من بعده.
قال القاضي: وهذا أليقُ بما تَقَدَّمَ وتأخَّرَ من الآيات الواردة في الأيْتَام.
قوله: ﴿فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾.
أي فليتقوا الله في الأمر الذي تقدم ذكره، والاحتياط فيه، وليقولوا قولاً سديداً، والقولُ السديدُ هو العدل والصّواب من القول.
قال الزمخشريُّ: القولُ السَّديدُ من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب ويخاطبونهم: يا بني، ويا ولدي، والقول السّديد من الجالسين
202
إلى المريض أن يقولوا: لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك [مثل قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لِسَعْدٍ] والقول السَّديد من الوَرَثَة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون أن يلطفوا إليهم القول ويخصوهم بالإكرام.
203
قال مقاتل بن حيّان: نزلت في رجل من غَطَفَانَ يقال له مرثدُ بْنُ زَيْدٍ وَلِي مالَ ابن أخيه وهو يتيمٌ صغيرٌ، فَأكَلَهُ فأنزل اللهُ هذه الآية.
قوله: ﴿ظُلْماً﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه مفعول من أجله، وشروط النصب موجودة.
الثاني: أنَّهُ مصدرٌ في محلِّ نَصْب على الحَالِ أي: يأكُلُونَهُ ظالمين والجملة من قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ﴾ هذه الجملة في محل رفع ل «إنَّ»، وفي ذلك خلاف.
قال أبُو حيان: وَحَسَّنَه هنا وقوعُ [اسم] «أن» موصولاً فطال الكلامُ بصلة الموصول فلما تباعد ما بينهما لم يُبَالِ بذلك، وهذا أحْسَنُ من قولك: «إنَّ زيداً إنَّ أبَاهُ منطلق»، ولقائلٍ أن يقول: ليس فيها دلالة على ذلك؛ لأنها مكفوفة ب «ما» ومعناها الحصرُ فصارت مثل قولك، في المعنى: «إنَّ زيداً ما انطلق إلاَّ أبوه» وهو محل نظر.
قوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: انَّهُ مُتَعَلِّقٌ ب ﴿يَأْكُلُونَ﴾ أي: بطونُهم أوْعِيَةٌ للنَّارِ، إمَّا حَقِيقَةً: بأنْ يَخلق اللهُ لهم ناراً يأكلونَهَا في بُطُونِهِم، أوْ مَجَازاً بِأنْ أطْلِقَ المُسَبِّبَ وأرادَ السبب لكونه يُفْضِي إلَيْهِ ويستلزمه، كما يُطْلَقُ اسْمُ أحَدِ المتلازمين على الآخَرِ كقوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
قال القاضِي: وهذا أوْلَى؛ لأن الإشارةَ فيه إلى كُلِّ واحِدٍ.
وَالثَّاني: أنَّهُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّه حال مِنْ «نارا» وكان في الأصل صفة للنكرة فَلَمَّا قُدِّمَتِ انْتَصَبَتْ حَالاً.
وذكر أبُو البَقَاءِ هذا الوجه عن أبِي عَلِيٍّ في «تَذْكِرَتِهِ»، وحكى عنه أنَّهُ منع أنْ يكون ظرفاً ل ﴿يَأْكُلُونَ﴾ فَإنَّهُ قال: ﴿فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ حال من نار، أي: نَارٌ كَائِنَةٌ في بُطُونِهِمْ، وليس بِظَرْفٍ ل ﴿يَأْكُلُونَ﴾ ذكره في التَّذْكِرَةِ «.
إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ
203
فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وفي قوله:» وَالَّذي يَخُصُّ هذا المَوْضِع «فيه نَظَرٌ، فَإنَّهُ كما يجوزُ أن يكونَ ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ حالاً من» نَار «هنا يجوزُ أن يكون حالاً من» النَّار «في البقرة، وفي [إبداء] الفرقِ عُسْرٌ، ولم يظهر [منع أبي عليٍّ كَوْنَ ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ ظرفاًَ للأكْلِ وجه ظاهر فإن قيل: الأكل لا يكون إلا] في البَطْنِ فما فائدةُ قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ ؟.
فالجوابُ أنَّ المرادَ به التَّأكِيدُ والمبالغةُ كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله: ﴿ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦] والقلبُ لا يكونُ إلاَّ في الصَّدْرِ، وقوله: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] والطّيرانُ لا يكون إلاَّ بالنَّجَاحِ.

فصل في جواز الأكل من مال اليتيم


هذه الآيةُ توكيدٌ للوعيدِ المُتَقَدِّمِ لأكل مال اليتيم، وخَصَّ الأكل بالظلم، فأخرج الأكل بغير الظُّلْمِ مثل أكْلِ الوليّ بالمعروف من مال اليتيم، وإلاَّ لم يكن لهذا التَّخصيص فائدة.

فصل في حرمة جميع الإتلافات لمال اليتيم


ذكر تعالى الأكل إلا أنَّ المراد منه كُلّ أنواع الإتلافات فإنَّ ضرر اليتيم لا يختلفُ بأن يكون إتلاف مال بالأكْلِ، أو بطريقٍ آخَرَ، وإنَّمَا ذكر الأكْلَ، وأراد به كُلَّ التَّصرفات المُتْلِفَةِ لِوُجُوهٍ:
أحدها: أنَّ عامَّة أموال اليَتَامَى في ذلك الوقت هو الأنعام الَّتي يؤكل لحومها ويَشْرَبُ ألبانها فخرجَ الكَلاَمُ على عاداتهم.
وثانيها: أنَّهُ جَرَتِ العَادَةُ فيمن أنْفَقَ مَالَهُ في وجوه مراداته خيراً كانت أو شراً أنَّهُ يقال: إنَّهُ أكل ماله.
وثالثها: أنَّ الأكل هو المعظم فما يبتغي من التَّصرفات.
قوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾، قرأ الجمهور بفتح الياء واللام، وابن عامر وأبو بكرٍ بضمِّ اليَاءِ مَبْنِيّاً من الثُّلاَثِيِّ، ويَحْتمل أنْ يكون من أصليٍّ فَلَمَّا بُنِيَ للمفعول قَامَ الأوَّلُ مقام الفَاعِلِ، وابن أبي عبلة بضمهما مبنياً للفاعل الرُّبَاعي، والأصل على
204
هذه القراءة: سَيُصْلون من أصلي مثل يكرمون من أكرم، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت، فالتقى السَّاكنان فَحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ وَضَمُّ ما قبل الواو ليصح و «أصْلَى» يُحتمل أنْ تكون الهمزةُ فيه للدُّخول في الشَّيءِ، فَيَتَعَدَّى لواحدٍ وهو ﴿سَعِيراً﴾، وأن تكون للتَّعدية، فالمفعول محذوف أي: يُصْلَونَ أنفْسهم سعيراً.
وأبو حَيْوَةَ بضم الياء وفتح الصَّادِ واللاَّم مُشَدَّدَة مبنياً للمفعول من صَلَّى مضعفاً.
قال أبُو البَقَاءِ: والتّضعيفُ للتكثير.
والصَّلْي: الإيقاد بالنَّارِ، يقال: صَلِيَ بكذا - بكسر العين - وقوله ﴿لاَ يَصْلاَهَآ﴾ أي: يَصْلَى بها.
وقال الخليلُ: صَلِيَ الكافرُ النَّارَ أي: قَاسَى حَرَّها وصلاه النَّارَ وَأصْلاَهُ غيرهُ، هكذا قال الرَّاغِبُ. وظاهرُ العِبَارَةِ أنَّ فَعِلَ وَأفْعَل [بمعنى]، يتعدَّيان إلى اثنين ثانيهما بحرفِ الجرِّ، وقد يُحْذَف.
وقال غيره: «صَلِيَ بالنَّارِ أي: تَسَخَّنَ بقربها» ف ﴿سَعِيراً﴾ على هذا منصوبٌ على إسقاط الخَافض. وَيَدُلُّ على أنَّ أصْلَ «يَصْلاها» يَصْلَى بها قول الشاعر: [الطويل]
١٧٦٣ - إذَا أوْقَدُوا نَاراً لِحَرْبِ عَدُوِّهِمْ فَقَدْ خَابَ مَنْ يَصْلى بِهَا وَسَعِيرِهَا
وقيل: صَلَيْتُه النَّارَ: أدْنَيْتُه منها، فيجوزُ أنْ يكونَ منصوباً مِنْ غير إسقاطِ خافضٍ.
قال الفرَّاءُ: الصلى: اسم الوقود وهو الصّلاء إذا كسرت مدّت، وإذا فتحت قُصِرَتْ، ومن ضَمِّ الياء فهو من قولهم: أصْلاَهُ الله حَرَّ النَّار إصلاء، قال: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ [النساء: ٣٠] وقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦].
وقال أبو زَيْدٍ: يقال: صَلِيَ الرَّجلُ النَّارَ يَصْلاَهَا صَلًى وصلاءً، وهُوَ صَالِي النَّارِ، وقوم صالون وصلاء، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم﴾ [الصافات: ١٦٣] وقال: ﴿أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ [مريم: ٧٠] والسّعير في الأصل الجمر المشتعل، وسَعَرْتُ النَّارَ أوقدتها، ومنه: مُسْعِرُ حَرْبٍ، على التشبيه، والمِسْعَرُ: الآلةُ الَّتي تُحَرَّكُ بها النَّارُ.

فصل


روي أنَّهُ لما أنزلت هذه الآية ثقل ذلك على النَّاسِ فاحترزوا عن مخالطة اليتامى
205
بالكليَّةِ، فصعب الأمر على اليتامى، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وزعم بعضهم أنَّ هذه الآية صارت منسوخة بتلك وهو بعيد؛ لأنَّ هذه الآية في المنع من الظُّلْمِ وهذا لا يصير منسوخاً، بل المقصود أنَّ مخالطة أموال اليتامى إن كان على وجه الظُّلْم فهو إثم عظيم كما في هذه الآية، وَإنْ كان على وجه الإحسان والتّربية فهو من أعظم [أبواب] البرّ، لقوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
206
في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان:
الأوَّلُ: أنَّهُ تعالى لَمَّا بَيَّن الحكم في مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بَيَّنَ في هذه الآية كيفية تملك الأيتام المال بالإرث.
الثَّاني: أنَّهُ لمَّا بين حكم الميراث مجملاً في قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ فذكر هنا تفصيل ذلك المجمل.

فصل


اعلم أنَّ الوراثة كانت في الجاهليَّةِ بالذُّكورة والقوَة، وكانوا يورثون الرّجال دون النِّسَاء والصّبيان، فأبطل الله ذلك بقوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] الآية. وكانت أيضاً في الجاهليَّة وابتداء الإسلام بالمخالطة، قال تعالى: ﴿والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣].
ثم صارت الوراثة بالهجرة، قال تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] فنسخ اللهُ ذلك كله بقوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: ٧٥] وصارت الوراثة بأحد الأمور الثَّلاثة: النّسب، أو النكاح، أو الولاء.
وقيل: كانت الوراثة أيضاً بالتَّبنِّي، فإنَّ الرَّجل منهم كان يتبنَّى ابنَ غَيْره فَيُنْسَبُ إليه دون أبيه من النَّسب فيرثه، وهو نوع من المعاهدة المتقدِّمَةِ، وكذلك بالمؤاخَاةِ.
وقال بعض العلماء: لم ينسخ شيء من ذلك بل قررهم الله عليه فقوله: {وَلِكُلٍّ
206
جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} [النساء: ٣٣] [ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة] والنصيحة وحسن المعاشرة.

فصل: سبب نزول الآية


روى عطاء قال: استشهد سعدُ بْنُ الرَّبِيع النَّقيب، وترك ابنتين وامرأة وأخاً، فأخذ الأخ المال كُلَّهُ، فأتت المرأةُ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالت: يا رسول اللهِ هاتان ابنتا سَعْدٍ، وإن سعداً قتل، وأن عمهما أخذ مالهما، فقال عليه السلام: «ارجعي فَلَعَلَّ اللهَ سَيَقْضِي [فيه] » ثم إنها عادت إليه بعد مدة وبكت، فأنزل الله هذه الآية، فدعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عمَّهما، وقال له: «أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقي فَهُوَ لَكَ» فهذا أوَّلُ ميراث قُسِّمَ في الإسلام.
وقال مقاتلٌ والكَلْبِيُّ: ننزل في أم كُحَّة امرأة أوس بْنِ ثَابتٍ وبناته.
وروى جابر قال: جاء رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأنا مريض لا أعقِلُ فتوضّأ فَصَبَّ عَلَيَّ من وضوئه فقلتُ: يا رسول الله لمن المِيرَاثُ، وَإنَّمَا يرثُنِي كَلاَلَةٌ فنزلت آية الفرائض.

فصل


قال القَفَّالُ: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ أي: يقول لكم قولاً يوصلكم إلى إيفاءِ حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الإيصاء هو الإيصَالُ يقال:
207
وصى يصي إذا وَصَلَ، فإذا قيل: أوصاني، فمعناه: أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وَصَّى وهو على المبالغة.
وقال الزَّجَّاج: معنى قوله هاهنا ﴿يُوصِيكُمُ﴾ أي: يَفْرِضُ عليكم؛ لأنَّ الوصية مِنَ الله إيجابٌ لقوله بعد نَصِّه على المحرمات
﴿ذلكم
وَصَّاكُمْ بِهِ﴾
[الأنعام: ١٥١].
وقرأ الحسن وأبي عبلة ﴿يُوصِيكُمُ﴾ بالتَّشديد، وقد تَقَدَّمَ أنَّ أوْصَى ووصَّى لغتان.
قوله: ﴿في أَوْلاَدِكُمْ﴾ قيل: ثَمَّ مضاف محذوف أي: في أولاد موتاكم.
قالوا: لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخَاطِبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولاده، ويُفْرَضَ عليه ذلك.
وقال بعضهم: إن قلنا إنَّ معنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ «يبين لكم» لم يحتج إلى هذا التقدير، وقَدَّر بَعْضُهُم قبل: ﴿أَوْلاَدِكُمْ﴾ مضافاً، أي: في شأن أولادكم، أو في أمر أولادكم.
قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ﴾ هذه الجملة من مبتدأ وخبر، يُحْتَمل أن تكونَ في محلِّ نَصْبٍ ب «يوصي» ؛ لأنَّ المعنى: يَفْرِضُ لكم، أو يُشَرِّع في أوْلادَكُمْ، كذا قاله أبُو البَقَاءِ، وهذا يقرب من مذهب الفرَّاء، فإنَّهُ يُجْرٍي ما كان بمعنى القول مُجْراه في حكاية الجملِ، فالجملةُ في موضع نَصْب ب «يوصيكم».
وقال مَكِّيٌّ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ﴾ ابتداءُ وخبر في موضع نصب تَبْيينٌ لِلْوَصِيَّةِ وَتَفْسِيرٌ لَهَا.
وقال الكِسَائِيُّ: «ارتفع» مثل «على حذف» أنَّ «تقديره: أنَّ للذكرِ مثلُ حظّ، وبه قرأ ابن ابيب عبلة، ويحتمل ألاَّ يكون لها محلٌّ من الإعراب، بل جيء بها للبيان والتَّفسير فهي جُملةٌ مفسِّرةٌ للوصيَّةِ، وهذا أحسن وجار على مذهب البصريين، وهو ظاهر عبارة الزمخشريِّ، فَإنَّهُ قال: وهذا إجمالٌ تفصيلُه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾.
وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ﴾ لا بُدَّ من ضمير يعود على ﴿أَوْلاَدِكُمْ﴾ من هذه الجملة، فيحتمل أن يكون مجذوفاً أي: للذكر منهم نحو:»
السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم «قاله الزمخشريُّ، ويحتمل أن يكون قام مقام الألف واللام عند مَنْ يرى ذلك، والأصل: لذكرهم و» مثل «صفة لموصوفٍ محذوفٍ أي: للذَّكَر منهم حَظٌّ مثلُ حَظِّ الأنثيين.
فإن قيل: لا يقال في اللُّغَةِ: أوصيك لكذا، فكيف قال هنا: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ ؟.
فالجوابُ: أنَّهُ لما كانت الوصية قولاً، فلهذا قال بعد قوله: ﴿يُوصِيكُمُ الله﴾ قولاً
208
مستأنفاً وهو قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩] أي: قال لهم مغفرة؛ لأن الوعد قولٌ.

فصل


اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأوْلاَدِ؛ لأنَّ تعلُّق الإنسان بولده أشدّ التّعلقات، وللأولاد حال من انفراد وحال اجتماع مع الوالدين.
فحال الانفراد [ثلاثة] إمَّا أن يَكُونُوا ذكوراً وإناثاً، أو ذكوراً فقط، أو إناثاً فقط، فإنْ كانوا ذكوراً وإناثاً فقد بَيَّنَ اللهُ تعالى حكمهم بقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ فبين تعالى أن للذكر مثل ما للأنثى مرتين.
قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ الضمير في» كُنَّ «يعودُ على الإناثِ اللاَّتي شَمَلَهُنَّ قوله: ﴿في أَوْلاَدِكُمْ﴾.
فإنَّ التَّقدير: في أولادكم الذُّكور والإناث، فعادَ الضَّمِيرُ على أحد قِسمي الأولادِ، وإذا عاد الضَّمِيرُ على جمع التكسير العاقل المراد به مَحْضَ الذُّكور، وفي قوله عليه السَّلام
«ورب الشياطين ومن أضللن»
لعوده على جماعة الإناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسير المشتمل على الإناث بطريق الأوْلى [والأحرى]، وهذا معنى قول أبي حيَّان: وفيه نَظَرٌ لأن عوده هناك كضمير الإناث إنما كان لمعنى مفقودٍ هنا وهو طلب المشاكلة لأنَّ قبله «اللهم رب السموات ومن أضللن الأرضين وما أقللن» ذَكَر ذلك النحويون.
وقيل: الضَّمير يعود على المتروكات أي: فإن كانت المتروكات، وَدَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبُو البقاء ومكيٌّ وقدَّره الزمخشريُّ: فإنْ كانت البنات أو المولودات.
فإذا تقرر هذا ف «كُنَّ» كان واسمُها و «نسَاءٌ» خبرها، و «فوق اثنتين» ظرف في فائدةٌ، ألا ترى أنَّه لو قيل: «إنْ كان الزيدون رجالاً كان كذا» لم يَكُنْ فيه فائدةٌ.
وأجاز الزَّمخشريُّ في هذه الآية وَجْهين غريبين:
أحدهما: أن يكون الضمير في «كُنَّ» ضميراً مبهماً، و «نساء» منصوبٌ على أنَّهُ تفسيرٌ له يعني: تمييزاً، وكذلك قال في الضَّمِير الَّذي في «كَانَتْ» من قوله: {وَإِن كَانَتْ
209
وَاحِدَةً} على أنَّ «كن» تَامَّةٌ. والوجه الآخر: أن يكون «فوق اثنتين» خبراً ثانياً ل «كُنَّ» وَرَدَّهما عليه أبو حيّان: أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ «كانَ» ليْسَتْ من الأفعالِ الَّتي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بَعْدَهُ بل هذا مختصٌّ من الأفعال ب «نعم» و «بئس» وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا وبَابُ التنازع عند إعْمَالِ الثاني، فَلِمَا تَقَّدَمَ من الاحتياج إلى هذه الصفةِ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أنْ تَسْتَقِلَّ به فَائِدةُ الإسناد، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لو اقتصر على قوله «فإن كن نساء» لم يُفِدْ شيئاً؛ لأنَّهُ مَعْلُومٌ.
قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قرأ الجمهور «ثلُثا» بضمِّ اللام، وهي لغة الحجاز وبني أسد.
قال النَّحَّاسُ: من الثُّلث إلى العشر.
وقرأ الحسن ونعيمُ بن ميسرةَ «ثُلْثا» و «الثُّلْثُ» و «النِّصْفُ» و «الرُّبْع» و «الثُّمْنُ» كلُّ ذلك بإسكان الوسط.
وقال الزَّجَّاجُ: هي لغة واحدة، والسُّكونُ تخفيف.

فصل


بَيَّنَ في هذه الآية ما إذا كانوا إناثاً فقط، فقال: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف﴾، إلا أنَّه تعالى لم يَبيِّن حُكْمَ الْبِنْتَين تصريحاً، واختلفوا فيه: فعن ابن عبَّاسٍ أنَّهُ قال: الثُّلثان فرض الثلاث من البنات فصاعداً، وأمَّا فرض البنتين فهو النّصف؛ لهذه الآية؛ لأنَّ لفظة «إن» في اللُّغة للاشتراط، وذلك يدلُّ على أن أخذ الثُّلثي مشروطاً بكونهن فوق الاثنتين وهو الثلاث فصاعداً.
والجواب من وجوه:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف﴾ فجعل حصول النّصف مشروطاً بكونها واحدةً، وذلك ينفي حصول النّصف نصيباً للبنتين وقد جعل النّصف نصيبَ البنتين، فهذا لازم لَهُ.
الثَّاني: لا نُسَلِّمُ أنَّ كلمة «إن» تَدُلُّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، لأنَّهُ لو كان الآمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين؛ لأن الإجماع دَلًّ على أنَّ نَصِيبَ البنتين إمَّا النِّصْفُ، وإمَّا الثُّلثان، وبتقدير أن تكون كلمة «إن» للاشتراط وجب القول بفسادهما،
210
فثبت أنَّ القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فيكون باطلاً ولأنَّهُ تعالى قال: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات.
الثَّالث: أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير: فإن كُنَّ نِسَاءً اثنتين فما فَوْقَهُمَا فلهن الثُّلثان.
وَأمَّا سَائِرُ الأمَّةِ، فأجمعوا على أنَّ فرض البنتين الثلثان.
قال أبو مسلم الأصفهاني: عرفناه من قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ فإذا كان نصيب الذكر مثل حظ الأنثيين، ونصيبُ الذكر هاهنا الثُّلثان وجل لا محالةَ أن يكون نصيب البنتين الثلثين.
وقال أبو بكر الرَّازي: إذا مات وخلف ابناً وبنتاً فهاهنا نصيب البنتِ الثّلث لقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذّكر هو الثُّلث، فأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى؛ لأنَّ الذكر أقوى من الأنْثَى، وإذا كان حظ البنتين أزيد من حظ الواحدة، وَجَبَ أن يكون ذلك هو الثُّلثان؛ لأنَّهُ لا قائل بالفرق، وأيضاً فلما ذكرنا من سبب النُّزول أنه عليه السلاَّم أعطى بنتي سعد بن الرَّبيع الثّلثين، ولأنَّه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم البنتين، وقال في ميراث الأخوات ﴿إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فذكر ميراث الأخت والأختين، ولم يذكر ميراث الكثير فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مُجْمَلاً من وجه ومبيناً من وجه، فنقول: لما كان نصيبُ الأخوات الكثيرة على ذلك؛ لأنَّ البنت لَمَّا كانت أشد اتِّصالاً بالميت؛ امتنع جعل الأضعف زائداً على الأقْوَى.
وأما القسم الثَّالِثُ: وهو أن يكون الأولاد ذكوراً فقط، فللواحد المنفرد أخذ المال كلّه، لقوله تعالى ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ ثم قال في البنات ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف﴾ فلزم من مجموع الآيتين أن نصيب الابن المنفرد جميع المال، وقال عليه السَّلام: «ما أبْقَتِ السِّهَامُ فللأوْلَى عَصَبةٍ ذَكَرٍ» وَإذَا أخَذَ كل ما يبقى بعد السِّهَام، وجب أن يأخذ الكلَّ إذا لم يكن سهام.
211
فإن قيل: حظُّ الأنثيين الثُّلثان فقوله ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ يقتضي أن يكون حظُّ الذَكر مطلقاً هو الثُّلث، وذلك ينفي أن يأخذ المال كله.
فالجوابُ: أنَّ المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد؛ لأن قوله ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ يقتضي حصول الأولاد، وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ يقتضي حصول الذكر والأنثى هناك، هذا كلُّهَ إذا كان ابناً واحداً فقط، فلو كان أكثر من واحد تشاركوا في جهة الاستحقاق؛ ولا رجحان، فوجب قسم المال بينهم بالسَّويَّةِ، والله أعلم.
فإن قيل: إنَّ المرأة أكثر عجزاً من الرجل، وأقل اقتداراً من الرَّجُل لعجزها عن الخروج والبروز، فإنَّ زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك، ولنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها، وإذا ثبت أنَّ عجزها أكمل، وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فإن لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، فما الحكمة في أنَّه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل؟.
فالجواب: لأن خرج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عليها وخرج الرَّجل أكثر، لأنَّهُ هو المنفق على زوجته ومن كان خرجه أكثر فهو إلى المال أحوج؛ ولأنَّ الرَّجُلَ أكملُ حالاً من المرأة في الخلقةِ وفي العقل والمناصب الدينيَّة، مثل صلاحية القضاء والإمامة، وأيضاً شهادة المرأة نِصْفُ شهادة الرَّجُلِ، ومن كان كذلك؛ وجب أن يكون الإنعام إليه أكثر؛ ولأنَّ المرأة قليلةُ العقل كثيرةُ الشَّهْوَةِ، فإذا انضاف إليها المال الكثير عظم الفسادُ، ولهذا قال الشَّاعرُ: [الرجز]
١٧٦٤ - إنَّ الفَرَاغَ وَالشَّبَابِ وَالْجِدْه مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهُ
وروي أنَّ جعفر الصادق سُئِلَ عن هذه الآية فقال: «إنَّ حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم، فلما جعلت نصيبها ضعف نصيب الرجل أقلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصفَ نصيب الرَّجل».
فإن قيل: لِمَ لم يَقُل للأنثيين مثل حظ الذَّكر، أو للأنقى مثلاً حظ الذَّكر؟
فالجواب أنَّه لمَّا كان الذَّكر أفضل من الأنثى قدَّمَ ذِكْرَهُ على كر الأنثى كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى، ولأنَّ قوله ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ يدلُّ على فضل الذكر بالمطابقة، وعلى نقص الأنثى بالالتزام، ولو قال كما ذكرتم لَدَلَّ على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذَّكر بالالتزام، فرجح الطرف الأوَّل تنبيهاً على أنَّ السَّعي
212
في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحاً على السعي في تشهير الرَّذائل، ولهذا قال ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] فذكر الإحسان مرتين والإساءة مرَّة واحدة، وأيضاً فلأنهم كانوا يورثون دون الإناث، وهو سبب نزول الآية، فقيل: كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى فلا ينبغي أن يطمع في حِرْمَانِ الأنْثَى بالكليَّةِ.
فإن قيل: قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ جمع، وأقلُّ الجمع ثلاثة فما فائدة قوله: ﴿فَوْقَ اثنتين﴾ ؟.
فالجواب: للتأكيد كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾
[النساء: ١٠] وقوله: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١].

فصل


اسم الولد يقع على ولد الصّلب حقيقة، وهل يستعمل في ولد الابن حقيقة أو مجازاً؟ خلاف.
فإن قلنا: إنَّهُ مجاز، فنقول: ثَبتَ في أصول الفقه أنَّ اللَّفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل دفعةً واحدةً في حقيقته وفي مجازه معاً، فحينئذ يمتنع أنْ يكون المراد بقوله ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ ولد الصّلب، وولد الابن معاً، ويُدْفَعُ هذا الإشكال بأن يقال: إنَّا لا نَسْتَفِيدُ حُكْمَ ولد الابن من هذه الآية، [بل] من دليل آخر، وذلك أن أولاد الابن لا يرثون إلا عند عدم الولد، وإذا لم يستغرق ولد الصّلب كلِّ الميراث، وإن ثبت أنَّه حقيقة فيهما فيكون مشتركاً بينهما فيعود الإشكال، لإنَّه ثبت أنَّهُ لا يجوزُ استعمال اللَّفظ المشترك لإفادة معينية معاً، بل الوَاجِبُ أنَّ اللفظ يكون متواطئاً فيهما كالحيوان بالنِّسبةِ إلى الإنسان، والفرص، [والذي] يدلّ على صحَّةِ ذلك قوله ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وأجمعوا على أنه يدخل فيه ابن الصّلب، وأولاد الابن، فعلمنا أنَّ لفظ الابن يتواطأ بالنسبة إلى ولد الصّلب وولد الابن والجدّات. وقد وقع ذلك في قوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] والأظهر أنَّهُ ليس على سبيل الحقيقة، فإن الصَّحَابَةِ اتَّفقوا على أنه ليس للجدّ حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب يتناول الجد لما صحَّ ذلك.

فصل


قالوا إن عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ مخصوص بأربع صور:
213
أحدها: لا يتوارث الحرّ والعبد.
وثانيها: أنه إذا قتل مورثه عمداً لا يرث.
وثالثها: اختلاف الدّين.
ورابعها: أنَّ الأنبياء عليهم السَّلام لا يورثون، وروي أنَّ فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لما طلبت الميراث ومنعوها، احتجَّوا عليها بقوله عليه السلام: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاء لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة» فعند هذا أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخير الواحد.
وقوله: «وإن كانت واحدة» قرأ نافع «وَاحِدَةٌ» رفعاً على أن «كَانَ» تامة أي: وإن وُجِدَتْ واحدةٌ، والباقون «واحدة» نصباً على أن «كَانَ» ناقصة واسمُها مستتر فيها يعودُ على الوارثة أو المتروكة و «واحدة» نَصْبٌ على خبر «كان»، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الزَّمَخشريَّ أجاز أن يكون في «كان» ضمير مبهمٌ مفسَّر بالمنصوبِ بعد. وقرأ السُّلمي: «النُّصف» بضم النون، وهي قراءةُ عليِّ وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة في قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ويعني: كون البنت الواحدة لها النّصف؛ لأن الابن الواحد له جميع المال إذا انفرد، فكذلك البنت إذا انفردت لها نصف ما للذكر إذا انفرد؛ لأنَّ الذَّكر له مثل حظ الأنثيين.
قوله: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس﴾.
﴿السدس﴾ مبتدأ و ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ خبرٌ مقدَّمٌ، و ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ﴾ بدل من ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾، وهذا نص الزمخشريِّ فإنَّه قال: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ بدل من ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ بتكرير العامل، وفائدة هذا البدل أنَّهُ لو قيل: «ولأبويه السدس» لكان ظاهرةُ اشتراكهما فيه، ولو قيل: «لأبويه السدسان» لأوْهَمَ قِسْمَةَ السدسين عليهما بالسويةِ وعلى خلافهما.
فإن قُلْتَ: فهلا قيل: «ولكل واحد من أبويه السدس» وأيُّ فائدةٍ في ذكر الأبوين أولا ثم في الإبدال منهما؟.
قلت: لأنًّ في الإبدال والتفصيل بَعْدَ الإجمال تأكيداً وتشديداً كالذي تراه في الجمع بين المفسَّر والتفسير.
و ﴿السدس﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لأَبَوَيْهِ﴾ والبدلُ متوسط بينهما للبيان. انتهى.
214
ونَاقَشَهُ أبو حيان فِي جَعْلِهِ ﴿لأَبَوَيْهِ﴾ الخبر دون قوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ﴾ قال: «لأنه ينبغي أن يكون البدل هو الخبر دونَ المبدل منه» يعني: أنَّ البدل هو المعتمد عليه، والمبدل منه صار في حكم المُطَّرح، ونَظَّره بقولك: «إنَّ زيداً عينهُ حسنةٌ» فكما أنَّ «حَسَنَةٌ» خبر عن «عينه» دون «زيد» في حكم المُطَّرح فكذلك هذا، ونَظَّره أيضاً بقولك: [أبواك لكل واحد منهما يصنع كذا ف «يصنع» خبر عن كل واحد منهما.
ولو قلت: «أبواك كُلُّ واحدٍ منهما يصنع كذا» لَمْ يَجُزْ.
وفي هذه المناقشة نَظَرٌ، لأنه إذا قيل لك: ما مَحَلُّ لأبويه من الإعراب؟ تُضطر إلى أن تقول: في مَحَلِّ رفع خبراً مقدماً، ولكنه نقل نسبة الخيريّة إلى ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ دون ﴿لأَبَوَيْهِ﴾ قال: وقال بعضهم: ﴿السدس﴾ رفع بالابتداء، و ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ﴾ الخبرُ و ﴿لِكُلِّ﴾ بَدَلٌ من الأبوين، و «منهما» نعت لواحد، وهذا البدلُ هو بدلُ بعضِ من كُلِّ، ولذلك أتَى معه بالضَّمير، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ بدلُ شيءٍ من شيْءٍ وهما لعين واحدةٍ لجوازِ أبواك يَصْنعان كذا وامتناع أبواك كل وتجد منهما يصنعان كذا، بل تقول: يصنع. انتهى.
والضَّمير في «لأبويه» عائد على ما عاد عليه الضَّمير في «ترك»، وهو الميتُ المدلولُ عليه بقوة الكلام، والتثنية في «أبويه» من التَّغليب، والأصل: لأبيه وأمه وَإِنَّما غَلَّبَ المذكر على المؤنث كقولهم: «القمران، والعمران» وهي تثنية لا تنقاس.

فصل


إذا كان مع الأبوين ولد أو أكثر كان لِكُلِّ واحد منهما السُّدس وسوى اللهُ بين الأب والأمّ في هذا الموضع؛ لأنَّ الأبَ وإن كان يستوجب التفضيل لما كان ينفقه على الابن، وبنصرته له والذب عنه صغيراً، فالأم أيضاً حملته كُرهاً ووضعته كُرْهاً؛ وكان بطنها له وعاءً، وثديها له سقاء، وحِجْرُهَا له فناء فتكافأت الحجتان، فلذلك سوَّى بينهما، فإن كانت بنتاً واحدةً وبنت ابن فللبنت النصف وللأمِّ السُّدس وللأب ما بقي، وهو الثلثُ [نصف بفرضه، وهو السُّدس] وباقيه بالتَّعصيب فإن قيل: حقُّ الأبوين على الإنسان أعظمُ من حقِّ ولده عليه، لأنَّ الله تعالى قرن طاعته بطاعتهما فما الحِكْمَةُ في جَعْلِ نصيب الأولادِ أكبر؟.
فالجواب: أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلاّ القليل، فكان احتياجهما إلى المال قَلِيلاً، وأمَّا الأولاد فهم في زمن الصِّبا، فكان احتياجهم إلى المال أكثر [فظهر الفرق].
215
قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث﴾
قرأ الجمهور ﴿فَلأُمِّهِ﴾ وقوله: ﴿في أُمِّ الكتاب﴾ [الزخرف: ٤].
وقوله: ﴿حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا﴾ في القصص [آية: ٥٩].
وقوله: ﴿مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النحل: ٧٨].
وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] و ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] بضم الهمزة من «أمّ» وهو الأصلُ.
وقرأ حمزة والكسائيُّ جميعَ ذلك بكسر الهمزة.
وانفرد حمزة بزيادة كسر الميم من «إمِّهات» فإنَّهُ لا خلاف في ضَمِّها.
أمَّا وجهُ قراءة الجمهور فظاهرٌ، لأنَّهُ الأصل كما تَقَدَّمَ.
وَأمَّا قراءة حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا: لمناسبة الكسرة أو الياء الّتي قبل الهمزة، فكسرت الهمزةُ إتباعاً لما قَبْلَها، ولاستثقالهم الخروج من كَسْرِ أو شبه إلى ضم.
قال الزَّجَّاجُ: وليس في كلام العرب «فِعُل» بكسر الفاء وضمِّ العين، فلا جَرَمَ جُعِلَتْ الضمةُ كسرةً، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزة ضَمَّاها لزوال الكسر أو الياء، وأمَّا كسر حمزة الميم من «إمَّهات» في المواضع المذكورة فللإتْبَاع، أتبعَ حركة الميم لحركةِ الهمزةِ، فكسرةُ الميم تَبَعُ التَّبَع، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميم؛ لما تقدَّمَ من زوال موجب ذلك.
وكَسْرُ همزة «أم» بعد الكسرة أو الياء حكاه سببويْهِ لُغَةً عن العرب، ونَسَبَها الكِسائِي والفرَّاء إلى «هوازن» و «هذيل».

فصل


ذكر ها هنا أنَّ الأبوين إذا لم يكن معهما وَارِثٌ غَيرُهُمَا، فإنَّ الأم تأخذ الثُّلث، ويأخذ الأبُ ما بقي وهو الثُّلثان، وإذا ثبت أنَّهُ يأخذُ الباقي بالتَّعْصِيبِ، وجب أن يأخذ المال كُلَّهُ إذا انفرد؛ لأنَّ هذا شأن التَّعصيب، فإن كان مع الأبوين أحد الزَّوجين، فذهب أكثر الصَّحَابة إلى أنَّ الزَّوْجَ يأخذ فَرْضَهُ، ثم تأخذ الأم ثُلْثَ ما بقي، ويأخذ الأب ما بقي.
216
وقال ابن عباس: يأخذ الزوج فَرْضَهُ، وتأخذ الأم الثلث كاملاً، ويأخذ الأب ما بقي.
وقال: لا أجد في كتاب اللهِ - تعالى - ثلث ما بقي.
وعن ابن سيرينَ أنَّهُ وافق ابن عبَّاس في الزَّوْجَة والأبوين، وخَالَفَهُ في الزَّوْجِ والأبوين، لأنَّهُ يُفْضِي إلى أن يكون للأنثى مثل حَظِّ الذكرين.
وَأمَّا الزَّوْجَةُ، فلا يفضي إلى ذلك.
وحجَّةُ الجمهور أنَّ قاعدة الميراث متى اجتمع ذكر وأنثى من جنس واحد، كان للذَّكَرِ مثل حَظِّ الأنثيين، كالأبوين مع البنت، والأخ مع الأخت، وابن الابن مع بنت الابن، والأم مع الأب كذلك إذا لم يكن للميِّتِ وارث سواهما كما تَقَدَّمَ.
وإن كان كذلك، فإنَّ الزَّوْجَ يأخذ نصيبه، ويقسَّمُ الباقي بين الأبوين للذَّكر مثل حظ الأنثيين؛ ولأن الزَّوج يأخذ نصيبه بحكم عَقْدِ النِّكَاحِ لا بحكم القرابة، فأشبه الوصيَّة في قسمة الباقي.
وأيضاً فإنَّ الزَّوْجَ إذا أخذ النصف، فلو دفعنا ثلث جميع المال للأم والسدس إلى الأب، يلزم منه أن يكون للأنثى مثل حظِّ الذكرين، وهذا خلاف قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾.
قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس﴾.
«إخوة» أعم من أن يكونوا ذكورا أو إناثاً، أو بعضهم ذكورا وبعضهم إناثاً، ويكون هذا من باب التغليب، وزعم قومٌ أن الإخوة خاصٌّ بالذُّكور، وأنَّ الأخوات لا يَحْجُبْنَ الأم من الثُّلثِ إلى السُّدس، فقالوا: لأن «إخوة» جمع «أخ»، والجمهور على أنَّ الإخوة وإن كانوا بلفظ الجمع يقعون على الاثنين، فيحجب الأخوان أيضاً الأم من الثُّلث إلى السُّدس خلافاً لابن عبَّاسٍ، فإنَّهُ لا يحجبُ بهما والظاهر معه.
روي أنَّ ابن عباس قال لعثمان بِمَ صار الأخوان يَرُدّان الأم من الثُّلث إلى السُّدس، وَإنَّمَا قال الله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لِسان قومك ليس بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيعُ أنْ أرُدَّ قضاءً قُضِيَ به قبلي، ومضى في الأمصار.
وهذه المسألة مبنيَّةٌ على أنَّ أقل الجمع ثلاثة، والموجب لذلك هو القياس يخص هذه المسألة بأنَّ الأختين ميراثهما ميراث الثَّلاث، كما أنَّ ميراث البنتين مثل ميراث الثلاثة
217
فكذلك نصيبُ الأختين من الأمِّ مثل نصيب الثلاثة، وإذا كان كذلك؛ وجب أن يَحْصُلَ الحَجْبُ بالأختين، وإذا وجب الحَجْبُ بالأختين لزم ثبوته في الأخوين؛ لأنَّهُ لا قَائِلَ بالفرق [فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع وفيه إشكال لأن] إجراء القياس في التقديرات صعب لأنَّهُ غير معقول، فيمونُ ذلك مجرَّدُ تشبيه من غير جامعٍ.
فالجوابُ أن يقال: لا يُتَمَسَّكُ به على طريقة القياس بل على طريقة الاستقراء، لأنَّ الكثرة أمارة العموم.

فصل


[والأخوة] إذا حجبوا الأم من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، فلا يرثون مع الأب شيئاً [ألبتة] بل يأخذ الأب باقي المال، وهو خمسة أسْدَاسٍ، سدس بالفرض، والباقي بالتَّعصيب، وقال ابن عبَّاسٍ: الإخوة يأخذون السُّدُسَ الذي حجبوا الأم عنه، وما بقي فللأب، وحجته الاستقراء دَلَّ على أن مَنْ لا يرث لا يحجب، فهؤلاء الإخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا، وهذا يختص بالإخوة للأم إذا اجتمعوا مع الأبوين فإنَّهُمْ يحجبون الأم من الثُّلث إلى السُّدس، ولا يرثون شيئاً؛ لأن الأب يسقطهم.
قوله: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّهُ متعلقٌ بما تقدمه من قسمة المواريث كُلِّهَا لا بما يليه وحده، كأنَّهُ قيل: قسمةُ هذه الأنصباء من بعد وصية قاله الزَّمَخْشَرِيُّ، يعني أنه متعلِّقٌ بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ الله﴾ وما بعده.
والثاني: قاله أبُو حيَّان أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: يَسْتَحِقُّون ذلك كما فُصِّلَ من بعد وصية.
[والثالث: أنَّهُ حال من السُّدس، تقديره: مستحقاً من بعد وصيَّة]، والعاملُ الظرفُ قاله أبُو البَقَاءِ، وَجَوَّزَ فيه وَجْهاً آخر، قال: [ويجوزُ أن يكون ظرفاً] أي: يستقر لهم ذلك بعد إخراج الوصيّةِ، ولا بُدَّ من تقدير حذف المضاف لأنَّ الوصيَّةَ هنا المالُ المُوصَى به، وقد تكون «الوصيَّةُ» مَصْدراً مثل «الفريضة»، وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وَجْهٌ.
وقوله: والعاملُ الظَّرف، يعني بالظَّرف: الجارَّ والمجرور في قوله تعالى: ﴿فَلأُمِّهِ السدس﴾ فإنه شبيه بالظرفية، وعمل في الحال لما تضمنه من الفعل لوقوعه خبراً،
218
و «يوصي» فعل مضارع المرادُ به المضمر، أي: وصية أوْصَى بها و «بها» متعلق به، والجملة في محلِّ جَرِّ صفةً ل «وصية».
وقرأ ابنُ كثير وابنُ عامرٍ وأبُو بكرٍ «يُوصَى» مبنيّاً للمفعول في الموضعين، ووافقهم حفص في الأخير، والباقون مبنياً للفاعل.
وقُرِئَ شاذاً «يُوصَّى» بالتشديد مبنياً للمفعول، ف «بها» في قراءة البناء للفاعل في مَحَلِّ نصب، وفي قراءة البناء للمفعول في مَحَلِّ رفعٍ لقيامه مقامَ الفاعل.
قوله: «أو دين»، «أو» هنا لأحدِ الشيئين، قال أبو البقاء: «وَلا تَدُلُّ على ترتيب، إذْ لا فرقَ بين قولك:» جاءني زيد أو عمرو «، وبين قولك:» جاءني عمرو أو زيد «؛ لأنَّ» أو «لأحد الشيئين، والواحدُ لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قولُ مَنْ قَالَ:» من بعد دين أو وصية «وإنَّمَا يَقَعُ الترتيبُ فيما إذا اجتمعا، فَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ على الوصيَّةِ».
وقال الزَّمخشريُّ: «فإنْ قُلْتَ: فما معنى أو؟ قلت: معناها الإباحةُ، وأنَّهُ إن كان أحدهما، أو كلاهما قُدِّمَ على قِسْمَةِ الميراثِ، كقولك:» جالس الحسنَ أو ابن سيرين «، فإن قلت: لم قُدِّمَتِ الوصيّة على الدَّيْنِ والدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عليها في الشَّريعةِ؟.
قلت: لما كانت الوصيّةُ مُشْبهَةً للميراثِ في كونِها مَأخوذةً مِنْ غير عوضٍ، كان إخراجُها مِمَّا يَشُقُّ على الورَثةِ، بخلاف الدَّيْن، فإن نفوسهم مطمئنَّةٌ إلى أدائه، فلذلك قُدِّمَتْ على الدَّيْنِ بَعْثاً على وجوبها، والمسارعة إلى إخراجها مع الدَّيْنِ، ولذلك جيءَ بكلمةِ»
أو «للتَّسْوِيَةِ بينهما في الوجوب». وقال ابن الخَطِيبِ: إنَّ كلمة «أو» إذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو، كقوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] فكانت «أو» هاهنا بمعنى الواو، وكذلك قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال: إلاّ أن يكون هناك وَصِية أوْ دين فيكون المراد بعدهما جميعاً.
قوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿لاَ تَدْرُونَ﴾ وما في حَيِّزه في محلِّ الرفع خبراً له.
و ﴿أَيُّهُمْ﴾ فيه وجهان:
219
أشهرهُمَا: [عند المعربين] أني كونَ ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأ وهو اسم استفهام، و «أقربُ» خَبَرُهُ، والجملة من هذا المبتدأ وخبره في محلِّ نصب ب «تدرون» ؛ لأنَّهَا من أفْعَالِ القُلُوبِ، فَعَلَّقَها اسمُ الاستفهامِ عَنْ أنْ تَعْمَلَ في لفظه؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يعْمَلُ فيه ما قبله في غير الاستثبات.
والثَّاني: أنَّهُ يجوزُ أن يكون ﴿أَيُّهُمْ﴾ موصولةً بمعنى ﴿الَّذِي﴾ و ﴿والأقربون﴾ خبرُ مبتدأ مضمر، وهو عائدُ الموصولِ، وجازَ حذفه؛ لأنه يجوز ذلك مع «أي» مطلقاً: أي: أطالت الصِّلَةُ أم لم تَطُل، والتَّقدير: أيُّهم هو أقربُ، وهذا الموصول وَصِلَتُهُ في محلِّ نصب على أنَّهُ مفعول به، نَصَبَه ﴿تَدْرُونَ﴾، وإنَّمَا بُنِيَ لوجودِ شَرْطَي البناء، وهما: أنْ تُضافَ «أي» لفظاً، وَأنْ يُحْذَفَ صَدْرُ صِلَتِهَا، وصارت الآيةٌ نظيرَ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩]، فصار التقدير: لا تدرون الذي هو أقربُ.
قال أبو حيَّان: «ولم أرهم ذكروه»، يعني هذا الوجه، ولا مانع منه لا من جهة المعنى، ولا من جهة الصِّنَاعة.
فعلى القول الأوَّلِ تكونُ الجملةُ سَادَّةً مَسَدَّ المفعولين، ولا حاجة إلى تقدير حذف.
وعلى الثَّاني يكونُ الموصولُ في محلِّ نصبٍ مَفْعُلاً أوَّلَ، ويكون الثَّاني محذوفاً، وبعدم الاحتياج إلى حَذْفِ المفعول الثَّاني، يترجَّحُ الوجه الأوَّلُ.
ثم هذه الجملةُ، أعني قوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ﴾ لا محلَّ لها من الإعراب، لأنَّها جملة اعتراضية.
قال الزمخشريُّ، بعد ان حَكَى في معانيها أقوالاً اختار منها الأوَّلَ: لأنَّ هذه الجملةَ اعتراضيّة، ومن حقِّ الاعتراض أن يؤكِّد ما اعْتَرَضَ بينه وبين ما يناسِبُه.
يعني بالاعتراض: أنَّهَا واقعةٌ بين قصة المواريث، إلاَّ أنَّ هذا الاعتراض غيرُ مرادِ النحويين، لأنَّهُمْ لا يَعْنُون بالاعتراضِ في اصْطِلاحِهِمْ إلاَّ ما كان بين شيئين مُتَلاَزِمَيْنِ كالاعتراض بين المبتدأ وخبره، والشرط وجزائه والقَسَمِ وجوابه، والصِّلَةِ وموصولها.

فصل في معاني ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ﴾


ذكر الزَّمخشريُّ في معانيها أقوالاً:
أحدها: - وهو الذي اختاره - أن جَعْلَها متعلَِّقة بالوصيَّة، فقال: ثم أكَّدَ ذلك - يعني الاهتمام بالوصيَّة - ورَغَّبَ فيه بقوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ﴾ أي: لا تدرون مَنْ أنفع
220
لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يَمُوتون، أمَنْ أوْصَى منهم أم مَنْ لم يوص، يعني: أنَّ مَنْ أوصى ببعض ماله فعرَّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية فوفَّر عليكم عَرَضَ الدُّنيا، وجعل ثَوَابَ الآخرة أقرب وأحضر من عَرَضِ الدُّنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر؛ لأنَّ عَرَضَ الدُّنيا، وإن كان قريباً عَاجِلاً في الصُّورَةِ إلاَّ أنَّهُ بَاقٍ، وفي الحقيقة الأقربُ الأدنى.
وقيل: إنَّ الله - تعالى - لما ذكر أنصباء الأولاد، وأنصباء الأبوين، وكانت العقول لا تدرك معاني تلك التَّقديرات، فربَّما خطر ببال الإنسان أنَّ القسمةَ لو وقعت على غير هذا الوَجْهِ كانتْ أنفع له وأصلح لا سيما وقد كانت قسمة المواريث عند العرب على غير هذا الوَجْه فأزال اللهُ - تعالى - هذه الشُّبْهَة بأن قال: إنَّ عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فَرُبَّمَا اعتقدتم في شيء أنَّهُ صالح لكم، وهو عين المضرة، وربَّمَا اعتقدتم في شيء أنَّهُ مَضَرَّة، ويكون عين المصلحة، وأمَّا الإله الرَّحيم فهو يعلمُ مغيبات الأمور وعواقبها، وكَأنَّهُ قال: اتركوا تقديرات المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم وانقادوا للمقادير التي قَدَّرَهَا اللهُ تعالى عليكم بقوله ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ إشارة إلى ترك ما يميل الطبعُ إليه من قسمة المواريث.
قوله: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ الله﴾ إشارة إلى وجوب الانقياد إلى المقادير الشَّرعيَّة.
وقال ابن عباس: «لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً» أي: أطوعهم الله - عزَّ وجلَّ - من الآباء والأبناء أرفع درجة يوم القيامة [والله تعالى يُشَفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإذا كان الوالد أرفع درجة يوم القيامة في الجنة رفع إليه ولده وإن كان الولد أرفع درجة] رفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم.
قوله: ﴿نَفْعاً﴾ نُصِبَ على التَّمييز من «أقرب»، وهو منقول من الفاعلية، واجب النَّصب؛ لأنَّهُ متى وقع تمييزٌ بَعْدَ «أفْعَلِ» التفضيل، فَإن صَحَّ أنْ يُصَاغَ منها مُسْندٌ إلى ذلك التمييز على جهةِ الفاعليَّة وجل النَّصب كهذه الآية، إذْ يَصِحُّ أن يُقَالَ: أيُّهم أقْرَبُ لكم نَفْعُهُ، وإن لم يَصحّ ذلك وجب جَرُّه نحو: «زيد أحسن فقيه» بخلاف «زيد أحسن فقهاً»، وهذه قاعدة مفيدة و «لكم» متعلق ب «أقرب».
قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ فيها ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنَّها مصدرٌ مؤكد لمضمون الجملة السَّابقة من الوصية؛ لأن معنى «
221
يوصيكم» : فَرَضَ عليكم ذلك، فصار المعنى: «يوصيكم الله وصية فرض»، فهو مصدر على غير الصَّدْرِ.
والثاني: أنَّها مصدر [منصوبٌ بفعل] محذوف من لفظها.
قال أبو البَقَاء: و ﴿فَرِيضَةً﴾ مصدر لفعل محذوف، أي: فرض اللهُ ذلك فريضة.
والثالث: قاله مَكيٌّ وغيره: أنَّهَا حال؛ لأنَّها ليست مصدراً، وكلامُ الزمخشريُّ محتمل للوجهين الأوَّلَيْن، فإنَّهُ قال: «فريضة» نصبت نَصْبَ المصدر المؤكد، أي: «فرض الله ذلك فرضاً». ثم قال: «إن الله كان عليماً» أي: بأمور العباد «حكيما» بنصب الأحكام.
فإن قيل: لِمَ قال كان عليماً حكيماً مع أنَّهُ لم يزل كذلك؟.
فالجوابُ قال الخليلُ: الخبرُ عن الله تعالى بهذه الألفاظ، كالخبر بالحال والاستقبال؛ لأنَّهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن الدخول تحت الزمان.
قال سيبويه: القومُ لما شاهدوا علماً وحكمةً وفضلاً وإحساناً تعجبوا، فقيل لهم: إنَّ اللهَ كذلك، ولم يزل موصوفاً بهذه الصفات.
222
اعلم أنَّ أقسام الوراثة ثلاثة:
قسم لا يسقط بحال وهم: الآباء والأولاد والأزواج قسمان، والثَّالِثُ هو المسمى بالكلالة وهذا القسم متأخر عن القسمين الأوَّلين لأنه قد يعرض لهم السُّقوط بالكليَّة، ولأنَّهم يدلون إلى الميِّتِ بواسطة، والقسمان الأوَّلان يدلون بأنفسهم فقدَّمَ اللهُ تعالى الوارث بالنَّسب؛ لأنَّهُ أعلاها ثمَّ ثنى بذكر الوارث بالسَّبب الَّذي لا يسقط بحال، لأنَّهُ دون الأوَّلِ وهو الزوجان ثم ذكر القسم الثَّالث بعدهما؛ لأنَّهُ دونهما، ولما جعل
222
نصيب الذَّكر مثل حظ الأنثيين في الوارث النّسبي كذلك جعل حظّ الرَّجُلِ مثل حظِّ الأنثيين في الوارث السببي فقال ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ﴾ وسواء كان الولد ذكراً أو أنثى، ولا فرق بين الأوَّلادِ وأولاد الأولاد.

فصل: الخلاف في غسل الزوج زوجته بعد موتها


ذهب الشافعيُّ وأحمدُ إلى أنَّهُ يجوزُ لِلرَّجُلِ أن يغسل زوجته لقوله ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ فسمَّاها زوجة بعد الموت.
قال أبو حنيفة: لا يَجُوزُ؛ لأنَّهَا ليست زوجة؛ لأنَّهُ لا يحلًّ وطؤها بعد الموت.
وأجيب بأنَّها لو لم تكن زوجة لكان قوله ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ مجازاً، وقد ثبت أنَّ التَّخْصيص اولى من المجاز عند التَّعارُضِ، وأيضاً فقد حَرُمَ الوطء في صورٍ كَثِيرَةٍ مع وجود الزوجيَّة كزمن الحيض والنفاس نهار رمضان، وعند الصّلوات المفروضة، والحج المفروض.
ثمَّ قال: «فلهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم فإن كان لكم ولد فلهن الثمن» وسواء كانت واحدة أو أربعاً فهم فيه سواء، وهذه الآية تدلُّ على فضل الرَّجل على المرأة لتفضيلهم في النَّصِيبِ، ولأنَّه ذكر الرِّجَالَ على سبيل المخاطبة وذكر النساء على سبيل المغايبة.
قوله: «وإن كان رجل يورثه كلالة» اضْطَرَبَتْ أقوال العلماء في هذه ولا بُدَّ قبل التعرُّض للإعراب من ذكر معنى ﴿الكلالة﴾ واشتقاقها، فإنَّ الإعراب متوقف على ذلك، فتقول: اختلف الناس في معنى ﴿الكلالة﴾
فقال جمهور اللغويين وغيرهم: إنَّه الميت الَّذي لا وَلَدَ لَهُ ولا والد، وهو قول عليٍّ وابن مسعودٍ.
وقيل: الَّذي لا والد له فقط، وهو قول عمر.
وقيل: الَّذي لا والد له فقط، وهو قول عمر.
وقيل: الَّذي لا ولد له فقط.
وقيل: هو من لا يرثه أبٌ ولا أم، وعلى هذه الأقوال كلِّها قالكلالةُ واقعة على الميت.
وقيل: الكَلاَلَةُ: الورثة ما عدا الأبوين والولد، قاله قُطْرب، وهو اختيار أبي بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وسموا بذلك؛ لأنَّ الميِّت بذهاب طرفيه تُكَلِّلُهُ الورثة، أي: أحاطوا به
223
من جميع نواحيه، ويُؤَيَّدُ هذا القول بأنَّ الآية نزلت في جَابِرٍ، ولم يَكُنْ له يَوْمَ نزلت أبٌ ولا ابن.
وأيضاً يقال: كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة وحلم فلان على فلان ثمَّ كَلَّ عنه إذا تباعد، فسميت القرابةُ البعيدةُ كلالة من هذا الوجه.
وأيضاً يقال: كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلاًّ وكَلاَلَةً: إذا أعيا وذهبت قوَّته، فاستعاروا هذا اللفْظ عن القرابة الحاصلة، من غير أولاد لبعدها.
وأيضاً فإنَّهُ تعالى قال ﴿قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الكلالة من لا ولد له ولا والد؛ لأنَّهُ شرط عدم الولد وَورَّثَ الأخت والأخ، وهما لا يرِثان مع وجود الأب.
وروى جابر قال: مَرِضْتُ مَرَضاً شديداً أشرفتُ منه على الموت، فأتاني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقلتُ: يا رسول الله إنِّي رَجُلٌ لا يَرِثُنِي إلاَّ كَلاَلَة، وَأرَادَ به أنَّهُ ليس له والد ولا ولد، وهو قول سعيد بن جُبَيْرٍ وإليه ذهب أكثرُ الصَّحَابَةَ.
وروي عن عمر أيضاً أنَّهُ قال: سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الكلالة فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها، ضرب بيده صدري وقال «يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ»، وهي الآية الأخيرة من سورة النساء سميت بذلك؛ لأنها نزلت في الصَّيْفِ، ومات ولم يَفْهَمْهَا ولم يقل فيها شيئاً.
وقيل: ﴿الكلالة﴾ : المالُ الموروث، وهو قول النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ.
وقيل: ﴿الكلالة﴾ القرابة، وقيل: الوراثة.
فقد تلخص مما تقدم أنَّها [إمَّا] الميِّتُ الموروث أو الوارثُ، أو المال الموروثُ، أو الإرْث، أو القرابة.
وأما اشتقاقها: فقيل: هي مشتقة من تَكَلَّلَهُ الشَّيء، أي: أحاط به، وذلك أنَّهُ إذا لم يترك ولداً ولا والداً فقط انقطع طَرَفَاهُ، وهما عَمُودَا نَسَبِهِ وبقي مال الموروثُ لِمَنْ يَتَكَلَّلُهُ نَسَبُهُ، أي: يحيط به كالإكْليلِ.
ومنه «الروضة المكللة» أي: بالزَّهْرِ، وعليه قول الفرزدق: [الطويل]
224
١٧٦٥ - وَرِثْتُمْ قَنَاةَ المَجْدِ لاَ عَنْ كَلاَلَةٍ عَنِ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ
وقيل: اشتقاقها من «الكلال» وهو الإعْيَاء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث من بَعْدِ إعياء.
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: و «الكلالة» في الأصل: مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوَّةِ من الإعياء.
قال الأعشى: [الطويل]
١٧٦٦ - فَآلَيْتَ لاَ أرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ وَلاَ مِنْ وَحًى حَتَّى تُلاَقِيْ مُحَمَّداً
فاستعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد، ولأنَّهَا بالإضافة إلى قرابتهما كأنها كالَّةٌ ضعيفة، وأجاز فيها أيضاً أن تكون صفة على وزن «فَعَالة»، قال: «كالهَجَاجَةِ والفَقَاقَةِ للأحْمَقِ».
ويقال: رجل كلالة، وامرأةٌ كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنَّهُ مصدر كالدّلالة والوَكَالة.
إذا تقرَّرَ هذا فَلْنَعد إلى الإعراب بعَوْنِ الله، فتقول: يجوز في «كان» وجهان:
أحدهما: ان تكون ناقصة و «رجل» اسمها، وفي الخبر احتمالان:
أحدهما: أنه «كلالة» إن قيل: إنها الميت، وإن قيل: إنَّها الوارث، أو غير ذلك، فَتُقَدَّر حذف مضاف، أي: ذَا كلالة، و «يورث» حينئذٍ في محلَِّ رفع صفة ل «رجل» وهو فِعْلٌ مبنيٌّ للمفعول، ويتعدّى في الأصل لاثْنَيْنِ أقيم الأوَّلُ مقامَ الفاعلِ، وهو ضمير الرَّجُلِ.
والثَّاني: محذوف تقديره: يورث هو مَالَهُ، وَهَلْ هذا الفِعلُ من «ورث» الثُّلاثي أو «أورث» الرُّبَاعيُّ؟.
فيه خلافٌ، إلاَّ أنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمَّا جَعَلَهٌُ مِنَ الثُّلاثي جعله يتعَدَّى إلى [المفعول] الأوَّلِ من المفعولين ب «من» فإنَّهُ قال [وإن كان رجل يورث من كلالة] و «يورث» من وَرِثَ أي: يورث فيه يعني أنَّهُ في الأصْلِ يتعدَّى ب «مِنْ». [قال:] وقد تُحْذَفُ، تقولُ: «وَرِثْتُ زَيْداً مَالَهُ» أي: مِنْ زَيْد، ولَمّا جَعَلَهُ الرَّجُلَ وارثاً لا
225
موروثاً، فإنَّهُ قال: «فإنْ قلتَ: فإن جَعَلْتَ تُورَثُ على البناء للمفعول من» أورث «فما وَجْهُهُ».
قلتُ: الرَّجُلُ حينئذٍ الوارثُ لا الموروثُ «.
وقال أبُو حيَّان: إنَِّه من»
أورث «الرُّباعِيِّ المبنيِّ للمفعول، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بالمعنى الذي قيده به الزَّمَخْشَرِيُّ.
الاحتمالُ الثَّاني: أن يكون الخبرُ الجملة من»
يورث «.
وفي نَصْبِ ﴿كَلاَلَةً﴾ أربعةُ أوْجُهٍ:
أحدها: أنَّهُ حال من الضمير في»
يورث «، إنْ أُرِيدَ بها الميِّتُ، أو الوارثُ، إلاَّ أنَّهُ يَحْتاج في جَعْلها بمعنى الوارث إلى تقدير مضافٍ، أي: يُورث ذا كَلاَلَةٍ؛ لأنَّ الكلالة حينئذٍ ليست نفس الضَّمير المستكن في ﴿يُورَثُ﴾.
قال أبُو البَقَاءِ: على جعلها بمعنى الميت ولو قُرِئَ»
كلالةٌ «بالرَّفع على أنَّهَا صفةٌ أو بدلٌ من الضَّميرِ في ﴿يُورَثُ﴾ لجاز، غير أنِّي لم أعرف أحداً قَرَأ به، فلا يُقْرأنَّ إلا بما نُقِلَ. يعني بكونها صفةً: أنَّهَا صفةٌ ل» رَجُل «.
الثَّاني: أنَّهَا مفعولٌ من أجله، إنْ قيل: إنَّهَا بمعنى القرابة، أي: يُوْرَثُ لأجل الكلالة.
الثَّالثُ: أنَّهُ مفعول ثَانٍ ل ﴿يُورَثُ﴾ إن قيل: إنَّها بمعنى المال المَوْرُوثِ.
الرَّابعُ: أنَّها نعتٌ لمصدر محذوفٍ، إن قيل: إنَّهَا بمعنى الوِرَاثَةِ، أي: يُورَثُ وِرَاثَةَ كَلاَلَةٍ.
وقدَّرَ مَكِّيٌّ في هذا الوجه حَذْفَ مضافٍ تقديره:»
ذَات كَلاَلَةٍ «.
الوجه الثَّاني من وجهي»
كان «أن تكون تَامَّةً، فيُكْتَفى بالمرفوع، أي: وإن وُجِدَ رجل. و ﴿يُورَثُ﴾ في محلِّ رفع صِفَةٍ ل» رَجُل «و ﴿كَلاَلَةً﴾ منصوبةٌ على ما تَقَدَّمَ من الحال، أو المفعول من أجله أو المفعول به، أو النَّعت لمصدرٍ محذوف عَلَى ما قُرِّرَ من معانيها، وَيخُصُّ هذا وجه آخر ذكره مَكيٌّ، وهو أن تَكُونَ ﴿كَلاَلَةً﴾ منصوبة على التمييزِ.
[قال مَكِّيٌّ: «كان»
أي: وقع، و ﴿يُورَثُ﴾ نعت للرَّجُل و «رجل» رفع ب «كان» و ﴿كَلاَلَةً﴾ نصب على التفسير].
226
وقيل: هو نصبٌ على الحال على أنَّ الكَلاَلَةَ هو الميِّت على هذين الوجهين، وفي جعلها تَفْسيراً - أي: تمييزاً - نظرٌ لا يَخْفى.
وقرأ الجمهور: ﴿يُورَثُ﴾ مبنيّاً للمفعولِ كما تَقَدَّمَ توجيهه.
وقرأ الحسن: يورث مبنيّاً للفاعل، ونُقِلَ عنه أيضاً، وعن أبي رَجَاءَ كذلك، إلاّ أنَّهُما شدَّدا الراء، وتوجيه القراءتين واضح مِمّا تقدَّم، وذلك أنَّهُ إنْ أُريد بالكلالة الميِّتُ، فيكون المفعولان محذوفين، و ﴿كَلاَلَةً﴾ نَصْبٌ على الحال، أي: وَإنْ كان رجلٌ يُورِثُ وَارثَهُ، أوْ أهْلَهُ مالَه في حال كَوْنِهِ كَلالَةً.
وَإِنْ أُرِيدَ بها القرابة، فتكون منصوبةً على المفعول مِنْ أجْله، والمفعولان أيضاً محذوفان على ما تَقَدَّمَ تقريره، وَإنْ أُرِيدَ بها المالُ كانت مفعولاً ثانياً، والأوَّلُ محذوفٌ أي: يُورِثُ أهْلَهُ مَالَهُ، وَإنْ أُريدَ بها الوارثُ فبالعكس، أي: يُورِثُ مالَهُ أهلَه.
قوله: ﴿أَو امرأة﴾ عطف على ﴿رَجُلٌ﴾ وحُذِفَ منها ما أُثْبِتَ في المعطوف عليه للدلالة على ذلك، التَّقديرُ: أو امرأةٌ تُورَثُ كَلاَلَةً، وإنْ كان لا يَلْزَمُ من تقييد المعطوف عليه تقييدُ المعطوفِ ولا العكس، إلاّ أنَّهُ هو الظَّاهِرُ.
وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ جملة مِنْ مبتدأٍ وخبرٍ في محلِّ نصبٍ على الحال، والواو الدَّاخلة عليها واوُ الحال، وصاحبُ الحال إمَّا ﴿رَجُلٌ﴾ أي: إنْ كان ﴿يُورَثُ﴾ صفةً له، وإمَّا الضَّميرُ المستتر في ﴿يُورَثُ﴾ وَوَحَّدَ الضمير في قوله: «وله» ؛ لأنَّ العطف ب «أو» وما ورد على خلاف ذلك أوَّلَ عند الجمهور كقوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امرأة﴾ ثم قال ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ فهي عن الرَّجُلِ، وما هي عن المرأة، فما السَّبَبُ فيه؟.
فالجوابُ: قال النُّحَاةُ: إذا تقدَّمَ متعاطفان ب «أو» مذكر ومؤنَّث كنتَ بالخيار، بَيْنَ أنْ تراعي المتقدم أو المتأخِّرَ، فتقول: «زيدٌ أو هندُ قامَ» وَإنْ شئت: «قَامَتْ».
وأجاب أبُو البَقَاءِ عن تذكيره بثلاثة أوجه:
أحدُها: أنَّهُ يعود على الرَّجُلِ وهو مذكر مبدوء به.
والثَّالِثُ: أنَّهُ يعود على الميِّت، أو الموروثِ لِتَقَدُّمِ ما يدلُّ عليه، والضَّمير في قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ فيه وجهان:
227
أحدُهُمَا: أنَّهُ يعود على الأخ والأخت.
والثَّانِي: أنَّهُ يعودُ على الرَّجُلِ، وعلى أخيه وأخته، إذا أُريدُ بالرَّجُلِ في قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً﴾ أنَّهُ وارثٌ لا موروثٌ، كما تَقَدَّمَتْ حكايته في قول الزَّمَخْشَرِيِّ.
قال الزَّمخشريُّ - بعد ما حكيناه عنه -: «فإن قلتَ: فالضَّمِيرُ في قوله:» فلكل واحد منهما «إلى مَنْ يرجعُ حينئذٍ؟.
قلت: على الرَّجُلِ، وعلى أخيه، أو أخته، وعلى الأوَّل إليهما.
فإن قُلْتَ: إذا رجع الضَّمِيرُ إليهما أفاد استواءَهُمَا في حيازةِ السُّدُسِ من غير مُفَاضَلَةِ الذَّكر للأنثى، فهلْ تبقى هذ الفائدةُ قائمةً في هذا الوجه؟.
قلتُ: نَعَمْ، لأنك إذا قلتَ: السُّدس له أو لواحد مِن الأخِ أو الأخت على التخيير، فقد سَوَّيْتَ بين الذَّكر والأنثى «. انتهى.
وأجمع المفسِّرونَ على أنَّ المراد بالأخ والأخت هاهنا الإخوة من الأمِّ؛ لأنَّ ما في آخر السُّورة يدلُّ على ذلك، وهو كون للأخت النّصف، وللأختين الثُّلثان وللإخوة الذُّكور والإناث للذَّكَر مثلُ حظِّ الأنثيين، ولقراءة أبِي سَعِيدٍ. وقرأ أبيٌّ»
أخ أو أخت من الأم «.
وقرأ سعد بن أبي وقاص»
من أم «بغير أداة التَّعريف.
قوله: ﴿فَإِن كانوا﴾ الواو ضمير الإخوة من الأمِّ المدلول عليهم بقوله: ﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ والمرادُ الذُّكورُ والإناث، وأتى بضمير الذُّكور في قوله: ﴿كانوا﴾ وقوله: ﴿خَلْفِهِمْ﴾ تغليباً للمذكَّر على المؤنَّثِ، و»
ذلك «إشارةٌ إلى الواحد، أي: أكثر من الواحد، يعني: فإنْ كان مَنْ يَرِثُ زائداً على الواحد؛ لأنَّهُ لا يَصِحُّ أن يقال:» هذا أكثرُ من واحد «بهذا المعنى لتنافي معنى كثير وواحد، وإلاّ فالواحدُ لا كثرة فيه، وتقدَّمَ إعراب» من بعد وصية يوصى بها «.

فصل: في أثر عن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -


قال أبو بكر الصّديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في خطبته: ألا إنَّ الآيةَ التي أنزل اللهُ - تعالى - في أوَّل سورة النِّسَاءِ في بيان الفرائضِ أنزلها في الوَلَدِ، والوالد والأمِّ، والآية
228
الثَّانية في الزَّوْجِ والإخوة من الأمِّ، والآية الَّتي ختم بها سورة الأنفالِ أنزلها في أولي الأرحام ﴿بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: ٧٥].
قوله: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ » غير «نَصْبٌ على الحال من الفاعل في» يوصَى «، وهو ضمير يعود على الرجل في قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ﴾، هذا إنْ أُريد بالرَّجل الموروث، وإن أُرِيدَ به الوارثُ كما تَقَدَّمَ، فيعود على الميِّت الموروث المدلول عليه بالوارثِ مِنْ طريقِ الالتزام، كما دلَّ عليه في قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، أي: تَرَكَهُ الموروث، فصار التقدير: يوصَى بها الموروثُ، وهكذا أعْرَبَهُ الناس فجعلوه حالاً: الزَّمَخْشَرِيُّ وغيره.
وَردَّهُ أبو حيَّان، بأنَّهُ يُؤدِّي إلى الفَصْلِ بينَ هذه الحال وعامِلها بأجنبيِّ منهما، وذلك أنَّ العَامِلَ فيها ﴿يوصى﴾ كما تقرَّرَ.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ أجنبي؛ لأنَّهُ معطوف على ﴿وَصِيَّةٍ﴾ الموصوفة بالعامل في الحال.
قال: ولو كانَ على ما قالوه من الإعراب لكانَ التركيب:»
من بعد وصية يوصى بها غير مضار أو دين «.
وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين: أعني ناء الفعلِ للفاعل، أو المفعول، وتزيدُ عليه قراءة البناء للمفعول وَجْهاً آخَر، وهو أن صاحب الحال غيرُ مذكور؛ لأنَّهُ فاعِلٌ في الأصل، حُذِفَ وأُقِيمَ المفعول مقامه، ألا ترى أنَّكَ لو قلت:»
ترسل الرياح مبشراً بها «بكسر الشين يعني» يرسل الله الرياح مبشراً بها «فحذفت الفاعل، وأقمت المفعولَ مُقامَهُ، وجئتَ بالحال من الفاعل لم يَجزْ، فكذلك هذا، ثم خَرَّجه على أحد وجهين:
إما بفعل يَدُّلُ عليه ما قبله من المعنى؛ ويكون عاماً لمعنى ما يتسلَّط على المال بالوصية أو الدِّيْن، وتقديره: يلزمُ ذلك مالَهُ، أو يوجبه [فيه] غَير مُضَارٍّ بورثته بذلك الإلزامِ أو الإيجاب.
وإمَّا بفعلٍ مَبْني للفاعل لدلالَةِ المبني للمفعول عليه، أي: يوصي غير مُضارٍّ، فيصيرُ نظير قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] على قراءة من قرأ بفتح الباء.

فصل


اعلم أنَّ الضّرار في الوّصِيَّةِ يقعُ على وجوهٍ:
229
منها: أن يوصي بأكثر من الثُّلُثِ، أو يُقِرَّ بكلِّ ماله، أو ببعضه لآخر، أو يُقِرَّ على نفسه بدين لا حقيقةَ له دَفْعاً للميراث عن الورثة، أو يُقِرَّ بأنَّ الدّين الذي كان له على فلان قد استوفاه ووصل إليه، أو يبيع شيئاً بثمن رخيص، أو يشتري شيئاً بثمن غالٍ، كلُّ ذلك لغرض ألاّ يصلَ المالُ إلى الورثة، أو يوصي بالثُّلُث لا لوجه اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الإضْرَارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ»، وعن شَهْر بنِ حَوْشَب عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإذَا لأوْصى وَجَارَ فِي وَصِيّتِه خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِشرِّ عَمَلِهِ؛ فَيدخُل النَّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعِملِ أهْلِ النَّارِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيَخْتِمُ اللَّهُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ»، وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فَرَضَهُ اللَّهُ - تعالى - قَطَعَ اللَّهُ - تعالى - مِيراثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ»، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى بعد هذه الآية:
﴿تِلْكَ حُدُودُ الله﴾ [النساء: ١٣] قال ابنُ عبَّاسٍ: في الوصيَّةِ ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] قال: في الوصِيَّةِ.

فصل هل يجب إخراج الزكاة والحج من التركة؟


قال الشَّافِعِيُّ: إذَا أخَّرَ الزَّكاةَ والحج حتَّى مات يجب إخراجهما من التَّركة.
وقال أبو حَنِيفَةَ: «لا تجب».
حجَّةُ الوجوب أنَّهَا دينٌ، وقال تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾.
230
وقال عليه الصَّلاة والسَّلامُ: «أرَأيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكَ دَيْنٌ» وقال عليه السلام: «دينُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضَى».
قوله: ﴿وَصِيَّةٍ﴾ في نصبها أربعة أوجه:
أحدها: أنَّهُ مصدرٌ مؤكَّد، أي: يوصيكم اللَّهُ [بذلك] وَصِيَّة.
الثَّاني: أنها مصدر في موضع الحال، والعامل فيها ﴿يُوصِيكُمُ الله﴾ قاله ابنُ عَطِيَّةَ.
والثَّالِثُ: أنها منصوبةٌ على الخروج إمَّا مِنْ قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس﴾، أو من قوله: ﴿لِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثلث﴾، وهذه عبارةٌ تشبه عبارة الكوفيين.
والرَّابعُ: أنَّها منصوبةٌ باسم الفاعل وهو ﴿مُضَآرٍّ﴾ والمُضَارَّة لا تقع بالوصيَّةِ بل بالورثة، لكنَّه لَمَّا وّصَّى اللَّهُ - تعالى - بالورَثَة جَعَلَ المُضَارَّة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصيّة مُبَالَغةً في ذلك، وَيُؤيَّدُ هذا التخريج قراءة الحسن: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ الله والله﴾ بإضافة اسم الفاعل إليها على ما ذكرناه من المجاز، وَصَارَ نظير قولهم: «يا سارِقَ الليلةَ»، التقدير: غير مضار في وصية من الله، فاتُّسعَ في هذا إلى أنَّ عُدَّيَ بنفسه من غير واسطةٍ، لما ذكرنا من قَصْد المبالغة، وهذا أحْسَنُ تخريجاً من تخريج أبي البَقَاءِ فإنَّهُ ذكر في تخريج قراءة الحَسَنِ وجهين:
أحدهما: أنَّهُ على حذف «أهل» أو «ذي» أي: غير مضارِّ أهل وصيَّةٍ، أو ذي وَصِيَّة.
والثَّاني: على حذف وقت، أي: وقت وصيَّة، قال وهو مِنْ إضافَةِ الصِّفة إلى الزَّمانِ، ويقرب من ذلك قولهم: هو فارسُ حربٍ، أي: فارس في الحرب، وتقولُ: هو فارسُ زمانه، أي: فارس في زمانه، كذلك تقدير القراءة: غير مضارٍّ في وقت الوصيَّة.
ومفعول ﴿مُضَآرٍّ﴾ محذوفٌ إذا لم تُجعَلْ ﴿وَصِيَّةً﴾ مفعولةً، أي: غير مضارٍّ وَرَثتِهِ بوصيَّةِ.
فَإنْ قيل: ما الحكمةُ في أنَّهُ ختم الآية الأولى بقوله: «فريضة من الله والله عليم حليم» وختم هذه الآية بقوله: «وصية من الله» ؟ فالجوابُ: أنَّ لفظ الفرض أقوى وأؤكد من لفظ الوَصِيَّةِ، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصيَّةِ ليدُلَّ بذلك على أنَّ الكلَّ، وإن كان واجب الرِّعاية، إلاَّ أن رعاية حال الأولاد
231
أولى وأقوى، ثم قال: «والله عليم حليم» عليم بمن جار أو عدل في وصيته «حليم» على الجائر لا يعالجه بالعقوبة وهذا وعيدٌ.
232
لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيبا في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية.
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من المواريث؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ.
وقيل: إشارة إلى كلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصمُّ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللهِ: الأحكام التي ذكرناها وبيَّنها، ومنه حدود الدّار؛ لأنَّها تميزها من غيرها.
قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ﴾.
قيل: مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة.
وقال المحقِّقُون: بل هو عام؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ.
قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ حَمَلَ على لفظ «مَنْ»، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله: ﴿وَمَن يُطِعِ الله﴾ و ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وعلى معناها، فجمع في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ، أعني: الحمل على الَّلفظ، ثم على المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً، وفيه تفصيلٌ، وه شروط مذكورة في كتب النحوِ.
قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ في نصبه وجهان:
أظهرهما: أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في ﴿يُدْخِلْهُ﴾ وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول.
والثَّاني: أن يكون نَعْتاً ل ﴿جَنَّاتٍ﴾ من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً، وهو
232
لغيره معنىً، نحو: مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها، ف «قائمة» وحسن وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبَسْ.
وَأمَّا الكوفيين فيفصِّلون، فيقولون: إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير، كما هو مذهبُ البصريين؛ نحو: «زيدٌ عمرو ضاربُه هو»، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ، نحو: «زيدٌ هندُ ضاربُها»، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حَسَنٌ.
واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ، فمنه قراءة مَنْ قرأ ﴿إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] بجر «غير» مع عدم بروز الضمير، ولو أبْرَزَهُ لقال: غير ناظرين إناه أنتم.
ومنه قول الآخر: [البسيط]
١٧٦٧ - قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ
ولم يقل: بَانُوهَا هُمْ.
وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ، تقديره: هم بتنوها ف «قومي» مبتدأ أوَّلٌ، و «ذُرا» مبتدأ ثان، و «هُمْ مبتدأ ثالث، و» بانوها «خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل.
وقد منع الزمخشريُّ كون»
خَالِدينَ «و» خَالِداً «صفةٌ ل» جَنَّاتِ «و» ناراً «؟ قلت: لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له، فلا بُدَّ مِنَ الضَّميرِ في قولك:» خالدين هم فيها «، و» خالداً هو فيها «.
ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع»
خالداً «ولم يتعرض لذلك مع» خالدين «ولا فرق بَيْنَهُما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ.
وقرأ نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا»
نُدْخِلْهُ «في الموضعين، وفي سورة الفتح [الآية ١٧]
233
وفي سورة التغابن [الآية ٩] والطلاق [الآية ١١] بنون العظمة، والباقون بالياء، والضميرُ للَّه تعالى.
فإن قيل: كيف جمع ﴿خَالِدِينَ﴾ في الطائعين، وأفرد خالداً في العاصين؟.
فالجواب: قالوا: لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناشب ذلك الجمع، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ.
قوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةٍ ل» جنات «، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد» دخل «من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف، أو نَصْبُ المفعول به؟
الأوَّل: قول الجمهور.
والثاني: قول الأخفش، فكذلك ﴿جَنَّاتٍ﴾، و ﴿نَاراً﴾.

فصل


قالت المعتزلةُ: هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النّار؛ لأنَّ قوله ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تَعدَّى، وهو مِنْ أهل الصَّلاة، أو ليس من أهل الصًّلاة فدلّت هذه الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه، فَإنَّا نقولُ: هذا مدفوع من وجهين:
الأوَّلُ: أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية، والمجوسيَّة، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه.
الثَّاني: أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث.
وأجيب بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ، فإنَّ بتقدير
234
قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل الدّالة على حصول العفو، ثمَّ نقول: هذا العموم مخصوصٌ بالكافر لوجهين:
الأوَّلُ: أنا إذا قلنا لكم: ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة «من» في معرض الشَّرط تفيد العموم؟ قلتم: لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء، [منه، والاستثناء] يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول: إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ﴾ يختص بالكافرِ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ، فَيُقَالُ: ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ، وإلاَّ في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي أن قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ﴾ في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ، وقوله: الإتيان بجميع المعاصي محال قال: ةذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال، فنقول: ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم.
والوجه الثاني: في بيان تخصيص العموم بالكافر، أنَّ قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب، فقوله: «ويتعد حدوده» لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر، وقولهم: تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث.
قلنا: هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة [يكون] بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول، إلاَّ أنَّهُ يتركها، وتارة [يكون] بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللهِ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللهُ من المواريث.

فصل


قال ابن عبَّاسٍ: الإضرار في الوصيَّة من الكبائر؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد.
وفي الحديث «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له [اللهُ] بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين
235
سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة».
وفي الحديث: «مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللهُ ميراثه من الجنة» والزيادة في الوصيَّة تدل على الحسرة وذلك من أكبر الكبائر.
236
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣:لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيباً في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية.
وقوله تعالى :﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما ذكر من المواريث ؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ.
وقيل : إشارة إلى كُلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصمُّ١ ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللَّهِ : الأحكام التي ذكرها وبيَّنها، ومنه حدود الدّار ؛ لأنَّها تميزها من غيرها.
قوله :﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ وقوله :﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾.
قيل : مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة.
وقال المحقِّقُون٢ : بل هو عام ؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ.
قوله :﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ حَمَلَ على لفظ " مَنْ "، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله :﴿ يُطِعِ اللَّهَ ﴾ و ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ وعلى معناها، فجمع في قوله :﴿ خَالِدِينَ ﴾ وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ، أعني : الحمل على الَّلفظ، ثم على المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً، وفيه تفصيلٌ، وله شروط مذكورة في كتب النحوِ.
قوله :﴿ خَالِدِينَ ﴾ في نصبه وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة ؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول.
والثَّاني : أن يكون نَعْتاً ل ﴿ جَنَّاتٍ ﴾ من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً، وهو لغيره معنىً٣، نحو : مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها، ف " قائمة " وحسنٍ وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبسْ.
وَأمَّا الكوفيون فيفصِّلون، فيقولون : إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير، كما هو مذهبُ البصريين ؛ نحو :" زيدٌ عمرو ضاربُه هو "، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ، نحو :" زيدٌ هندُ ضاربُها "، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حَسَنٌ.
واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ، فمنه قراءة مَنْ قرأ٤ ﴿ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ [ الأحزاب : ٥٣ ] بجر " غير " مع عدم بروز الضمير، ولو أبْرَزَهُ لقال : غير ناظرين إناه أنتم.
ومنه قول الآخر :[ البسيط ]
قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ٥
ولم يقل : بَانُوهَا هُمْ.
وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ، تقديره : هم بانوها٦ ف " قومي " مبتدأ أوَّلٌ، و " ذُرا " مبتدأ ثان، و " هُمْ مبتدأ ثالث، و " بانوها " ٧ خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل.
وقد منع الزمخشريُّ كون " خَالِدينَ " و " خَالِداً " صفةٌ ل " جَنَّاتِ " و " ناراً ". فقال : فإن قلت : هل يجوز أن يكونا صفتين ل " جنات " و " ناراً " ؟ قلت : لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له، فلا بُدَّ مِنْ الضَّميرِ في قولك :" خالدين هم فيها "، و " خالداً هو فيها ".
ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع " خالداً " ولم يتعرض لذلك مع " خالدين " ولا فرق بَيْنَهُما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ.
وقرأ٨ نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا " نُدْخِلْهُ " في الموضعين، وفي سورة الفتح [ الآية ١٧ ] وفي سورة التغابن [ الآية ٩ ] والطلاق [ الآية ١١ ] بنون العظمة، والباقون بالياء، والضميرُ للَّه تعالى.
فإن قيل : كيف جمع ﴿ خَالِدِينَ ﴾ في الطائعين، وأفرد خالداً في العاصين ؟.
فالجواب : قالوا : لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناسب ذلك الجمع، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ.
قوله :﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةً ل " جنات "، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد " دخل " من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف، أو نَصْبُ المفعول به ؟
الأوَّل : قول الجمهور.
والثاني : قول الأخفش، فكذلك ﴿ جَنَّاتٍ ﴾، و ﴿ نَاراً ﴾.

فصل


قالت المعتزلةُ٩ : هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النَّار ؛ لأنَّ قوله ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تَعَدَّى، وهو مِنْ أهل الصَّلاة، أو ليس من أهل الصَّلاة فدلّت هذه١٠ الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه، فَإنَّا نقولُ : هذا مدفوع من وجهين :
الأوَّلُ : أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية، والمجوسيَّة، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه.
الثَّاني : أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث.
وأجيب١١ بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ، فإنَّ بتقدير١٢ قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل١٣ الدّالة على حصول العفو، ثمَّ نقول : هذا العموم مخصوصٌ بالكافر١٤ لوجهين :
الأوَّلُ : أنا إذا قلنا لكم : ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة " من " في معرض الشَّرط تفيد العموم ؟ قلتم : لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء، [ منه، والاستثناء ]١٥ يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول : إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ يختص بالكافرِ ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ، فَيُقَال : ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ، وإلاَّ في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي١٦ أن قوله :﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ، وقوله١٧ : الإتيان بجميع المعاصي محال قال : وذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال، فنقول : ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم.
والوجه الثاني : في بيان تخصيص العموم بالكافر، أنَّ قوله :﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب، فقوله :" ويتعد حدوده " لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر، وقولهم : تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث.
قلنا : هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام ؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة [ يكون ]١٨ بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول، إلاَّ أنَّهُ يتركها، وتارة [ يكون ]١٩ بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا٢٠ الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللَّهِ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللَّهُ من المواريث.

فصل


قال ابن عبَّاسٍ٢١ : الإضرار في الوصيَّة من الكبائر ؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد.
وفي الحديث " إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له [ اللَّهُ ]٢٢ بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة ".
وفي الحديث :" مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللَّهُ قطع اللَّهُ ميراثه من الجنة " ٢٣ والزيادة في الوصيَّة٢٤ تدل على الحسرة الشديدة وذلك من أكبر الكبائر.
١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٤..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ في أ: وهو لغير مذكور معنى..
٤ ستأتي في الأحزاب..
٥ ينظر أوضح المسالك ١/١٩٦، وتخليص الشواهد ص ١٨٦، والدرر ٢/٩، وشرح الأشموني ١/٩٣، وشرح التصريح ١/١٦٢، وشرح ابن عقيل ص ١٠٩، وهمع الهوامع ١/٩٦ والدر المصون ٢/٣٢٨..
٦ في أ: بأبوها..
٧ في أ: بأبوها..
٨ انظر: السبعة ٢٢٨، والحجة ٣/١٤٠، وحجة القراءات ١٩٣، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٣٠، وشرح شعلة ٣٣٥، وشرح الطيبة ٤/١٩٥، وإتحاف ١/٥٠٥..
٩ ينظر: الرازي ٩/١٨٤، ١٨٥..
١٠ في أ: قدمت..
١١ في أ: وأجيبوا..
١٢ في أ: بتقديم..
١٣ في أ: الدليل..
١٤ في أ: للكافر..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: فهاهنا..
١٧ في ب: وقولهم..
١٨ سقط في أ..
١٩ سقط في أ..
٢٠ في ب: فأما..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٣..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٢٨) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا.
وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٣٠٤٠٠) وعزاه إلى سعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا..

٢٤ زيادة في ب" قطع من الميراث ولأن مخالفة أمر الله تعالى عند القرب من الموت"..

لما أمر تعالى في الآية المتقدّمة بالإحسان إلى النساء أمَرَ هنا بالتَّغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشةِ فإن ذلك إحسان إليهن في الحقيقة.
وأيضاً وكما يستوفى لخلقه فكذلك يستوفي عليهم وليس في إحكامه محاباة.
وأيضاً فلا يجعل أمر الله بالإحسان إليهنَّ سبباً لترك إقامة الحدود عليهن فيصيرُ ذلك سبباً لوقوعهن في أنواع المفاسد.
قوله: ﴿واللاتي﴾ جمع «التي» في المعنى لا في اللَّفْظِ، لأنَّ هذه صيغٌ [موضوعة للتّثنية والجمع، وليس بتثنية ولا جمع حقيقةً.
وقال أبُو البَقَاءِ: «اللاتي» جمع «التي» على غير قياس.
وقيل: هي صيغة] موضوعة للجمع، ومثل هذا لا ينبغي أن يَعُدَّه خلافاً، ولها جموعٌ كثيرة: ثلاثة عشرَ لفظة، وهي: اللاتي واللوَاتِي، واللائِي، وبلا ياءات فهذه ستٌّ، واللاي بالياء من غير همز، واللاء من غير ياء ولا همز، واللَّواء، بالمدِّ، واللَّوا بالقَصْر و «الأُلى» كقوله: [الطويل]
١٧٦٨ - فَأمَّا الُلَى يَسْكُنَّ غَوْرَ تِهَامَةٍ فَكُلُّ فَتَاةٍ تَتْرُكُ الْحِجْلَ أفْصَمَا
إلاَّ أنَّ الكثير أن تكون جمع «الَّذي» و «اللاَّاتِ» مكسوراً مُطْلَقاً أوْ مُعْرباً إعرابَ جمع المؤنَّث السَّالم كقوله: [الطويل]
236
١٧٦٩ - أولَئِكَ إخْوَانِ] الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ وأخدّانُكَ اللاَّءَاتُ زُيِّنَ بِالكَتَمْ
برفع اللاَّءات.
قال ابن الأنباريِّ: العرب تقولُ في الجمع من غير الحيوان، الّتي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ التي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: ٥].
وقال في هذه الآية: اللاتي، واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد وأمَّا جمع الحيوان ليس كذلك بل كلُّ واحدةٍ منهما غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات فافترقا، ومن العَرَبِ من يسوِّي بين البابين، فيقولُ: كما فعلت الهندات التي من أرمها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأوَّلُ هو المختار وفي محلِّ «اللاتي» قولان:
أحدهما: الجملة من قوله: ﴿فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ﴾ وجاز دخول الفاء زائدة في الخبر، وإن لم يَجُزْ زيادتها في نحو: «زيدٌ فاضرِبْ» على رأي الجمهور؛ لأن المبتدأ أشبه الشرك في كونه موصولاً عامّاً صلته فِعْلُ مستقبل، والخبرُ مستحقٌّ بالصّلة.
الوجه الثاني: أنَّ الخبر محذوف، والتقدير: «فيما يتلى عليكم حكم اللاتي» فحذف الخبر والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيمَ المضافُ إلى مُقامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَلَهُ سيبويه في نحو: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ [النور: ٢] ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ [المائدة: ٣٨]، أي فيما يُتلى عليكم حُكْمُ الزانية، ويكون قوله: «فاستشهدوا عليهن» «فاجلدوا» دالاًّ على ذلك الحكم المحذوف لأنه بيان له.
والقولُ الثاني: أنَّه منصوبٌ بفعل مقدر لدلالة السِّياق عليه لا على جهة الاشتغال لما نذكره، والتقدير: اقصدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا ولا يجوز أن ينتصب بفعل مضمر يفسره قوله: «فاستشهدوا» فتكون المسألةُ من باب الاشتغال؛ لأنَّ هذا الموصولَ أشبَهَ اسْمَ الشّرطِ، كما تقدَّم تقديره، واسم الشرط ولا يجوز أن ينتصب على الاشتغال، لأنَّهُ لا يعنمل فيه ما قبله فلو نصبناه بفعل فقد لزم أن يعمل فه ما قبله هذا ماق اله بعضهمْ، ويقرُب منه ماق اله أبُو البَقَاءِ فإنَّهُ قال: وإذا كان كذلك، أي: كونه في حُكْمِ الشَّرْطِ لم يحسن النَّصب، لأنَّ تقدير الفعل قبل أداء الشرط لا يجوز وتقديره بعد الصِّلةَ يحتاج إلى إضمار فعل غير قوله «فاستشهدوا» ؛ لأن «استشهدوا» لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في «اللاتي»، وفي عبارته مناقشةٌ يطولُ ذكرُهَا.
237
والثَّاني: أنَّهُ منصوب على الاشتغال، ومَنَعَهُمْ ذلك بأنَّه يَلْزَمُ أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنَّا نُقَدِّرُ الفعلَ لا قَبْلَهُ، وهذا خلافٌ مشهور في أسماءِ الشَّرْطِ والاستفهام، هل يَجْرِي فيها الاشتغال أم لا؟.
فمنعه قَوْمٌ لِمَا تقدم وأجازه آخرون مقدَِّرين الفعل بعد الشَّرْطِ والاستفهامِ. وكونُهُ منصوباً على الاشتغال هو ظاهر كلام مكِّيٍّ، فإنَّهُ ذكر ذلك في قوله: ﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] فالآيتانُ من وادٍ واحد ولا بُدَّ من إيراد نَصِّه لِيتَّضِحَ لك قوله؛ قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا﴾ [النساء: ١٦] الاختيار عند سيبويه في «اللذان» الرفع، وإن كان معنى الكلام الأمْرَ؛ لأنَّه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّنَ معنى الشَّرط فيه، إذْ لا يقع على شيء بعينه، فلمَّا تمكَّنَ معنى الشَّرط والإبهام جرى مَجْرَى الشَّرطِ في كونه لم يَعْمل فيه مَا قَبْلَهُ، كما لا يعمل في الشَّرط ما قبله من مُضْمَر أو مظهر، ثم قال: «والنَّصْبُ جائِزٌ على إضمار فعلٍ مدلولٍ عليه كما تَقَدَّمَ نقله عن بعضهم، لأنه لم يكُنْ لتعليله بقوله:» لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره «فائدة، إذ النصبُ كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار.

فصل


قال القرطبيُّ: الفاحشة في هذا الموضع الزنا، فالمرادُ بالفاحشة: الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعَاقِبَةِ والعَافِيَةِ، وقرأ ابن مسعود»
بالفاحشة «بباء الجرِّ وقوله:» من نسائكم «في محلِّ النصب على الحال من الفاعل في» يأتين «، فهو يتعلق بمحذوفٍ أي: ياتين كائناتٍ من نسائكم.
وأما قوله:»
منكم «ففيه وجهان:
أحدهما: أن يتعلَّق بقوله:»
فاستشهدوا «.
والثاني: أن يَتَعَلَّق بمحذوفٍ على أنَّهُ صفة ل»
أربعة «فيكون في محل نصبٍ تقديره: فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً كائنة منكم.

فصل


معنى يأتين الفاحشة أي يفعلنها يقال: أتيت أمراً قبيحاً، أي: فعلته قال تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ [مريم: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ [مريم: ٨٩]
238
وقال ابن مسعود» بالفاحشة «هي الفعلة القبيحة.
قال أهل اللُّغَةِ هي مصدر كالعاقبة والعافية، ويُقَالُ: فحش الرَّجُلُ بمعنى تفحش فحشاً وفاحشة وأفحش إذا جَاءَ بالقبيح من القول والفعل، وأجمعوا على أنَّ المراد بالفاحشة هنا الزّنا، وإنَّما تطلق الفاحشةُ على الزِّنت لزيادتها في القُبْحِ على كثير من القَبَائِحِ.
فإن قيل: الكفرُ أقْبَحُ منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يسمَّى ذلك فاحشة؟
فالجوابُ من وجهين:
الأوَّلُ: أنَّ الكفرَ لا يستحقه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبحاً، بل يعتقده صواباً، وكذلك المقبل على الشجاعة يُقْدِمُ عليها من يراها حسنةً وأمَّا الزِّنَا ففاعله يعلمُ قُبْحَهُ [ويُقْدِمُ عَلَيْهِ] وَيُوَافِق على فحشه.
الثاني: قال ابن الخطيب إنَّ القُوَى المدَبرة لقوى الإنسان ثلاثة القُوَى النّاطقة، والقوَّةُ الغضبية، والقوّة الشَّهوانيةُ وفساد القوَّة النَّاطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوَّة الغضبية هو القتل وما يشبهه وأخس هذه القوى الثلاثة القوة الشَّهوانية فلا جَرَمَ كَانَ فَسَادُهَا أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خُصَّ هذا العمل بالفاحشةِ.

فصل في شهود الزنا


قوله: ﴿فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين فجعل الله الشهادةَ على الزنا خاصة بأربعة تغليظاً على المدَّعي وستراً على العباد.
وقال القرطبيُّ: وتعديل الشهود بأربعة في الزّنا حكم ثابت في التّوراة والإنجيل والقرآن؛ قال الله تعالى: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فاجلدوهم﴾ [النور: ٤] وقال هنا: ﴿فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ﴾ وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله: جاءت اليهودُ برجُلٍ وامرأةٍ زنيا، فقال عليه السَّلام: «ائْتُونِي بأعْلَمَ رَجُلَيْنِ مِنْكُم»
، فَأتَوْهُ يابْنَي صُورِيَا فَنَشَدهُمَا: كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هَذَيْنِ في التَّوْرَاةِ؟ قَالا «نَجِدُ في التَّوراةِ إذَا شَهِدَ أرْبَعةٌ أنَّهمُ رأوا ذكَرَهُ في فَرْجِهَا مَثْلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ رُجِمَا قَال: فما يَمْنَعُكُمَا أن تَرْجُمُوهُمَا؟ قَالاَ: ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الشُّهُودَ فَشَهشدوُا أنَّهُم رَأوا أنَّهُم رَأوا ذَكَرَهُ فقِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ فَأمَرَ رَسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بِرَجْمِهِمَا».
239
وقال قومٌ: إنَما كان الشهود فالزِنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق؛ إذْ هو حقٌّ يؤخذ من كلِّ واحد منهما، وهذا ضعيف؛ فإنَّ اليمين تدخل من الأموال والَّلوْثُ في القسامة ولا يدخلُ لواحد منهما هنا.

فصل


قال جمهورُ المفسرين: المراد من هذه الآية أن المرأةَ إذا أتَت الزِّنَا فإن شَهِدَ عَلَيْهَا أربعةُ رجال أحرار عدول أنَّها زنت؟ أمْسِكَتْ في بيت محبوسة، إلى أن تموت أو يجعل اللهُ لها سبيلاً، وقال أبُو مُسْلِمٍ: المرادُ من هذه الفاحشة السَّحاقات وَحَدُّهن الحبس إلى الموتِ، والمرادُ من قوله: ﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] أهل اللواطُ وَحَدُّها الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النُّورِ: الزنا بين الرَّجل والمرأة وَحَده في البكر الجلد، وفي المحصن الرَّجم، ويَدُلُّ على ذلك وجوه:
أحدها: أن قوله: ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ مخصوص بالنّسوان وقوله:
﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] مَخْصُوصٌ بالرِّجال؛ لأنَّ قوله «اللذان» تثنية المذكر.
فإنْ قيل: لم لا يجوزُ أن يكونَ المراد من قوله: ﴿واللذان﴾ الذّكر والأنثى إلاَّ أنَّه غلب لفظ الذَّكر.
فالجوابُ: لو كان كذلك لما أفرد ذكر النِّساء من قبل فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله: ﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] سقط هذا الاحتمال.
وثانيها: أنَّ على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات بل يكون حكم كلِّ واحد مهما باقياً مقرراً وعلى ما ذكر ثم يلزمُ النسخ في هاتين الآيتين والنَّسخ خلافُ الأصل.
ثالثها: أنَّ على التقدير الَّذي ذكرتم يكون قوله: ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة﴾ في الزنا، وقوله: ﴿واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] في الزِّنَا أيضتً فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواجد مرتين، وإنَّهُ قبيح، وعلى قولنا لا يفضي إلى ذلك فكان أولى.
رابعها: أنَّ القائلين بأنَّ هذه الآية نزلت في الزِّنَ فسروا قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ بالجلد والتغريب والرّجم، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ هذه الأشياء تكون عليهنّ لا لهُنَّ، قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] وأمَّا نحن فنفسِّرُ ذلك بتسهيل الله لها قضاء الشَّهوة بطريق النِّكاح.
240
قال أبُو مٌسْلِمٍ: يَدُلُّ على صِحَّةِ ما ذكرنا قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا أتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ، وَإذَا أتَت الْمَرْأةُ الْمَرْأةَ فَهُمَا زَانِيَتَان». واحتجُّوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه:
الأوَّلُ: أنَّ هذا قول لم يقله أحدٌ من المفسّرين المتقدّمين.
الثَّاني: أنَّه روي في الحديث أنَّهُ عليه السَّلام قال: «قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً الثَّيِّبُ تُرْجَمُ وَالْبِكْرُ تُجْلَدُ» وهذا يدلُّ على أنَّ هذه الآية نازلة في حقِّ الزُّنَاةِ.
الثَّالث: أنّ الصحابة اختلفوا في حكم اللِّواط، ولم يتمسّك أحد منهم بهذه الآية، فعدم تمسكهم بها مع شدَّةِ احتياجهم إلى نَصٍّ يدلُّ على هذا الحكم من أقوى الدَّلائل على أنَّ هذه الآية ليست في اللواطة.
وأجاب أبو مسلم عن الأوَّل بأنَّ هذا الإجماع ممنوع، فلقد قاتل بهذا القول مجاهدق، وهو من أكابر المفسرين، وقد ثبت في أصول الفقه أنَّ استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز.
والجوابُ عن الثَّاني أنَّ هذا يفضي إلى نسخ القرآن بخبر الوَاحِدِ، وإنَّهُ غير جائز.
وعن الثَّالِثِ أن مطلوب الصَّحابة أنَّهُ هل يُقام الحدُّ على اللوطي وليس في هذه الآية دلالة على نفي ولا إثبات فلهذا لم يرجعوا إليها.

فصل


المرادُ من قوله: ﴿مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ أي: زوجاتكم لقوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] وقوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] [من نسائكم] وقيل: أي: من الثيب. وقوله: «فأمسكوهن» أي احبسوهنّ في بيوتكم، والحكمة فيه أنَّ المرأة إنَّمَا تقع في الزِّنَا عند الخروج والبروز، فإذا حُبِسَتْ في البيت لم تقدر على الزِّنَا، وتعتاد العفاف عن الزّنا.
قل عبادة بن الصّامت والحسن ومجاهد: كان هذا في ابتداء الإسلام حتى نسخ بالإذى الّذي بعده، ثمَّ نسخ ذلك بالرّجم في الثيّب.
241
وقيل: بل كان للإيذاء أولاً ثمَّ نسخ بالإمساك، ولَكِنَّ التلاوة أخرت.
وقال ابن فورك: هذا الإمساك والحبس في البيوت كأنَّ في صدر الإسلام قبل ان يكثر الجناة. فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذوا لهم سجناً، قال ابن العربي فإن قيل: التوفي والموت بمعنى واحد، فيصير التَّقدير: أو يميتهن الموت.
فالجوابُ، يجوز أن يريد يتوفاهن ملائكة الموت بقوله: ﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي﴾ [النحل: ٢٨] أو حتّى يأخذن الموت.
فإن قيل: إنكُمْ تفسِّرون قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ الثَّيِّبُ تُرْجَمُ والْبِكْرُ تجلد، وهذا بعيد؛ لأنَّ هذا السبيل عليها لا لها، فإنَّ الرَّجم أغلظ من الحبس.
فالجوابُ: أنَّ النَّبي - عليه السَّلام - فَسَرَ السّبيل بذلك في قوله: «خذوا عني خذوا عني قَد جعل اللهُ لهن سبيلاً، الثَّيِّبُ بالثَّيب جلد مائةٍ ورجم بالحجارة، والبكرُ بالبكر جلد مائة وتغريب عام» فلما فَسَّرَ الرسول عليه السًّلام السبيل بذلك وجب القطع بِصِحَّته.
وأيضاً فله وجه في اللُّغة، لأنَّ المخلص من الشَّيء هو سبيله، سواء كان أخفّ أو أثقل.
قوله: «حتى يتوفاهن الموت» «حَتَّى» بمعنى «إلَى» فالفعل بعدها منصوب بإضمار «أن» وهي متعلقة بقوله «فأمسكوهن» غاية له.
وقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ الله﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون «أوْ» عاطفة، فيكون الدعل غايةً لإمساكهن أيضاً، فينتصبُ «يجعل» بالعطف على ﴿يَتَوَفَّاهُنَّ﴾.
والثَّاني: أن تكون «أو» بمعنى «إلاَّ» كالَّتِي في قولهم: «لأزمنك أو تقضيني حقي» على أحد المعنيين، والفعل بعدها منصوب أيضاً بإضمار «أنْ» كقوله: [الطويل]
١٧٧٠ - فَسِرْ في بِلاَدِ اللهِ وَالْتَمِسِ الْغِنى تَعِشْ ذَا يَسَارٍ أوْ تَمُوتَ فَتُعْذَرَا
أي: إلا أن تموت، والفرق بين هذا الوجه والّذي قبله أنَّ الجَعْلَ ليس غاية لإمساكهنَّ في البيوت.
قوله: ﴿لَهُنَّ﴾ فيه وجهان:
أظهرهما: أنَّهُ مُتَعِلُّقٌ ب ﴿يَجْعَلَ﴾.
242
والثَّاني: أنَّهُ متعلِّق بمحذوف، لأنَّهُ حال من ﴿سَبِيلاً﴾ إذ هو في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدَِّمَ عليها فَنُصِبَ حالاً، هذا إنْ جُعِلَ الجَعْلُ بمعنى الشِّرْع أو الخَلْق، وإنْ جُعِل بمعنى التصيير، فيكون ﴿لَهُنَّ﴾ مفعولاً ثانياً قُدِّمَ على الأوَّلِ وهو ﴿سَبِيلاً﴾، وتقديمُه هنا واجب؛ لأنهما لو انْحَلاَّ لمبتدأ وخبرٍ وَجَبَ تقديم هذا الخبر لكونه جارّاً، والمبتدأ نكرة لا مسوغ لها غير ذلك.

فصل


روي عن علي أنَّهُ جَلَدَ شَرَاحَةَ الهمدانية يوم الخميس مائة ثمَّ رجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنَّة رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعامَّة العلماء على أنَّ الثَّيِّب لا تجلد مع الرّجم؛ لأنَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجم ماعزاً والغامدية ولم يجلدهما، وقال:
«يَا أنيسُ امْضِ إلَى امْرأةٍ هَذَا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجمْهَا» ولم يأمره بالجلد، وعند أبي حنيفة التّغريب أيضا منسوخ في حقِّ البكر، وأكثر أهل العلم على أنَّهُ ثابت، وروى نافع عن ابن عمر أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ضَرَبَ وغَرَّبَ وأن أبا بكر ضَرَبَ وغَرَّبَ.
243
واختلفوا في الإمساك في البيت هل كان حَداً فنسخ أم كان حبساً ليظهر الْحَدُّ؟ على قولين:
فقيل: هو توعد بالحد.
وقال ابن عبَّاسٍ والحسن: إنَّهُ حَدٌّ، وزاد ابن زيد أنَّهُمْ منعوا من النِّكاحِ حتّى يموتوا عقوبة لهم، لأنهم طلبوا النكاح من غير وجهه، وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ كان حدّاً، بل أشد غير أنَّ ذلك الحكم ثابت محدود إلى غاية، وهو الأذى في الآية الأخرى على اختلاف التأويلين في أيّهما قبل، وكلاهما ممدود إلى غاية، وهو قول عليه السَّلام: «خُذُوا عضنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سبيلاً» الحديث وهذا كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فإذا جاء اللَّيْلُ ارتفع حكمُ الصِّيام إلى غايته لا لنسخه، هذا قول المحقِّقين المتأخِّرين، فإنَّ النَّسخ إنَّمَا يكون بين القولين المتعارضين اللَّذين لا يمكن الجمع بينهما والجمع ممكن بَيْنَ الحبس والتّغريب والجلد والرَّجم.
وقد قال بعضُ العلماء: إن الأذى والتغريب باقٍ مع الجلد؛ لأنَّهُمَا لا يتعارضان فيحملان على شخص واحد فأمَّا الحبس فمنسوخ بالإجماع، وإطلاق المتقدمين النّسخ على مثل هذا لا يجوز.
[وقيل: إن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ المراد أن يحبس كل من الرجل والمرأة في مكانه حتى يدركهن الأجل بالموت، أو يتبين الحمل فيجري عليهما حينئذ القصاص انتهى. والله أعلم].
244
﴿واللذان﴾ الكلام عليه كالكلام على «اللاتي» إلاَّ أن في كلام أبي البقاء ما يوهمُ جواز الاشتغال فيه فإنه قال: الكلام في «اللذان» كالكلام في «اللاتي» إلاَّ أنَّ مَنْ أجاز النَّصب يَصِحُّ أن يقدِّرَ فعلاً من جنس المذكور، تقديره: أذُوا اللذين ولا يجوز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها هاهنا، ولو عَرِيَ من الضَّمير، لأنَّ الفاء هنا في حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط، وتلك يقطع ما بعدها عما قبلها، فقوله: «من أجاز النصب» يحتملُ من أجازه النَّصب المتقدِّم في «اللاتي» بإضمار فعلٍ لا على سبيل الاشتغال كما قدَّره هو بنحو «اقصدوا» ويحتمل من أجاز النَّصب على الاشتغال من حيث الجملة، إلاَّ ان هذا بعيدٌ؛ لأنَّ الآيتين من وادٍِ واحدٍ، فلا يُظَنُّ به أنَّهُ يمنع في إحداهما ويجيزُ في الأخرى، ولا ينفع كون الآية فيها الفعل الذي يفسّر متعدّ بحرف جر والفعلُ الَّذي في هذه
244
الآية مُتَعَدٍّ بنفسه، فيكون أقوى، إذ لا أثر لذلك في باب الاشتغال. والضمير المنصوب في «يأتيانهما» للفاحشة.
وقرأ عبد الله «يأتين بالفاحشة»، أي: يَجئْنَ، ومعنى قراءة الجمهور «يَغْشَيْنَها ويخالطنها».
وقرأ الجمهور «واللذان» بتخفيف النُّون.
وقرأ ابن كثير «واللذانِّ» هنا «واللذينِّ» في السجدة [آية ٢٩] بتشديد النون، ووجهها جعل إحدى النونين عوضاً من الباء المحذوفة الَّتي كان ينبغي أن تبقى، وذلك أن «الَّذي» مثل «القاضي»، و «القاضي» تثبت ياؤه في التثنية فكان حقّ [ «ياء» ] «الَّذي» و «الَّتي» أن تثبت في التثنية، ولكنهم حَذَفُوها، إمَّا لأنَّ هذه تثنيةٌ على غَيْرِ القياس؛ لأنَّ المبهماتِ لا تُثَنَّى حقيقةً، إذ لا يثنى ما يُنَكَّر، والمبهمات لا تنكر، فجعلوا الحذف منبهةً على هذا، وإمَّا لطولِ الكلاَمِ بِالصِّلَةِ.
وزعم ابنُ عصفور أنَّ تشديد النُّون لا يجوزُ إلاَّ مع الألفِ كهذه الآية، ولا يجوز مع الياء في الجرّ والنّصب.
وقراءة ابن كثير في «حم» السجدة ﴿أَرِنَا اللذين أَضَلاَّنَا﴾ [فصلت: ٢٩] حجةٌ عليه.
قال ابن مقسم: إنَّما شدّد ابن كثير هذه النّونات لأمرين:
أحدهما: الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر: أن «الّذي وهذا» مبنيان على حرفٍ واحدٍ وهو الذّال، فأرادوا تقوية كل واحد منهما، بأن زادوا على نونها نوناً أخرى من جنسها.
وقيل: سبب التّشديد فيها أنّ النون فيها ليست نون التّثنية فأرادوا أن يفرِّقوا بينها وبين نون التثنية.
وقيل: زادوا النُّون تأكيداً كما زادوا اللام.
وقرئ: «اللَّذَأَنِّ» بهمزة وتشديد النون، وَوَجْهُهَا أنه لَمَّا شَدَّدَ النون الْتَقَى ساكنان، فَفَرَّ من ذلك بإبدال الألف همزةً، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في الفاتحة [الآية: ٧].
245
وقرأ عبد الله: «والذين يفعلونه منكم» وهذه قراءة مشكلة؛ لأنَّهَا بصيغة الجمع، وبعدخا ضمير تثنية وَقَدْ يُتَكَلَّفُ تخريجٌ لها، وهو أنَّ «الذين» لَمَّا كان شاملاً لصنفي الذّكورِ والإناثِ عَادَ الضّميرُ عليه مثنى اعتباراً بما انْدَرَجَ تحته، وهذا كما عاج ضَمِيرُ الجمع على المُثَنَّى الشّامل لأفرادٍ كثيرة مندرجةٍ تحْتَه، كقوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩]، و ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: ١٩] كذا قاله أبو حيان.
قال شهاب الدِّينِ: وفيه نظر، فإنَّ الفَرْقَ ثابتٌ، وذلك لأن «الطَّائفة» اسم لجماعة، وكذلك «خَصْم» ؛ لأنَّهُ في الأصل مصدرٌ فأطلِقَ على الجمع.
وأصل «فآذوهما» فآذِيُوهما، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، فَحُذِفَت الياء الّتي هي لام الكلمة وضُمَّ ما قبل الواوِ لِتَصِحَّ.

فصل


اختلفوا في وجهِ هذا التّكرير، فقال مُجَاهِدٌ: الآية الأولى في النساء وهذه في الرّجال، وَخُصَّ الحبسُ في البيتِ بالمرأة، وخُصَّ الإيذاء بالرجال؛ لأنَّ المرأة إنَما تقع في الزّنا عند الخروج والبروز، وإذا حبست في البيت انقطعت مادّة هذه المعصية، وأمَّا الرَّجل فلا يمكن حبسه في البيت؛ لأنَّهُ يحتاج إلى الخروج لإصلاح معاشه، ومهماته، وقوت عياله.
وقيل: إنّ الإيذاء مشترك بين الرّجل والمرأة، والحبس كان من خواصّ المرأة.
وقال السُّدِّيُّ: المرادُ بهذه الآية البكرُ من الرِّجال والنِّساء وبالآية الأولى للثيب لوجوه:
الأوَّل: قوله: ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ فأضافهن إلى الأزواج.
الثَّاني: أنَّهُ سماهنَّ نساء، وهذا الاسم أليق بالثَّيب.
الثالث: أنَّ الإيذاء أحقّ من الحبس في البيت، والأخف للبكر دون الثّيب.
وقال أبو مسلم: الآية الولى في السّحاقات، وهذه في أهل اللّواط، وقد تَقَدَّمَ.
وقيل: إنَّهُ بَيَّنَ في الآية الأولى أنَّ الشهداء على الزِّنَا لا بدّ وأن يكونوا أربعة، وبين في هذه الآية أنَّهم لو كانوا شاهدين فآذوهما بالرّفع إلى الإمام والحدّ، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فاتركوهما.
246

فصل


قال عطاء وقتادة: قوله «فآذوهما» يعني فعيروهما باللسان: أما خِفْتَ اللهَ؟ أما استحييت من الله حين زنيت.
وقال مُجَاهِدٌ: سبوهما واشتموهما.
وقيل: يقال لهما: «بئس ما فعلتما» وخالفتما أمر الله.
وقال ابن عبَّاس: هو باللسان واليد يُؤذي بالتعيير وضرب النعال.
قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابَا﴾ أي: من الفاحشة ﴿وَأَصْلَحَا﴾ العمل فيما بعد ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ﴾، فاتركوهما ولا تؤذوهما، ﴿إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ ومعنى التواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه. والله أعلم.
247
قد تقدَّمَ الكلام على ﴿إِنَّمَا﴾ في أول البقرة [آية ١١] وما قيل فيها.
و «التوبة»، مبتدأ وفي خبرها وجهان:
أظهرهما: أنَّهُ «على الله»، أي: إنَّمَا التَّوْبَةُ مستقرّة على فضل اللهِ، ويكون «للذين» متعلقاً بما تَعَلَّقَ به الخبر.
وأجاز أبُو البقاء: عند ذِكْرِهِ هذا الوجه أن يكون «للذين» متعلقاً بمحذوف على أنه حال، قال: فعلى أن يكون ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء﴾ حالاً من الضّمير في الظّرف وهو «على الله»، والعاملُ فيها الظّرفُ أو الاستقرار، أي: كائنةً لِلَّين، ولا يجوز أن يكون العاملُ في الحال «التوبة» ؛ لأنَّه قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بالخبر، وهذا فيه تكلُّفٌ لا حاجةِ إليه.
الثّاني: أن يكون الخبر «للذين» و «على الله» متعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من شيءٍ محذوف، والتقديرُ: إنما التَّوبة إذا كانت - أو إذْ كانت - على اللهِ للذين يعملونَ ف «إذا» و «إذ» معمولان ل «الذين» لأن الظَّرْف يتقَدَّمُ على عامله المعنوي و «كان» هذه
247
هي التَّامَّة، وفاعلها هو صاحب الحالن ولا يجوز أن يكون ﴿عَلَى الله﴾ حالاً من الضَّمير المستتر في ﴿لِلَّذِينَ﴾ والعامل فيها ﴿لِلَّذِينَ﴾ لأنَّهُ عاملٌ معنويٌّ، والحال لا تتقدَّمُ على عاملها المعنوي، هذا ما قاله أبُو البقَاءِ وَنَظَّر هذه المسألة بقولهم: «هذا بُسْراً أطْيَبُ منه رُطَباً» يعني: أنَّ التَّقدير: إذا كان بُسْراً أطيبُ منه إذا كان رُطباً.
وفي هذه المسألة أقْوَالٌ كثيرة مضطربة لا يحتملها هذا الكتاب وقدر أبو حيان مضافين حُذفا من المبتدأ والخبر، فقال: التَّقدير: إنَّمَا قَبُولُ التوبة مترتب على [فضل] اللهِ ف «على» باقية على بابها يعني من الاستعلاء
قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنْ يتعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من فاعل ﴿يَعْمَلُونَ﴾، ومعناها المصاحبة أي: يعملون السُّوء متلبسين بجهالةٍ، أي: مصاحبين لها، ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، أي: ملتبساً بجهالة، وفيه بُعْدٌ وتَجَوُّزٌ.
والثاني: أن يتعلق ب ﴿يَعْمَلُونَ﴾ على أنَّها باء السّببية.
قال أبُو حيَّان: أي الحامل لهم على عمل السُّوء هو الجهالة، إذْ لو كانوا عالمين بما يترتَّب على المعصية متذكرين له حال عملها لم يُقْدِمُوا عليها كقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» لأنَّ العقل حينئذ يكون مغلوباً أو مَسْلُوباً.

فصل


لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال عنهما الإيذاء،
248
وأخبر على الإطلاق أنّه توابٌ رحيمٌ، ذكر هنا وقت التّوبةة وشرطها بشرطين:
أحدهما: قوله ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ﴾ وفيه إشكالان:
الإشكال الأوَّلُ: أن من عمل ذنباً ولم يعلم أنَّهُ ذنب لم يستحق عقاباً؛ لأنَّ الخطأ مرفوع عن الأمَّةِ، فعلى هذا الَّذين يعملون السُّوء بجهالة لا حاجة بهم إلى التَّوبة.
الإشكال الثَّاني: أن كلمة «إنَّمَا» للحصر، فظاهره يقتضي أن مَنْ أقدم على السوء مع العلم بكونه سوءاً لا يقبل توبته، وذلك باطل بالإجماع.
فالجواب عن الأوَّلِ أنَّ اليهوديَّ اختار اليهوديَّة وهو لا يعلم كونها ذنباً مع أنَّهُ يستحقُّ العقاب عليها.
والجوابُ عن الثَّاني: أنَّ من أتى معصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخَفُّ ممَّنْ أتى بها مع العلم بكونها معصية، فلا جرم خَصَّ الأوَّل بوجوب قبول التّوبة وجوباً على سبيل الوعد والكرم، وأمَّا القسم الثَّاني فلمّا كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التّأكيد في قبول التّوبة فتكون هذه الآية دالّة من هذا الوجه على أن قبول التّوبة غير واجب على اللهِ تعالى.
ومعنى الآية يحتمل وجهين:
الأوَّلُ: أن قوله: ﴿عَلَى الله﴾ إعلام، فَإنَّهُ يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان وإخبار بأنَّه سيفعل ذلك.
والثَّاني: إنَّما الهداية إلى التَّوْبَةِ والإعانة عليها على اللهِ في حقِّ من أتى بالذَّنب على سبيل الجهالة، ثمَّ تاب قريباً، وترك الإصرار، وأتى بالاستغفار.

فصل


قال الحسن: معنى الآية: التّوبة التي يقبلها اللهُ، فيكون «على» بمعنى عند، وقيل: من الله ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ﴾.
قال قتادةُ: أجمع أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّ ما عُصِيَ الله به فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن، ولك من عصى الله فهو جاهل.
قال تعالى إخباراً عن يوسف - عليه السلام -: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين [فاستجاب لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: ٣٣، ٣٤].
249
وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] وقال لنوح - عليه السلام -: ﴿إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [هود: ٤٦]
وقال موسى لبني إسرائيل حين قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ [البقرة: ٦٧] ﴿أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [البقرة: ٦٧] والسّبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي؛ لأنَّهُ لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فصار كأنَّنه لا علم له.
وقال مجاهدٌ: المراد من الآية العمد.
وقيل: أن يأتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية، إلاَّ أنه يكون جاهلاً بقدر عقابه.
وقيل: أن يأتي بالمعصية مع أنه لا يعلم كونها معصية إلاَّ أنَّهُ كان متمكناً من تحصيل العلم يكون اليهودية ذنباً ومعصية، وكفى ذلك في ثبوت استحقاق العذاب، ويخرج من هذا النَّائم والسّاهي، فإنَّه لو أتى بالقبيح لكنَّه [ما كان متمكناً] من العلم بكونه قبيحاً.

فصل


استدلَّ القاضي بهذه الآية على أنَّهُ يجب على اللهِ عقلاً قبول التَّوْبَةِ؛ لأنَّ كلمة «عَلَى» للوجوب؛ ولأنَّا لو حملنا قوله: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله: ﴿فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ﴾ فرق؛ لأن قوله هذا أيضاً إخبار عن الوقوع، [فإذا جعلنا الأوَّلَ إخباراً عن الوجوب، والثَّاني إخباراً عن الوقوع] ظهر الفرق بين الآيتين وزال التكرار.
والجوابُ أنَّ القول بالوجوب على الله تعالى باطلٌ لوجوه:
الأوَّلُ: أنَّ لازم الوجوب استحقاق الذّم عند الترك، فهذه الملازمة إمَّا ان تكون ممتنعة الثبوت في حقِّ اللهِ تعالى أو غير ممتنعة الثُّبُوتِ في حقِّه، والأوَّلُ باطلٌ، لأنَّ ترك الواجب لما كان مستلزماً هذا الذّم محال الثّبوت في حقِّ اللهِ تعالى وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حقِّ الله تعالى، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلاً كان الفعل واجب الثُّبوت، فحينئذ يكون الله تعالى موجباً بالذَّاتِ لا فاعلاً بالاختيار وذلك باطل، وإنْ كان استحقاق الذَّمِّ غير ممتنع الحصول في حقِّ اللهِ تعالى، فكلُّ ما كان ممكناً لا يلزم من فرضه محال، فيلزم أن يكون الإله مع كونه إلهاً يكون موصوفاً باستحقاق الذّم وذلك محال لا يقوله عاقل، فثبت أنَّ القول بالوجوب على اللهِ تعالى محال.
250
وثانيها: أنَّ قادرية العبد بالنِّسبة إلى فعل التَّوْبَةِ وتركها إمَّا أن يكون على السَّويَّةِ، أوْ لا، فإن كان على السَّويَّةِ لم يترجح فعل التَّوبة على تركها إلا بمرجِّح، وذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصّانع، وإن حدث علىلا العبد عاد التّقسيم، وإن حدث عن الله تعالى فحينئذٍ إنَّما أقبل العبد على التَّوبة بمعونة الله وتقويته، فتكون تلك العقوبة إنْعَاماً مَنَ اللهِ تعالى على عبده، وإنعام المولى على عبده لا يوجب أنْ ينعم عليه مرة أخرى فثبت أنَّ صدور التّوبة عن العبد لا يوجب على الله القبول، وإن كانت قادرية العبد لا تصلح للترّك وللفعل، فيكون القول بالوجوب أظْهَرُ بطلاناً.
ثالثها: التّوبة عبارة عن النَّدم على ما مضى، والعزم على التّرك في المستقبل والنّدم والعزم من باب الكراهات والإرادات وهما لا يحصلان باختيار العبد وإلاَّ افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التّسلسل، وإذا كان كذلك كان حصول هذا النّدم، وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى، وفعل الله لا يوجب على الله فعلاً آخر فكان القولُ بالوُجُوبِ باطِلاً.
ورابعها: أنَّ التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على اللهِ تعالى وفعل الله تعالى، لصار فعل العبد مؤثّراً في ذات الله تعالى وفي صفاته، وذلك لا يقولُهُ عاقل.
والجوابُ عن حجتهم: أنَّ الله تعالى وعد قبول التّوبة من المؤمنين، وإذا وعد اللهُ بشيء، وكان الخلفُ في وعده مُحالاً كان ذلك شبيهاً بالواجب، فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة ﴿عَلَى﴾ وبهذا يظهر الفرق بين قوله ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ﴾ وبين قوله ﴿فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِم﴾.
فإن قيل: لما أخبر عن قبول التّوبة وكان ما أخبر الله تعالى وقوعه واجب الوقوع لزم منه ألاَّ يكون فاعلاً مختاراً.
فالجوابُ: أنَّ الإخبارِ عن الوقوع تبع للوقوع والوقوع تبع للإيقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلاً مختاراً في ذلك الإيقاع، وأمَّا قولكم بأن وقوع التَّوبة من حيثُ إنَّهَا هي مؤثرة في وجوب القبول على الله وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق.
قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فأولئك﴾ فهذا هو الشّرطُ الثّاني.
قال السدي والكلبي: القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته.
وقال عكرمة: قبل الموت.
251
وقيل: قبل أنْ يحيط السّوء بحسناته فيحبطها. وقال الضَّحَّاكُ: قبل مُعَاينة ملك الموت. قوله: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون «من» لابتداء الغاية، أي: تبتدئ التَّوبة من زمان قريب من زمان المعصية لئلاّ يقع في الإصْرارِ، وهذا إنَّما يتأتَّى على قول الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون «من» لابتداء الغاية في الزَّمَانِ، ويتأوَّلون ما جاء منه، ويكون مفهوم الآية أنَّه لو تاب من زمان بعيدٍ لم يدخل في مَنْ خُصَّ بكرامةِ قَبُولِ التّوبة على اللهِ المذكورة في هذه الآية، بل يكون داخلاً فيمن قال فيهم ﴿عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢].
والثاني: أنَّهَا للتّبعيض أي: بعض زمانٍ قريب يعني أي جُزْء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتّوبة فيه، فهو تائبٌ من قريب.
وعلى الوجهين ف «مِنْ» متعلقة ب «يتوبون»، و «قريب» صِفَةٌ لزمان محذوف، كما تقدم تقريره، إلاَّ أنَّ حّذْفَ هذا الموصوف وإقَامةَ هذه الصفةِ مُقَامة ليس بقياسٍ، إذ لا يَنْقَاسُ الحَذْفُ إلاَّ في صور.
منها أن تكون الصفةُ جَرَتْ مَجْرى الأسماء الجوامد، كالأبْطَحِ والأبرق، أو كانت خاصةً بجنس الموصوف، نحو: مررت بكاتبٍ، أو تقدَّم ذِكْرُ موصوفها، نحو: اسقني ماءً ولَوْ بَارِداً، وما نحن فيه ليس شيئاً من ذلك.
وفي قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾ إعلامٌ بِسَعَةِ عَفْوِهِ، حيثُ أتى بحرف التّراخي والفاء في قوله: ﴿فأولئك﴾ مُؤْذِنَةٌ بتَسَبُّبِ قَبُولِ الله تَوبتهم إذا تابوا من قريب، وضَمَّنَ ﴿يَتُوبُونَ﴾ معنى يَعْطِفُ فلذلك [عَدَّى] ب «على».
وأما قوله: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ فَراعَى المضاف المحذوف، إذا التّقدير: إنَّما قبولُ التَّوبَةِ على اللهِ، كذا قال الشَّيخ وفيه نَظَرٌ.

فصل


معنى قوله: ﴿فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ﴾ يعني أنّ العبد الَّذي هذا شأنه إذا أتى بالتَّوبة قبلها منه، فالمراد بالأوَّل التّوفيق إلى التوبة، وبالثَّاني قبول التّوبة.
252
وقوله: ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي: أنَّهُ إنَّما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشّهوة والغضب والجهالة عليه «حكيماً» بأن العبد لما كان من صفته ذلك إنَّه تاب عنها من قريب فإنه يقبل توبته.
253
قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات﴾ يعني: المعاصي، لما ذكر شَرَائِطَ التَّوْبَةِ المقبولة، أرْدَفَهَا بِشَرْحِ التَّوبة التي لا تكونُ مقبولة، قوله: ﴿حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت﴾ «حتَّى» حرف ابتداء، والجملةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَهَا غايةٌ لما قَبْلََهَا، أي: ليست التَّوْبَةُ لقوم يَعْمَلُونَ السَّيَئاتِ، وغايةُ عملهم إذَا حَضَرَ أحدَهُمُ المَوْتُ قالوا «كيت وكيت» هذا وجه حَسَنٌ، ولا يجوزُ أنْ تكُونَ «حتى» جارّة ل «إذا» أي: يعملون السَّيِّئاتِ إلى وقت حضور الموتِ من حيثُ إنَّهَا شرطيَّةٌ، والشَّرْطُ لا يعمل فيه ما قبله، وإذا جعلنا «حتَّى» جارَّةً تعلَّقت ب «يعملون» وأدوات الشَّرْطِ لا يعملُ فيها ما قَبْلَهَا، ألا ترى أنَّهُ يجوزُ «بمَن تمرر أمْرُرْ»، ولا يجوز: مَرَرْتُ بمن يقم أكرمْه، لأنَّ له صَدر الكلام، ولأنَّ «إذا» لا تَتَصَرَّفُ على المَشْهُورِ كما تَقَدَّمَ في أوَّل البَقَرَةِ؛ واستدلَّ ابْنُ مَالِك على تصرُّفِهَا بوجُوهٍ:
منها جرها ب «حتَّى» نحو: ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا﴾ [الزمر: ٧١] ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ﴾ [يونس: ٢٢] وفيه من الإشكال [ما ذكرته لك] وقد تَقَدمَ تقرير ذلك عند قوله، ﴿حتى إِذَا بَلَغُواْ﴾ [النساء: ٦].

فصل


دلت هذه الآية عَلَى أنَّ من حَضَرَهُ المَوْتُ وشاهد أهواله لا تقبل توبته، ويُؤيِّدُهُ أيضاً قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقال في صفةِ فِرْعَونَ ﴿أَنَّهُ لاا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ المسلمين آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين﴾ [يونس: ٩٠، ٩١] وقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً [فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ] قَآئِلُهَا﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] وقوله {وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ
253
الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} [المنافقون: ١٠، ١١].
وقال عليه السلام «إنَّ الله - تعالى - يَقْبَلُ تَوْبَة الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» وعن عطاءٍ: ولو قبل موته بفواق النَّاقَةِ.
وعن الحسن: أنَّ إبليس قال حين أهْبِطَ إلى الأرض وعِزّتِكَ لا أفارق ابْن آدم ما دَامَ روحه في جَسَده.
فقال: وَعِزَّتِي لا أُغْلِقُ عليه بَابَ التَّوْبَةِ ما لم يغرغر.

فصل


قال المُحَقِّقُونَ: قُرْبَ الموتِ لا يمنعُ من قَبُولِ التَّوْبَةِ، بل المانع من قبول التَّوْبَةِ مشاهدة الأهوال الَّتي عندها يحصل العلم باللهِ تعالى على سَبِيل الاضطرار. وقالوا: لأنَّ جماعة أماتهم الله تعالى ثُمَّ أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل، وأولاد أيُّوب - عليه السَّلاَمُ - ثمَّ إنَّه تعالى كلَّفهم بعد ذلك الإحياء، فَدَلَّ ذلك على أنَّ مُشَاهَدَةِ الموت لا تخلّ بالتكليف ولأنّ الشَّدائِدَ التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشَّدائد الحاصلة عند مانعة من بقاء التكاليف فكذا القول في تلك الشّدائد.
وأيضاً فالقرب من الموت إذَا عَظُمَتِ الآلامِ [صار اضطرارُ العبد أشَدُّ، واللهُ تعالى يقول ﴿أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] فتزايد الآلام] في ذلك الوقت بأن
254
يكون سبباً لِقَبُولِ التَّوبة أولى مِنْ أن يكون سبباً لعدم قَبُولِ التَّوْبَة.

فصل


لما بيّن تعالى أنَّهُ يقبل التَّوبةَ من القسم الأوَّل، وهم الذين يعملونَ السُّوءَ بجهالة، وبَيَّنَ في هذا القسم الثَّاني يعملون السَّيِّئاتِ أنَّهُ لا يقبل توبتهم فبقي بحكم التَّقسيم العقلي قِسْمٌ ثَالِثٌ مَتَوَسط بين هذين القسمين، وهم الَّذِينَ يعملون السُّوءَ على سبيل العَمْدِ ثم يَتُوبُونَ فلم يخبر عنهم أنَّهُ يَرُدُّ توبتهم، بل تركهم في المَشِيئَةِ حيث قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨].
قوله: ﴿وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ «الذين» مجرور المحل عطفاً على قوله ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات﴾ أي: لَيْسَت التَّوْبَةُ لهؤلاء، ولا لهؤلاء، فَسَوَّى بين مَنْ مَاتَ كافراً وبين من لم يَتُبْ إلاَّ عند معاينة الموتِ في عدمِ قَبُولِ تَوْبَتِه، والمراد بالعاملين السيئات المنافقون.
وأجَازَ أبُو البَقَاءِ في ﴿الذين﴾ أن يكون مرفوع المحلّ على الابتداء وخبره «أولئك» وما بَعْدَهُ مُعْتَقِداً أنَّ اللامَ لام الابتداء وليست ب «لا» النَّافية، وهذا الَّذي قاله من كون اللام لام الابتداء لا يصحُّ أن يكونَ قد رُسِمَتْ في المُصْحَفِ لامٌ داخلة على ﴿الذين﴾ فيصير «وللذين» وليس المرسوم كذلك، وإنَّمَا هو لام وألف، وألف لام التَّعريف الدَّاخلة على الموصول وصورته: ولا الذين.

فصل


قيل: المراد ب «الذين يعملون السيئات» العصاة وب «الذين يموتون وهم كفّار» الذي يموت كافراً؛ لأنَّ المعطوف يكون مغايراً للمعطوف عليه. وقيل: المرادُ بالأوَّل: المنافقون، وبالثاني: الكفَّار.
قال ابنُ الخطيب: وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المنافقَ كافرٌ فيدخل في الثَّاني ويمكن أن يجاب بأنَّ المنافق لما أظهر الإيمان فَمَنْ لم يَعْلَمْ حاله يعتقد أنَّ حكمه حكم المُؤمن، ﴿والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] و «أولئك» يجوزُ أن تكون إشارة إلى ﴿وَلاَ الذين يَمُوتُونَ﴾ وهم كفَّار؛ لأنَّ اسم الإشارةِ يجري مجرى الضَّمير فيعود إلى أقرب مذكور، ويجوزُ أن يُشَار بِه إلى الصّنفين الذين يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، والذين يموتون وهم كفار. ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: أحْضَرِنَا وهذا يَدُلُّ على أنَّ النَّار مخلوقة؛ لأنَّ العذاب الأليم ليس إلاَّ جهنم وقد أخبر عنه بصيغة الماضي، واللهُ أعلم.
255
هذا مُتَّصِلٌ بما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الزوجاتِ.
قال المُفَسِّرُونَ: نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهليَّة، وفي أوَّلِ الإسْلامِ إذا مات الرَّجُلُ وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألْقَى ثوبه على تلك المرأة وقال: وَرِثْتُ امْرأتَهُ كما وَرِثْتُ ماله، فصار أحقُّ بها من سَائِرِ النَّاسِ ومن نفسها فإن شَاءَ تَزَوَّجَهَا بغير صَدَاق، إلاَّ الصّداق الأوّل الّذي أصْدَقَهَا الميت، وإن شاء زَوَّجَهَا من إنسان آخر، وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئاً، وإن شاء عَضَلها ومنعها من الأزْوَاج يُضَارها لتفتدي منه بما أخذت من الميت أو تموت هي فيرثها، وإنْ ذهبت المرَأةُ إلى أهلها قبل أنْ يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بِنَفْسِهَا فكانوا على هذا حتى مات أبو قيس الأسْلَتِ الأنْصَارِي وترك امرأته كُبيشة بنت معن الأنصاريّة فقام ابْنٌ من غيرها يقال له محصن، وقال مقاتل بْنُ حيَّان: اسمه قيس بْنُ أبِي قَيْسٍ، وطرح ثَوْبَهُ عليها فَوَرِثَ نكاحها وتركلها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفتدي منه بما ورثت، «فأتَتْ كبيشةُ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ أبَا قَيْسٍ تُوُفِّي وَوَرِثَ نكاحي ابنه فلا هو ينفق عَلَيَّ وَلاَ يدخل بي ولا يخلي سبيلي فَقَالَ لها: اقْعَدِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَأتِ فِيكِ أمرُ اللهِ،» فأنْزَلَ هذِهِ الآيةَ.
وقيل: كان يكون عند الرَّجل عجوز ولها مال ونفسه تتشوق إلى الشّابّة فيكره فِراق العجوز لمالها، فيمسكها، ولا يقربها حتَّى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرثُ مالها فنزلت الآية تأمر الزَّوْجَ أن يطلِّقَهَا إن كره صحبتها، ولا يرثها كرهاً فذلك قوله «لا يحل لك أن ترثوا النساء كرهاً» والمقصود إذهاب ما كانوا عليه في الجاهِلِيَّةِ وإلاَّ يجعل النِّساء كالمال يورثن عن الرِّجال. قوله: أن ترثوا [النساء] في محلّ رفع على الفاعليَّة ب «يحل» أي: لا يحل لَكُمْ إرثُ النساء.
256
وقرئ: «لا تحل» بالتاء من فوق على تأويل «أن ترثوا» : بالوراثة، وهي مؤنَّثة، وهي كقراءة ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: ٢٣] بتأنيث «تكن» ونصب فتنتهم «بتأويل ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم، إلاَّ أنَّ في آية الأنْعَامِ مسوغاً، وهي الإخبار عنه بمؤنث كما سيأتي، و ﴿النسآء﴾ مفعولٌ به، إمَّا على حذف مضاف أي: أن تَرثُوا مال النِّسَاءِ إن كان الخَطَابُ للأزْوَاجِ، لأنَّهُ روي أنَّ الرَّجُلَ منهم كان إذا لم يكن له غرض في المرأة أمسكها حتى تموتَ؛ فيرثها، أو تَفْتَدِيَ منه بمالها إنْ لم تَمُت، وإمَّا من غير حذف على أن يكون بمعنى الشَّيءِ الموروث إنْ كان الخطاب للأولياء، أو لأقرباء الميّت، وقد تَقَدَّمَ المعنيانِ في سبب النُّزُولِ على ما تَقَدَّمَ؛ فلا يحتاج إلى حَذْفِ أحد المفعولين إمّا الأوَّلُ أو الثَّانِي على جَعْلِ ﴿أَن تَرِثُواْ﴾ متعدّياً لاثنين كما فعل أبُو الْبَقَاءِ.
قال: ﴿النسآء﴾ فيه وجهان:
أحدهما: هُنَّ المفعول الأوَّل، والنساء على هذا هُنَّ الموروثاتُ، وكانت الجاهليّة ترث نساء آبائهم وَيَقُولُونَ: نحنُ أحقُّ بنكاحهنَّ.
والثاني: أنه المفعول الثّاني، والتّقدير: أن ترثوا من النّساء أي: أن ترثوهن كَارِهات، أو مكروهات، وقرأ الأخوان «كرهاً»
هنا وفي «براءة» و «الأحقاف» بضمِّ الكَافِ، وافقهما عاصم وابن عامر في رواية ابن ذكوان عنه على ما يأتي في الأحقاف، والباقون بالفتح.
وقد تَقَدَّمَ في الكُره والكَره بمعنى واحد أم لا؟ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ولا مفهوم لقوله ﴿كَرْهاً﴾ يعني فيجوز أن يرثوهن إذا لم يَكْرَهْن ذلك لخروجه مَخْرج الغالب.
قوله: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فيه وجهان:
أظهرهُمَا: أنَّهُ مجزوم ب «لا» الناهية عطف جملة نهي على جملة خبريَّة فإنْ لم تشترط المناسبةُ بين الجُمَلِ كما هو مذهب سِيبَويْه - فواضحٌ، وَإن اشترطنا ذلك - كما هو رأي بعضهم - فلأن الجُمْلَةَ قبلها في معنى النهي إذ التَّقْديرُ: «ولا ترثوا النساء كرهاً» فإنَّهُ
257
غير حلال لكم. وجعله أبُو البقاءِ على هذا الوجه مستأتفاً يعني أنَّه ليس بمعطوفٍ على الفعلِ قبله.
والثَّانِي: أجازه ابن عطية وَأبَو البَقَاءِ أن يكون منصوباً عطفاً على الفِعْلِ قبله.
وقال ابنُ عَطِيَّةَ: ويُحتمل أن يكونَ ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ نصباً عطفٌ على ﴿تَرِثُواْ﴾ فتكون الواو مشتركةً عاطفةً فِعْلاً على فعلٍ.
وقرأ ابْنُ مَسْعُودٍ: «ولا تعضلوهن» فهذه القراءة تقوّي احتمال النّصب، وأن العَضْلَ مَمَّا لا يَحِلُّ بالنص.
وردَّ أبو حيَّان هذا الوجه بأنَّكَ إذا عطفت فعلاً منفياً ب «لا» على مثبت وكانا منصوبين فَإنَّ النَّاصبَ لا يُقَدَّر إلاَّ بعد حرف العطف لا بعد «لا»، فإذا قلت: أريد أن أتوب ولا أدخل النار، قال التقدير: أريد أن أتوبَ و [أنْ] لا أدخل النار «؛ لأن الفعل يطلب الأول على سبيل الثبوتِ، والثاني على سبيل النفي والمعنى: أريدُ التوبةَ انتفاء دخولي النار، فلو كان المتسلط على المتعاطفين نفياً فكذلك، ولو قدَّرْتَ هذا التقدير في الآية لم يصح لو قلت:» لا يحل أن لا تعضلوهن «، لم يصح إلاَّ أن تجعل» لا «زائدة لا نافيةً، وهو خلاف الظاهر، وأما أن تقدِّر» أنْ «بعد» لا «النافية فلا يَصِحُّ، وإذا قَدَّرتَ» أن «بعد» لاَ «كان من عطف المصدر المقدّر على المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على الفعل، فالتبس على ابْنِ عَطِيَّة العطفان، وظَنَّ أنَّهُ بصلاحية تقدير» أن «بعد» لا «يكونُ مِنْ عَطْفِ الفعل على الفعل وفَرْقٌ بين قولِك» لا أريد أن تقوم إلا تخرج «وقولك: أرِيدُ أنْ تَقُوم ولا أنْ تَخْرُجَ، ففي الأول نَفَى إرادةَ وجودِ قيامه، وإرادة انتفاء خروجه، فقد أرادَ خروجه، وفي الثَّانية نَفَى إرادةَ وجودِ قيامه ووجودَ خروجه، فلا يريد لا القيام، ولا الخروج.
وهذا في فهمه بعضُ غموضٍ على مَنْ تَمَرَّنَ في علم العربيَّةِ؛ انتهى ما ردّ بِهِ.
قال شهابُ الدِّينِ: وفيه نظر من حيث إنَّ المثال الّذي ذكره في قوله: «أريد أن أتوب ولا أدخل النار»
فَإنَّ تقديرَ النَّاصب فيه قبل «لا» واجب من حيثُ إنَّهُ لو قُدِّرَ بعدها
258
لفسد التركيب، وأما في الآية فتقدير «أن» بعد «لا» صحيح، فَإنَّ التقدير يصير: لا يَحِلُّ لكم إرث النساء كَرْهاً ولا عَضْلُهن، ويَؤيِّدُ ما قلته، وَمَا ذَهَبَ إليه ابن عكيَّةَ قولُ الزمخرشيِّ فإنَّهُ قال: فإن قلت: تَعْضُُلُوهُنَّ ما وجه إعرابه؟ قلت: النَّصبُ عطفاً على ﴿أَن تَرِثُواْ﴾ و «لا» لتأكيد النّفي أي: «لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن: فَقَدِ صَرَّحَ الزمخشري بهذا االمعنى وصَرَّحَ بزيادة» لا «التي جَعَلَها الشيخ خلاف الظاهر، وفي الكلام حذف تقديره:» ولا تعضلوهن من النكاح «إن كان الطاب للأولياء: أو: لا تعضلوهن من الطلاق، إن كان الخطاب للأزواج.
وهو قول أكثر المفسرين.
وقيل: [هو] خطابُ الوارث الزَّوج بحبس الزّوجة حتى تَرُدَّ الميراث.
قال ابنُ عَطِيَّة: هذا في الرَّجُلِ تكون له المرَْأةُ وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر فنهاه اللهُ عن ذلك.
وقيل: الخِطَابُ عامٌّ في الكلِّ.
قوله: ﴿لِتَذْهَبُواْ﴾ اللام متعلّقةُ ب ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والباء في»
ببعض «فيها وجهان:
أحدهُمَا: أنَّها باء التعدية المرادفةُ لهمزتها أي: لتِذْهِبُوا بما آتيتموهن.
والثاني: أنها للمصاحبةِ، فيكون الجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال، ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض، و»
ما «موصولة بمعنى الذؤي، أوْ نكرة موصوفة، وعلى التقديرين فالعائدُ محذوف، وفي تقديره إشْكَالٌ تَقَدَّمَ الكلام عليه في البقرة عند قوله: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ﴾ في هذا الاستثناء قولان:
أحدُهُمَا: أنه منقطعٌ فيكونُ ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ﴾ في محلِّ نصب.
والثَّاني: أنه متَّصِلٌ وفيه حينئذٍ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه مستثنى من ظرف زمان عام تقديره:»
ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلاّ في حال إتيانهن بفاحشة «.
والثَّاني أنَّه مستثنى من الأحوال العامَّة، تقديره: ولا تعضلوهن في وقتٍ من الوقات إلاَّ في حال إتيانهن بفاحشة، والمعنى لا يحل له أن يحبسها ضراراً حتى
259
تفتدي منه إلاّ إذا زَنَتْ، والقائلون بهذا منهم من قال بقي هذا الحكم ولم ينسخ ومنهم من قال: نسخ بآية الجلد.
الثالث: أنه مستثنى من العلة العامة تقديره: لا تعضلوهن لعلةٍ من العلل إلا لإتيانهن بفاحشة.
وقال أبو البثاء بعد أن حكى فيه وجه الانقطاه: «والثاني: هو في موضع الحال تقديره: إلاَّ في حال [إتيانهن بفاحشةٍ، وقيل: هو استثناء متصل، تقديره: ولا تَعْضُلوهن في حال إلا في حال] إتيان الفاحشة» انتهى.
وهذان الوجهان هما في الحقيقة وجهٌ واحد، لأنَّ القائلَ بكونه منصوباً على الحال لا بُدَّ أن يقدِّر شيئاً عاماً يجعل هذا الحال مستثناةً منه.
وقرأ ابنُ كثير وأبو بكر عن عاصم: «مبيَّنة» اسم لمفعول بفتح الياء في جميع القرآن، أي بَيَّنَها في قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس فَمَن تَبِعَنِي﴾ [إبراهيم: ٣٦] والباقون بكسر الياء من اسم الفاعل وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّهُ من بيَّن المتعدي، فعلى هذا [يكون] المفعول مَحْذُوفاً تقديره [مبينة حال مرتكبها.
والثاني: أنها من بَيَّن الازم، فإن بَيَّنَ يكون متعديا ولازماً يقال:] بانَ الشَّيْء وأبان واستبان، وبين تبين، بمعنى واحد أي: أظهر، وإذا ظهرت صارت أسباباً للبيان، وإذا صَارَتْ سبباً للبيان جاز إسناد البيان إليها، كما انذَ الأصنام لما كانت شسبباً للضلال حسُنَ إسناد الإضلال إليها لأنَّ الفاحشة لا فعل لها في الحَقِيقَةِ. وأيضاً الفاحشة تتبين فإن يشهد عليها أربعة صارت مبينة.
وقرأ بعضهم «مُبَينَة» بكسر الياء وسكون الياءِ اسم فاعل من «أبان» وهذان الوجهان [هما] المتقدّمان في المشددة المكسورة، لأن «أبان» أيضاً يكون متعدياً ولازماً وأما «مبيناتط جمعاً فقرأهن الاخوان وابن عامر وحفص عن عاصم بكسر
260
الياء اسم فاعل، والباقون بفتحها اسم مفعول، وتَقَدَّمَ وجه ذلك.

فصل


قال ابنُ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةُ: الفاحشة هي النُّشوز، وإيذاء الزَّوج، والمعنى إذا كان سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخُلْعِ ويُؤَيِّدُهُ قولُ أبيٍّ بن كعب، إلاَّ أن يفحشن عليكم.
وقال الحَسَنُ، وأبو قلاَبَةَ والسُّدِّيُّ: هي الزنى والمعنى، إذَا نَشَزَتِ الَمْرأةُ، أوْ زَنَتْ حَلَّ للزَّوْج أنْ يسألها الخُلْعَ.
وقال عطاء: كان الرَّجُلُ إذا أصابت امرأته فَاحِشَةً أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ اللهُ ذلك.
قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف﴾.
وقال الزَّجَّاجُ: وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول.
وقيل: أن يتصنّع لها كما تَتَصَنع له.
[قوله:] ﴿بالمعروف﴾ لها وجهان:
أظهرهما: أنَّهَا باءُ الحالش، أي: من الفاعل مُصَاحبين لهن بالمعروف، أو من المفعول أي مصحوبات بالمعروف.
والثَّاني: أنها باء التعدية.
قال أبُو البَقَاءِ: بالمعروف مفعول، أو حال.

فصل


قال القُرْطُبِيُّ: استدل علماؤنا بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف﴾ أنّ المرأة
261
إذا لم يكفيها خادم واحد أنَّ عليه أن يكفيها قدر كفايتها كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأنَّ ذلك هو المعاشرةُ بالمعْرُوفِ.
وقال الشَّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: لا يلزمه إلا خادم واحد، وذلك يكفيها خدمة نفسها وليس في العالم امرأة إلا ويكفيها خادم واحد، وهذا كالمقاتل تكون له أفراس فلا يُسْهمُ لَهُ إلاَّ بفرس واحد؛ لأنه لا يقاتل إلا على فرس واحد، قال علماؤنا: وهذا التشبهي غلط؛ لأن مثل بنات الملوك اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد، لأن إصلاح شأنها ومطبخها، وغسيل ثيابها لا يكفيها خادم واحد يقوم بذلك.
قوله: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ [فعسى﴾ ] أي إن كرهتم عشرتهن بالمعروف وآثرتم فراقهن.
قوله: ﴿فعسى﴾ الفاء جواب الشرط، وإنَّمَا اقترنت بها عسى؛ لأنها جامدة.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت من أي وجه صح أن يكون فعسى جزاء للشرط؟
قلت: من حيث المعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكرامة، فلعلَّ لكم فيما تكرهون خيراً كثيراً ليس فيما تحبون.
ولهذا قال قَتَادَةُ: فإنه فسر الخير الكثير بودٍّ يحصل فتنقلب الكراهة محبة، فلعلَّ لكم فيما تكرهون خيراً كثيراً ليس فيما تحبون.
وقيل: ولد صالح.
وقرئ وَيَجْعَلُ برفع اللام.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ على أنه حال يعني: ويكون خبر المبتدأ محذوف لئلا يلزم دخول الواو على مضارع مثبت، و «عسى» هنا تامة؛ لأنها رفعت انَّ وما بعدها، والتقدير: فقد قربت كراهيتكم فاستغنت عن تقدير خبر، والضمير في «فيه» يعود على شيء، أي: في ذلك الشيء المكروه.
وقيل: يعود على الكره المدلول عليه بالفعل، والمعنى ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ ورغبتم في مفارقتهن، فربما جعل في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً، وذلك بأن تتزوج غيره خيراً منه.
ونظيره قوله: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] وهذا قول
262
الأصَمِّ، قال القاضي، وهذا بعيد؛ لأنه تعالى حث بما ذكر على استمرار الصحبة فكيف يريد المفارقة.
وقيل: الضمير يعود على الصبر، وإن لم يجر له ذكر.
263
لما اذن في مضارة الزوجات إذَا أتبني بفاحشة مبينة بين في هذه الاية تحريم المضارة في غير حال الإتيان بالفاحشة؛ وذلك لأن الرجل إذا مال إلى التَّزَوُّج بامرأة أخرى، وزمى زوجته بنفسه بالفاحشة حتى يُلْجِئَها إلى الافتداء منه بما أعْطاهَا ليصرفه في تزوج المرأة التي يريدها، فقال تعالى ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾. قوله: ﴿مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ ظرف منصوب بالاستبدال، والمراد بالزوج هنا الجمع، أيْ: فإن أردتم استبدال أزواج مكان أزواج وجاز ذلك [لدلالة] جمع المستبدلين، إذ لا يتوهم اشتراك المخاطبين في زوج واحد مكان زوج واحد، ولإرادة معنى الجمع عاد الضمير من قوله ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ على «زوج» جمعاً. [و] التي نهى عن الأخذ منها في المستبدل مكانها؛ لأنها آخذة منه بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ وهذا إنَّمَا هو في القديمة لا في المستحدثة، وقال: ﴿إِحْدَاهُنَّ﴾ ليدل على أنه قوله ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ المراد منه: وآتى كل واحد منكم إحداهن أي: إحدى الأزواج [ولم يقل: «آتيتموهن قنطاراً، فدَلَّ [على] لفظ إحداهن». على أنَّ الضمير المراد استبدال أزواج مكان أزواج فأرِيدَ بالمفرد هنا الجمع، لدلالة ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾، واُرِيدَ بقوله: «وآتيتم كل واحد واحد» لدلالة إحداهن - وهي مفردة - على ذلك، ولا يَدُلُّ على هذا المعنى البليغ بأوجز، ولا أفصح من هذا التركيب، وقد تقدم معنى القنطار واشتقاقه في «آل عمران» والضمير في «منه» عائد على قنطار.
وقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «آتيتم إحداهن» بوصل ألف إحدى، كما قرأ «إنها لإحدى الكبر»، حذف الهمزة تحقيقاً كقوله: [الرجز]
263
١٧٧١ - إنء لَمٍ اُقَاتِلْ فَالْبِسُونِي بُرْقُعَا... وقد طول أبُو البَقَاءِ هنا، ولم يأتِ بطائلٍ فقال: وفي قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ إشكالان:
أحدهما: أنه جمع الضمير والمتقدم زوجان.
والثاني: أن التي يريد أن يستبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالاً، فَنَهَاهُ عن أخذه، فَأَمَّا التي يريد أن يستحدث بها فلم يكن أعطاها شيئاً حَتَّى ينهى عن خذه، ويتأيد ذلك بقوله ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾.
والجواب عن الأول: أنَّ المراد بالزوج الجمع؛ لأن الخطاب لجماعة الرجاال، وكل منهم [قد] يريد الاستبدال، ويجوز أنْ يكون جمع؛ لأن التي يريد أنْ يستحدثها يفضي حالها إلى أن تكون زوجاً و [أن] يريد أن يستبدل بها كما استبدل بالأولى فجمع على هذا المعنى.
وأمَّا الإشكال الثاني ففيه جوابان:
احدُهُمَا: انَّه وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل «وآتوتموهن».
والثاني: أن المستبدل بها مبهمة فقال «إحداهن» إذْ لم يتعين حتى يرجع الضمير إليها، وقد ذكرنا نحواً من هذا في قوله «فتذكر إحداهما الأخرى» انتهى.
قال شهابُ الدِّينِ: وفي قوله «وضع الظاهر موضع المضمر» نظر؛ لأنَّهُ لو كان الأصل كذلك لأوهَمَ أنَّ الجميع آتوا الأزْوَاجَ قنطاراً كما لم تقدم وليس كذلك.

فصل [حكم المغالاة في المهر]


قالوا: دَلَّتِ الآية على جواز المغالاة في المهر.
264
رُوِيَ أنَّ عمر بن الخطاب قال على المِنْبَرِ: «ألاَ لاَ تُغَالُوا في مهور نِسَائكُم» فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب الله يعطينا وَأنْتَ تمنع، وتلت الآية فقال عمر: كلّ الناس أفْقَهُ مِنْكَ يا عكرُ، ورجع عن ذلك.
قال ابن الخطيب: وعندي أنَّ الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة؛ لأن قوله ﴿إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ لا يدل على جواز إيتاء القنطار، كما أن قوله ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لا يدل على حصول الآلهة فالحاصل أنَّهُ لا يلزم مكن جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «من قُتل له قتيلٌ فأهله بين خيرتين» ولم يلزم منه
265
جواز القتل، وقد يقول الرجل: لو كان الإله جسماً لكان محدثاً، وهذا حق، ولا يلزم منه أن [قولنا] الإله جسم حق.

فصل


يدخل في الآية ما إذَا كان آتَاهَا مهرها، وما إذا لم يؤتها؛ لأنه
إذَا أوقع العقد على الصداق فقد آتاها ذلك الصداق في حكم الله فلا فرق بين ما إذا آتاها الصداق حساً، وبين ما إذا لم يؤتها.

فصل [في الخلوة الصحيحة هل تقرر المهر؟]


احتج ابُو بكر الرازي بهذه الآيةَ على أنَّ الخلوة الصحيحة تقرر المهر.
قال: لأنَّ اللهَ تعالى منع الزوج من أنْ يأخذ منها شيئاً من المهر، وهذا المنع مطلق ترك العمل قبل الخلوة؛ فوجب أن يكون معمولاً به بعد الخلوة.
قال: ولا يجوز أن يقال إنَّه مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرر: ٢٣٧] لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس.
فقال عمر وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: المراد من المسيس: الخلوة.
وقال عبد الله: هو الجماع إذَا صار مختلفاً فيه امتنع جعله مخصصاً لعموم الآية.
وأجيب أنَّ هذه الآية هنا مختصة بعد الجماع لقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ وإفضاء بعضهم إلى بعض، هو الجماع على ما سيأتي.

فصل [سوء العشرة هل يوجب العوض]


سُوءُ العشرة إنْ كان من قِبَلِ الزوجة حَلَّ أخذ بدل الخُلْعِ؛ لقوله: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ وإن كان من قِبل الزوج، كثرِهَ له أن يأخذ من مهرها شيئاً؛ لأنه نهى في هذه الآية عن الأخذ، ثم إن خالف وفعل ملك بدل الخُلْعِ كما أنَّ البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.
قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ استفهام إنكاري أي: اتفعلونه مع قبحه، وفي نصب ﴿بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ وجهان:
266
أحدهما: أنها منصوبان على المفعول من أجله أي لبهتانكم وإثمكم.
قال الزمخشريُّ: فإن لم يكن عَرَضاً كقولك: قعد عن القتال جبناً.
وقيل: انتصب ينزع الخافض أي ببهتان.
والثاني: أنَّهُمَا مصدران في موضع الحال، وفي صاحبهما وجهان:
أظهرهُمَا: أنَّه الفاعل في أتأخذونه أي: باهتين وآثمين.
والثاني: أنَّهُ المفعول أي: أتأخذونه مبهتاً محيراً لشنعته، وقبح الأحدوثة عنه، والتقدير: تصيبون في أخذه بهتاناً، والبُهْتَانُ فُعْلان من البُهْتِ، وهو في اللغة: الكذب الذي يواجه به الإنسان صاحبه على وجه المكابرة، وأصله من بهت الرَّجُلُ إذا تحيَّر فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمه ثم جُعِلَ كُلُّ باطل يتحير من بطلانه بهتاناً، ومنه الحديث: «إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بَهَتَّهُ» ولقد تقدم الكلام عليه في البقرة.
وفي تسمية هذا الأخذ «بهتانا» وجوه:
أحدها: انَّهُ تَعَالى لما فرض لها ذلك المهر فأخذهُ؛ كَأنَّهُ يقول: ليس ذلك بفرض فيكون بُهْتَاناً.
وثانيها: أنَّ العقد يستلزم مهراً وتكفل بالعقد تسليم ذلك المهر إيلها ولا يأخذه منها، صار ذلك القول الذي عقد به العقد بهتاناً.
وثالثها: أنا ذكرنا أنه كان من عادتهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة، حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان ذلك واقعاً على هذا الوَجْهِ في الأغلب جعل كأنه أخذه بهتاناً [وإثماً].
[رابعها: أنَّه عقاب البهتان والإثم المبين فهو كقوله: ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ [النساء: ١٠].
وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ تقدَّمَ الكلام في كيف عند قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ [البقرة: ٢٨].
267
قوله: ﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ﴾ الواو للحال، والجملة بعدها: في محل نصب، وأتى ب «قد» ليقرب الماضي من الحال، وكذلك «أخذن» وقد مقدرة معه لتقدم ذكرها، وأصل أفْضَى ذهب إلى فضاه أي ناحية سعته، يقال: فَضَى يَفْضُو فَضْواً، وأفضى: عن ياء أصلها واو.
وقال اللَّيْثُ: أفْضَى فلان إلى فلان أي: وصل إليه، وأصله أنه صار في فضائه وفرجته.
وقال غيره: اصل الإفْضَاءِ الوصول إلى الشيء من غير واسطة.
وللمفسرين في هذا الإفضاء قولان:
أحدهُمَا: قال ابن عباس: ومجاهد، والسدي أنَّهُ كناية عن الجماع وهو اختيار الزجاج، وابن قتيبة، ومذهب الشافعيّ؛ لأنَّ عنده أن الزوج إذا أطلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإنْ خلا بها.
والثاني: أنَّ الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها.
وقال الكلبي: الإفضاء ان يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، وهذا اختيار الفراء، ومذهب أبي حنيفةَ؛ لأن الخلوةَ في الأنكحة الصحيحة تقرر المهر، واسْتَدَلُّوا على القول الأوَّّلِ بوجوهٍ:
أحدها: ما تَقَدَّمَ عن الليث: أنه يصير في فرجته وفضائه، وهذا المعنى إنَّمَا يحصل في الحقيقة عند الجماع.
وثانيها: انه تعالى ذكر في معرض التعجب فقال ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قوياً في حصول الألفة والمحبّة، وذلك لا يحصل بمجرد الخلوة وإنَّمَا يحصل بالجماع، فيحمل عليه.
وثالثها: أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مفسراً بفعل منه ينتهي إليه؛ لأن كلمة «إلى» لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليبس كذلك؛ لأن عند الخلوة المحضة لم يصل كل واحد منهما إلى الآخر فامتنع تفسير قوله: ﴿أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ بمجرد الخلوة.
وإنْ قيل: إذا اضطجعها في لحافٍ واحد ملامساً فقد الإفْضَاء مِنْ بعضهم إلى بعض؛ فوجب أن يكون ذلك كافياً وأنتم لا تقولون به.
268
فالجَوَابُ أنَّ القائل بذلك قائلان: قائل يقول: المهر لا يتقرر إلاَّ بالجماع، وآخر يقول: يتقرَّر بمجرد الخلوة ولا يقولُ أحَدٌ إنَّه يتقرر بالملامسة والمضاجعة فَبَطَلَ هذا القول بالإجماع، ولم يبق في تفسير الإفضاء إلاَّ أحد أمرين: إمَّا الجماع، وإمَّا الخلوةَ، وقد أبطلنا القول بالخلوة بما بيناه فلم يبق إلاَّ أن المراد بالإفْضَاءِ الجماع.
ورابعها: أنَّ المهر قَبْلَ الخُلْوَةِ ما كان مُتَقَرِّراً، وقدو علّقَ الشَّرع تقريره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه في المُرَادِ بهذا الإفضاء هل هو الخُلوة، أو الجماع، وإذَا وقع الشكُّ وجب بقاء ما كان على ما كان والأصل براءة الذمة.
احتج من قال: بأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر وتُوجِبُ العدةَ دخل بها أوْ لم يدخل بها بما رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عن [ابن] ثوبان، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأةٍ ونَظَرَ إلَيْهَا وَجَبَ الصَّدَاقُ» وقال عمر: إذَا أغْلَقَ باباً وأرخى ستراً وأرى عورة فقد وجب الصداق، وقضى الخلفاء الراشدون أنَّ من أغلق باباً، وأرخى ستراً فقد وجب الصداق وعليها العدة.
قوله ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُ﴾ في منكم زوجان:
أظهرهما: أنه متعلق ب «أخذن»، وأجاز فيه أبُو الْبَقَاءِ أن يكون حالاً من ميثاقاً قدّم عليه كأنه لما رأى أنَّه يجوز أن يكون صفة لو تأخر أجاز ذلك وهو ضعيف.
قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعكرمة، والفراء: المراد بالميثاق هو قول الولي عند العقد: زوّجْتُكَها على ما أخذ للنساء على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
وقال الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ ومُجَاهِدٌ: في كلمة النِّكَاحش المعقود عليها على الصداق
269
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «اتَّقُوا اللهَ في النِّسَاءِ فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بأمَانَةِ اللهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ».
وقيل المراد بالميثاق الغليظ هو: إفْضَاءُ بعضهم إلى بعض وصفه بالغلظة لعظمة ما يحدث بين الزوجين من الاتحاد والألفة والامتزاج.
270
وقوله :﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ﴾ تقدَّمَ الكلام في كيف عند قوله :﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ البقرة : ٢٨ ].
قوله :﴿ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ ﴾٢٧ الواو للحال، والجملة بعدها : في محل نصب، وأتى ب " قد " ليقرب الماضي من الحال، وكذلك " أخذن " وقد مقدرة معه لتقدم ذكرها، وأصل أفْضَى ذهب إلى فضاه أي ناحية سعته، يقال : فَضَى يَفْضُو فَضْواً، وأفضى : عن ياء أصلها واو.
وقال اللَّيْثُ : أفْضَى فلان إلى فلان أي : وصل إليه، وأصله أنه صار في فضائه وفرجته.
وقال غيره : أصل الإفْضَاءِ الوصول إلى الشيء من غير واسطة.
وللمفسرين٢٨ في هذا الإفضاء قولان :
أحدهُمَا : قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي أنَّهُ كناية عن الجماع٢٩ وهو اختيار الزجاج، وابن قتيبة، ومذهب الشافعيّ ؛ لأنَّ عنده أنَّ الزوج إذا أطلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإنْ خلا بها.
والثاني : أنَّ الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها٣٠.
وقال الكلبي : الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، وهذا اختيار الفراء، ومذهب أبي حنيفةَ ؛ لأن الخلوةَ في الأنكحة الصحيحة تقرر المهر، واسْتَدَلُّوا على القول الأوَّّلِ بوجوهٍ :
أحدها : ما تَقَدَّمَ عن الليث : أنه يصير في فرجته وفضائه، وهذا المعنى إنَّمَا يحصل في الحقيقة عند الجماع.
وثانيها : أنه تعالى ذكر في معرض التعجب فقال ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قوياً في حصول الألفة والمحبّة، وذلك لا يحصل بمجرد الخلوة وإنَّمَا يحصل بالجماع، فيحمل عليه.
وثالثها : أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مُفَسراً بفعل منه ينتهي إليه ؛ لأن كلمة " إلى " لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليبس كذلك ؛ لأن عند الخلوة المحضة لم يصل كل واحد منهما إلى الآخر فامتنع تفسير قوله :﴿ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ بمجرد الخلوة.
وإنْ قيل : إذا اضطجعها في لحافٍ واحد ملامساً فقد حصل الإفْضَاء مِنْ بعضهم إلى بعض ؛ فوجب أن يكون ذلك كافياً وأنتم لا تقولون به.
فالجَوابُ أنَّ القائل بذلك قائلان : قائل يقول : المهر لا يتقرر إلاَّ بالجماع، وآخر يقول : يتقرَّر بمجرد الخلوة ولا يقولُ أحَدٌ إنَّهُ يتقرر بالملامسة والمضاجعة فَبَطَلَ هذا القول بالإجماع، ولم يبق في تفسير الإفضاء إلاَّ أحد أمرين : إمَّا الجماع، وإمَّا الخلوةَ، وقد أبطلنا القول بالخلوة بما بيناه فلم يبق إلاَّ أن المراد بالإفْضَاءِ الجماع.
ورابعها : أنَّ المهر قَبْلَ الخُلْوَةِ ما كان مُتَقَرِّراً، وقد علّقَ الشَّرع تقريره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه في المُرَادِ بهذا الإفضاء هل هو الخُلوة، أو الجماع، وإذَا وقع الشكُّ وجب بقاء ما كان على ما كان والأصل براءة الذمة.
احتج من قال : بأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر وتُوجِبُ العدةَ دخل بها أوْ لم يدخل بها بما رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عن [ ابن ]٣١ ثوبان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٣٢ :" مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأةٍ ونَظَرَ إلَيْهَا وَجَبَ الصَّدَاقُ " ٣٣ وقال عمر : إذَا أغْلَقَ باباً وأرخى ستراً ؛ وَجَبَ الصداق وعليها العدة ولها الميراث٣٤، وعن علي : إذا أغلق باباً وأرخى ستراً ورأى عورة فقد وجب الصداق، وقضى الخلفاء الراشدون أنَّ من أغلق باباً، وأرخى ستراً فقد وجب الصداق وعليها العدة٣٥.
قوله ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُ ﴾ في منكم وجهان :
أظهرهما : أنه متعلق ب " أخذن "، وأجاز فيه أبُو الْبَقَاءِ أن يكون حالاً من ميثاقاً قدّم عليه كأنه لما رأى أنَّه يجوز أن يكون صفة لو تأخر أجاز ذلك وهو ضعيف.
قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعكرمة، والفراء : المراد بالميثاق هو قول الولي عند العقد : زوّجْتُكَها على ما أخذ للنساء على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان٣٦.
وقال الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ ومُجَاهِدٌ : في كلمة النِّكَاحِ المعقود عليها على الصداق٣٧ وقال عليه الصلاة والسلام :" اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بأمَانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ " ٣٨.
وقيل المراد بالميثاق الغليظ هو : إفْضَاءُ بعضهم إلى بعض وصفه بالغلظة لعظمة ما يحدث بين الزوجين من الاتحاد والألفة والامتزاج.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ إلى قوله: [سبيلا].
قال الأشعث بن سَوّار توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه امرأة أبيه فقالت إنِّي أعدّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استأمره، فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية.
قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا بهذه الآية عن [ذلك. قوله «ما نكح» في «ما» هذه قولان] :
أحدهما: أنها موصولة اسمية واقعة على انواع من يعقل كما تقدم في قوله ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: ٣] هذا عند من لا يجيز وقوعها على آحاد العقلاء فأما من يجيز ذلك فيقول: إنها واقعة موقع من ف «ما» مفعول به بقوله «ولا تنكحوا» والتقدير: ولا تتزوّجُوا من تزوج آباؤكم.
270
والثاني: أنها مصدرية أي: ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم الّذي كان من الجاهليَّة وهو النكاح الفاسد كنكاح الشغار وغيره، واختار هذا القول جماعة وغيره، واختار هذا القول جماعة منهم ابن جرير الطبري وقال: ولو كان معناه: ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع «ما» «من» انتهى. وتبين كونه حراماً، أو فاسداً من قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً﴾. قوله ﴿مِّنَ النسآء﴾ تقدم نظيره أول السورة.

فصل [حكم نكاح مزنية الأب]


قال أبو حنيفة وأحمد: يحرم على الرجل ان يتزوج بمزنية أبيه وقال الشافعي: لا يحرم، واحتج الأولون بهذه الآية، لأنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه، والنكاح عبارة عن الوطء لوجوه:
أحدها: قوله تعالى ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فأضاف النّكاح إلى الزّوج، والنّكاح المضاف إلى الزّوج هو الوطء لا العقد؛ لأن الإنسان لا يتزوج من [زوجة] نفسه؛ لأن ذلك في تحصيل الحاصل؛ ولأنَّهُ لو كان المراد به في هذه الآية العقد لحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد، فتعين أن يكون هو الوطء؛ لأنه لا قائل بالفرق. وثانيها: قوله ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] والمراد به الوطء لا العقد؛ لأن أهلية العقد كانت حاصلة.
وثالثها: قوله: ﴿الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً﴾ ولو كان المراد العقد لزم الكذب.
ورابعها: قوله عليه [الصلاة] والسلام «ناكح اليد ملعون» وليس المراد العقد فثبت بهذه الوجوه أنَّ النكاح عبارة عن الوطء فلزم أن يكون المراد من قوله «ما نكح آباؤكم» أي: وطئن آباؤكم، فيدخل فيه المنكوحة والمَزْنِيُّ بها.
فإن قيل قد ورد أيضاً لفظ «النكاح» بمعنى العقد، قال تعالى
﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: ٣]. إذا نكحتم المؤمنات.
وقال عليه [الصلاة] والسلام: «ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح» فلم كان حمل اللفظ على الوطء أوْلَى من حمله على العقد؟
271
فالجواب أن لفظ «النكاح» حقيقة في الوطء مجاز في العقد. لأنَّ لفظ النكاح في أصْلِ اللغة عبارة عن الضَّمِّ، ومعنى حاصل في الوطء لا في العقد، فكان حقيقة في الوطء وإنَّمَا سُمِّيَ العقد بهذا الاسم؛ لأنه سبب الوطء، فيكون من باب إطلاق اسم المسبب على السبب كما أنَّ العقيقة: اسم للشِّعْرِ الذي يكون على رأس الصغير حال ما يولد ثم تُسَمَّى الشاة التي تذبح عند خلق ذلك الشِّعْر عقيقة [فكذا ها هنا. هذا على قول من يقول: لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته] ومجازه فلا جرم نقول: المستفاد من هذه الآية حكم الوطء أمَّا حكم العقد فَإنَّهُ يستفاد من دليل آخر، فأمَّا [من] ذهب إلى اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميْه معاً، فإنه يقول دلت الآية على لفظ النكاح حقيقة الوطء، وفي العقد معاً، فكان قوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء﴾ نهي عن الوطء وعن العقد معاً حملاً للفظ على مفهوميه ولو سلمنا أنَّه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميْه معاًً، لكن ثبت بالدلائل المذكورة أنَّ لفظ النكاح قد استُعمِلَ في الوطء تارةً، وفي العقد أخرى، والقول بالاشتراكِ والمجاز خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو معنى الضمّ حتَّى يندفع الاشتراك والمجاز، فإذا كان كذلك كان قوله: «ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء» نهياً عن كل واحد من القسمين لا محالة، فإنّ النهي عن التزويج يكون نهياً عن العقد، وعن الوطء معاً، وأجيبوا عن هذا الاحتجاج بوجوه:
الأوَّل: لا نسلم أنَّ النكاح يقع على الوطء، والوجوه الَّتي احتجوا بها معارضة بوجوه:
الأول: قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «النِّكَاحُ سُنَّتِي» ولا شك أنَّ الْوَطْءَ من حيث كونه وَطْئاً ليس سنة [له] وإلا لزم أنْ يكون الوطء بالسفاح سُنَّةًَ فلما ثبت أنَّ النِّكاح سنة، وثبت أن الوطء ليس بسنة ثبت أنَّ النكاحَ ليس عبارة عن الوطء وكذلك قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا» ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذناً في مطلق الوطء، وكذا التمسك بقوله ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: ٣].
لا يقال: لما وقع التعارض بين هذه الدّلائل فالترجيح معنا، وذلك لأنَّا لو قلنا الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دليلنا، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى.
272
لأنَّا نقول: أنْتُم تساعدونا على أنَّ لَفْظَ النِّكاح مستعمل في العقد، فلو قلنا: إنَّ النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النِّكَاح فيها بمعنى الوطء ولا يلزمنا التخصيص فقولكم: يوجب المجاز والتخصيص معاً وقولنا: يوجب المجاز فقط، فكان قولنا أوْلَى.
الوجه الثَّاني من الوجوه الدَّالة على أنَّ النِّكاح ليس حقيقة في الوطء قوله عليه [الصلاة] والسلام «وُلِدَتْ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أُولد مِنْ سِفَاحٍ» وهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحاً.
الوجه الثالث: من حلف في أولاد الزنا أنهم ليسوا أولاد نكاح لَمْ يَحْنَثْ، ولو كان الوطء نكاحاً لوجب أن يحنث.
سلمنا أنَّ الوطء يسمى نكاحاً لوجب أن يحنث.
سلمنا أنَّ الوطء يسمى نكاحاً لكن العقد أيضاً يسمى نكاحاً فلم كان حمل الآية على ما [ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا].
وأمَّا قولهم إنَّ الوطء مسبب للعقد، فكما يحسن إطلاق المسبب مجازاً فكذا يحتمل أن يُقَالَ النِّكاح اسم للعقد ثم أُطْلِقَ هذا الاسم على الوطء لِكَوْنِ الوطء مسبباً له، فلم كان أحدهما أوْلَى من الآخر، بل ما ذكرناه أولى؛ لأن استلزام السبب للمسبب أولى وأتم من استلزام المسبب للسبب المعين، فإنَّهُ لا يمنع حصول الحقيقة الواحدة بأسباب كثيرة كالمِلْك، فَإنَّهُ يحصل بالبيع واهبة والوصية والإرث، ولا شك أنَّ الملازمة شرط لجواز المجاز، فَثَبَتَ أنَّ القول بأنَّ اسم النِّكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد أولى من عكسه.
والوجه الثاني: أنَّهُ ثبت في أصول الفِقْهِ أنَّهُ يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معاً فحينئذ يلزم ألا تكون الآية دالة على حكم العقد، وهذا وإن كانوا قد التزموه لكنه مدفوع بإجماع المفسرين على سبب نُزُولِ هذه الآية هو أنَّهُم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، وأجمع المسلمون على أنَّ سبب نزول تلك الآية لا بد وَأنْ يكون داخلاً [تحت الآية، بل اختلفوا في أنَّ غيره هل يدخل تحت الآية أم لا؟ فَأمَّا أنَّ سبب النُّزول يكون] داخلاً فيها فذلك مجمع عليه، وإذَا ثبت أنَّ سبب النزول لا بدّ وأن يكون مراداً ثبت بالإجماع أنَّ النهي عن العقد مراد من هذه الآية فيكون قولهم مضاد للدليل القاطع، فيكون مردوداً.
وَأمَّا استدلالهم بالضم فضعيف؛ لأنَّ الضم الحاصل في الوطء عبارة عن اتحاد
273
الأجسام وتلاصقها، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك؛ لأنَّ الإيجاب والقبول أصوات غير باقية، فمعنى الضمّ والتّلاقي والتّجاور فيها محال، وَإذَا كان كذلك فليس بين الوطء والعقد مفهوم مشترك حتى [يقال إنَّ لفظ النكاح حقيقة فيه، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أنْ يُقَالَ لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد] ويقال: إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، ويرجع الكلام إلى الوجهين الأوَّلين.
الوجهُ الثالث: سلمنا أنَّ النِّكاح بمعنى الوطءِ ولكن لم قلتم إن قوله ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ المراد منه المنكوحة بل المراد منه المصدر لإجماعهم على أنَّ لفظ «ما» حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه المنكوحة لزم هذا المجاز، وهو خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن ما «ما» مع ما بعدها في تقدير المصدر فتقدير الآية: «ولا تنكحوا نكاح آبائكم»، ويكون المرادُ منه النَّهي على أن ينكحوا نكاحاً مثل نكاح آبائهم فإن أنكحتم كانت بغير وَلي ولا شهود، وكانت مُؤقتة، وكان على سبيل القهر والإلجاء، فنهاهم اللهُ تعالى عن مثل هذه الأنكحة بهذه الآيةِ؛ وهذا الوجه مَنْقُولٌ عن ابن جَرِيرٍ وغيره كما تقدَّمَ.
الوجه الرابع: سَلَّمْنَا أنَّ المراد المنكوحة، والتقدير: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم، ولكن قوله ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ليس صريحاً في العموم بدليل أنَّهُ يصحُّ إدخال لفظ الكلِّ في البعض عليه، فيقالُ: ولا تنكحُوا بعض ما نكح آباؤكم، [ولو كان هذا صريحاً في العموم لكان إدْخَالُ لفظ الكلِّ عليه تكراراً، وإدخال لفظ البعض عليه نقصاً، ومعلوم أنَّهُ ليس كذلك، وإذَا ثبت أنه لا يفيد العموم لم يتناول محل النزاع، لا يقال: لو لم يفد يصير مجملاً غير مفيد والأصل ألا يكون كذلك؛ لأنا نقول: لا نُسَلِّمُ أن التقدير لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أنَّ سبب نزوله إنما هو التزوّج بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، وبهذا التقدير يزول الإجمال].
الوجهُ الخامس: سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النِّزاع لكن لم قُلْتُمْ: إنَّهُ يفيد التحريم، أليس أن كثيراً من أقسام النَّهي لا يُفِيدُ التَّحْريم، بل يفيدُ التنزيه، أقصى ما في البَاب أن يقال: هذا على خلاف الأصل، ولكن يجب المصير إذا دلّ الدّليل على صحّة [هذا] النكاح [وسنذكره.
الوجه السادس: هب أن ما ذكرتم يدل على فساد هذا النكاح] إلا أن ههنا ما يدلُّ على صحَّة هذا النكاح وهو من وجوه:
274
الأوَّلُ: هذا النِّكاح منعقد؛ فوجب أن يكون صحيحاً، بيان أنَّهُ منعقد لأنَّهُ منهي عنه بهذه الآية، ومذهب أبي حَنِيفَةَ أنَّ النَّهْيَ عن الشَّيء يَدُلُّ على كونه في نفسه منعقداً، وهذا أصْلُ مذهبه في مَسْأَلَةِ البيع الفَاسِدِ وصوم يوم النَّحْرِ، فيلزمُ من مجموع هاتين المُقَدِّمَتَيْنِ، أن يكون هذا النِّكاح منعقداً على أصل أبي حنيفة، وإذا كان منعقداً في هذه الصُّورة؛ وَجَبَ القولُ بالصِّحَّة؛ لأنَّهُ لا قائل بالفَرْقِ.
وثانيها: [أنَّ] قوله ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وهذا نهي إلى غاية إيمانِهنَّ والحكمُ المدود إلى غاية ينتهي عند حُصُولِ تلك الغاية، وإذا انتهى [المنع] حصل الجواز، فهذا يقتضي جواز إنكاحهن على الإطلاق، ويدخل في هذا العموم مزنيّة الأب وغيرها، أقصى ما في هذا الباب أنَّ هذا العموم خُصَّ في مواضع، فَيَبْقَى حجة في غير محل التخصيص، ولذلك يستدل بجميع المعلومات الواردة في باب النكاح كقوله تعالى:
﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقوله ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: ٣] وكذلك قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وليس لأحد أن يقول إن قوله ﴿مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ضمير عائد إلى المذكور السابق، ومن جملة المذكور السابق قوله: ﴿مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وليس لأحد أن يقول إن قوله ﴿مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ضمير عائد إلى المذكور السابق، ومن جملة المذكور السابق قوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء﴾ لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات إليه هو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وكان قوله ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء﴾ عائداً إليه، ولا يدخل فيه قوله ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء﴾ وكذلك عموم الأحاديث كقوله عليه السلام «إذَا جَاءَكُم مضنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ» وقوله «
275
زوجوا بناتكم [الأكفاء] » وهذه العمومات تتناول محل النزاع، والترجيح يكون بكثرة الأدلة، وبتقدير أن يثبت لهم أن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فيكون حملنا الآية على العقد لم يلزمنا إلاَّ مجاز واحد، وبتقدير أن تحلم تلك الآية على حرمة الوطء تلزمنا هذه التخصيصات الكثيرة، فكان الترجيح من جانبنا لكثرة الدلائل.
وثالثها: الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام «الحرام لا يحرم الحلال» أقصى ما في هذا الباب أن يقال: إن قطرة من الخمر إذا وقت في كوز ماء، فههنا الحرام حرّم الحلال، [وإذا اختلطت المنكوحة بالأجنبيات واشتبهت بهن فههنا الحرام حرم الحلال] إلا أنَّا نقول: دخول التخصيص فيه في بعض الصور، ولا يمنع من الاستدلال به.
ورابعها: أن يقول: المقتضي لجواز النِّكاح قائم، والفَارِقُ بَيْنَ مَحَلِّ الإجماع وبين مَحَلِّ النَّزاع ظاهر؛ فَوَجَبَ القولُ بالجوازِ أمَّا المقتضي فهو أن يقيس نكاح هذه المرأة على نكاح سائر النّسوان عند حُصُولِ الشَّرائط المتفق عليها؛ بجامع ما في النِّكاح مِنَ المصالح، وأمَّا الفارق: فهو أنَّ هذه الحرمة إنَّمَا حكم الشَّارع بثبوتها سعياً في إبقاء الوصلة الحاصلة بسبب النكاح، ومعلوم أنَّ هذا لا يليق بالزِّنَا.
بيان المقام الأول: من تزوج بامرأة فلم يدخل على المرأة أبو الرجل وابنه، ولم تدخل على المرأة أم المرأة وبنتها، لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح، ولو أذنَّا في هذا الدخول، ولم نحكم بالمحرمية فربما امتد على البعض إلى البعض، وحصل الميل والرغبة، وعند حصول التزوج بأمها وابنتها تحصل النفرةَ الشديدة بينهن؛ لأنَّ صدور الإيذاء عن الأقارب أقوى وقعاً، وأشد إيلاماً وتأثيراً، وعند حصول النفرة الشَّديدة يحصل التَّطْلِيقُ والفراق، أمَّا إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر فيبقى النكاح بين الزّوجين سليماً عن هذه المفسدة، فثبت أن المقصود من حكم الشّرع بهذه المحرمية السعي في تقريرِ الاتصال الحاصل بين الزوجين، وإذَا كان المقصود من المحرمية إبقاء ذلك الاتِّصال، فمعلوم أنّ الاتصال الحاصل عند النكاح مطلوب البقاء، فناسب حكم الشرع بإثبات هذه المحرمية [وأما الاتصال الحاصل بالزنا فهو غير مطلوب البقاء، فلم يتناسب] حكم الشرع بإثبات هذه المحرمية، وهذا وجه مقبول.
قوله ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في هذا الاستثناء قولان:
أحدهما: أنه منقطع؛ إذ الماضي لا يجامع الاستقبال، والمعنى أنَّهُ لما حرَّم عليهم نكاح ما نكح آباؤهم [من النِّساء] تطرق الوهم إلى ما مضى في الجاهِلِيَّةِ ما حكمه؟
276
فقيل: إلاَّ ما قد سَلَفَ، فلا إثْمَ عَلَيْهِ.
وقال ابْنُ زَيْدٍ في معنى ذلك أيضاً: إنَّ المُرَادَ بالنِّكَاحِ العقدُ بالنِّكَاحِ العقدُ الصَّحِيحُ، وحَمَلَ ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ على ما قد يتعاطَاهُ بعضهم من الزِّنَا [فقال: إلا ما سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا] بالنِّسَاءِ، فَذَلِكَ جائز لكم زواجكم في الإسْلاَمِ، وكأنَّهُ قيل: ولا تَعْقِدُوا عَلَى مَنْ عقد آباؤكم عليه إلاَّ ما قد سَلَفَ من زَنَاهُم، فَإنَّهُ يجوز لكم أن تَتَزَوَّجُوهُمْ، فهو استثناءٌ منقطعٌ أيضاً.
والثاني: أنَّهُ استثناءٌ مُتَّصِلٌ وفيه معنيان:
أحدهما: أن يحمل النِّكَاح على الوَطْءِ، والمعنى: أنَّهُ نهى أنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأةً وَطَئَهَا أبُوه، إلا ما قد سَلَفَ من الأبِ في الجاهليَّةِ من الزِّنَا بالمرأةِ، فإنَّه يجوز للابن تزويجها نُقِلَ هذا المَعْنَى عن ابن زَيْدٍ أيضاً إلاّ أنَّهُ لا بدّ من التّخصيص [أيضاً] في شيئين:
أحدهُمَا: قوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ أي: ولا تَطَئُوا وطئاً مباحاً بالتَّزويج.
والثَّاني: التَّخْصيصُ في قوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ بوطء الزِّنَا وإلا فَالوَطْءُ فيما قَدْ سَلَفَ قد يكون [وَطْئاً] غير زنا، وقد يكون زنا فيصير التقدير: ولا تطئوا ما وطئ آباؤكم وَطْئاً مباحاً بالتزويج إلاَّ من كان وطؤها فيما مضى وطء زنا في الجاهليَّةِ.
والمعنى الثَّاني: ولا تَنْكِحُوا مِثْلَ نكاح آبائكم في الجاهليَّةِ إلاَّ ما تَقَدَّمَ منكم من تلك العُقُودِ الفَاسِدَةِ فَيُبَاحُ لكم الإقامة عليها في الإسْلاَمِ، إذا كان ممّا يقرر الإسلام عليه، وهذا على رَأي من يَجْعَل «ما» مصدريّة، وقد تَقَدَّمَ مذل ذلك. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت: كيف استثنى ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ مما نكح آباؤكم؟ قلتك كما استثنى «غير أن سيوفهم» من قوله «ولا عيب فيهم» يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، وسدّ الطريق إلى إباحته كما تَعَلَّقَ بالمحال في التأبيد في نحو قولهم: «حتى يبيضّ القار»
و ﴿حتى
يَلِجَ
الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾
[الأعراف: ٤٠] انتهى.
أشار رحمهُ اللهُ إلى بيت النَّابِغَةِ في قوله: [الطويل]
277
يعني إن وجد فيهم عيباً فهو هذا، وهذا لا يعدّه عيباً فانتفى العَيْبُ عَنْهُمْ بدليل، ولكن هذا الاستثناء على هذا المعنى الَّذي أباه الزَّمَخْشَرِيُّ، من قبيل المنقطع، أو المتصل؟ والحقُّ أنَّهُ متصل لأن المعنى: ولا تَنْكَحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [إلا] اللاتي مضين وفنين، وهذا محالٌ، وكونه محالاً لا يخرجه عن الاتَّصال، وأمَّا البيتُ ففيه نَظَرٌ؛ والظَّاهِرُ أنَّ الاستثناء فيه متصل أيضاً لأنه جعل العيب شاملاً لقوله: «غير أن سيوفهم [بهن فلول من قراع] » بالمعنى الَّذي أراده وللبحث فيه مجال، فتلخَّص مِمَّا تَقَدَّمَ أنَّ المراد بالنِّكَاحِ في هذه الآيةِ العقدُ الصَّحِيحُ، أو الفاسد أو الوطء، أو يرادُ بالأوَّلِ العقد، وبالثَّانِي الوَطْءُ وقد تَقَدَّمَ الكَلاَمُ على ذلك في البَقَرَةِ. وزعمَ بعضهم أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراً، والأصل: «ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً إلا ما قد سلف»، وهذا فاسدٌ من حيث الإعراب ومن حيث المعنى، أمَّا الأوَّل فلأنَّ ما في حيز «إن» لا يتقدَّمُ عليها، وأيضاً فالمستثنى يتقدَّمُ على الجملة الَّتي هو من متعلِّقاتها سواءً كان متصلاً أو منقطعاً وإن كان في هذا خلاف ضعيف.
وأمَّا الثَّاني فلأنَّهُ أخْبَرَ أنه فاحشة ومقت في الزَّمان الماضي [بقوله «كان»، فلا يصحُّ أن يستثنى منه الماضي؛ إذ يصيرُ المعنى هو فاحشة في الزّمان الماضي] إلا ما وقع منه في الزَّمَان الماضي فليس بفاحشة. وقيل: إن «إلا» هاهنا بمعنى «بَعْدَ» كقوله تعالى ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى [وَوَقَاهُمْ] ﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ بعد المَوْتَةِ الأوَلى وقيل ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قيل نزول آية التحرير وقيل ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فإنكم مقرون عليه، قالوا: لأنَّهُ عليه السَّلاَمُ أقَرَّ بما عليهنَّ مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنَّمَا فعل ذلك ليكون إخراجهم عن العادة الرَّديئة على سبيل التَّدرُّجِ.
وقيل: إنَّ هذا خطأ؛ لأنَّه عليه السَّلامُ ما أقَرَّ أحداً على نكاح امرأة أبيه، وَإنْ كان في الجاهليَّةِ، لما روى البراء بنُ عَازِبٍ قال: مَرَّ بِي خَالِي أبُو بُرْدَة [ابن نيار] ومعه لواء قلت أيْنَ تَذْهَبُ؟ قال: بَعَثَنِي رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى رجل تزوَّجَ امرأة أبيه مِنْ بعده آتيه برأسه وآخذ ماله.
278

فصل


قال القُرْطُبِيُّ، وقد كان في العَرَبِ قبائل [قد اعتادت] أنْ يخلف [ابن] الرَّجُل على امرأةِ أبيه، وكانت هذه السِّيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التَّراضي، ألا ترى أنَّ عمرو بْنُ أميَّة خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافراً وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره؛ فكان بنو أمية إخوة [مُسَافِر وأبي مُعَيط] وأعمامها، وأيضاً صفوان بن أميَّةَ تزوَّج بعد أبيه امرأته، فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسَد، وكان أميّة قتل عنها ومن ذلك منظور بن زبَّان خلف على مُلَيْكة بِنْتِ خَارِجَةَ، وكان تحت أبيه زبَّان بن سيار ومن ذلك حِصْن بن أبِي قَيْسٍ تزوَّجَ امرأة أبيه [كُبَيْشَة] بنت معن، والأسود بن خلف تزوَّج امرأة أبيه.
قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ إن هذا الضمير يعود على النِّكَاح المفهوم من قوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ﴾ ويجوز أن يعود على الزِّنَا إذا أرِيدَ بقوله ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من الزِّنَا و «كان» هنا تدلُّ على الماضي فقط؛ لأنَّ معناها هنا: لم يزل، أي في حكم اللهِ وعلمه موصوفاً بهذا الوصف، وهذا المعنى هو الذي حَمَلَ المبرد على قوله: «إنها زائدة»، وردَّ عليه [أبُو حَيَّان] بوجود الخبر والزَّائدة لا خبر لها، وكأنه يعني بزيادتها ما ذكرناه من قوله لا تَدُلُّ على الماضي فَقَطْ، فَعَبَّر عن ذلك بالزِّيَادَةِ.

فصل


وصف تعالى هذا النِّكَاحَ بأمُورٍ ثَلاَثَةٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ فاحشةٌ، والفَاحِشَةُ أقبحُ المعاصي، وذلك أنَّ زوجة [الأب] تشبه الأمّ، فكان مباشرتها من أفْحَشِ الفواحش لأنَّ نكاح الأمّهات من أقبح الأشْيَاءِ عند العَرَب قال أبُو العبَّاس سالت ابن الأعرابي عن نكاح المقت فقال: هو أن يتزوج الرَّجل امرأة أبيه إذا طلَّقها أو مات عنها ويقال لهذا الرَّجُل: الضَّيْزَن وقال ابْنُ عَرَفَة: كانت العرب إذا تزوَّجَ الرَّجُلُ امرأة أبيه فأولدها، قيل للولد: المقتِيّ.
والثَّاني: امَقْتُ هو بغضٌ مقرون باستحقار، فهو أخصُّ منه، وهو من اللَّه تعالى في حقِّ العبد يدلُّ على غاية الخزْي والخَسَارِ، وكان لذلك أخص قبل النَّهْي منكراً في
279
قلوبهم، ممقوتاً عندهم، وكانت العَرَبُ تقولُ لولد الرَّجُلِ من امرأة أبيه: «مقيتٌ» وكان منهم الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، أبو معيط بن أبي عمرو بن أميةَ.
والثَّالِثُ: قوله: ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ وأعلم لأنَّ مراتب القبح ثَلاثَة:
الْقُبْحُ العَقْلِيُّ، والقبح الشَّرْعِيُّ، والقبح العَادِيُّ، فقوله: «فاحشة» إشارة إلى القُبْحِ العقلي، وقوله ﴿وَمَقْتاً﴾ إشارةً إلى القبح الشَّرعي، وقوله ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ إشارةً إلى القبح في العرف والعادةِ، ومن اجتمع فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح.
قوله ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ في «ساء» قولان:
أحدهما: أنها جارية مجرى بئس في الذَّمِّ والعمل، ففيها ضمير مبهم يفسِّره ما بعده وهو ﴿سَبِيلاً﴾ والمخصوص بالذَّمِّ محذوف تقديره «وساء سبيل هذا النكاح» كقوله: «بئس الشراب» أي: ذلك الماء.
قال الَّليْثُ: «ساء» فعل لازم وفاعله [مضمر، و] «سبيلاً» منصوب تفسيراً لذلك الفاعل المحذوف كما قال
﴿وَحَسُنَ
أولئك
رَفِيقاً﴾
[النساء: ٦٩].
الثاني: أنَّهَا لا تجري مجرى بِئْسَ في العمل، بل هي كسائر الأفعال، فيكونُ فيها ضمير يعودُ على ما عاد الضَّمِيرُ في ﴿إِنَّهُ﴾ ؛ و ﴿سَبِيلاً﴾ على كلا التَّقْدِيرَيْنِ تمييز وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها لا محل لها من الإعراب بل هي مُسْتَأنَفَةٌ ويكون الوقف على قوله: ومقتاً، ثم يستأنف ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أي: وساء هذا السَّبِيلُ من نكاح مَنْ نكحهن من الآباء.
والثاني: أن يكون معطوفاً على خبر كان، على أنَّه يجعل محكياً بقول مضمر، ذلك القول هو المعطوف على الخبر، والتقدير: ومقولاً فيه ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ فهكذا قدَّرَهُ أبُو البَقَاءِ. ولقائل أن يقول يجوز أنْ يكون عطفاً على خبر كان من غير إضمار قول؛ لأنَّ هذه الجملةَ في قوة المفردِ، ألا ترى أنه يقع خبراً بنفسه، بِقَوْلِ: زيد سَاءَ رَجُلاً، فغاية ما في البَابِ أنَّكَ أتيتَ بِأخبَارٍ كان أحدُهَا مفرد والآخر جملة، اللَّهُمَّ إلاَّ أن يقالَ: إنَّ هذه الجملة إنشائِيَّة، والإنشائيَّة لا تقع خبراً ل «كان» فاحتاج إلى إضمار القول، وفيه بحث.
280
أمهات جمع أمِّ والهاء زائدةٌ في الجمع، فَرْقاً بَيْنِ العُقَلاَءِ وغيرهم، يُقَالُ في العُقَلاَءِ أمَّهَات، وفي غيرهم أمات كقوله:
١٧٧٣ - وَأمَّاتِ أطْلاَءٍ صغار... هذا هو المشهور، وقد يقال: «أمَّات» في العقلاء و «أمهات» في غيرهم، وقد جمع الشَّاعِرُ بين الاستعمالين في العُقَلاَءِ فقال: [المتقارب]
١٧٧٢ - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
١٧٧٤ - إذَا الأمَّهاتُ قَبَحْنَ الوُجُوهَ فَرَجْتَ الظَّلاَمَ بِأُمَّاتِكَا
وقد سُمِعَ «أمهة» في «أم» بزيادَةِ هاء بعدها تاء تأنيث، قال: [الزجر]
١٧٧٥ - أُمَّهَتي خِنْدَفٌ وَالْياسُ أبِي... فعلى هذا يَجُوزُ أنْ تكون أمَّهات جمع «أمهة» المزيد فيها الهاء، والهاءُ قد أتَتْ زَائِدةً في مواضع قالوا: هِبْلَع، وهِجْزَع من البَلْعِ وَالجَزْع.
قوله: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ عطف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وبنَاتُ جمع بِنْتٍ، وَبِنْتٌ: تأنيث ابن، وتقدَّمَ الكلام عليه وعلى اشتقاقه ووزنه في البقرة في قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] إلا أنَّ أبَا البقاء حكى [عن] الفرَّاءِ أنَّ «بَنَات» ليس جمعاً ل «بِنْتٍ»، يعني: بكسر البَاءِ بل جمع «بَنَة» يعني: بفتحها قال: وكُسِرَتِ الْبَاءِ تنبيهاً على المحذوف.
قال شهابُ الدِّينِ: هذا إنَّمَا يَجيءُ على اعتقادِ أنَّ لامها ياء، وقد تَقَدَّمَ الخلافُ في ذلك، وأنَّ الصَّحِيحَ أنَّهَا واو، وَحَكَى عن غيره أن أصلها: «بَنَوة» وعلى ذلك جَاءَ جمْعُهَا ومذكرها، وهو بنون، قال: وهو مذهب البصريين.
281
قال شهَابُ الدِّينِ: لا خلاف بين القوْليْنِ في التَّحْقِيقِ؛ لأنَّ من قال بنات جمعُ التأنيث، والَّذي قال: بنات جمع «بنوة» لفظ بالأصْلِ فَلاَ خِلاف.
وأعْلَمْ أنَّ تَاء «بِنْتٍ» وَ «أخْت» تاءُ تعويضٍ عن اللامِ المحذوفَةِ، كما تَقَّدَمَ تقريره، وليست للتَّأنِيثِ؛ لوجهين:
أحدُهُما: أنَّ تَاءَ التَّأنيثِ يَلْزَمُ فتح ما قبلها لفظاً أوْ تقديراً: نحو: تَمْرَةٍ وفتاة، وهذه ساكنٌ ما قَبْلَهَا.
والثَّاني: أنَّ تَاءَ التأنيث تبدل في الوقف هاء، وهذه لا تُبْدَلُ، بل تُقَرُّ على حالها. قال أبُو البَقَاءِ: «فإن قيل: لِمَ رُدَّ المحذوف في» أخوات «ولم يُرَدُّ في» بَنَات «؟ قيل: [حُمِلَ] كلُّ واحد من الجَمْعَيْنِ على مذكَّرِهِ، فمذكر» بنات «لم يُرَدُّ إليه المحذوف بل قالوا فيه» بَنُون «، ومذكر» أخَوات «رُدَّ فيه محذوفة قالوا في جمع أخ، إخْوَة وإخوان».
قال شهَابُ الدِّينِ: وهذا الذي قاله ليس بشيء؛ لأنَّهُ أخذ جمع التَّكسير وهو إخوة وإخوان مقابلاً ل «أخوات» جمع التَّصْحِيحِ، فقال: رُدَّ في أخوات كما رُدَّ في إخوة، وهذا أيْضاً موجودٌ في بنات؛ لأنَّ مذكَّره في التكسير رُدَّ إليه المحذوفُ قالوا: ابن وأبناء، ولمّا جمعوا أخاً جمع السَّلامة قالوا فيه «أخُون» بالحذف، فردُّوا في تكسير ابن وأخ محذوفهما، ولم يَرُدُّوا في تصحيحهما، [فبان] فَسَادُ ما قال.

فصل:


اعلم أنَّ اللهَ تعالى نَصَّ على تحريم أرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفاً من النِّسْوَانِ، سبعة من جهة النَّسَبِ، وهُنَّ الأمَّهات [والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة من غير النسب، وهن الأمهات المرضعات] والأخوات من الرِّضاعة وأمهات النِّساء، وبنات النِّساء المدخُول بأمَّهاتِهِنَّ، وأزواج الأبْنَاءِ، وأزواج الآباء، وقد ذُكِرُوا في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين.

فصل


قال الكرخِيُّ: هذه الآية مجملة؛ لأنَّهُ أضيفَ التَّحريم فيها إلى الأمَّهاتِ
282
والبنات، والتحريم لا يمكن إضافَتُه إلى الأعْيَانِ، وإنَّمَا يضاف إلى الأفْعالِ، وذلك الفعل غير مذكُورٍ في الآية فليس إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفْعالِ التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أوْلى من بعض، فصارت الآية مجملة على هذا الوجه.
قال ابن الخطيب: والجواب من وجهين:
الأول: أنَّ تقديمَ قوله ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ يدل على أنَّ المراد من قوله: «حرمت عليكم أمهاتكم» تحريم نكاحهن. الثاني: أنَّ من المعلوم بالضَّرُورَةِ من دين مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّ المراد منه تحريم نكاحِهِنَّ، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف فإذا قيل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ فهم كل أحد أنَّ المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه السَّلام «لا يحل دم امرئ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحدى ثلاث» فهم كل أحد أنَّ المراد لا يحلُّ إراقة دمه وَإذَا كان ذلك معلوماً بالضَّرُورَةِ، كان إلْقَاءُ الشُّبهات فيها جارياً مَجْرَى القَدْحِ في البديهيَّاتِ وشبه السُّفُسْطَائِيَّةِ.
بلى عندي فيه بحثٌ من وجوه أخرى:
أحدها: أن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ مذكور على ما لَمْ يُسَمَّ فاعله، فليس فيه تصريح بأنَّ فَاعِلَ هذا التحريم هو اللَّهُ تعالى، وما لم يَثْبُتْ ذلك لم تُفِد الآية شيئاً آخر، ولا سبيل إليه إلا بإجماع، فهذه الآيةُ وحدها لا تفيد شيئاً، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة.
وثانيها: أنَّ قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [ليس] نصاً في ثبوت التحريم على سبيل التأبيد فَإنَّ القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المُؤقَّتِ، فإنَّهُ يقال تارة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ مؤقتاً «وحرمت عليكم [أمهاتكم] » مؤبداً، وإذا كان ذلك صالحاً للتَّقْسِيمِ لم يكن نصاً في التَّأبيد فإذنْ لا يُسْتَفاد التأبيد إلاَّ من دليل منفصل.
وثالثها: أنَّ قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل، فلا يعرف ذلك إلاَّ بدليل منفصل.
ورابعها: أنَّ هذه ظاهر قوله «حرمت عليكم [أمهاتكم] » يقتضي أنَّهُ قد حرَّم على
283
كُلِّ أحدٍ جميع أمَّهَاتِهم، وجميع بَنَاتِهِمْ، ومعلوم أنَّه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الدمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفَرْدِ بالفَرْدِ، فَهَذَا يقتضي أن اله تعالى قَدَّ حرَّمَ على كُلِّ أحَدٍ أمّه خاصة، وأخته خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر.
خامسها: أنَّ قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كَانَ أبداً موصوفاً بالحرمة، لكان قوله ﴿حُرِّمَتْ﴾ تحريماً لما هو في نفسه حرام، فيكونُ ذلك إيْجَاد الموجود، وهو محالٌ؛ فثبت أنَّ المراد من قوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ ليس تجديد التحريم، حتى يلزم الإشكال، بل المراد الإخْبَار عن حُصُولِ التحريم فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في ثبوت المطلوب.

فصل [حرمة الأمهات ثابتة من زمن آدم]


حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم - عليه السلام - إلى زماننا ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأدْيَان الإلهَّة إلا ما نقل عن زرادشت رسول المجوس أنَّهُ قال بحله، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنَّهُ كان كذاباً، وأما نكاح الأخَوَاتِ فقد نُقِلَ: أنَّهُ كان مُبَاحاً في زَمَنِ آدم عليه السلام، وَإنَّمَا أبَاحَهُ الله للضرورة، وأنكر بَعْضُهُمْ ذلك، وقال: إنَّهُ تعالى كان يَبْعَثُ الجواري من الجنَّةِ ليتزوّج بهنَّ أبناء آدم عليه السَّلامِ، ويبعث أيضاً لبنات آدم من يتزوج بهن من الحور، وهذا بعيد؛ لأنَّهُ إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من الجنة فحينئذٍ لا يكون هذا النسل من أوْلادِ آدم فقط، وذلك باطل بالإجماع.

فصل [سبب التحريم]


ذكر العلماءُ أنَّ سبب التحريم منه أنَّ الوطءَ إذلالٌ وإهانةٌ، فإنَّ الإنسان يستحي من ذكره، ولا يقدمُ عليه إلاَّ في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذَا كان الأمر كَذَلِكَ؛ وَجَبَ صونُ الأمَّهات [عنه؛ لأنَّ إنعام الأم] على الولد أعظم وجوه الإنعام؛ فوجب صونُهَا عن هذا الإذلاَلِ، والبنتُ بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه السَّلام: «فَاطِمَةُ بضْعَةٌ مِنِّي» فيجبُ صونها عن هذا الإذلال، وكذا القول في البقية.

فصل


كلُّ امرأةٍ يرجع نسبك إلَيْهَا بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمِّكَ بدرجة أو درجات سواءَ رجعت إليها بذكور، أو بإناث فهي أمُّك، ثمَّ هنا بحث، وهو أنَّ لفظ الأم إن كان حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فَإمَّا أنْ يكون لفظ الأمّ متواطئاً أو مشتركاً فإن كان متواطئاً أعْنِي أن يكون موضوعاً بإزَاءِ قَدْرٍ مُشْتَركٍ بين الأمّ الأصليَّة، وبين سائر
284
الجدّات، فتكون الآية نَصاً في تحريم الأمِّ الأصليَّة وفي الجدَّات، وأمَّا إن كان لفظ «الأمّ» مشتركاً في الأم الأصليَّة وفي الجدّات فهذا تفريع على أنَّ اللَّفظ هنا على الكُلِّ، [وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصاً عليه، ومنهم] من لم يجوزه، والقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الوَضْعِ:
أحدُهُما: أنَّ لفظ الأمِّ إنْ أُريد به ههنا الأم الأصليَّة فتحريمُ نكاحها هنا مستفادٌ بالنصّ، وَأمَّ تحريمُ نكاح الجدَّاتِ فَمُسْتَفادٌ مِنَ الإجماع.
285
الثاني: أنَّهُ تعالى تكلم بهذه الآية مرَّتين، يريدُ في كلِّ مرَّةٍ مفهوماً آخر.
وَإنْ كان لفظ «الأمِّ» حقيقة في الأمّ الأصليَّة، مجازاً في الجدَّات، فقد ثبت أنَّهُ لا يَجُوزُ استعمال اللَّفْظِ الوَاحِدِ دفعةً واحدةً في حقيقته ومجازه معاً، وحينئذٍ يرجع الطريقان المذكوران [للأول]، وَكُلُّ أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، بإنَاثٍ، أو بِذُكُورٍ، فهي بنتُكَ، وهل بِنْتُ الابْنِ وبِنْتُ البِنْتِ تسمّى هنا حقيقة أوْ مجازاً؟ فيه البحث كما في الأمِّ.

فصل هل زواج الرجل بأمه يوجب الحد


قال الشَّافِعِيّ: إذا تزوَّج الرَّجُل بأمِّهِ ودخل بها، لزمه الحدُّ.
وقال أبُو حَنِيفَةَ: لا يلزم، حجة الشَّافِعِيِّ أنَّ وجود هذا النكاح وعدمه سواء، فَكَانَ هذا الْوَطْء زنا، فيلزمه الحدّ، وَإنَّمَا قلنا: إنَّ وجوده وعدمه سواءً؛ لأنَّهُ تعالى قال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وقد علم من دين محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّ المراد من هذه الآية تحريم نكاحها، وإذَا ثبت ذلك فنقولُ: الموجودُ ليس إلا صيغة الإيجاب والقَبُولِ، فَلَوْ حصل هذا الانعقاد، لكانَ هذا الانعقَادُ إمَّا أنْ يقالَ: إنَّهُ حصل في الحقيقة أو في حكم الشَّرع، والأوَّلُ باطل؛ لأنَّ صيغة الإيجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى، والقبول لا يوجدُ إلا بعد الإيجاب، وحصولُ الانعقاد بَيْنَ الموجود والمعدوم محال.
والثَّاني باطلٌ؛ لأنَّ اللَّه - تعالى - بيَّنَ في هذه الآية بطلان هذا العقد [قطعاً]، وإذا كان هذا العقد بَاطِلاً قطعاً في حكم الشَّرْعِ، فكيف يمكنُ القَوْلُ بِأنَّهُ منعقدٌ شَرْعاً؟ فَثَبَتَ أنَّ وجود هذا العقد وعدمه بمثابة واحدة.
286

فصل [حكم نكاح البنت من الزنا]


قال الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني.
287
وقال أبو حنيفة وأحمد: تحرم. حجَّةُ الشَّافِعِيِّ أنَّهَا ليست بنتاً فلا تحرم، وإنما قلنا: ليست بنتاً لوجوه:
أحدها: أنَّ أبا حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إمَّا أن يثبت كونها بنتاً له بناء على الحقيقةِ، وهي كونها مخلوقة من مائه أو [بناء] على حكم الشَّرعِ بثبوت هذا النَّسَبِ، والأوَّلُ باطلٌ على مذهبه طرداً أو عكساً، وأمَّا الطرد فهو أنَّهُ مخلوق من مَائِهِ، مع أن أبَا حنيفة قال: لا يثبت ولدها إلا عند الاستلحاق، ولو كان النَّسب هو كون الوَلَدِ مخلوقاً من مائه، لما توقّف [أبو حنيفة في] ثبوت هذا النسب على الاستلحاق.
وَأمَّا العكس فهو أنَّ المشرقي إذَا تزوَّجَ بالمغربية، وحصل هناك ولد فَأبُو حَنِيفَةَ أثْبَتَ النسب ههنا مع القطع بأنَّهُ غير مخلوق من مَائِهِ، فثبت أنَّ القول بجعله
288
التَخليق من مائه سبباً للنَّسب باطل، طرداً أوْ عكساً على قول أبِي حنيفة، وأمَّا إذا قلنا: إنَّ النَّسب إنَّمَا يثبت لحكم الشرع فههنا أجمع المسلمون أنَّه لا نسب لولد الزِّنى من الزَّاني، ولو انتسب إلى الزَّاني لوجب على القَاضِي منعَه من ذلك الانتساب، فَثَبَتَ أنَّ انتسابها إلَيْهِ غير ممكن، لا على الحقيقة، ولا على حكم الشرع.
وثانيها: قوله عليه السَّلاَمُ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» فحصر النسب في الفراش.
وثالثها: أنَّهُ لا ولاية له عليها، ولا يَرِثُهَا ولا ترثه، ولا يجب لها عليه نفقة ولا حضانة، ولا يَحِلُّ له الخلوةُ بها، ولَمَّا لم يثبت شَيْء من ذلك علمنا انتفاء النَّسَبِ بينهما، وَإذَا انتفى النَّسَبُ بينهما حلَّ التَّزَوُّجُ بها.
قوله ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ ويدخل فيه الأخوات للأبوين والأب وللأم.
قوله ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ﴾.
قال الواحِدِيُّ: كلُّ ذكر رجع نسبك إلَيْهِ فأخته عَمَّتُك، وقد تكون العمة من جهة الأم، وهي أخْتُ أبي أمِّكَ، وكل أنثى رجع نسبك إلَيْهَا بالولادة فأختها خالتك، وقد تكونُ الخالةُ من جهة الأبِ، وهي أختُ أمِّ أبيكَ، فألف «خالة» و «خال» منقلبة عن وَاوٍ بدليل جمعه على «أخْوَالٍ» قال تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت﴾ وقوله وبنات الأخ والأخت، والقول فيهنَّ كالقول في بنات الصلب.
قال المفسِّرُون كُلُّ امرأةٍ حرم اللَّهُ نكاحها ابتداءً فهنَّ المذكورات في الآية الأولى وكلُّ امرأة كانت حلالاً ثمَّ طَرَأَ تحريمها فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية.
قوله ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرضاعة﴾.
قال الواحِدِيُّ: سَمَّاهُن أمهات لأجل الحرمة، كما أنَّهُ تعالى سَمَّى أزواج النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمهات المؤمنين [في قوله:] ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
قوله: ﴿مِّنَ الرضاعة﴾ في موضع نصب على الحال، يتعلق بمحذوف تقديره: وأخواتكم كائنات من الرضاعة.
وقرأ أبو حيوة من الرِّضاعة بكسر الرَّاءِ.
289

فصل: [حرمة الأمهات والأخوات من الرضاعة]


نُصَّ في هذه الآية على حرمة الأمَّهَاتِ والأخوات من الرِّضاعة كما يحرمن من النَّسَبِ، وقد نبَّه الله تعالى في الآية على ذلك بتسميته المرضعة أماً والمرضعة أختاً فأجرى الرّضاع مجرى النَّسَبِ، [وذلك لأنَّهُ تعالى حرم بسبب النّسب] سبعاً اثنان بطريق الولادةِ وهما الأمهات والبنات، وخمسٌ بطريق الأخوة؛ وهنَّ: الأخواتُ والعماتُ والخالاتُ وبنات الأخ، وبنات الأخت، ثمَّ لما شرع في أحوال الرِّضاعَةِ ذكر من كل واحد من هذين القسمين صورة واحدة تنبيهاً بها على الباقي، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمَّهات، ومن قسم قرابة الأخوة الأخوات، ونَبَّه بذكر هذين المثالين من هذين القسمين على أنَّ الحال في باب الرضاع، كما هو في باب النَّسَبِ، ثُمَّ إنّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أكَّدَ ذلك البيان بقوله «يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب».

فصل: [من هي الأم من الرضاع؟]


الأمُّ من الرّضَاعِ هي المرضعةُ، وكذلك كلُّ امرأةٍ انتسبت إليها بالأمومة إمّا من جهة النَّسَبِ، أو من جهة الرضاع، وكذلك القَوْلُ في الأب وَإذَا عرفت الأم والأب عرفت البنت أيضاً بذلك الطريق.
وَأمَّا الأخوات فالأخت للأبوين هي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك سواءً أرضعتها معك، أو مع ولد قبلك أو بعدك، والأخت للأب: هي الَّتي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيكَ، والأخت للأمِّ: هي التي أرضعتها أمك بلبن رجل آخر، وكذلك تعرف العمَّات والخالات، وبنات الأخت.

فصل: [شرطا حرمة الرضاع]


إنَّمَا تَثْبُتُ حرمة الرضاعة بشرطين:
أحدهُمَا: أن يكون قبل استكمال المولود حولين، لقوله تعالى ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقالت أمُّ سلمة: قال رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «لا يحرم من الْعَظْمَ وأنْبَتَ اللَّحْمَ» وَإنَّمَا يكون هذا في حال الصغر [لا في حال الكبر].
وعند أبي حَنِيفَةَ مدة الرضاع ثلاثون شهراً؛ لقوله تعالى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْر﴾ [الأحقاف: ١٥] [وهو عند الأكثرين لأقلِّ هذه الحمل وأكثر مدة الرضاع، وأقَلُّ مدة الحمل ستة أشهر].
290
الشَّرط الثَّاني: أن توجد خمس رضعات متفرِّقات، يُرْوَى ذلك عن عائشة، وبه قال عبدُ اللَّه بنُ الزُّبَيْرِ؛ وإلَيْهِ ذهب الشَّافِعِيُّ وأحْمَدُ، قالت عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنزل في القرآن عشر رضعات يحرمن فنسخ من ذلك خمس، وصار إلى خمس رضعات معلوماتٍ يحرمن وتوفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والأمر على ذلك.
وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ مِنَ الرِّضَاعِ وَلاَ المَصَّتان» [وذهب ابن عباس وابن عمر إلى أن قليله وكثيره محرم، وبه قال سعيد بن المسيب] وإليه ذهب سفيانُ الثَّوْرِيُّ ومالكٌ والأوزاعيُّ، وعبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ وأصحابُ الرأي.
قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ فيدخل فيه أمها الأصلية وجميع جدّاتها من قبل الأب والأم كما بينا في النَّسب ومذهب أكثر الصحابة والتَّابعين أنَّ أمَّ الزَّوْجَةِ تحرم على زوج بنتها سواء دخل بالبنت أو لم يدخل، وذهبَ بعضُ الصَّحَابَةِ إلى أنَّ أمَّ المرأةِ لا تحرم إلا بالدُّخول بالبنت، كما أنَّ الرَّبيبة لا تحرمُ إلاَّ بالدُّخول بأمِّهَا، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر، وأظهر الروايات عن ابن عبَّاسٍ والسَّبَبُ في هذه الاستعارة أن مَنْ ربي طفلاً أجلسه في حجره فصار الحجرُ عبارة عن التَّربية كما يقالُ: فلان في حضَانّةِ فلان، وأصله من الحضْنِ: الَّذي هو الإبْطُ، وقال أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي: في بيوتكم.
قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ الرَّبَائب: جمع ربيبة، وهي: بنتُ الزوج أو الزوجة، والمذكر: رَبِيبٌ. سميا بذلك؛ لأن أحد الزوجين يُرَبّيه كما يربّي ابنه.
قوله: ﴿اللاتي فِي حُجُورِكُمْ﴾ لا مفهوم له لخروجه مخرج الغالب، والحجور: جمع حجر بفتح الخاء، وكسرها، وهو مُقَدَّمُ ثوب الإنسان ثمَّ استعملت اللَّفْظَةُ في الحِفْظِ والسَّتْرِ.
وروى قَتَادَة عن سعيد بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ زيد بن ثابت قال: إذا طلق الرَّجُلُ امرأتَهُ قبل الدُّخُولِ [بها] تزوَّج بأمِّها، وإذا ماتت لم يتزوّج بأمِّهَا، والفرقُ بينهما أنَّ الطَّلاق قبل الدُّخول لم يتعلق به شيء؛ لأنَّهُ لا يجب عليها عدّة، والموتُ في حكم الدُّخول في وجوب العدة.
قوله: ﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّهُ حال من ربائبكم تقديره: وربائبكم كائنات من نسائكم.
291
والثاني: أنَّهُ حال من الضَّمِيرِ المستكن في قوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ لأنه لما وقع صلة تَحَمَّل ضميراً أي: اللاتي استقررن في حجوركم.

فصل


قوله: ﴿اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة لنسائكم المجرور ب «من» اشترط في تحريم الرّبيبة أنَّ يدخل بأمها، ولا جائز أن تكون صفة ل «نسائكم» الأولى والثانية لوجهين:
أحدهما: من جهة الصّناعة، وهو أنَّ نسائكم الأولى مجرورة بالإضافة، والثَّانية مجرورة بمن فقد احتمل العاملان، وإذا اختلفا امتنع النعت لا تقولُ: رأيتُ زيداً، ومررت بِعَمروٍ العَاقِلين، على أن يكون العاقلين صفة لهما.
والثَّاني: من جهة المعنى، وهو أن أم المرأة تَحْرُمُ بمجرد العقد على البنت دخل بها أو لم يدخل بها عند الجمهور، والرَّبيبَةُ لا تحرم إلا بالدُّخُولِ على أمِّهَا، وفي كلام الزمخشريِّ ما يلزم منه أنَّهُ يجوزُ أن يكون هذا الوصف راجعاً إلى الأولى في المعنى، فإنه قال: مِنْ نِسَائِكُمْ متعلق ب ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ ومعناه: أنَّ الرَّبيبة من المرأة المدخول بها محرّمة على الرَّجُلِ حلال له إذَا لم يدخل بها.
فَإن قُلْتَ: هل يصحُّ أن يتعلَّق بقوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ قلتُ: لا يخلو إمَّا أنْ يتعلَّق بهن، وبالرَّبائب فتكونُ حرمتهنَّ غير مبهمة وحرمةُ الرَّبائب مبهمة، فلا يجوز الأوَّلُ؛ لأن معنى «مِنْ» مع أحد المتعلّقين خلاف معناها مع الآخر، ألاَ ترى أنَّكَ إذا قلت: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فقد جعلت «مِنْ» لبيانِ النِّساء، وتمييزاً للمدخول بِهِنَّ [من غير المدخول بهن] وَإذَا قلت: وربائبكم من نسائكم التي دخلتم بهن، فَإنَّكَ جاعل «من» لابتداء الغاية، كما تقول بَنَاتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [من خديجة]، وليس بصحيحٍ أنْ يعنى بالكلمة الواحدة في خطاب واحدٍ معنيين مختلفين، ولا يجوز الثَّاني؛ لأن الذي يليه هو الذي يستوجبُ التعليق [به]، ما لم يَعْرِضْ أمر لا يُرَدُّ إلاَّ أن تقول أعَلِّقُهُ بالنِّساء والرَّبَائِبِ، وأجعل «مِنْ» للاتصال كقوله تعالى ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وقال: [الوافر]
١٧٧٦ -............................... فإني لست منك ولست مني
وقوله: «مَا أنَا مِنَ الدَّدِ وَلاَ الدَّدُ مِنِّي» وأمهات النِّساء متصلات بالنِّساء؛ لأنَّهُنَّ
292
أمهاتهن كما أنَّ الرَّبائب متَّصلات بأمهاتنَ؛ لأنَّهُنَّ بناتهنَّ، هذا وقد اتفقوا على أنَّ التحريم لأمهات النساء مبهم، انتهى.
ثمَّ قال: إلا ما روي عن عليِّ، وابن عباَّسٍ، وزيد بن عمر، وابن الزُّبير أنَّهُم قرؤوا «وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن»، وكان ابنُ عبَّاسٍ يقول: واللَّه ما أنزل إلاَّ هكذا، فقوله أعلّقه بالنِّساء والرَّبائب إلى آخره، يقتضي أنَّ القيدَ الذي في الربائب، وهو الدُّخُول في أمَّهات نسائكم كما تَقَدَّم حكايته عن عليٍّ وابن عباس.
قال أبو حَيَّان: ولا نعلم أحَداً أثبت ل «مِنْ» معنى الاتصال، وأمَّا الآية والبيت والحديثُ فمؤَّولٌ.

فصل


روي عن علي - رضي اللَّهُ عنه - أنَّهُ قال: الرّبيبة إذَا لم تكن في حجر الزَّوْجِ؛ وكان في بلد آخر ثمَّ فارق الأمَّ بعد الدُّخول فإنَّهُ يجوزُ له أن يتزوَّج الربيبة، واحتجَّ على ذلك بقوله ﴿اللاتي فِي حُجُورِكُمْ﴾ شرط في تحريمها كونها ربيبة في حجره فإذا لم تكن في تربيته، ولا في حجره فقد فات الشَّرْطَانِ. وَأمَّا سائر العلماء فَإنَّهمُ قالوا: إذا دخل بالأم حرمت بنتها عليه سواء كانت في تربيتها أوْ لم تكن لقوله تعالى ﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ عَلَّقَ رفع الجناح بمجرَّدِ عدم الدُّخُولِ، وهذا يقتضي أنَّ المقتضي لحصول الجناح هو مُجرَّدُ الدُّخُولِ، وإنَّمَا ذكر التّربية والحجر حملاً على الأعَمِّ الأغلب لا أن تفيد شرطاً في التحريم.
قوله: ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ الحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة سميت بذلك؛ لأنها تحل مع زوجها حيث كان فهي فعيلة بمعنى فاعلة، والزوج حليل كذلك قال الشاعر: [الكامل]
293
وقيل: إنه لشدّة اتِّصال كل واحد منهما بالآخر كَأنَّهُمَا يحلان في ثواب واحد وفي لحاف واحد، وفي منزل واحد، وعلى هذا فالجاريَةُ كذلك فلا يجوز للأب أنْ يتزوَّج بجارية ابنه.
وقيل: لأنَّ كل واحد منهما كَأنَّهُ حالٌّ في قلب صاحبه وفي روحه لشدَّةِ ما بينهما من المَحَبَّةِ والألفة. وقيل اشتقاقها من لفظ الحلال إذْ كُلُّ واحد منهما حلال لصاحبه.
فالحليلةُ تكون بِمَعْنَى المحلَّة أيْ المحللة، والجارية كذلك؛ فَوَجَبَ كونها حليلة، فَفَعِيلٌ بمعنى: مَفْعُول، أي: مُحَلَّلَةٌ، وهو محلل لها، إلاَّ أنَّ هذا يُضْعِفُه دخول تاء التَّأنِيثِ اللَّهُمَّ إلاَّ أن يقال: إنَّه جرى مجرى الجوامد كالنَّطِيحةِ، والذَّبيحة.
وقيل: هما من لفظ «الحَلّ» ضد العقد؛ لأنَّ كُلاًّ منهما يحل إزار صاحبه.
و «الذين من أصلابكم» صفة مبنية؛ لأنَّ الابن قد يطلق على المتبنى به، وليست امرأته حرام على من تبنّى، فإنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نكح زينب بنت جحش الأسديّة، وهي بنت أميمةَ بنت عبد المطلب فكانت زينب ابنة عمّة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكان زوجها زيد بن حارثة وكان زيد تبناه رسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون إنَّهُ تزوج امرأة ابنه فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] وقال ﴿لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وَأمَّا الابن من الرّضَاع فإنَّهُ وإن كان حكمه حكم ابن الصَّلب في ذلك فمبين بالسُّنَّةِ، فلا يَرِدُ على الآية الكريمة.
وأصلاب: جمع صلب، وهو الظّهر، سمِّي بذلك لقوَّتِهِ اشتقاقاً من الصَّلابة، وأفصح لغَتَيْه «صُلْب» بضمِّ الفاء وسكون العين، وهي لغة الحجاز، وبنو تميم وأسد يقولون «صَلَباً» بفتحها حكى ذلك الفرَّاء عنهم في كتاب «لغات القرآن» وأنشد عن بعضهم: [الرجز]
١٧٧٩ - فِي صَلَبٍ مِثْلِ الْعِنَانِ المُؤدَمِ... وحكى عنهم: إذْ أقُوم أشتكي صَلَبي، وصُلُبٌ بضم الصّاد واللام وصَالِبٌ ومنه قول العبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ينقل من صَالبٍ إلى رَحِمٍ.

فصل [الخلاف في حل جارية الابن للأب]


قال الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - لا يجوز للأب أنْ يتزوج جارية ابنه وقال أبُو
294
حنيفة: يجوز استدلّ الشافعيُّ بما تقدَّمَ من الاشتقاق فمن قال: إنَّهُ ليس كذلك فهو شهادةٌ على النّفي ب «لا» فلا يلتفتُ إليْه. انتهى.

فصل [حرمة حليلة الابن بالعقد]


اتَّفَقُوا على أنَّ حُرْمَةَ حليلة الابن تَحْصُلُ بنفس الْعَقْدِ كما تحصل حرمة حليلة الأب بنفس العقد، لأنَّ عموم الآية يقتضي ذلك سواء كان مدخولاً بها أو لم يكن.
سئل ابْنُ عَبَّاسٍ عن قوله ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ أنَّهُ تعالى لم يبين أنَّ هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها أو غير مخصوص، فقال ابن عبَّاس: أبهموا ما أبهمه اللَّه، فليس المراد من هذا الإبهام كونها مجملة مشتبهة، بل المرادُ من هذا الإبهام التأبيد، ألا ترى أنَّهُ قال في السّبعة المحرمة من النَّسب إنَّها من المبهمات [أي] اللّواتي تثبت حرمتهن على سبيل التّأييد فَكَذَا هُنَا.

فصل [هل يحرم النكاح باللواط؟]


[قال القرطبي] : اخْتَلَفُوا في اللائِطِ فقال مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة وأصحابهم لا يحرم النِّكاح باللواط، وقال الثَّوْرِيُّ: إذا لَعِبَ بالصَّبِيِّ حَرُمَتْ عليه أمُّهُ وقال الإمام أحْمَدُ: إذا تلوَّطَ بابن امرأته أو أخيها، أو أبيها حَرُمَتْ عليه امْرأتُهُ وقال الأوزاعيُّ: إذَا لاَطَ بِغُلاَمٍ ووُلِدَ للمفجور به بنتٌ لم يجز للفَاجِرِ أن يتزوَّجها، لأنَّهَا بنت من قد دخل به.

فصل


اتَّفَقُوا على أنَّ هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجدِّ، وهذا يدلُّ على أنَّ ولد الولد يطلق أنَّهُ من صلب الجدّ، وكذلك ولد الولد منسوب إلى الجدّ بالولادة.
قوله ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ﴾ في محلّ رفع عطف على مرفوع ﴿حُرِّمَتْ﴾ أي «وحرم عليكم الجمعُ بين الأختين، والمراد الجمع بينهما في النِّكَاحِ.
أما في المِلْك فجائز اتفاقاً، وأمَّا الوطء بملك اليمين ففيه خلاف.
قوله ﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناء منقطع فهو منصوب المحلّ كما تَقَدَّمَ في نظيره، أي: لكن ما مضى في الجاهليَّةِ فَإنَّ اللَّهَ يغفره، وقيل: المعنى إلاَّ ما عقد عليه قبل الإسْلاَمِ، فإنَّهُ بعد الإسلام يبقى النّكاح على صحَّتِهِ، ولكن يختار واحدة منهما ويفارق الأخرى، وتقدَّم قريب من هذا المعنى في ﴿إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الأوَّل، ويكون الاسْتِثْنَاء عليه متصلاً، وهنا لا يتأتى الاتصال عليه ألْبَتَّةَ لفساد المعنى.
295
وقال عطاء والسُّدِّيِّ: إلا ما قَدْ سلف، إلا ما كان من يعقوب عليه السَّلام فإنه جمع بين ليَّا أمِّ يهوذا، وراحيل أمِّ يوسف عليهما السَّلامُ وكانتا أختين ﴿إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾.

فصل


لا يجوزُ أنْ يجمع بين أختين في عقد النكاح، ولا في عقدين، ويجوز أن يجمع بينهما بالملك، فَإذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا لم تُبَحْ لَهُ الأخرى حتّى تحرم الموطوءَة بتزويج، أو إخراج عن ملكه ويعلم أنَّهَا غير حامل.
قال القُرْطُبِيُّ: وشذّ أهلَ الظَّاهِرِ فقالوا: يجوزُ الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوَطْءِ، كما يجوز الجمعُ بينهما في الملك، واحتجوا بما روي عن عثمان في الأختين بملك [اليمين في الوطء]، قال: حرمتهما آية وأحلتهما آية فلا آمرك ولا أنْهَاكَ فَخَرَجَ السَّائِلُ فلقي رجلاً من أصحابِ النَّبيِّ صلى الله عليهما وسلم، قال مَعَمَرٌ أحسبه قال عليّ قال ما سألتَ عنه عثمان فأخبره بما سأله وبما أفتاه فقالَ لَهُ: لكنِّي أنْهَاكَ، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت لجعلتك نكالاً.

فصل


ويحرم الجمع بين المرأةِ وعمتها وبينها وبين خالتها لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأةِ وَعَمَّتِهَا وَ! لاَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا». وَلاَ يَجُوزُ لِلْحُرِّ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أكْثَرِ مِنْ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَلاَ لِلْعَبْدِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ فَإنْ جَمَعَ بَيْنَ مضنْ لاَ يَجُوزُ الجَمْعُ بِيْنَهُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ وَإنْ كَانَ فِي عَقْدَيْنِ لَمْ يَصِحُّ الثَّانِي مِنْهُمَا وَاللهُ أعْلَمُ. «
296
قوله تعالى ﴿والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ﴾ قرأ الجمهور ﴿والمحصنات﴾ بفتح الصاد سواء كانت معرفة بأل أم نكرة والكسائي بكسرها في الجميع إلاَّ في قوله
296
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ في هذه الآية فَإنَّهُ وافق الجمهور فأما الفتح ففيه وجهان:
أشهرهما: أنَّهُ أسْنَدَ الإحصان إلى غيرهن، وهو إما الأزْوَاجُ أو الأولياء، فَإنَّ الزَّوج يحصن امرأته أي يعفها، والولي يحصنها بالتَّزويج أيضاً واللهُ يحصنها بذلك.
والثَّاني: أنَّ هَذَا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور منها، يعني: أنه اسم فاعل، وَإنَّمَا شذ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ أحصن، فهو مُحْصَنٌ، وَألقح فهو مُلَقَّحٌ، وأسْهَبَ فهو مُسْهَبُ، وَأمَّا الكسرُ فَإنَّهُ أسند الإحصان إليهن؛ لأنَّهُنَّ يحصن أنفسهن بعفافهن، أو يحصن فروجهن بالحفظ، أو يحصن أزواجهن، وَأمَّا استثناء الكسائي الآية لتي هنا قال: لأن المراد بهن المُزَوَّجَات، [فالمعنى أنَّ أزواجهن أحصنوهن فهنَّ مفعولات، وهذا على أحد الأقوال في المحصناتِ هنا منهنَّ على أنَّهُ قد قُرِئَ شاذاً بالكسر في هذا أيضاً قال: وإنْ أُرِيدَ بهن المزوَجات] ؛ لأنَّ المراد أحصن أزواجهن، وفروجهن وهو ظاهر.
وقرأ يزيد بن قطيب: «والمُحْصُنات» بضمّ الصّاد كأنَّهُ لم يعتد بالساكن فاتبع الصّاد للميم كقولهم: «مَنْتُن»، وأصل هذه المادة الدَّلالة على المنع ومنه الحصن؛ لأنَّهُ يمنع به، و «حصان» بالكَسْرِ للفرس من ذلك، ومدينة حصينةٌ ودرع حصينة أي: مَانِعَةٌ صاحبها من الجراح، قال تعالى ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] أي: لتمنعكم، والحَصَانُ: بالفتح المرأة العفيفة؛ لمنعها فرجها من الفَسَادِ، قال تعالى: ﴿التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ [التحريم: ١٢]، ويقال: أحْصَنَتِ المرأةُ وَحَصُنَتْ، ومصدر حَصُنَتْ: «حصن» عن سيبويه، و «حصانة» عن الكِسَائيِّ، وأبي عبيدةَ، واسمُ الفاعل من أحْصَنَتْ مُحْصَنَةٌ، ومن حَصُنَت حَاصِنٌ، قال الشاعر: [الرجز]
١٧٧٨ - أغْشَى فتاة الحَيِّ عِنْدَ حَلِيلِهَا وَإذَا غَزَا فِي الْجَيْشِ لا أغْشَاهَا
١٧٨٠ - حَاصِنٍ مِنْ حَاصِنَاتٍ مُلْسِ مِن الأذى وَمِنْ قرافِ الْوَقْسِ
ويقالُ بها «حصان» كما تقدم [بفتح الحاء] قال [حَسَّان] يصف عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: [الطويل]
297

فصل [معنى الإحصان]


والإحْصَان ورد في القرآن [بإزاء] أربعة معان: التزّوج كهذه الآية لأنَّهُ عطفت المحصنات على المحرّمات، فلا بدّ وأنْ يكون الإحصان سبباً للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف، والإسلام لها تأثير لها في ذلك، والمرْأةُ المزوّجة محرمة على الْغَيْرِ.
الثَّاني: العِفَّةُ قال تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] وقوله ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥] ﴿والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١] أي: أعَفَّتْهُ.
الثالث: الحرية في قوله: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [النور: ٤] يعني الحرائر؛ لأنَّهُ لو قَذَفَ غَيْرَ حرَّةٍ لم يجلد ثمانين جلدة، وكذا قوله ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ [النساء: ٢٥] وقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات﴾
[النساء: ٢٥].
الرَّابع: الإسلام قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ قيل في تفسيره فإذا أسْلَمْنَ، وهذا يقع معرفته في الاستثناء الواقع بعده، وهو قول بعض العلماء، فإنْ أُرِيدَ به هنا التَّزوج كان المعنى: وحرمت عليكم المحصنات أي المتزوجات، قال أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ نزلت في نساء كُنَّ يهاجرن إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولهنَّ أزواج فيتزوّجْنَ بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فَنَهى اللهُ عن نكاحهن [ثم استثنى] فقال: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني بالسّبي، [ولهن أزواج في دار الحرب يحل لمالكهن وطؤهنّ بعد الاستبراء؛ لأنَّ بالسّبي] يرتفع النِّكاح بينها وبين زوجها.
قال أبُو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ: بعث رسول اللهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوم حنين جيشاً إلى أوطاس فأصابوا سبايا لَهُنَّ أزْوَاج من المشركين فكرهوا غشيانهن وتحرجوا، فأنزل الله هذه الآية.
وقال عطاءٌ: يريد أن تكون أمته في نكاح عبده يجوز أن ينزعها منه.
وقال ابن مسعود: أرَادَ أنْ يبيع الجارية المزوّجة فتقع الفرقة بينها وبين زوجها،
298
ويكون بيعها طلاقاً فيحل للمشتري وطؤها وهذا قول أبيّ بن كعب وابن مسعود، وابن عبَّاسٍ، وجابر، وأنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وقال علي، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف: إنَّ الأمة المزوجة إذَا بيعت لا يقع عليها الطَّلاق، وعليه إجْمَاعُ الفقهاء اليوم؛ لأنَّ عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكانت متزوجة فلو وقع الطلاق بالبيع لما كان في ذلك فائدة، وحجة الأوَّلين ما روي في قصة بَريرةَ أنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ قال: «بيع الأمة طلاقها» قالوا: فَإذَا ملكت الأمة حَلَّ وطؤها سواء ملكت بشراء، أو هبة أوْ إرث ويدل على أنَّ مُجَرَّد السّبي يحلُّ الأمة قول الْفَرَزْدَق: [الطويل]
١٧٨١ - حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تَزِنُ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
١٧٨٢ - وذَاتِ حَلِيلٍ أنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطْلَّقِ
يعني: أنَّ مجرد سبائها أحَلَّهَا بعد الاستبراء، وإنْ أُريد به الإسلام، أو العفّة فالمعنى: أنَّ المسلمات العفيفات حرام كلهنَّ، [يعني] فلا يزنى بهن إلا مَا مُلِكَ منهنّ بتزويج نكاح جديد بعد وقوعه البَيْنُونَةِ بينهن وبين أزواجهم أو ما ملكت يمين إن كانت المرأة مملوكة، فيكون المراد بما ملكت أيمانكم التّسلط عليهن، وهو قدر مشتركٌ، وعلى هذه الأوجه الثَّلاثة يكون الاستثناء متصلاً، وإذا أريد الحرائر، فالمرادُ إلا بما ملكت [أيمانكم] بملك اليمين ويدل عليه قوله بعد ذلك ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ [النساء: ٢٥] فكان المراد [بالمحصنات هنا هو المراد] هناك، وعلى هذا ففي قوله ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ وجهان:
الأوَّلُ: أنَّ المراد منه إلاَّ العقد الذي جعله الله تعالى ملكاً لكم وهو الأربع.
والثَّاني: أنَّ الحرائرَ محرمات عليكم إلا ما أثبت اللهُ لكم ملكاً عليهنَّ بحضور الولي والشُّهود والشُّروط المعتبرة في النِّكاح، في محلِّ نصب على الحال كنظيره المتقدّم.
وقال مَكِّيٍّ: فائدةُ [قوله] ﴿مِنَ النسآء﴾ أنَّ المحصنات يقع على الأنفس فقوله: ﴿مِنَ النسآء﴾ يرفع ذلك الاحتمال، والدَّلِيلًُ على أنَّهُ يراد ب «المحصنات» الأنفس قوله ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [النور: ٤] فلو أُرِيدَ به النِّساء خاصَّةً لم حُدَّ مِنْ قذف رجلاً بنصّ القرآن، وقد أجمعوا على أنَّ حدَّه بهذا النَّص. انتهى.
قال شهَابُ الدِّينِ: وهذا كلام عجيبٌ؛ لأنَّهُ بعد تسليم ما قاله في آية النُّور كيف يتوهَّم ذلك هنا أحد من النَّاس.
299

فصل [في سبي أحد الزوجين]


اتَّفَقُوا على أنَّهُ إذَا سبي أحد الزَّوْجَيْنِ قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام وقعت الفرقة بينهما، فإنْ سُبِيَا معاً، قال الشَّافِعِيُّ: تزول الزَّوجيّة ويستبرئها المالك.
وقال أبو حَنِيفَةَ لا تزول الزَّوجيَِّة.
واستدلَّ الشافعيُّ بقوله ﴿والمحصنات مِنَ النسآء﴾ فيقتضي تحريم ذوات الأزواج ثم قال ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ﴾ يقتضي أن عند طريان الملك ترتفع الحرمة ويحصل الحل.
قال أبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: إن حصلت الفُرْقَةُ بمجرد طريان الملك فوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها [وإرثها] وليس ذلك واجب، فإنَّ العام بعد التَّخصيص حجة في الباقي، وأيضاً فالحاصل عن السَّبي إحداث الملك، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، فكان الأوَّل أقوى.
قوله [ ﴿كِتَابَ الله﴾ ] في نصبه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنَّهُ منصوبٌ على أنَّهُ مصدر مؤكّد بمضمون الجملة المتقدِّمة قبله، وهي قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ ونصبه بفعل مقدر [تقديره] كتب الله ذلك عليكم كتاباً، والمعنى: كتب اللهُ عليكم تحريم ما تقدَّمَ ذكره من المحرمات كتَاباً مِنَ اللهِ، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير. قال تعالى ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب صُنْعَ الله﴾ [النمل: ٨٨]، وأبعد عبيدة السلماني في جعله هذا المصدر مؤكداً لمضمون الجملة من قوله تعالى «فانكحوا ما طاب لكم [» من النساء «].
الثاني: أنه منصوب على الأغراء ب»
عليكم «والتقدير: عليكم كتاب الله، أي: ألزموه كقوله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ﴾ [المائدة: ١٠٥] وهذا رأي الكِسَائيِّ ومن تابعه أجازوا تقديمَ المنصوب في باب الإغراء مستدلَّينَ بهذه الآية، وبقول الشَّاعِرِ: [الرجز]
١٧٨٣ - يَأيُّهَا المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا إنِّي رأيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا
ف»
دَلْوِي «منصوبٌ بدونك تقَدَّمَ، والبصريون يمنعون ذلك، قالوا: لأنَّ العامل
300
ضعيف، وتأوَّلُوا الآية [على ما تَقَدَّمَ] والبيتَ على أنَّ» دَلْوِي «منصوب بالمائِحِ أي: الَّذِي مَاحَ دلوي.
والثَّالثُ: أنَّهُ منصوبٌ بإضْمْارِ فعل أي: الزموا كشتَابَ اللهِ [وهذا قريب من الآخر.
وقال أبُو الْبَقَاءِ: هذا الوجه تقديره: الزموا كِتَاب اللهِ] وعليكم: إغراء يعني: أنَّ مفعوله قد حُذِفَ للدلاَلَةِ ب ﴿كِتَابَ الله﴾ عليه. أيْ عليكم ذلك فيكون أكثر تأكيداً، وأمَّا عليكم فقال أبُو الْبَقَاءِ: إنَّهَا على القَوْلِ بأنَّ كِتَابَ اللهِ مصدرٌ يتعلَّقُ بذلك الفعل المقدر النَّاصب لكتاب، ولا يتعلَّق بالمصدر وقال: لأنَّهُ هنا فَضْلة، قال: وقيل: يتعلَّق بنفس المصدر؛ لأنَّهُ ناب عن الفعل حيثُ لم يذكر معه فهو كقولك: مروراً بِزَيْدٍ، قلت وَأمَّا على القول بأنَّهُ [إغراء فلا محل له من الإعراب لأنه واقع موقع فعل الأمر وأما على القول بأنَّه] منصوبٌ بإضْمَارِ فعل أي الزموا فَعَلَيْكُمْ متعلِّقٌ بنفس كتاب، أو محذوف على أنَّهُ حالٌ منه.
وقرأ أبُو حَيْوَةَ «كتب الله»
جعله جَمْعاً مرفوعاً مضافاً للهِ تعالى على أنَّه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه كُتُبُ اللهِ عليكم.
قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ قرأ الأخوانِ وحفصٌ عن عاصمٍ ﴿وَأُحِلَّ﴾، مبيِّنا للمفعول والباقُونَ مبنيًّا للفاعل، وكِلْتَا القراءَتَيْنِ الفعل فيما معطوف على الجملة الفعليَّةِ من قوله ﴿حُرِّمَتْ﴾، والمُحَرَّمُ والمُحَلَّلُ: هو اللهُ - تعالى - في الموضعين سواء صرَّح بإسناد الفعل إلى ضميره، أو حذف الفاعل للعلم بِهِ، وادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قراءة ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ مبنياً للمفعول [عطف على ﴿حُرِّمَتْ﴾ ليعطف فعلاً مبنياً للمفعول] على مثله، [أي حرمت المبني للمفعول] وَأمَّا على قراءة بنائه للفاعل فَجَعَلَهُ معطوفاً على الفعل المقدَّر النَّاصِبِ لكتاب [كأنه قيل: كتب اللهُ عليكم تحريم ذلك، وأحَلَّ لكم ما وراء ذلكم.
301
قال أبُو حَيَّان: وما اختاره يعني من التَّفْرِقَةِ بين القِرَاءَتَيْنِ غير مختار؛ لأنَّ النَّاصب لكتاب الله] جملة مؤكدّة لمضمون الجُمْلَة من قوله ﴿حُرِّمَتْ﴾ إلى آخره، وقوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ جملة تأسيسية، [فلا يناسب أنْ تعطف إلاَّ على تأسيسية مثلها لا على] جملة مؤكدة، والجملتان هنا متقابلتان إذْ إحْدَاهُمَا للتحريم، والأخرى للتحليل فالمناسب أن تعطف إحْدَاهُمَا على الأخرى لا على جملة أخرى غير الأولى، وقد فعل هو مثل ذلك في قراءة البناء للمفعول، فليكن هذا مثله.
قال شهاب الدِّينِ: وفي هذا الرد [لأنَّ تحليل ما سوى ذلك مؤكد لتحريمه معنى وما ذكره أمر استحساني رعاية لمناسبة ظاهره وقد تبع البيضاويُّ الزَّمَخْشَرِيَّ في التفرقة فتأمل.
قوله] «ما وراء ذلكم» مفعول به إما منصوب المحل أوْ مرفوع على حسب القراءتين في «أحل».

فصل


ظاهر قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ يقتضي حِلَّ كُلِّ من سوى الأصناف المذكورة إلا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ على تحريم أصناف أخرى سوى [الأصناف] المذكورين، لقوله عليه السلام: «لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا»، وزعم الخوارجُ أنَّ هذا خبر واحد، فلا يجوزُ أن يخصَّ به القرآن لوجوه:
أحَدُهَا: أنَّ عموم الكتاب مقطوع وخبر الواحد مظنون المتن، فَكَانَ أضعف فترجيحُهُ يقتضي تقديم الأضعف على الأقوى، وهو لا يجوز.
وثانيها: حديث معاذٍ حين قال عليه السَّلام: «بِمَ تَحْكُم؟ قال: بِكِتَابِ اللهِ قَالَ فَإنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ بِسُنَّةِ رَسُول اللهِ» فقدَّمَ التَّمَسُّكَ بالكتاب على التَّمَسُّكِ بالسُّنَّةِ [وعلق جواز التمسك بالسُّنَّة على عدم الكتاب بكلمة «إن» والمتعلَّق على شرط عدم عند عدم الشِّرط.
وثالثها: قوله عليه السَّلام: «إذَا رُوِيَ لَكُم عَنِّي فاعرِضُوهُ عَلَى كتابِ اللهِ فَإنْ وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ وَإلاَّ فَرُدًُّوهُ».
302
هذا يقتضي إلاَّ يقبل خبر الواحد إلا عمد موافقة الكِتَابِ.
ورابعها: أنَّ قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ مع قوله عليه السلام «لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا» لا يخلو من ثَلاثَةِ أوجه: إمَّا أن تكون الآية نزلت بَعْدَ الخبر فتكون الآية ناسخة له؛ لأنَّ العام نسخَ القرآن بخبر الوَاحِدِ، وإنه لا يجوز وإمَّا أنْ يردا معاً، وهذا أيضاً بَاطِلٌ؛ لأنَّ [على] هذا التَّقْدِيرِ تكون الآية وَحْدَهَا غير مَبْنِيَِّةٍ، وتكونُ الحجَّةُ مجموع الآية والخبر. ولا يجوزُ للِرَّسُولِ أنْ يسعى في تشهير الشُّبْهَةِ، ولا يسعى في تشهير الحجَّة، فكان يجب عليه ألاَّ يسمع أحَدٌ هذه الآية إلاّ مع [هذا] الخبر، ويوجب على الأمَّةِ ألاَّ يبلغوا هذه الآية أحداً إلا مع هذا الخبر، ولو كان كذلك لزم أن يكون اشتهار هذا الخبر مساوياً لاشتهار هذه الآية، ولما لم يكن كذلك عُلِمَ فساد هَذَا القسم.
وخامسُهَا: أنَّ بتقدير صحَّةِ هذا الخبر قطعاً إلا أنْ التَّمسُّكَ بالآية راجحٌ عليه لوجهين:
الأوَّلُ: أنَّ قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ نص صريح في التحليل كما أن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ نص صريح في التحريم.
وأما قوله: «لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلَى عَمَّتِهَا {وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا] » فليس نصاً صريحاً؛ لأنَّ ظاهره إخبار، وحمل الإخبار على النَّهي مجاز، وإن سلّمنا كونه نهياً فدلالة النَّهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ [الإحْلاَل] على معنى الإبَاحَةِ.
الثَّانِي: أنَّ الآية صريحة في تحليل كُلِّ ما سوى المذكورات والحديثُ ليس صريحاً في العموم بل احتماله للمعهود السَّابق أظهر.
وسادسها: أنَّهُ تعالى اسْتَقْصَى في هذه الآيةَ شرح أصْنَافِ المحرَّمات فعدَّ منها خَمْسَةَ عَشرَ صنفاً، ثُمَّ بعد هذا التّفصيل التَّام والاستقصاء الشّديد قال ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ فلو لم يَثْبُت الحلُّ في كُلِّ من سوى هذه الأصناف المذكورة، لكانَ هذا الاستقصاء عبثاً، ولغواً، وذلك لا يليق بالحكيم. والجوابُ من وُجُوهٍ:
الأول: قال الحَسَنُ وأبو بَكْرٍ الأصَم إنَّ قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ لا يقتضي إثبات الحل على التأبيد؛ لأنَّهُ يصحُّ [تقسيم] هذا المفهوم إلى المؤبد، وإلى
303
غير المؤبَّد، فيقال ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ أبداً، ويقال ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ إلى الوقت الفلانِيِّ، ولو كان صريحاً في التَّأبيد لما كان هذا التقسيم ممكناً في الآية، فالآية لا تُفِيدُ [إلاَّ] إحلال من سوى المذكورات، والعقلُ يشهد بأنَّ الإحلال أعمّ من الإحلال المؤبد، ومن الإحلال المؤقّت، فالآيةُ لا تفيد إلا حلّ مَنْ عدا المذكورات في ذلك الوقت، فأمَّا ثبوتُ حكمهم في سائر الأوقات فَمَسْكُوتٌ عنه، وقد كان حِلُّ من سوى المَذْكُوراتِ ثَابِتاً في ذَلِكَ الوقت، وطريان حرمة بعضهم بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ تَخْصِيصاً لذلك النَّصِّ ولا نسخاً له، وبهذا الطَّرِيق يظهر أنَّ قوله
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ليس نصّاً في تأبيد هذا التَّحريمِ، وَإنَّمَا عرفنا ذلك التَّأبيد بالتَّواتر من دين محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.
الثَّانِي: أنَّ حرمة الجمع بَيْنَ الأخْتَيْنِ لِكَوْنِهِما أخْتَيْنِ يناسبُ هذه الحرمة؛ لأنَّ الأخْتيَّة قَريبَةٌ فناسبت مزيد الوصلة والشّفقة والكرامة، فكون إحداهما ضرَّة الأخْرَى موجبٌ الوَحْشَةَ العظيمةَ والنُّفْرَةَ الشَّدِيدَةَ كالأختية تناسب حرمة الجمع بينهما في النِّكَاحِ لما ثبتَ في أصُول الْفِقْهِ: أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ مع الوَصْفِ المُنَاسِبِ مُشْعِرٌ بالعِلّيةِ، وهذا المعنى مَوْجُودٌ فِي المْرأةِ وعمَّتِهَا، وخالَتِهَا، بل أولى؛ لأنَّ العمّة [والخالَة] تشبهان الأمِّ.
والثَّالِثُ: أنَّهُ تعالى نَصَّ على تَحْرِيمِ أمَّهَاتِ النِّسَاءِ، ولفظُ الأمِّ قد ينطلقُ على العَمَّةِ والخَالَةِ، أمَّا العمَّةُ فلقوله تعالى مخبراً عن أوْلاَدِ يعقوب عليه السَّلامُ ﴿نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فأطلق لفظ الأبِ على «إسماعيل» مع أنَّهُ كان عَمّاً وإذا كان العَمُّ أباً لزم أن تكون العَمَّة أمًّا، وأمَّا إطلاق لفظ «الأمِّ» على الخالة فقوله تعالى ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش﴾ [يوسف: ١٠٠] والمراد أبوه وخالته، فإنَّ أمَّه كانت مُتَوَفَّاة في ذلك الوقتِ فثبت أن قوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ يتناولُ العمَّةَ والخَالَةَ من بعض الوُجُوهِ وإذا كان كذلك فلم يكن قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ متناولاً له، وَإنَّمَا تناولتهم آية التحريم في قوله ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ إمَّا بالدلالة الصَّريحة، أو الجليّة، أو الخفية.
الرَّابعُ: أنْ تقولَ: يجوز تخصيصُ عموم الكِتَاب بخبر الوَاحِدِ الصّنف الثَّاني من المحرَّمات، والخارجة من هذا العموم: المطلقة ثلاثاً، ونكاح المُعْتَدَّة، ومن كان متزوّجاً
304
بحرّة لم يجز له أن يَتَزَوَّج أمَةً، وتحريم الخامسة، وتحريم الملاعنة لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «المُتَلاَعِنَانِ لا يَجْتَمِعَان أبَداً».
قوله ﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾ في محلّه ثلاثة أوْجِهٍ:
الرَّفُعُ، والنَّصْبُ، والجَرُّ فالرَّفْعُ على أنَّهُ بدل من ﴿مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ على قراءة أحِلَّ مبْنِيَّاً للمفعول [لأنّ «ما» حينئذٍ قائِمَة مقامَ الفَاعلِ؛ وهذا بدل منها بدل اشتمال، وَأمَّا النَّصْبُ فالأجود أن يكون على أنَّه بدل من «مَا» المتقدّمة على قراءة «أَحَلَّ» مبنيّاً للفاعل] كأنه قال: وأحل لكم ابتغاء أموالكم من تزويج أو ملك يمين، وأجاز الزَّمَخْشَرِيُّ أن يكونَ نصبه على المفعول من أجلِهِ، قال: بمعنى بَيَّنَ لكم [ما يَحِلُّ مما] يحرم إرادة أنْ يَكُونَ ابتغاؤكم بأموالكم الَّتي جعل اللهُ لَكُمْ قِيَاماً في حال كونكم مُحْصِنِينَ، وأنحى عليه أبُو حَيَّانَ وجعله إنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ دسيسة الاعتزال ثم قال: فَظَاهِرُ الآية غير ما فَهِمَهُ إذ الظِّاهِرُ أنَّهُ تعالى أحَلَّ لنا ابتغاء ما سوى المُحَرَّماتِ السَّابق ذكرها بأمْوَالِنَا حَالَةَ الإحْصَانِ؛ لا حالةَ السِّفَاح، وعلى هذا الظَّاهِرِ لا يجوز أن يعرب ﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾ مفعولاً له، لأنَّه فات شرط من شُرُوطِ المفعول له، وهو اتِّحاد الفاعِلِ في العامل والمفعول له؛ لأنَّ الفاعِلَ ب «أحل» هو اللهُ - تعالى -، والفاعل في ﴿تَبْتَغُواْ﴾ ضمير المخاطبين، فقد اخْتَلَفَا ولما أحسّ الزمخشريُّ إن كان أحس جعل «أن تبتغوا» على حذف إرادة حتّى يتحد الفاعل في قوله ﴿وَأُحِلَّ﴾ في المفعول له، ولم يجعل ﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾ مفعولاً له إلاّ على حذف مضاف، وَإقامتهِ مُقَامهُ، وهذا كُلُّهُ خروجٌ عن الظَّاهِر انتهى.
قال شهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما هَذَا التَّحمل، ولا كيف يخفى عَلَى أبي القاسم شرط اتحاد الفاعلِ في المفعولِ لَهُ حتّى يقول: إنْ كان أحسّ، وأجاز أبُو البقاءِ فيه النَّصْبَ على حذف حَرْفِ الْجَرِّ. قال أبُو البَقَاءِ: في «ما» من قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وجهان:
أحدُهمَا: هي بمعنى «مِنْ» فعلى هذا يكون قوله ﴿أَن تَبْتَغُواْ [بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ﴾ ] في موضع جرٍّ أو نصبٍ على تقديرِ بأن تبتغوا؛ أو لأنْ تبتغوا، أي أبيح لكم غير ما ذكرنا من النِّساء بالمُهُورِ.
والثَّاني: أنَّ «ما» بمعنى الذي، والذي كناية عن الفعلِ، أي: وأحلّ لكم تحصيل ما وراء ذلك الفعل المحرم، و ﴿أَن تَبْتَغُواْ﴾ بدلٌ منه، ويجوزُ أن يكون «أن تبتغوا» في هذا الوَجْهِ مثله في الوجه الأوَّلِ، يعني: فيكونُ أصله بأن تَبْتَغُوا، أو لأن تبتغوا، وفيما قاله
305
نظرٌ لا يخفى، وأمَّا الجرُّ فعلى ما قاله أبُو البَقَاءِ، وقد تَقَدَّم ما فيه.
و ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ حال من فاعل تبتغوا، و ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ حال ثانية، ويجوزُ أن يكون حال من الضَّمَيرٍ في ﴿مُّحْصِنِينَ﴾، ومفعول مُحصنينَ ومُسافحينَ محذوف، أي: محصنين فُرُوجَكُمْ غير مسافحين الزَّوَانِي، وكأنَّها في الحقيقةِ حال مؤكدة؛ لأنَّ المحصن غير مسافح، ولم يقرأ أحدٌ بفتح الصَّادِ من محصنين فيما نعلم. والسَّفَاحُ الزِّنَا.
قال اللَّيث: السَّفَاحُ والمُسَافحةُ: الفجور، وأصله الصَّبُّ، يقال: دموع سَوَافِحُ ومسْفُوحةٌ.
قال تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ١٤٥] وفلان سَفَّاحٌ للدِّمَاء، وسمي الزَّنَا سفاحاً؛ لأنَّهُ لا غرض للزَّاني إلا صب منيه، وكانوا يَقُولُونَ صافحني ومَا ذَمَّنِي والمسافحُ من يظاهر بالزِّنَا، ومتّخذ الأخْدَان من تستر فاتَّخَذَ واحدة خفية.

فصل [الخلاف في قدر المهر]


قال أبُو حنيفة: لا مهر أقلَّ من عشرة دراهم، وقال غيره: يجوزُ بالقليل والكثير، واحتج أبُو حنيفة بهذه الآية؛ لأنَّهُ تعالى قَيْد التحليل بالابتغاء بالأموال و [الدِّرهم] والدرهمان لا يسمّى أموالاً، فلا يصحُّ جعلها مهراً.
فإن قيل: ومَنْ عنده عشرة دراهم، لا يقال عنده أموال ع أنَّكُم تجوزونها مَهْراً قلنا: ظاهر الآيةِ يقتضي ألاَّ يكون العشرة كافية، إلا أنَّا أنزلنا العملَ بظاهر هذه الآية للإجْمَاعِ على جوازه، ويتمسَّك في الأقل من العشرة بِظَاهِرِ الآية وهذا استدلال على أنَّ الابتغاء بغير الأموال غير جائز، إلاّ على سبيل المفهوم وأنتم لا تقولُونَ به، واستدلّ المخالف بوجوه:
أحدها: قوله ﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ﴾ فقابل الجَمْعُ بالجَمْعِ فيقتضي توزع الفَرْد على الفَرْدِ، وهذا يقتضي أنْ يتمكَّن كلُّ واحدٍ من ابتغاء النِّكَاح بما يسمى مالاً، والقليل والكثير في هذه الحقيقةِ، وفي هذا الاسم سواء.
وثانيها: قوله تعالى ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَدَلَّتْ الآية على سقوط النصف من المذكور، وهذا يقتضي أنَّهُ لو وقع العقدُ في أوَّلِ الأمْرِ بِدرْهمٍ: لم يجب إلا نصفُ درهمٍ، وأنْتُمْ لا تقُولُونَ به.
وثالثها: ما رُوِيَ أنَّ امْرَأةً جيء إلى النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتزوّج بها رجل على نعلين
306
فقال عليه السَّلام «رَضيت مِنْ نَفْسِكَ بِنَعْلَين»، فقالت: نعم؛ فأجازه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «والظاهرُ أنَّ قيمة النَّعلين أقلُّ من عشرةِ دراهم، فإنَّ مثل هذا الرجل والمرأةِ اللذين تزوَّجَا على نعلين يكونان في غَايَةِ الفَقْرِ فنعلهما تكون قليلة القِيمَةِ جدّاً.
وروى جَابِر عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ قال:»
مَنْ أعْطَى امْرأةً من نِكَاح كَفَّ دقيق، أو سويق، أو طعاماً فقد استحلّ «، وحديث الواهبة نفسها أنَّهُ - عليه السَّلامُ -» قال لِلَّذي أرَادَ أن يتزوَّجَهَا الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتماً مِنْ حَدِيدٍ «وذلك لا يساوي عشرة دراهم.

فصل [في الخلاف في المهر بالمنافع]


قال أبُو حنيفةَ: لو تزوَّجَهَا على تعْليمِ سورة من القُرْآنِ لم يكن ذلك مهراً، ولها مهر مثلها ولو تزوَّجَهَا على خدمة سَنَةٍ، فإنْ كان حرّاً فلها مَهْرُ مثلها، وإنْ كان عبداً فلها خدمة سنة وقال غيره: يجوزُ جعل ذلك مهراً، واحتجَّ أبُو حنيفةَ بهذه الآية.
قال: لأنَّهُ تعالى شرط في حصول الحل ذلك الابتغاء بالمال، والمال اسمٌ للأعيان لا للمنافع وأيضاً قال: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وذلك صفة للأعيان لا للمنَافِعِ، وأيضاً قال ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤].
وأجيب عن الأوَّل بأن الآية دَلَّت على أنَّ الابتغاء بالمال جائز، وليس فيه بيان أنَّ الابتغاء بغير المال جَائِزٌ أم لا.
وعن الثاني: بأنَّ لَفْظَ الايتاء كما يتناولُ الأعيان المنافِعَ الملتزمة.
وعن الثَّالث: أنَّهُ خرج الخطاب على الأعمِّ الأغلب.
واستدلَّ المُخالفُ بوجهين:
أحدهما: قصة شعيب في قوله لموسى ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] وشرعهم شرع لَنا ما لم يرد نَاسِخٌ.
307
وثانيهما: قوله عليه السلام» زَوَّجْتُكَ بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ «.

فصل [في تفسير قوله ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ ]


في قوله مُحصنينَ وجهان:
أحدُهُما: - أنَّ المراد أنْ يصيروا مُحْصنينَ بسبب عَقْدِ النِّكَاحِ.
الثَّاني: - أنْ يكون الاحصانُ شَرْطاً في الإحلالِ المذكور في قوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ والأوَّلُ أولى؛ لأنَّ الآية تَبْقى عامَّةً معلومة المعنى.
وعلى الثَّاني: تكونُ الآيةُ مجملةً؛ لأنَّ الإحْصانَ المذكور فيها غير مُبَيّن، والمعلَّق على المجمل يكون مجملاً، وحمل الآية على وَجْهٍ معلوم أوْلَى من حملها على وجه مجمل.
قوله: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ﴾ يجوزُ في «ما»
وجهان أحدهُمَا: أنْ تكون شرطيّة.
والثَّاني: أن تكونَ مَوْصولةً، وعلى كلا التقديرين فيجوزُ أن يكون المراد بها النساء المُسْتمتعَ بِهِنَّ، أي النَّوع المستمتع به، وأن يراد بها الاستمتاع الَّذي هو الحدث، وعلى جميع الأوجهِ المُتقدِّمَةِ، فهي في محلِّ رفع بالابتداء، فإنْ كانت شرطيَّة ففي خبرها الخِلافُ المشهور هل هو فعل الشّرط وجوابه، أو كلاهما وقد تقدَّمَ تحقيقهُ في البقرة، وإن كانت موصولة؛ فالخبَرُ قوله «فآتوهن» ودخلت الفاءُ لشبه الموصول باسم الشرط كما تقدَّمَ، ثم إنْ أريد بها النَّوع المستمتعُ به فالعَائِدُ على المبتد سواء كانت ما شرطية أو موصولة الضمير [المنصوب] في «فآتوهن» ويكون قد راعى لفظ «مَا» تارة فأفرد في قوله «بِهِ»، ومعناها أخرى، فجمع في قوله «منهن» «فآتوهن» فيصيرُ المعنى: أي أُرِيدَ بها الاستمتاع، فالعائِدُ حينئذٍ محذوف، تقديره: فأيُّ نوع من الاستمتاعِ استمتعتم به من النساء فآتوهنّ أجورهن لأجله. و «من» في «منهن» تحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون للبيان.
والثاني: أنْ تكون للتّبعيض، ومحلها النّص على الحال، من الهاء في «به»، ولا يجوزُ في «ما» أنْ تكون مصدريّة لفساد المعنى ولعود الضَّميرِ في «بِهِ» عليها.

فصل [في تفسير الاستمتاع]


الاستمتاعُ في اللُّغَةِ: الانْتِفَاعُ، وكلُّ مَا انتفعَ به فهو مَتَاعٌ، يقالُ: استمتع الرَّجُلُ
308
بولده، ويقال فيمنْ مَاتَ شابّاً: لم يَتمتَّع بشَبَابِهِ، قال تعالى ﴿رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقال ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] يعني: بحظِّكُمْ عليهنّ؛ فآتُوهنّ أجورهنّ عليه، أو مهورهن عليه، وإنَّما سُمِّيَ المهرُ أجراً؛ لأنَّهُ بَدَلُ المَنَافِعِ كما سُمِّي بَدَلُ منافع الدَّارِ والدَّابَّةِ أجْراً.

فصل [في الخلاف في تقرير لمهر بالخلوة]


قال الشَّافعيُّ: الخلوةُ الصَّحيحةُ لا تُقرِّرُ المَهْرَ.
وقال أبُو حنيفةَ وأحْمَدُ: تقرره، واحتجَّ الشَّافِعِيُّ بقوله تعالى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فجعل وُجُوبَ إتيانهنّ لأجل الاستمتاع بهنَّ، فلوْ تقرَّر بالخُلْوَةِ قبلَ الاستمتَاعِ لمنع من تَعَلُّقِ النُّقُودِ بالاسْتِمتَاعِ وهو خلاف الآية.

فصل


قال الحَسَنُ ومُجاهدٌ وأكثرُ العلماءِ: والمراد بهذه الآية ابتغاء بالأمْوَالِ على طريق النِّكاحِ الصحيح.
وقوله ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فجعل وُجُوبَ إتيانهنّ بالدُّخُول أي ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهن بالتَّمام.
قال القُرْطُبِيُّ: اختلف النَّاس في المعقود عليه في النِّكَاحِ هل هو بَدَنُ المرأة، أو منفعة البُضْعِ، أو الحِلّ على ثلاثة أقوال، قال: والظَّاهِرُ المجموع؛ لأنَّ العَقْدَ يقتضي كُلَّ ذلك فإنَّ عقد النِّكاح آتاها نصف المهر، وقال آخرونَ: هو نِكَاحُ المُتْعَةِ، وهو أن يستأجر امرأةً بمالٍ مَعْلوم إلى أجل معينٍ، فإذا انقضت تلك المدَّة باتت منه بلا طلاق وتستبرئ رحمها، وليس بينهما ميراث، وكان ذلك مباحاً في ابتداء الإسْلامِ ثم نَهَى عنه رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، روى الرّبيع بن سبرة الجهني أنَّ أباه حدَّثه أنَّهُ كان مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال:
«يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء فإنَّ اللَّهَ قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة فَمَنْ كان عنده منهن شيء فَلْيُخَلِّ سبيله، ولا تأخُذُوا مما آتيتموهن شيئاً» وروى علي بن أبي طالب «أنَّ رسول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ نهى عن متعة النِّسَاءِ يَوْمَ خيبر وعن أكل لُحُومِ الحُمُرِ الإنسيّة» وعامّة أهل العلم على أنَّ نكاح المتعة حرام منسوخ
309
وذهب ابن عباس إلى أنَّ الآية محكمة، ويرخّص في نكاح [المُتْعَةِ].
روى أبو نَضْرَةَ قال: سألتُ ابْن عَبَّاسٍ عن متعة النّساءِ فقال: أما تقرأ سورة النِّساء: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ إلى أجل مسمى ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ قلت: لا أقرؤها هكذا، فقال ابن عبَّاس: هكذا أنزل اللَّهُ ثلاث مرات، وروي أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه السلام طول العزوبة فقال «اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِه النِّسَاءِ» وهذا القول مروي عن ابن عبَّاسٍ وعمران بن الحُصَيْنِ، أمَّا ابن عبَّاسٍ فعنه ثلاث روايات أحدها أنَّهَا مباحة مطلقاً، وقال عِمَارة سألت ابن عباس عن المتعة أسِفَاحٌ هي أم نِكَاحٌ قال: لا سِفَاحَ ولا نِكَاحَ، قلتُ: فما هي قال: مُتْعَةٌ كما قال اللَّهُ تعالى قلت: هل لها عِدَّةٌ؟ قال: نعم حيضةٌ، قلت: هل يتوارثان، قال: لا. الثانية أنَّ النَّاسَ لما ذكرُوا الأسفار في المتعة، قال ابن عبَّاس: قَاتَلهُمُ اللَّهُ ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق، لكني قلت إنَّها تحلُّ للمضطر كما تحلُّ الميتةُ، والدَّم، ولحمُ الخنزير له.
الثَّالِثَةُ: أنَّهُ أقرَّ بأنَّهَا صارت مَنْسُوخَةً.
روى عَطَاءٌ الخُراسَانِيُّ: عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ قال صارت هذه الآيةُ منسوخة بقوله تعالى ﴿ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وروى أيضاً أنَّهُ قال عند موته: اللَّهُمَّ إني أتوبُ إليك من قولي في المتعة والصرف، وأمَّا عمرانُ بْنُ الحُصَيْنِ فإنَّهُ قال نزلت هذه المتعة في كتاب اللَّهِ ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتمتعنا بها، ومات ولم ينهنا عنه، ثمَّ قال رجلٌ برأيه ما شاء، وروى مُحَمِّدُ بْنُ جريرٍ الطبري في تفسيره عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّهُ قال: لولا أنَّ عمر نهى عن المتعة [ما زنا إلا شقي.
والجمهور على تحريم نكاح المتعة لما روى سالم بن عبد الله بن عمر أنَّ عمرُ بْنُ الخَطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال في خطبته ما بال رجال ينكحون هذه المتعة] وقد نهى رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
310
عنها لا أجِدُ أحداً نكحها إلاَّ رجمتُهُ بالحجارة، وقال: هذه المُتْعة النِّكَاحُ والطَّلاق والعدّةُ والميراث فذكر هذا الكلام في مَجْمَعٍ من الصَّحَابَةِ، ولم ينكروا عليه، فالحالُ لا يخلو من أن يكونُوا عالمين بحرمة المُتْعةِ فَسَكتُوا، أو كانوا عالمين بإباحتها فسكتوا مداهنة، أو ما عرفوا حكمها فسكتوا تَوَقُّفاً.
والأوَّلُ: هو المطلوب.
والثَّاني: يُوجبُ تكفيرَ عُمَرَ وتكفيرَ الصَّحابةِ، لأنَّ من علم أنَّ رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حكم بإباحة المُتْعَةِ ثمَّ قال: إنَّهَا محرَّمة من غير نسخ لها فهو كافر، ومن صدقه مع علمه بكونه مخطئاً كافر، وهذا يقتضي تَكْفِير الأمَّةِ. وإن لم يكونوا عالمين بالإباحَةِ ولا بالحرمة، فهذا أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ كون المتعة مباحة يقتضي كونها كالنِّكَاح، واحتياج النَّاس إلى معرفة حكمها عام في حقِّ الكُلِّ، ومثل هذا يمتنع خفاؤه بل يجبُ أن يُشْتَهَر العلم بحكمه كاشتهار علمهم بحلِّ النِّكاح، ولما بطل هذان القسمان ثَبَتَ أنَّ الصَّحَابَةَ إنَّمَا سَكَتُوا عن الإنكار على عُمَرَ لعلمهم بأنَّ المتعة صارت منسوخَةً في الإسْلاَمِ.
فإن قيل: الرَّجْمُ غير جائز مع أنَّ الصَّحابةَ ما أنكروا عليه حين ذكر ذلك، ولما سكتَ ابْنَ عباسٍ عنه في مسألة المُبَاهَلَة ثم ذكرها بعد موت عمر وقال: من شاء باهلته فقيل له: هلاّ قلت هذا في زمن عُمَرَ، فقال: هِبْتُه، وكان أمْرَأً مُهاباً.
فالجوابُ لعلَّهُ ذكر ذلك على سبيل الزَّجْرِ والتهديدِ والسِّيَاسة، ومثلُ هذا جائز [للإمام] عند المصلحةَ كقوله عليه السَّلامُ «مَنْ مَنَعَ الزَّكاةَ فإنَّا نَأخُذُهَا مِنْهُ وَشَطْر مالِهِ» وأخذ شَطْرِ المالِ غير جائز لكنَّه قال ذلك للزَّجر فكذا ههنا، وأمَّا سكوت ابن عباس، فكَانَ سكوت رجل واحد في خلائق عظيمة، فلا يُشْبِهُ سكوت الخَلاَئِقِ العظيمة عند رجل واحد، ويدلُّ على التَّحريم حديثُ الربيعِ بْنِ سبرة، وحديث عَلِيٍّ المذكوران أوَّل الفَصْلِ قال الرَّبيعُ بْنُ سُليْمَانَ: سمعت الشَّافِعِيِّ يقول: لا أعلم في الإسْلاَمِ شيئاً أحِلَّ ثم حرم غير المُتْعَةِ.
واحتجَّ من قال بإباحَةِ المتعة بوجوهٍ:
أحدُهَا قراءة أبيِّ بنِ كَعْبٍ وابن عباس «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى
311
فآتوهن أجورهن» ولم ينكر عليهما هذه القراءة فكان إجماعاً، فيقابل الإجماع الَّذي كان حاضراً عند خطبة عُمَرَ.
الثَّاني: أنَّ المذكور في الآية إنَّمَا هو مُجَرَّدُ الابتغاء بالمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تعالى أمر بإتيانهنَّ أجورهنَّ بعد الاستمتاع بهنَّ، وذلك يدُلُّ على أنَّ مجرَّدَ الابتغاءِ بالمال يجوزُ الوطء، ومجرَّد الابتغاء بالمالِ لا يكونُ إلاَّ في نِكَاحِ المُتْعَةِ، فأمَّا في النِّكَاحِ المطلق، فالحل إنَّمَا يحصل بالعَقْدِ والولي والشُّهود، ولا يفيد فيه مُجرَّدُ الابتغاء بالمال.
الثَّالِثُ: أنَّهُ وَاجِبٌ إيتاء الأجور بمجرَّدَ الاستمتاع، والاستمتاعُ عبارةٌ عن التَّلذُّذِ والانتفاع، وأمَّا في النِّكَاحِ المطلق فإيتاء الأجور لا يتوقَّفُ على الاستمتاع ألْبَتَّةَ بل على العقد. ألا تَرَى انَّ بمجرد النِّكَاحِ يلزم نصفُ المهر.
الرَّابعُ: أن الأمَّةَ مجمعة على أنَّ نِكَاحَ المتعة كَانَ جَائِزاً في الإسْلامِ، وإنَّمَا الخلافُ في النَّسْخِ، فَنَقُولُ لو كان النَّاسِخُ موجوداً، لكان إمَّا معلوماً بالتَّواتُرِ أو الآحاد، ولم يعلم بالتَّواتُرِ؛ لأنَّه كان يلزمُ منه كونُ عليٍّ، وابن عباس، وعمران بن الحُصَيْنِ منكرين لما عرف ثبوته بالتَّواتُرِ في دين محمَّدٍ عليه السلامُ، وذلك يوجب تكفيرهم، ويكون باطلاً قطعاً، وإنْ كان ثابتاً بالآحاد لزم نسخ الثابت المتواتر المقطوع به بخبر الوَاحِدِ المظنون، وهذا أيضاً باطل، ومما يدلُّ على بطلان هذا النَّسخ أيضاً أنَّ أكثر الرِّوايات أنَّ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهى عن المتعة يوم خيبر، وأكثر الرِّوايات أنَّهُ عليه السلامُ أباح المتعةَ في حجَّة الوداع وفي يومَ الفَتْحِ، وهذان اليومان متأخرانِ عن يوم خيبر، وذلك يدلُّ على فساد ما روي أنَّهُ عليه السلامُ نسخ المتعة يوم خيبر، لأنَّ النَّاسِخَ يمتنع تقدُّمهُ على المنسوخ، [وقول] من قال إنَّهُ حصل التحليل مراراً [والنسخ مرارا] قول ضعيف لم يقل به أحدٌ من [المُتقدِّمينَ] المعتبرين، إلا الذين أرادوا إزالة التَّناقُضِ عن هذه الرِّوايات.
الخامس: أنَّ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال على المنبر متعتان كانتا مشروعتين في زمن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأنا أنهى عنهما: مُتْعَةُ الحَجِّ، ومتعةُ النِّكَاحِ وهذا تنصيص منه على أنَّ متعة النِّكاحِ كانت موجودةً في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقوله «وأنا أنْهى» يدلُّ على أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما نسخة، وَإنَّما عمر هو الذي نَسَخَهُ وإذَا كانت كذلك؛ وجب أن لا يصير منسوخاً بنسخ عُمرَ، وهذا هو الحجةُ التي احتجَّ بها عمران بن الحصين حيث قال: ولم تنزل آية بنسخ آية المتعة، ولم يَنْهَنَا عنها حتى مات، ثم قال رجلٌ برأيه ما شاء، يريد أنَّ عمر نهى عنها.
312
والجوابُ أنْ يقال: إن هذه الآيةَ مشتملة على أنَّ المراد منها تحريم نكاح المتعة من ثلاثة أوجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تعالى ذكر المحرمات بالنِّكاح أولاً في قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ثم قال في آخر الآية ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ كانَ المرادُ بهذا التحليل ههنا ما هو المراد هناك بالتَّحريم هو النِّكاح، فالمرادُ بالتحليل هنا أيضاً يجب أنْ يكون هو النِّكاح.
الثّاني: قوله تعالى ﴿مُّحْصِنِينَ﴾ والإحْصَانُ لا يكون إلاَّ في نكاحٍ صحيح.
الثالثُ: قوله ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ سمَّى الزِّنَا سِفَاحاً؛ لأنَّهُ لا مقصود فيه إلا سفح الماء ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح النِّكاح، والمتعة لا يراد منها إلاَّ سفح الماء فكان سفاحاً، هذا قول أبِي بكر الرَّازي، وفيه مناقشة.
أمَّا الأولُ: فإنَّهُ تعالى ذكر أصْنافاً مِمَّنْ يَحْرُمُ وَطْؤهُنَّ ثم قال ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي وأحل لكم وَطْءُ ما وراء هذه الأصناف، فأيُّ فساد في هذا الكلام.
وأمَّا الثَّاني: وهو أنَّ الزِّنَا إنَّمَا سمي سفاحاً؛ لأنَّهُ لا يراد منه إلا سفح الماء فالمتعةُ ليست كذلك فإنَّ المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل اللَّه، لم قلتم إنَّ المتعة محرمة.
قال ابْنُ الخطيبِ: وَإنَّمَا الجواب المعتمدُ أن نقول: إنَّا لا نُنْكِرُ أنَّ المتعةَ كانت مباحة إنَّمَا الذي نقوله: إنَّها صارت منسوخَةً، وعلى هذا التقدير، فلو كانت [هذه الآية دالة على أنها مشروعة] [لم يكن ذلك قادحاً في غرضنا، وهذا هو الجواب أيضاً عن تمسكهم بقراءة أبيّ وابن عباس، فإن تلك القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة، ونحن لا ننازع] لكن نقول: إنَّ النسْخَ طرأ عليه، وما ذكرتم من الدلائل لا يدفع قولنا، وقولهم إنَّ النَّاسخَ إمَّا أن يكون متواتراً، أو آحاداً قلنا: لعلَّ بعضهم سمعه ثم نسيه [ثم إن عمر - رضي لله عنه - لمّا ذكر في الجمع العظيم تذكروه وعرفوا صدقه فيه وسلموا الأمر له.
وقولهم:] إنَّ عمر أضاف النّهي عن المتعة إلى نفسه.
قلنا: قد بَيَّنَا أنَّهُ لو كان مراده أنَّ المتعة كانت مباحة في شرع محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأنا أنهى
313
عنه؛ لزمَ تكفيره، وتكفير كلّ مَنْ لا يحاربه وينازعه، ويفْضِي ذلك إلى تكفير جميع المؤمنين، وكلُّ ذلك باطل فلم يبق إلا أن يقال: كان مراده أنّ المتعة كانت مباحة في زمن الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأنا أنهى عنها لما ثبت أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نسخها، فهو ناقل للنَّسْخِ، لا أنَّهُ نسخ من عنده.

فصل


قال القرطبيُّ: اختلف العلماءُ كم مرة أبيحت ونسخت؛ ففي «صحيح مسلم» عن [عبد] الله قال: «كُنَّا نَغْزُو مع رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليس لنا نِسَاء، فقلنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فنهانا عن ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّص لنا أنْ نَنْكِحَ المَرْأةَ بالثَّوْبِ إلى أجَلٍ» قال أبُو حَاتِم البُسْتِيُّ في صحيحه: قولهم للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «ألا نَسْتَخْصِي» دليل على أنَّ المتعة كانتَ مَحْظُورَةً قبل أنْ يبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنىً، ثم رَخَّص لهم في الغَزْوِ أن ينكحوا المرأة بالثَّوب إلى أجَلٍ ثمَّ نهى عنها عام خيبر ثم أذن فيها عام الفتح ثم حرمها بعد ثلاث فهي محرّمة إلى يوم القيامة.
وقال ابن العَرَبِيّ: وأمَّا متعة النَساء فهي من غرائب الشَّريعة؛ لأنَّهَا أبيحت في صدر الإسْلامِ ثمَّ حرمت يَوْمَ خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوْطَاسٍ ثُمَّ حرِّمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التَّحريم، وليس لها أختٌ في الشَّريعة إلاَّ مسألة القبلة، فإنَّ النَّسْخَ طرأ عليها [مرتين] ثم استقرَّتْ بعد ذلك. وقال غيره مِمَّنْ جمع طرق الأحاديث فيها: إنَّها تقتضي التَّحليلَ والتَّحْرِيمَ سبع مرات فروى ابن أبي عمرة: أنَّها كانت في صدر الإسلام.
وروى سلمةُ بْنُ الأكوع: أنَّها كانت عام أوْطَاسٍ، ومن رواية عليٍّ تحريمها يومَ خيبر، ومن رواية الرَّبِيعِ بْنِ سبرة إباحتها يَوْمَ الفَتْحِ.
قال القرطبيُّ وهذه الطرق كُلُّهَا في «صحيح مسلم» وغيره عن علي نَهْيَهُ عنها في غزوة تَبُوكَ وفي مصنف أبي داود من حديث الرَّبيعِ بْنِ سبرةَ النَّهي عنها في حجَّةِ الوَدَاعِ.
314
وروى الحسن عن [ابن] سبرة أيضاً: ما حلَّتِ المتعةُ قطُّ إلاّ ثلاثاً في عمرة الفَضَاءِ ما حلَّت قبلها، ولا بعدها.
فهذه سبعةُ مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت.
قوله «فريضة» حال من أجورهن، أو مصدر مؤكد أي فرض اللَّهُ ذلك فريضة [أو فرضاً] أو مصدر على غير المصدر؛ لأنَّ الإيتاء مفروض فَكَأنَّهُ قال «فآتوهن أجورهن إيتاء مفروضاً». قوله «ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة» من حمل الآية على النِّكاح الصّحيح قال المراد منه الإبراء من المهر، أو الحط عنه، أو الافتداء، أو الاعتياض وهو كقوله تعالى ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤] [فإن قبضها ملكت بالقبض] وقوله ﴿إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٧] من حمل الآية على نِكَاحِ المتعة قال: أراد إذا انْقَطَعَ زمانُ المتعَةِ لم يبق للرَّجُلِ على المرأة سبيل، فإنْ شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في الأجر وإن لم يتراضيا تفارقا.

فصل [حكم إلحاق الزيادة بالصداق]


قال أبُو حنيفة: إلحاق الزِّيَادَةِ بالصَّدَاقِ جائز، وهي ثابتة إن دَخَلَ بها، أو مات عنها وإن طلقها قبل الدُّخولِ بطلت الزِّيَادة، وكانت بمنزلة الهبة فإن قبضتها ملكتها بالقبض، وإن لم تقبضها بطلت، واحتَجُّوا بقوله ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة﴾ وهذا بعمومه يدلُّ على جواز إلحاق الزِّيَادة [بالصداق، قال: بل هذه بالزيادة أخص منها بالنقصان؛ لأنه تعالى علقه بتراضيهما والبراءة والحط لا يحتاج إلى رضا الزوج، والزيادة لا تصح إلا بقبوله، فإذا علق ذلك بتراضيهما جميعاً، دل على أن المراد هو الزيادة. الجواب أنه لا يجوز أن تكون الزيادة عبارة] عما ذكره الزَّجَّاجُ، وهو أنَّهُ إذا طلقها قبل الدُّخول، فإن شاءت أبرأته من النَّصف، وإن شاء الزَّوج سلّم إليها كلَّ المال، فيكون قد زادها على ما وَجَبَ عليه؛ ولأنَّ هذه الزيادة لو التحقت بالأصل لكان إمَّا مع العقد الأوَّلِ، أوْ بعد زواله، والأوَّلُ باطل؛ لأنَّ العقد لما انعقد على القدر الأوَّلِ، فلو انعقد مرَّةً أخرى على القدر الثَّاني؛ لكان ذلك تكويناً لذلك العقد بعد ثبوته، وهو تحصيلُ الحاصلِ.
315
والثَّاني باطل؛ لانعقادِ الإجماع على أنَّ عند إلحاق الزَّيادَةِ لا يرتفعُ العقدُ الأوَّلُ، ففسد قولهم.

فصل [في استحباب قلة المهر]


اعلم أنَّهُ لا تقدير لأكثر الصّداق لقوله تعالى ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء: ٢٠] والمستحبّ أن لا يغالي فيه. قال عُمَرُ بْنُ الخطَّاب: «ألاَ لاَ تغالوا في صدقة النِّساء، فإنَّهَا لو كانت مُكرمَةً في الدُّنْيَا وتقوى عند اللَّهِ، لكان أولاكم بها رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ما علمت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نَكَحَ شيئاً من نسَائِهِ، ولا أنكح شيئاً من بناته بأكثر من اثْنَي عشر أوقية.
وعن أبِي سَلَمَةَ قال: سألتُ عَائِشَة كم كان صداق النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: كَانَ صَدَاقُهُ لأزْوَاجِهِ اثْنَتي عَشْرَةَ أوقِيةً وَنشاً وقالت: أتدري ما النشُّ؟ قلتُ: لا قالت: نصف أوقية فتلك خَمسمائة دِرهم، وَأمَّ أقل الصَّداق فذهب بعضهم إلى أنَّهُ لا تقدير فيه، بل ما جاز أنْ يكونَ مبيعاً أو ثمناً جاز أن يكون صداقاً، وهو قول ربيعةَ، وسفيانَ الثَّوريَ، والشَّافعيِّ، وأحمد وإسحاقَ.
وقال عمرُ بْنُ الخَطَّابِ:»
في ثلاث قبضات مهر زينب «، وقال سعيدُ بن المسيِّبِ:» لو أصدقها سوطاً جاو «، وقال قوم: تقدر بنصاب السّرقة، وهو قول مَالِكٍ، وأبي حنيفَةَ، غير أنَّ نصاب السَّرقةِ عند مالك ثَلاثَةُ دراهِمَ، وحجَّةُ الشافعي وأحمد قوله عليه السلام» الْتَمِسْ َلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدِ، زوجتك بما معك من القرآن «، وزوّج امْرَأةً على نَعْلَيْن.

فصل [في حكم جعل القرآن ونحوه صداقاً]


قال الشافعيُّ، وأحمدُ:»
يجوزُ أن يجعل تعليم القرآن صَدَاقاً للحديث «، وقال أصحابُ الرَّأي لا يجوزُ، وكذلك كلُّ عَمَلٍ يجوزُ الاستئجار عليه مثل البِنَاءِ، والخياطة وغيرهما يجوز أن يجعل صداقاً للحديث، ولقول شُعيب لموسى عليه السَّلامُ ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يجعل منفعة الحرّ صداقاً.
316
قوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات﴾ الآية «من» شرطية وهو الظَّاهِرُ، ويجوز أن تكون موصولة، وقوله ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ إما جواب الشَّرط، وإمَّا خبر الموصول، وشروط دخول الفاء في الخبر موجودة و ﴿مِنكُمْ﴾ في محلِّ نصب على الحال من فاعل ﴿يَسْتَطِعْ﴾ وفي نصب ﴿طَوْلاً﴾ ثلاثة أوْجُهٍ:
أظهرُهَا: أنَّه مفعول ب «يستطيع» وفي قوله «أنْ ينكح» على هذا ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه في محلِّ نصبٍ ب «طولاً» على أنَّهُ مفعول بالمصدر المنون؛ لأنَّه مصدر؛ وطلت الشيء أي: نلتُهُ، والتَّقدير: ومن لم يستطع أنْ ينال نكاح المحصنات [المؤمنات]، ومثله قول الفَرَزْدَقِ: [الكامل]
١٧٨٤ - إنَّ الْفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ طَالَتْ فَلَيْسَ يَنَالُهَا الأوْعَالاَ
أي: طالت الأوْعَالُ فلم تَنْلها، وإعمالُ التصدر المنوَّن كثيثر قال الشَّاعِرُ: [الوافر]
١٧٨٥ - بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ أزَلْنَا هَامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ
وقول الله تعالى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا﴾ [البلد: ١٤، ١٥] وهذا الوجه ذهب إليه الفارسي.
الثاني: ﴿أَن يَنكِحَ﴾ بدل من ﴿طَوْلاً﴾ بدل الشَّيْءِ من الشَّيْءِ؛ لأنَّ الطول هو القدرة، أو الفضل، والنِّكَاحُ قدرة وفضل.
الثَّالثُ: أنَّهُ على حذف حرف الجَرِّ، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم مَنْ قَدَّرَهُ ب «إلى» أي: طولاً إلى أن ينكح المُحْصَنَاتِ، ومنهم من قَدَّرَهُ باللامِ أي: لأن ينكح، وعلى هذين التَّقديرين، فالجارّ في محلِّ الصِّفَةِ لطولاً، فيتعلَّق بمحذوف، ثُمَّ لما حُذِفَ حرف الجرِّ فالخلاف المشهُورُ في محل «أن» أنصبٌ هو أم جرٌّ؟.
317
وقيل: اللامُ المقدّرة مع «أنْ» هي لام المفعول من أجله، أي: لأجل نِكاحِهنَّ.
الوجه الثَّاني من نصب ﴿طَوْلاً﴾ : أن يكون مفعولاً له على حذف [مضاف] أي: ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات، وعلى هذا ف «ان ينكح» مفعول «يستطع» أي: ومن لم يستطع نكاح المُحْصَنَات لعدم الطُّوْلِ.
الوجه الثالثُ: أن يكون مَنْصُوباً على المصدر.
قال ابْنُ عَطيَّة: ويصحُّ أن يكون طَوْلاً نصباً على المَصْدَرِ، والعامِلُ فيه الاستطاعة [لأنَّهما بمعنى و ﴿أَن يَنكِحَ﴾، على هذا مفعول بالاستطاعة، أو] بالمصدر يعني أنَّ الطولَ هو الطاعة في المعنى، فَكَأنَّهُ قيل: ومن لم يستطع منكم استطاعة، والطَّوْلُ: [الفضل ومنه] التطول وهو التَّفضل قال تعالى ﴿ذِي الطول﴾ [غافر: ٣] ويقال: تطاولَ لهذا الشَّيءِ أي تناوله كما يقالُ: يد فلان مبسوطة، وأصل هذه الكلمة من الطُّولِ الّذي هو ضدّ القصر؛ لأنَّهُ ذَا كان طويلاً ففيه كمال وزيادة [كما أنه إذا كان قصيراً ففيه قصور ونقصان، فسمى الغنى طولاً لأنه ينال به المراد ما لا ينال عند الفقر] كما أنَّ بالطول ينال ما لا ينال بالقصر.
قال ابنُ عبَِّاس ومُجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ والسُّديُّ وابنُ زيدٍ، ومالكٌ: «الطَّول هو السَّعة، والغنى» قيل: والطَّوْلُ: الحرة، ومعناه: أنَّ من عنده حرَّة لا يجوز له نكاح [أمة]، وإن عَدمَ السَّعَةَ، وخاف العَنَتَ؛ لأنَّه طالب شهوة وعنده امرأة، وهو قول أبِي حنيفَةَ [وبه قال الطَّبرِيُّ].
وقال أبُو يُوسفَ: الطَّوْلُ هو وجود الحرَّة تحته، وقيل: الطَّوْلُ هو التَّجلد والصبر كمن احبَّ أمةً، وهويها حتَّى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج [عليها] غيرها، فإنَّ له أن يتزوّج الأمَةَ إذا لم يملك مهرها، وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سَعَةً في المال لِنِكَاحِ حرَّةٍ. وهذا قول قَتَادَةَ والنَّخَعِيِّ وعطاءٍ، وسفيان والثَّوْرِي نقله القُرْطُبِيُّ.
318

فصل: [تفسير المراد بالمحصنات]


والمراد بالمحصنات ههنا الحرائر [لأنه تعالى أثبت نكاح الإماء عند تعذر نكاح المحصنات، فلا بد أني يكون المراد بهن الحرائر] ؛ لأنه ذكرهن كالضّد الأمَاء ووجه تسميتهن بالمحصنات على قراءة من فتح الصَّاد أنَّهن أحصن بحريتهن عن أحوال الإمَاءِ فإنَّ الأمَةَ تكونُ خراجةً مُمْتهنَةً مُبْتَذِلَةً في الظَّاهِرِ، والحرةُ مصونة عن هذه القَضَايَا، وأمَّا على قراءة كسر الصاد فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهنَّ.

فصل [في شرط نكاح الأمة]


دلَّتِ الآيَةُ على أنَّهُ لا يجوزُ للحرِّ نكاحُ الأمَةِ إلاَّ بشرطين؛ وهما ألاَّ يجد مهر حرة، ولا ثمن أمة، وأنْ يخاف العَنَتَ، وهو قولٌ جائزٌ، وبه قال طاوس وعمرو بْنُ دينَار، وإليه ذهب مالكٌ والشَّافعيُّ وأحْمَدُ، وجوّز أصحابُ الرَّأي للحر نكاح الأمَةِ.
فإنْ قيل: أيُّ تفاوت بين ثمن الأمة، أو مهرها وبّيْنَ نكاح الحرَّة الفقيرة.
فَالجوابُ: أنَّ العادة كانت في الإماء التخفيف لاشتغالهن بخدمةِ السَّيِّد فظهر التَّفَاوُتُ.

فصل [في حكم نكاح الأمة الكتابية]


دلَّت الآيةُ على أنَّهُ لا يجوز للمُسْلِم نكاحُ الأمَةِ الكتابيَّةِ لقوله: ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ولقوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ولأن الأمَةَ الكافرةَ ناقِصَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
نَقْصُ الرِّقِّ، ونَقْصُ الكُفْرِ، والولدُ تابع للأمِّ في الحريةِ والرق، فيتعلَّقُ الولدُ رقيقاً على مِلْكِ الكافِرِ وجوز أبُو حنيفة ذلك لعموم قوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: ٣] وقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وقوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [المائدة: ٥] والمراد بهذا الإحصان العفّة.
والجَوَابُ أنَِّ آيتنا خاصةٌ، والخاص مُقَدَّمٌ على العام؛ ولأنها دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرّ"، وَاتَّفَقُوا على أنَّهُ [لا] يجوزُ وطؤها بملك اليمين. انتهى.
319

فصل [في شرط الإيمان]


ظاهر قوله: «وَمَنْ لم يستطِع منكُم طولاً أن ينكح المُحصناتِ المُؤْمنِات فمِنْ ما ملكتْ أيمانكم من فتياتكم المؤمنات» يقتضي كون الإيمان معتبراً من الحرَّة فعلى هذا لو قدر على طول حرّة كتابيَّة، ولم يقدر على طول أمةٍ مسلمةٍ فإنَّهُ يجوزُ له أن يتزوّج بالأمةِ، وأكثرُ العُلماء على أنَّ ذكر الإيمان نذب في الحرائرِ، ولا فرق بين [الأمة] المؤمنة والكتابيَّة في كثرة المؤمنة وقلتها.

فصل


في التَّحذيرِ من نكاح الأمَاءِ وجوهٌ منها: - الولد ينبع الأمِّ في الحريَّة والرِّق فيصير الولد رقيقاً.
قال عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أي حُرٍّ تَزوَّجَ بأمَةٍ، فقد رَقّ نِصْفُهُ، يعني: يصير وَلَدُهُ رقيقاً.
وقال سعيدُ بْنُ جُبير: ما نكاح الأمة من الزِّنَا إلا قريب، قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي عنْ نِكَاحِ الإمَاءِ.
ومنها أنَّ الأمَةَ تكون قد تعوّدت الخروجَ، والبروزَ والمخالطةَ للرِّجَالِ وصارت في غاية الوقَاحةِ، ورُبَّمَا تَعَوَّدَت الفجورَ.
ومنها أن حقّ المولى عليهم أعظم من حقِّ الزَّوْجِ، ولا تخلص للزَّوْج كخلوص الحُرَّةِ، وربَّما احتاج الزَّوْجُ إليها جداً، ولا يجد إليها سبيلاً [لحبس السيّد لها].
ومنها أنَّ المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول بيع الأمَةِ يُوجِبُ طلاقها تصير مطلَّقَة شاء الزَّوْجُ أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يُسَافِر المولى بها وبولدها، وذلك من أعْظَمِ المَضَارّ.
ومنها أن مهرها ملك لمولاها، فلا تَقْدِرُ على هبته لِزوجهَا، ولا إبرائه بخلاف الحرَّةِ، فلهذه الوجوه لم يُؤْذَنْ في نِكَاحِ الأمةِ إلا على سبيل الرُّخصةِ.
وروى أبُو هريرة قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول [الحرائر] صلاح البيت
320
والإماء هلاك البيت أو قال فساد «فساد البيت» ذكره القرطبي.
قوله: «فممّا» الفاء قد تقدّم أنَّها إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدة في الخَبَرِ على حَسْبِ القولين في «من» وفي هذه الآية سبعة أوْجُهٍ:
أحدها: أنَّها متعلّقة بفعل مقدّر بعد الفاء تقديرُهُ: فينكحُ مِمَّا ملكت أيمانكم و «ما» على هذا موصولة بمعنى الذي أي: نوع الّذي ملكته، ومفعولُ ذلك الفعل المقدّر محذوفٌ تقديرهُ: فَيَنْكِحُ امرأة، أو أمَةً مما ملكته أيمانكم؛ ف «مِمَّا» في الحقيقة متعلق بمحذوف لأنَّهُ صفة لذلك المفعولِ المحذُوفِ و «من» للتَّبعيضِ، نحو: أكلتُ مِنَ الرَّغيفِ، و ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ﴾ في محلِّ نصب على الحال من الضَّمير المقدّر في «ملكت» العائد على [ «مَا» ] الموصولة و ﴿المؤمنات﴾ صفة لفتياتكم.
الثَّاني: أن تكون «مِنْ» زائدة و «ما» هي المفعولة بذلك الفعل المقدَّر أي: فلينكح ما ملكته أيمانكم.
الثَّالثُ: أنَّ «مِنْ» في ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ﴾ زائدة و ﴿فَتَيَاتِكُمُ﴾ هو مفعولُ ذلك الفعل المقدَّرِ أي: فلينكح فتياتكم، و «مما ملكت» متعلق بنفس الفعل و «من» لابتداء الغاية، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من «فتياتكم» قدم عليها و «من» للتَّبعيضِ.
الرَّابعُ: أن مفعول «فلينكح» [هو المؤمنات أي: فلينكح] المؤمنات الفتيات و «مما ملكت» على ما تقدَّم في الوجْهِ قبله و «من فتياتكم» حال من ذلك العائد المحذوف.
الخامِسُ: أنَّ مما في محَلِّ رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فالمنكوحَةُ مِمَّا ملكت [أيمانكم].
السَّادس: أن «ما» في «مِمَّا» مصدريَّةٌ أي: فلينكح من ملك أيمانكم، ولا بدَّ أن يكون هذا المصدر واقعاً موقع المفعولِ نحو: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: ١١] ليصحّ [وقوع] النكاح [عليه].
السَّابعُ: وهو أغبرها ونقل عن جماعة منهم ابن جرير أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراًَ
321
وأنَّ التقدير: ومنْ لَمْ يستطعْ منكمْ [طولاً] أنْ ينكحَ المُحْصنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، فبعضكم فاعل ذلك [الفعل] المقدّر، فعلى هذا يكون قوله ﴿والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ معترضاً بين ذلك الفعل المقدَّر وفاعله، ومثل هذا لا ينبغي أن يقال.

فصل


قال ابن عباس: يُريدُ بقوله ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ أي: فليتزوّج جاريةَ أخيه، فإنَّ الإنسانَ لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه، والفتيات المملوكات جمع فتاةٍ تقُولُ العربُ للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، قال عليه السلامَ: «لا يَقُولَنَّ أحدكُم عَبْدِي، ولا أمَتِي، وَلكِنْ لِيَقُلْ فَتَاي وفَتَاتِي» ويقالُ للجارية الحديثة: فتاة، والغلام، فتى، والغلام، فتى، والأمة تسمى فَتَاة.
قوله: «والله أعلم بإيمانكم» جملة من مبتدأ وخبر جيء بها بعد قوله ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات﴾ لتفيد أنَّ الإيمان الظَّاهر كافٍ في نكاحِ الأمَةِ المؤمنة ظاهراً ولا يشترط في ذلك أن يعلم إيمانها يقيناً، فإنَّ ذلك لا يطلع عليه إلا الله تعالى، وفيه تأنيس أيضاً بنكاح الإماءِ، فإنَّهم كانوا يفرون من ذلك.
قال الزَّجَّاجُ: «المعنى: احملوا فتياتكم على ظاهر الإيمانِ، واللهُ أعلمُ بالسَّرائِرِ».
قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر أيضاً، جيء بهذه الجملة أيضاً تأنيساً بنكاح الأمة [كما تقدَّم، والمعنى: أنَّ بعضكم من جنس بعض في النَّسب والدين، فلا يدفع الحر عن نكاح الأمَّةِ، عند الحاجة إليه، وما أحسن قول أمير المؤمنين عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه] :[البسيط]
١٧٨٦ - والنَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثيلِ أَكْفَاءُ أبوهُمُ آدَمٌ والأمُّ حَوَّاءُ
والحكمَةُ في ذِكْرِ هذه الكَلِمَةِ أنَّ العَرَبَ كانوا يَتفاخَرُونَ بالأنْسَابِ، فأخبر تعالى أن ذلك لا يلتفت إليه؛ لأنَّ الإيمان أعظم الفضائل، وإذا حصل الاشتراك فيه فلا يلتفت إلى ما وراء ذلك.
322
قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وكان أهلُ الجاهليّة يضعون من أين الهجين فذكر تعالى هذه الكلمة زجراً لهم من أخلاق أهل الجاهليَّةِ.
قوله «بإذن أهلهن» متعلق ب «انكحوهنّ» وقدّر بعضهم مضافاً محذوفاً أي: بإذنِ أهل ولايتهن، وأهل ولاية نكاحهن هم المُلاَّك.

فصل في نكاح الأمة بإذن سيدها


اتَّفَقُوا على أنَّ نكاحَ الأمَةِ بدون إذن سيِّدهَا باطلٌ بهذه الآية فإنها تقتضي كون الإذن شرطاً في جواز النِّكاحِ، وإن لم يكن النكاح واجباً كقوله عليه [الصَّلاة و] السلام:
«مَنْ أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ معلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعلُوم» فالسلم ليس بواجب، ولكنَّهُ إذا اختار أن يُسْلِمَ فعليه استيفاء هذه الشَّرائط، ولأنَّ الأمَّةَ ملك للسيِّد، وبالتّزوج تبطل عليه أكْثَرُ منافعها؛ فوجب ألاّ يجوز ذلك إلا بإذنِهِ، وأمَّا العبد فلقوله عليه السَّلامُ: «إذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ السيّد فهو عاهِرٌ».

فصل في اشتراط إذن الولي في النكاح


استدلُّوا بهذه الآية على أنَّه لا يصحُّ نِكَاحُ الحرَّة البالغة العاقلة إلاَّ بإذن الولي، قالوا: لأنَّ الضَّمِيرَ في قوله ﴿فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ عائد إلى الإماءِ والأمة ذات موصوفة بالرِّق، وصفة الرِّقِّ صفة زَائِلَةٌ لا تتناول الإشارة بتلك الصّفة، إلا تَرى أنَّهُ لَوْ حلف لا يَتكلَّمُ مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تَكَلَّمَ معه حَنَثَ؛ فثبت أن الإشارة إلى الذَّاتِ الموصوفة بصفَةٍ، عرضية زائلة باقية بعد زوال تلك الصِّفةِ العرضية، وإذَا كان كذلك، فوجب أن تكون الإشَارَة إلى الإمَاءِ باقيةً بعد زَوَالِ الرِّقِّ، وحصول صفة الحريّة لهنّ، وإذا ثبت أنَّ ذلك في الصُّورَةِ الباقية؛ وجب ثبوته في سائر الصُّورِ، لأنَّهُ لا قائل بالفرق.
قال الرازيُّ: هذه الآية ترد على الشافعيِّ، فإنَّهُ يقول: لا عِبَارَةَ للمرأة في النِّكاح، فإذا ملكت المرأةُ جارية وكلتْ مَنْ يزوجها، واللهُ تعالى شرط إذن أهلهنّ مطلقاً فقد ترك [الظاهر] والجوابُ من وُجُوهٍ:
323
الأوَّلُ: المرادُ بالإذن الرِّضَا ولا بدَّ مِنْهُ.
الثَّاني: أنَّ المرادَ بأهلهنّ من يقدر على نكاحهن، فإن كانت امرأةً فموْلاَهَا.
الثَّالِثُ: أنَّ الأهْلَ يتناولُ الذكورَ والإناثَ، لكنَّهُ عام والأدلَّةُ الدَّالَّةُ على المرأة لا تنكح نفسها خاصّة، والخاصُّ مقدَّمٌ وفي الحديثِ: «العَاهِر هي التي تنكِحُ نَفْسَهَا» ولذا كانت مسلوبةَ العبارة في [حقّ] نفسها، فهي في حقّ مملوكها أولى.
قوله تعالى «فآتوهن أجورهن» قال بعضهم: هو المهر، قال: والمُرادَ به مهر المثل لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ وهذا إنَّمّا ينطلق فيما كان مبنياً على الاجتهاد وغالب الظنِّ في المعتاد والمتعارف كقوله: «وعلى الوارث مثل ذلك» ﴿وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال القاضي: «المرادُ من [الأجُورِ:] النَّفَقةُ عليهنّ قال: لأنَّ المهر مقدّر، فلا معنى لاشتراط المعروف فيه، فكأنَّهُ تعالى بيَّن أنَّ كونها أمَةً لا يقدحُ في وُجُوبِ نفقتها، وكفايتها كما في حقّ الحرة، وأكثر المفسَِّرينَ حملوا قوله: ﴿بالمعروف﴾ على تَرْكِ المطْلِ، والتَّأخيرِ عند المطالبة على العَادَةِ الجميلَةِ.

فصل في من المستحق لقبض مهر الأمة؟


نقل أبُو بكرٍ الرَّازِي في أحكام القرآن عن بعض أصْحَابِ مالكٍ، أنَّ الأمة هي المستحقّة لقبض مهرها بهذه الآيةِ.
والجوابُ من وُجوهٍ:
أحدُهَا: أنَّا إذا حملنا [قوله] الأجور على النَّفَقَةِ، زال تمسكهم.
وثانيها: إنَّمَا أضاف إيتاء المهور إليهن، لأنَّهُ ثمن بعضهم، وليس في قوله «وآتوهن»
ما يوجب كون المَهْرِ ملكاً لهنَّ.
وثالِثُهَا: ثبت أنَّهَا تقتضي كَوْنَ المَهْرِ ملكاً لهُنَّ، ولكنَّهُ عليه السلامُ قال: «العَبْدُ وَمَا فِي يَدِهِ [ملِكٌ] لمولاهُ» وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] فنفى الملك عنه.
324
ورابعهَا: أنَّ عِوَضٌ عن منافِع البُضْعِ، وهي مملوكةٌ للسيِّدِ.
قوله: «بالمعروف» فيه ثلاثةُ أوجُهٍ:
أحدها: أنَّه متعلِّق ب ﴿وَآتُوهُنَّ﴾ أي: آتوهن مهورهن بالمعروف.
الثَّاني: أنَّهُ حالٌ من أجورهن أي: ملتبسات بالمعروف، يعني: غير ممطولة.
الثالِثُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بقوله ﴿فانكحوهن﴾ أي: فانكحوهن بالمعروف [بإذن أهلهن ومهر مثلهن، والإشهاد عليه، وهذا هو المعروفُ] وقيل: في الكلامِ حذف تقديره: وآتوهنَّ أجورهن بإذن أهلهنَّ فحذف من الثَّاني لدلالة الأوَّلِ عليه، نحو ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: ٣٥]. أي الذاكرات الله.
وقيل: ثُمَّ مُضَاف مقدر أي: وآتوا مواليهن أجورهن؛ لأنَّ الأمة لا يسلّم لها شيءٌ من المهر.
قوله تعالى ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ حالان من مفعول ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ ومحصنات على هذا، بمعنى مزوجات.
وقيل: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ حال من مفعول ﴿فانكحوهن﴾، ومحصنات على هذا بمعنى عفائف، أو مسلمات، والمعنى: فانكحوهن حال كونهن محصنات لا حال سفاحهن واتِّخَاذِهِنَّ للأخدان، وقد تقدم أن «محصنات» بكسر الصَّاد وفتحها وما معناها، وأن ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ حال مؤكدة. و ﴿وَلاَ مُتَّخِذَات﴾ عطف على الحال قبله، والأخدان مفعول بمتخذات، لأنَّهُ اسم فاعل، وأخدان جمع «خِدْن» كعِدْل وأعْدَال. والخِدْنُ: الصَّاحب.
قال أبو زيد: الأخدانُ: الأصدقاء على الفاحشة، واحدهُمْ خِدْنٌ وخدين وهو الّذي يخادنك، ورجل خُدْنَةٌ: إذا اتَّخَذَ أخداناً أي: أصحاباً وقد تقدَّمَ أنَّ المُسَافح هو المجاهر بالزِّنَا، ومتخذ الأخْدَان هو المستتر [به]، وكان الزِّنَا في الجاهليَّة منقسماً إلى هذين القسمين، ولم يحكموا على ذاتِ الخدن بكونها زانية.
قوله: «فإذا أحصن» قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضمّ الهمزة وكسر الصَّادِ على البِنَاءِ للمفعول والباقون بفتحها على
325
البنَاءِ للفاعل، فمعنى الأوَّلِ أحصن بالتزويج فالمحصن بهن هو الزوجَ، هكذا قاله ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بْنُ جُبيرٍ والحَسَنُ ومُجاهِد.
ومعنى الثَّانية: «وأحصن فروجهن أو أزواجهن».
وقال عُمَرُ وابنُ مسعودٍ والشعبيُّ والنخعيُّ والسديُّ: أسلمن. وطعنوا في هذا الوجه بِأنَّهُ تعالى وصف الإماء بالإيمان في قوله ﴿فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات﴾ ويبعد أن يقال: فتياتكم المؤمنات، ثم يقال: فإذا آمن فإن حالهن كذا وكذا، ويمكن جوابه بأنَّهُ تعالى حكم حكمين:
الأوَّلُ: حال نكاح الأمَاءِ فاعتبر الإيمان فيه بقوله: ﴿فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات﴾.
والثَّاني: ما يجبُ عليهنَّ عند إقدامهن على الفاحشَةِ، فذكر [حال] إيمانهنَّ أيضاً في هذا الحكم وهو قوله تعالى ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾.
قوله: «فإن أتين بفاحشة فعليهن» الفاء في «فإنْ» جواب «إذَا» وفي «فعليهن» جواب «إن» فالشَّرط الثَّاني وجوابه مترتِّبٌ على وجود الأوَّلِ، ونظيره: إن أُكلت فإن ضربت عمراً فأنت حرٌّ، لا يُعتق حتى يأكل أولاً، ثم يضرب عمراً ثانياً ولو أسقطت الفاء الدّاخلة على «إن» في مثل هذا التّركيب انعكس الحكم، ولزم أن يَضْرب أولاً ثُمَّ يأكل ثانياً، وهذا يُعْرف من قواعد النَّحْوِ، وهو أن الشَّرْطَ الثَّاني يُجْعل حالاً، فيجب التَّلبُّسُ به أولاً.
قوله: «من العذاب» متعلق بمحذوف؛ لأنَّهُ حال من الضَّميرِ المستكن في صلة «ما» وهو «على»، فالعامل فيها معنوي، وهو في الحقيقة ما تعلَّقَ به هذا الجر، ولا يجوز أن يكون حالاً من «ما» المجرورة بإضافة «نصف» إليها؛ لأنَّ الحال لا بدَّ أن يعمل فيها [ما يعمل] في صاحبها [إن] و «نصفُ» هو العامل في صاحبها الخفض بالإضافة، ولكنه لا يعمل في الحال، لأنَّهُ [ليس] من السماء العاملة إلا أنَّ بعضهم يرى أنَّهُ إذا كان
326
جزءاً من المضاف جاز ذلك فيه، والنصفُ جزء فيجوز ذلك.

فصل


في الآية إشكال، وهو أنَّ المحصنات في قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات﴾ إمَّا أن يكون المرادُ منه الحرائِر المتزوّجات، أو الحرائر الأبكار، والسَّبَبُ في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن، والأول مُشْكِلٌ؛ لأن الواجبَ على الحرائر المتزوجات في الزِّنَا الرَّجم، فهذا يقتضي أن يجب في زِنَا الإماء نصفُ الرَّجْمِ وذلك باطل.
والثَّاني وهو أن يكون المراد الحرائر الأبكار، فنصف ما عليهنَّ خمسون جَلْدَةً وهذا القدر واجب في زنَا الأمَةِ، سواء كانت مُحْصَنَةً أو لم تكن، فحينئذ يكون هذا الحكمُ معلقاً بمجرَّدِ صُدُورِ الزِّنَا عنهنَّ، وظاهر الآية يقتضي كونه معلقاً بمجموع الأمرين: الإحصان والزِّنا، لأنَّ قوله ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ شرط بعد شرط. فيقتضي كون الحكم مشروطاً بهما نصاً.
فالجوابُ أن يُخْتارَ القسم الثَّاني، وقوله: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ ليس المرادُ منه جعل هذا الإحْصَانِ شرطاً لأن يجب في زَنَاهَا خمسُونَ جَلْدَةً، بل المعنى أنَّ حدَّ الزِّنَا يغلظ عند التَّزوُّجِ فهذه إذَا زَنَتْ، وقد تزوَّجت فحدُّهَا خمسون جلدة، لا يزيد عليه فبأن يكون قبل التَّزوُّجِ هذا القدر [أيضاً] أولى، وهذا مما يَجْرِِي [فيه مجرى] المفهوم بالنَّصِّ لأنَّهُ لما خفف الحدَّ لمكان الرّق عند حصول ما يُوجبُ التَّغليظَ فبأن يجب هذا القدر عندما لا يوجد المغلظ أولى، وذهب بعضهم إلى أنَّهُ لا جلد على من لم يتزوّج من المماليك إذَا زَنَا لقوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ وهذا مرويٌّ عن ابن عباسٍ وبه قال طاووس.
ومعنى الإحصان عند الآخرين الإسلامُ، وإن كان المرادُ منه التزويج، فليس المراد منه أنَّ التزويج شرط لوجوب الحدّ عليه، بل المرادُ منه التّنبيه على أنَّ الممْلُوكَ إذا كان محصناً بالتَّزويج؛ فلا رجم عليه، إنَّمَا حده الجلد بخلاف الحر، فحدُّ الأمةِ ثابت بهذه الآية، وبيان أنَّه الجلد قوله عليه السلامُ «إذا زَنَتْ أمَةُ أحدكُمْ فليَجْلِدْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا ولا يُثْرِبْ عليْهَا، ثُمَّ إن زَنَتْ الثَّالِثَةُ؛ فَلْيَبِعْها وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعِرٍ».
327

فصل في من يقيم الحد على الإماء؟


اختلفوا فيمن يقيمُ الحدَّ على العَبْدِ والأمَةِ إذَا زَنَيَا، قال بن شهاب: مضت السُّنَّةُ أن يَحُدَّ العَبْدَ والأمَةَ أهلُوهُم في الزِّنَا، إلاَّ أنْ يُرْفَع أمرُهُمْ إلى السَّلطان، فليس لأحَدٍ أن يفتات عليه قوله عليه السلامُ «إذَا زَنَتْ أمَةُ أحدكُمْ فليَجْلِدْهَا مِنْهُمْ، ومَنْ لَمْ يُحْصَن».
قال مَالِكٌ: يَحُدَّ المولى عبده في الزِّنَا وشرب الخمر، والقَذْفِ إذا شهد عنده الشُّهُودُ، ولا يقطعُهُ في السَّرقَةِ إلاَّ الإمام.
وقال أبُو حنيفةَ: «لا يقيمُ الحُدُودَ عليهم إلاَّ السُّلْطَان».

فصل متى يحد الأمة السلطان؟


قال القُرطبيُّ: إذَا زنتِ الأمَةُ ثُمَّ عُتِقَتْ قَبْلَ أن يحدَّها سيِّدُهَا لم يحدَّهَا إلا السُّلْطَان، فإنْ زَنَتْ ثم تزوَّجَتْ لم يكُنْ لسيِّدِهَا أن يجلدَهَا لحقِّ الزَّوْجِ؛ إذ قد يَضُرُّهُ ذلك، إذَا لم يكن الزَّوْجُ ملكاً للسَّيِّدِ، فلو كان ملكاً للسَّيِّدِ؛ جازَ ذلك لأن حقَّهُمَا حَقُّهُ.

فصل


إذا أقرَّ العَبْدُ بالزِّنَا، وأنْكَرَهُ المولى فالحدُّ يجبُ على العبد لإقرارِهِ، ولا يلتفت لإنكار السَّيِّد، فلو عفا السَّيِّدُ عن عَبْدِهِ، أو أمته إذا زَنَيَا، فقال الحَسَنُ: له أن يغفر وقال غيرُهُ: لا ينفَعُهُ إلاَّ إقامَةُ الحدِّ، كما لا يسع السُّلطانَ أنْ يعفو عن حدٍّ إذا عَلِمَهُ.
قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ﴾ «ذلك» : مبتدأ ولمن خشِيَ: جارٌّ ومجرورٌ [خبره]، والمشارُ إليه ب «ذلك» إلى نكاح الأمة المؤمنة لمنْ عَدِمَ الطَّوْلَ، والعَنَتُ في الأصْلِ انكسارُ العَظْمِ بعد الجَبْرِ؛ فاستعير لكلٍّ مَشَقَّةٍ.
328
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي: لشدَّدَ الأمرَ عليكم، وأُريدَ بِهِ به هُنَا ما يجرُّ إليه الزِّنَا منَ العذاب الدُّنْيَوِيِّ، والأخرويِّ.
وقال بعضُ المفسِّرينَ: إنَّ الشَّبق الشَّديدَ في حقِّ النساء قد يؤدِّي إلى اختناق الرَّحم، وأمَّا في حقِّ الرِّجالِ فقد يردي إلى أوجاعِ الوركين والظهر والأوَّل هو اللائِقُ ببيان القرآن.
و «منكم» حالٌ من الضَّميرِ في «خشيِ» أي: في حال كَوْنِهِ مِنْكُمْ، ويجوزُ أن تكون «من» للبيان.
قوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. مبتدأ وخبر لتأوله بالمصدَرِ وهو كقوله ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] والمعنى وأنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعفِّفينَ خيرٌ لكم لما بَيَّنَا من المفاسدِ الحاصلة في هذا النَّكَاحِ.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الحَرَائِرُ صَلاَحُ البَيْتِ، والإمَاءُ هَلاَكُهُ».
وقال الشاعر:
١٧٨٧ - وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهِ قَهْرَمَانَةٌ فَذلِكَ بَيْتٌ لا أبَالَكَ ضَائِعُ
وقال الآخر: [الطويل]
١٧٨٨ - إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنْزِلِ المَرْءِ حُرَّةٌ تُدَبِّرُهُ ضَاعَتْ مَصَالِحُ دَارِهِ

فصل


مذهب أبي حنيفة وأحمد: أنَّ الاشتغال بالنِّكاح أفضل من الاشتغال بالنَّافلة، فإن قالوا بهذا سواء كان نكاح حرَّةٍ أو نكاح أمةٍ فهذه الآية نصَّ في بطلان قولهم، وإن قالوا: إنَّا لا نرجِّح نكاح الأمة على النَّافلة، فحينئذٍ يسقط استدلالهم.
ثم قال: ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وهذا كالمؤكّد لما ذكره؛ لأنَّ الأولى ترك هذا النِّكاح يعني أنَّهُ وإنْ حصل ما يقتضي المَنْعَ من هذا النِّكَاحِ إلا أنَّهُ تعالى أباحه لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرَّحْمَةِ.
329
للنَّاس في مثل التركيب مذاهب، فمذهبُ البصريين أنَّ مفعول «يريدُ» محذوف
329
تقديره يريد اللهُ تحريم ما حرَّم [عليكم] وتحليل ما حلَّل، وتشريعَ ما تقدَّم لأجلِ التَّبيين لكم، ونسبه بعضهم لسيبويه، فتملَّقُ الإرادة غير التّبيين وما عطف عليه، وَإِنَّما تأوَّلوهُ بذلك؛ لئلاَّ يلزم تعدّي الفعل إلى مفعوله المُتَأَخّر عنه باللاَّمِ، وهو ممتنع وإلى إضمار «إن» بعد اللام الزائدة.
والمذهبُ الثَّانِي - ويُعْزَى أيضاً لبعض البصريّين -: أن يُقَدَّرَ الفعل الَّذي قبل اللاَّم بمصدر في محلِّ رفع بالابتداء، والجارُ بعده خبره، فيقدر: يريدُ اللهُ ليبيِّن إرادة اللهَ تعالى للتّبيين وقوله: [شعر] [الطويل]
١٧٨٩ - أُرِيدُ لأنْسى ذِكْرَهَا [فَكَأَنَّمَا تُمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبيلِ]
أي: إرادتي، وقوله تعالى ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ [الأنعام: ٧١] أي: أُمِرْنَا بما أُمِرْنَا لنسلم، وفي هذا القول تأويل الفعل بمصدر، من غير حرف مصدر، وهو ضعيفٌ نحو: «تَسْمَعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه» قالوا: تقديره: أن تسمع فلما حذف «أن» رفعِ الفعل وهو من تأويل المصدر لأجل الحرف المُقدَّر [فكذلك هذا] فلام الجرِّ على الأوَّل في محلِّ نصب لتعلقها ب «يُريدُ» وعلى الثَّاني في محلِّ رفع لوقوعها خبراً.
الثالث: وهو مذهبُ الكوفيّين أنَّ الرمَ هي النَّاصبة بنفسها من غير إضمار «انْ»، وما بعدها مفعول الإرادة، لأنَّها قد تُقَامُ اللامُ مقام «أنْ» في: أردت وأمرت، فيقال: أردتُ أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك لتقُومَ، وأمرتُكَ أن تَقُومَ، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ [الصف: ٨]، وقال في موضع آخر: [ ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ ] [التوبة: ٣٢]. وقال: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ [الأنعام: ٧١] وفي موضع آخر: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ [غافر: ٦٦] وقال: ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] أي: أنْ أعدل بينكم، ومنع البصريُّون ذلك؛ لأنَّ اللام ثبت بها الجرُّ في الأسماء، فلا يجوزُ أن ينصب بها فالنَّصب عندهم بإضمار «أنْ» كما تَقَدَّمَ.
الرَّابِعُ، وإليه ذهب الزَّمخشريُّ، وأبُو البقاءِ: أنَّ اللامَ زائدةٌ، و: أنَّ «مضمرة بعدها، والتَّبْيينُ مفعول [الإرادة.
قال الزمخشري: ﴿يُرِيدُ الله﴾ يريدُ اللهُ أن يُبيِّنَ، فزيدت اللامُ لإرادة التبيين، كَمَا] زيدت في»
لا أبا لك «لتأكيد إضافة الأبِ وهذا خارج عن أقوال البَصْرِيِّيِنَ، والكوفيين، وفيه أن» أنْ «تضمر بعد اللام الزَّائدة، وهي لا تضمر فيما نصَّ
330
النحويون بعد لام إلاَّ وتلك اللامُ للتعليل، أو للجُحُودِ.
وقال بعضهم: اللامُ» لام «العاقبة كهي في قوله تعالى ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً [وَحَزَناً﴾ ] [القصص: ٨] ولم يذكر مفعل التبيين، بل حذفه للعلم به فقدَّره بعضهم: ليبيِّن لكم ما يقرّ ربَكم، ومنه قول بعضهم إنَّ الصبر عن نكاح الإماء خير.
فالأوَّلُ قاله عطاء.
والثَّاني قاله الكلبيُّ. وبعضهم: ما فصَّلَ من الشَّرائع، وبعضهم أمر دينكم، وهي متقاربة، ويجوز في الآية وجه آخر [حَسَنٌ] ؛ وهو أن تكون المسألَةُ من باب الإعمال تنازع: «يبيِّن»
و «يَهدي» في «سنن الذين من قبلكم»، لأنَّ كلاَّ منهما يطلبه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من إعمال الثَّاني، وحذف الضَّمير من الأوَّلِ تقديره: ليبينها لكم ويهديكم سُننَ الَّذين من قبلكم.
والسُّنَّةُ: الطَّريقَةُ؛ لأنَّ المفسّرين نقلوا أن كلَّ ما بَيَّن لنا تحريمه وتحليله من النساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكم كذلك أيضاً في الأمم السَّالفةِ، أو أنه بين لَكُمْ المصالح؛ لأنَّ الشَّرَائِعَ، وإن كانت مختلفة في نفسها إلا أنَّها متَّفِقَةٌ في المصلحة.

فصل


قال بعضُ المفسَّرينَ ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ معناهما واحد وقال آخرون هذا ضعيفٌ.
والحقُّ أنَّ قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يميِّزَ الحلالَ من الحرامِ، والحسن من القبيح.
وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: أن الذي بيَّن تحريمه، وتحليله لنا في الآيات المتقدّمة وقد كان كذلك في شرائع [الإسلام] من قبلنا، أو يكون المراد منه ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ [في] بيان ما لكم فيه من المصلحة [فإنَّ الشَّرائعَ، وإن اختلفت في نفسها إلاَّ أنَّهَا متفقة في المصالح].
قوله: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ قال القاضي: معناه أنَّهُ تعالى كما أراد منّا نفس الطّاعة، فلا جَرضمَ بيَّنَها وأزال الشُّبْهَةَ عنها وإذا وقع التَّقصيرُ والتَّفريط منَّا؛ فيريد أن يتوبَ علينا؛ لأنَّ المكلف قد يطيع فيستحق الثَّوابَ، وقد يطيع فيستحقّ الثَّوابَ، وقد يعصي فيحْتَاج إلى التلافي في التَّوبَةِ وفي التَّوْبَةِ وفي
331
الآية إشكالٌ، وهو أنَّ الحَقَّ إمَّا أن يكون قول أهل السُّنَّةِ [من أنَّ فعل العبدِ] مخلوقٌ للهِ [وَإمَّا أن الحقَّ قولُ المعتزلة: من أنَّ فعلَ العبدِ ليسَ مخلوق اللهِ تعالى؛ والآيةُ مُشْكَلَةٌ على القَوْلَيْنِ] أمَّا على الأوَّلِ [فلانّ] كلِّ مَا يريده الله تعالى [فَإنَّهُ] يحصلُ، فإذا أرَاد أن يتوبَ علينا وأحبَّ أن تحصل التَّوْبَةَ لكلنا، ومعلومٌ أنَّهُ ليس لذلك، وأمَّا على القول الثَّاني: فهو تعالى يريدُ مِنَّا أن نتُوبَ باختيارنا، وفعلنا وقوله ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [ظاهره] مشعر بأنَّهُ تعالى هو الَّذي يخلق التَّوْبَةَ فينا.
فالجوابُ أن قوله ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ صريحٌ في أنَّهُ تعالى هو الذي يقبلُ التَّوْبَةَ فينا والعقل يؤكِّدُهُ؛ لأنَّ التَّوْبَةَ عبارةٌ عن النَّدمِ في الماضي، والعزم على التَّرْكِ في المستقبل، والنَّدم والعزم من باب الإراداتِ، والإرادةُ لا يمكن إرادتها وإلا لزم التَّسلسل؛ فإذن الإرادةُ يمتنع أن تكونَ فعل الإنسان فعلمنا أن هذا النَّدم والعزم لا يحصلان إلا بتخليق اللهِ تعالى فَدَلَّ البرهانُ العقليُّ على صحَّةِ ما أشعر به القرآن، وهو أنَّهُ تعالى [هو] الذي يتوبُ علينا.
وإن قالوا: لو تاب عليْنَا لحصلتْ هذه التَّوْبَةُ [لهم فزاد هذا الإشكال واللهُ أعلم].
فنقولُ: قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ خطابٌ مع الأمَّةِ، وقد تابَ عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيَّات المذكورة في هذه الآيات وحصلت هذه التَّوْبَةِ لهم فَزَالَ الإشكالُ واللهُ أعلم.
] ثم قال ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: [عليم] بمصالح عبادة حكيم في أمر دينهم ودنياهم وحكيم فيما دبَّرَ من أمورهم.
332
قوله تعالى: ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ زعم بعضهم أنَّ [في] قوله ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ تكريراً لقوله ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ المعطوف على التّبيين.
قال عطيَّةُ: وتكرار إرادة الله تعالى التَّوبة على عباده تقوية للإخبار الأوَّل وليس القصد في الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشَّهوات فقدمت إرادة الله تَوْطِئة مُظْهِرَةً لفسادِ إرادة مُبتغي الشَّهَوَاتِ، وهذا الذي قاله إنَّمَا يتمشّى على أنَّ المجرور باللامِ في قوله ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ مفعول به للإرادة لا على كونه علّةً، وقد تقدَّمَ أنَّ ذلك قول الكوفيِّين،
332
وهو ضعيفٌ، وقد ضعَّفه هو أيضاً، إذا تقرر هذا فنقول: لا تكرار في الآية؛ لأن تعلّق الإرادة بالتَّوبة في الأَّولِ على جهة العِلِّيَّة، وفي الثَّاني على جهة المفعوليَّة، فقد اختلف المتعلقان.
وقوله ﴿عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الذين﴾ بالرَّفع عطفاً على ﴿والله يُرِيدُ﴾ عطف جملة على جملة اسميّة، ولا يجوز أن ينصب لفساد المعنى؛ إذ يصير التَّقدير: واللهُ يريدُ أن يتوب، ويريد أن يريد الذين، واختار الرَّاغِبُ: أنَّ الواو للحال تنبيهاً على أنَّهُ يريدُ التَّوْبَةَ عليكم في حال ما تريدون أن تميلوا فخالف بَيْنَ الإخبارين في تقديم المخبر عنه في الجملة الأولى، وتأخيره في الثَّانية؛ ليبيّن أنَّ الثَّاني ليس على العطف، وقد رُدَّ عليه بأنَّ إرادة اللهِ بالجملة الأولى اسميّة دلالة على الثَّبوت، وبالثَّانية فعلية دلالة على الحدوث.

فصل في تحليل المجوس لما حرم الله تعالى


قيل: إنَّ المجوسَ كانوا يحلُّون الأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، فلما حرمهنَّ اللهُ تعالى قالوا إنَّك تحلُّون بنت الخالة والعمَّةِ، والخالةُ والعمةُ حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلتْ هذه الآية.
وقال السُّدِّيُّ: المرادُ بالَّذينَ يتبعونَ الشَّهوات هم اليهودُ والنَّصارى.
وقال مجاهدٌ هم الزُّناةُ يريدون أن يميلوا عن الحقِّ فيزنون كما يزنون.
وقيل: هم جميع أهل الباطل.

فصل


قالت المعتزلة قوله ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يدلّ على أنه تعالى يريد التوبة من الكلِّ والطَّاعة من الكُلِّ.
وقال أهل السُّنَّةِ، هذا محال؛ لأنَّهُ تعالى علم من الفاسق أنَّهُ لا يتوب، وعلمه بأنَّهُ لا يتوب مع توبته ضدان، وذلك العلم ممتنعٌ الزَّوال مع وجود أحدِ الضِّدَّين، وكانت إرادة ضدّ
333
الآخر إرادة لما علم كونه محالاً، وذلك محالٌ، وأيضاً فإنَّهُ إذَا كان يريدُ التَّوْبَةَ من الكُلِّ، ويريد الشَّيْطَانُ أن تميلوا ميلاً عظيماً، ثم يحصلُ مراد الشَّيطان لا مراد الرحمن، فحينئذٍ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتمُّ من نفاذ الرحمنِ في ملك نَفْسِهِ، وذلك مُحالٌ؛ فثبت أن قوله ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ خطاب مع قوم معنيين حصلت هذه التَّوبة لهم.
334
في هذه الجملة احتمالان:
أصحُّهما: أنَّها حال من قوله ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ العامل فيها يريد أي: واللهُ يريد أن يتوبَ عليكم يريد أن يخفف عنكم، وفي هذا الإعراب نَظَرٌ من وجهين:
أحدهما: أنَّهُ يؤدِّي إلى الفصل بين الحال، وبين عاملها بجملة معطوفة على جملة العامل في الحال ضمير تلك الجملة المعطوف عليها، والجملةُ المعطوفة وهي ﴿وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ﴾ جملة أجنبية من الحال وعاملها.
والثَّاني: أنَّ الفعل الذي وقع حالاً رفع الاسم الظَّاهر فوقع الرَّبط بالظاهرِ؛ لأن ﴿يُرِيدُ﴾ رفع اسم الله، وكان من حقِّه أن يرفع ضميره، والرَّبْطُ بالظَّاهِرِ إنَّمَا وقع بالجملة الواقعة خبراً أو وصلة، أمَّا الواقعة حالاً وصفة فلا، إلا أن يَردَ به سماع، ويصير هذا الإعراب نظير: «بكر يخرج يضربُ بكر خالداً» ولم يذكر مفعول التخفيف فهو محذوف، فقيل تقديره: يخفف عنكم تكليف النظر، وإزال الحيرة، وقيل: إثم ما يرتكبون، وقيل: عام في جميع أحكام الشرع وقد سهل علينا كما قال تعالى ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ] [الأعراف: ١٥٧] وقال عليه السلام: «بعثت بالحنفية السمحة» وقال ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال مجاهد ومقاتل: المراد به [إباحة] نكاح الأمة عند الضرورة.
قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ والمعنى أنه بضعفه خفف تكليف، والأقرب أن يحمل هذا الضعف على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة لا على ضعيف الخلقة [لأن ضعيف الخلقة] لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في
334
الخلقة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها لا لضعف البدن.
قال طاوس والكلبي وغيرهما: في أمر النساء لا يصبر عنهن.
وقال ابن كيسان: خلق الله الإنسان ضعيفاً أي بأن تستميله شهوته.
وقال الحسن: المراد ضعيف الخلقة وهو أنه [خلقه] من ماء مهين. وقال تعالى ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤]. فصل
وفي نصب ضعيفاً أربعة أوجه:
أظهرها: أنه حال من الإنسان وهي حال مؤكدة.
والثاني: - كأنه تمييز قالوا: لأنه يصلح لدخول «مِنْ» وهذا غلط.
الثالث: أنه على حذف حرف الجرِ، والأصل: خلق من شيء ضعيف، أي: من ماء مهين، أو من نطفة، فلما حُذِفَ الموصوف وحرف الجر وَصَلَ الفعل إليه بنفسه فنصبه.
الرابع: - وإليه أشار ابن عطية، أنه منصوب على أنه مفعول ثانٍ ب «خلق» قالوا: ويصح أن يكون خلق بمعنى «جُعِلَ» فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى المفعولين فيكون قوله «ضعيفاً» مفعولاً ثانياً، وهذا الذي ذكره غريب لم نرهم نَصُّوا على أن خلق يكون ك «جعل» فيتعدى لاثنين مع حصرهم الأفعال المتعدية للاثنين، ورأيناها يقولون: إن «جَعَلَ» إذا كان بمعنى «خَلَقَ» تعدت لواحد.

فصل


روي عن ابن عباس أنه قال: ثماني آيات في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت قوله تعالى ﴿يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ و ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١]
335
﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ﴿إِنَّ [الله لاَ يَظْلِمُ] مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ النساء: ٤٠]، ﴿وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] و ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].
336
في كيفية النظم وجهان:
أحدهما: أنه تعالى لما ذكر كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر كيفية التصرف في الأموال.
الثاني: لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإبقاء المهور بيَّن بعد ذلك كيفية التصرف في الأموال، وخص الأكل بالذكر دون غيره من التصرفات لأنه المقصود الأعظم من الأموال؛ لقوله تعالى ﴿إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠]، واختلفوا في تفسير الباطل فقيل هو الربا والغضب والقمار والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة، وعلى هذا تكون الآية مجملة لأنه يصير التقدير: لا تأكلوا أموالكم التي حصلتموها بطريق غير مشروع، ولم يذكر ههنا الطريقة المشروعة على التفصيل فصارت الآية مجملة.
وروي عن ابن عباس والحسن أن الباطل هو ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض وعلى هذا لا تكون الآية مجملة لكن قال بعضهم: إنها منسوخة: قال لما نزلت هذه الآية تحرّج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئاً وشق ذلك على الخلق. فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في سورة النور ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وأيضاً إنما هو تخصيص ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنه قال: هذه الآية محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
336
وقيل: المراد بالباطل [هو] العقود الفاسدة، وقوله ﴿لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [يدخل فيه أكل مال الغير بالباطل] وأكل مال نفسه بالباطل فيدخل فيه القسمان معاً كقوله: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُم﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وقتل نفسه أما أكل مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله تعالى، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ في هذا الاستثناء قولان:
أصحهما: أنه استثناء منقطع لوجهين:
أحدهما: أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل حتى يستثنى عنها سواء فسرنا الباطل بغير عوض، أو بغير طريق شرعيّ.
والثاني: أن المستثنى كون، والكون ليس مالاً من الأموال.
الثالث: أنه متصل قيل: لأن المعنى لا تأكلوها بسبب إلا أن تكون تجارة.
قال أبو البقاء: وهو ضعيف؛ لأنه قال: بالباطل، والتجارة ليست من جنس الباطل، وفي الكلام حذف مضاف تقديره؛ إلا في حال كونها تجارة، أو في وقت كونها تجارة انتهى. ف «أن» تكون في محل نصب على الاستثناء وقد تقدم تحقيقه.
وقرا الكوفيون تجارة نصباً على أن كان ناقصة، واسمها مستتر فيها يعود على الأموال، ولا بد من حذف مضاف من «تجارة» تقديره: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ويجوز أن يفسر الضمير بالتجارة بعدها أي: إلا أن تكون التجارةُ تجارةً كقوله: [الطويل]
١٧٩٠ -........................ إذَا كَانَ يَوْمَاً ذَا كَواكِبَ أشْنَعَا
أي إذا كان اليوم يوماً، واختار أبو عبيدةَ قراءة الكوفيين، وقرأ الباقون «تجارةٌ» رفعاً على أنها «كان» التامة قال مكي «وأكثر كلام العرب أن قولهم» إلا أن تكون «في هذا الاستثناء بغير ضمير فيها يعود على معنى: يحدث ويقع، وقد تقدم الكلام على ذلك في البقرة.
وقوله: ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ متعلق بمحذوف لأنه صفة ل»
تجارة «فموضعه رفع أو نصب
337
على حسب القراءتين، وأصل» تراض «» تراضِوٌ «بالواو؛ [لأنه مصدر تراضي تَفَاعَلَ من رَضِيَ، ورَضِيَ من ذوات الواو بدليل الرُّضوان، وإنما تطرفت الواو بعد كسرة] فقلبت ياء فقلت: تراضياً، و» منكم «صفة لتراضٍ، فهو محل جر و» من «لابتداء الغاية.

فصل


والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ومنه الجر الذي يعطيه الله تعالى للعبد عوضاً من الأعمال الصالحة.
قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] وقال ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] وقال ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، فسمَّى ذلك كُلَّهُ بيعاً وشراءً على وَجْهِ المَجَازِ، تشبيهاً بِعُقُود المبيعَاتِ الّتي تحصلُ بها الأغْرارُ.

فصل: كل معاوضة تجارة


اعلم أنَّ كُلَّ مُعَاوَضَةٍ تجارةٌ على أيّ وجْهٍ كان العوض، إلا أنَّ قوله تعالى ﴿بالباطل﴾ أخرج منها كُلَّ عوضٍ لا يجوزُ شَرْعَاً من رباً وغيره أو عوض فَاسِدٍ كالخمرِ، والخَنْزِيرِ، وغير ذلِكَ، ويخرج أيضاً كُلُّ عقدٍ جائزٍ لا عوض فيه كالقرض والصَّدَقَةِ، والهِبَةِ، لا للثَّوابِ، وجازت عُقُودُ التَّبرُّعاتِ بأدلَّةٍ أخَر، وخَرَجَ منها دٌعاءُ أخيك إيَّاكَ إلى طَعَامِهِ، بآيةِ النُّورِ، على ما سيأتي إن شاء الله - تعالى -.

فصل


قال القرطبيُّ: لَوِ اشْتَرَيْتَ فِي السُّوقِ شَيْئاً فقالَ لَكَ صًاحِبُهُ قبل الشِّرَاءِ ذُقْهُ، وأنت في حلٍّ، فلا تَأكُلْ منه؛ لأن إذْنهُ في الأكْلِ لأجْلِ الشِّراءِ، فربما لا يقعُ بيعٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَة، لكن لو وصف لَكَ فاشْتَرَيْتَ، فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيَار.

فصل


قوله ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: بطيبة نَفْسِ كلِّ وَاحدٍ على الوَجْه المَشْرُوعِ.
وقيل هو أن يخير كُلُّ وَاحدٍ من المُتابِعيْنَ صاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْع، فيلزمُ وإلا فلهما الخِيَارُ ما لم يَتَفَرَّقَا لقوله عليه السلامُ:»
الْبَيْعانِ بالخيارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا «أو يخير كُلّ واحد
338
منهما صاحبَهُ متبايعاً على ذلك، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، واعلم: أنَّهُ كَمَا يحلُّ المستفاد منَ التِّجارَة، فقد يَحِلُّ أيضاً المالُ المستفاد مِنَ الهِبَةِ، والوصيَّةِ والإرث، والصَّدَقَةِ، والمهر، ِ وأرُوشِ الجنايَاتِ، فإنَّ أسْباب المالِ كثيرةٌ سوى التِّجارة.
فإن قُلْنَا: الاستثناءُ مُنقطِعٌ، فلا إشْكالٌ؛ لأنَّهُ تعالى ذَكَرَ هَاهُنا شيئاً واحداً، من أسْبَابِ المِلْكِ، ولم يذكره غيرهُ بنفي، ولا إثْبَاتٍ.
وإن قلنا: الاسْتثناء مُتَّصِلٌ كان ذلك حكماً بأنَّ غيرَ التِّجَارةِ لا يفيد الحلّ، وعلى هذا لا بُدّ مِنَ النَّسْخِ، والتَّخْصيصِ.

فصل


ذهب بعضُ الْعُلَمَاءِ إلى أنَّ النَّهْيَ في المعاملات يَقْتَضِي البُطْلاَنَ، وقال أبُو حنيفَةَ: لا يَدُلُّ عليه واحتجّ الأوَّلُونَ بوجوهٍ:
أحدُهَا: أنَّ جميعَ الأمْوالِ مملوكةٌ للهِ تعالى، فإذا أذن لبعض عبيده في بعض التَّصَرُّفَاتِ، ثم إنَّ الوكِيلَ تَصَرّفَ على خِلافِ قَولِ الموكل، فذلك غير مُنعقدٍ، فإذا كان التَّصرفُ الواقع على خلاف قول المِالِكِ المجازي لا يَنْعَقدُ، فالتصرفُ الواقِعُ على خِلاَفِ قَوْلِ المالِكِ الحقيقيّ غير مُنْعَقِدٍ بِطَرِيقِ الأوْلَى.
وثانيها: أنَّ التصرُّفات الفَاسِدَة؛ إمَّا أن تكُونَ مُسْتَلْزَمَةً لِدُخُولِ المُحرَّم المنهيّ في الوُجُودِ أو لا، فإن كان الأول وجب القول ببطلانها قياساً على التصرفات الفاسدة، والجامِعُ السعي في ألا يَدخُلَ منشأ النَّهي في الوُجُودِ، وإنْ كانَ الثَّانِي؛ وَجَبَ القَوْلُ بصحَّتها قياساً على التصرُّفَاتِ الصَّحيحةِ، والجامعُ كونُهَا تَصرُّفَاتٍ خالية عن المفْسَدَة، فثبت أنَّهُ لا بُدَّ من وُقُوعِ التَّصرُّفِ على هذين الوجْهَيْنِ، فأمَّا القَوْلُ بتصرف لا يكُونُ صحيحاً، ولا باطلاً، فهو محال.
وثالثها: أنَّ قوله: «لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمَيْن» كقوله: «لا تبيعوا الحر بالعبد» فكما أن هذا نهي في اللفْظِ، لكنَّهُ نَسْخٌ للشَّرعيةِ [فكذا الأوَّلُ، وإذا كان نَسْخاً للشَّرْعيَّةِ]، بطل كونُهُ مُفيداً للحكم.
339
قوله ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قرأ عَلِي - رضي اللهُ عنه -: «تُقْتَّلُوا» بالتَّشْديدِ على التكثير، والمعنى لا يَقْتلُ بَعضُكُم بعضاً، وإنَّما قَالَ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ لقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام: «المُؤْمِنُونَ كنَفْسٍ وَاحِدَةٍ» ولأن العَرَبَ يَقُولُونَ «قُلْنَا وَرَبِّ الكَعْبَةِ» إذا قتل بعضهم؛ لأنَّ قتل بعضِهِم، يجري مَجْرَى قَتْلِهِمْ.
فإن قيل: المُؤمِنُ مع إيمانِهِ لا يجُوزُ أن ينهى عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ، لأنه ملجأ إلى ألاَّ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، لأنَّ الصَّارِفَ عنه قائمٌ، وهو الألَمُ الشَّديدُ، والذَّمُّ العَظِيم، والصَّارف عنه في الآخرة قَائِمٌ وهو استحقاقُ العَذَابِ العَظِيمِ.
إذا كان كذلك، لم يَكُنْ للنَّهْيِ عَنْهُ فائدة، وإنَّمَا يُمْكِنُ هَذَا النهي، فِيمَنْ يَعْتَقِدُ في قَتْلِ نَفْسِهِ ما يعتقدُهُ أهْلُ الهِنْدِ، وذَلِكَ لا يَتَأتَّى مِنَ المُؤْمِنِ.
فَالجَوَابُ: أنَّ المُؤْمِنَ مع إيمانِهِ، قد يَلْحَقُهُ مِنَ الغَمِّ، والأذِيَّةِ ما يكُونُ القَتْلُ عليه أسْهَل مِنْ ذلك، ولذلك نَرَى كَثيراً مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَلُونَ أنْفُسَهُم، بمثل السَّبَبِ الذي ذَكَرْنَاهُ، ويحتمل أنَّ مَعْنَاهُ لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ به القتل كالزِّنَا بعد الإحْصَانِ والرِّدَّةِ، وقتلِ النَّفْسِ المعصومة، ثمَّ بيَّنَ تعالى أنَّهُ رحيمٌ بعباده، ولأجْلِ رحمته نهاهم هم كُلِّ ما يستوجبون به مَشَقَّة، أو مِحْنَة حَيْثُ لم يأمرهم بقتلهم أنفسَهُم كما أمَرَ به بني إسرائيل ليَكُونَ تَوْبَةُ لهم وكان بكُم يَا أمَّة محمَّد رحيماً، حيث لم يكلفكم تلك التَّكاليف الصَّعْبَة.
340
قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ «مَنْ» شرطيَّة [مبتدأ]، والخبر «فَسَوْفَ» والفاءُ هنا واجبة لِعَدَمِ صلاحيَّةِ الجَوَابِ للشَّرْطِ، و «ذَلٍكَ» إشارةٌ إلى قتل الأنفُسِ قال الزَّجَّاجُ: يَعُودُ إلى قَتْلِ الأنْفُسِ، وأكل المالِ بالبَاطِلِ؛ لأنَّهُمَا مذكوران في آية واحدة.
وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّهُ يعودُ على كُلِّ ما نهى اللهُ عنه من أوَّلِ السُّورةِ إلى هذا المَوْضعِ، وقال الطَّبريُّ: «ذلك» عائد على ما نهي عنه من آخر وعيد وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً﴾ [النساء: ١٩] ؛ لأنَّ كل ما ينهى عنه من أوَّلِ السُّورةِ قرن به وعيد، إلا مِنْ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً﴾ [النساء: ١٩] فإنَّهُ لا وعيدَ بَعْدَهُ إلا قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك عُدْوَاناً﴾ [النساء: ٣٠]
340
الآية. وقيل الوعيد بذكر العُدْوَانِ والظُّلْمِ، ليخرج منه فعل السَّهْوِ والغلط، وذكر العًُدْوَانِ، والظُّلْمِ مع تقارب معناهما لاختلافِ ألفاظِهِما كقوله: «بُعْداً» و «سُحْقاً» وقوله يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ [يوسف: ٨٦] وقوله: [الوافر]
١٧٩١ - أ -.............................. وألْفَى قَوْلَهَا كَذِباً وَمَيْنَا
و «عدواناً وظلماً» حالان أي: متعدياً ظالماً أو مفعول من أجلها وشروط النصب متوفرة وقُرِئَ: «عِدْواناً» بكسر العين. و «العدوان» : مُجاوَرَةُ الحَدّ، والظُّلْمُ: وضع الشَّيْءِِ في غير مَحَلِّه، ومعنى ﴿نُصْلِيهِ نَاراً﴾، أي: يمسُّه حَرُّهَا. وقرأ الجمهور: ﴿نُصْلِيهِ﴾ من أصْلَى، والنون للتعظيم. وقرأ الأعْمَشُ: «نُصْلِّيه» مُشَدّداً.
وقرئ: «نَصْليه» بفتح النُّونِ من صَلَيْتُه النَّار. ومنه: «شاة مصلية».
و «يصليه» بياء الغَيْبَةِ. وفي الفاعِلِ احتمالان:
أحدهُمَا: أنَّهُ ضميرُ الباري تعالى.
والثًَّاني: أنَّهُ ضميرٌ عائدٌ على ما أُشير به إلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ؛ لأنَّهُ سَبَبٌ في ذلك ونكر «ناراً» تعظيماً.
﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ أي: هيناً.
341
قرأ ابْن جُبَيْرٍ، وابنُ مَسْعُود: «كَبِيرَ» بالإفراد والمرادُ به الكُفْرُ وقرأ المفضّلُ: «يُكَفِّر»، «ويدخلكم» بياء الغَيْبَةِ للهِ تعالى.
وقرأ ابْنُ عَبَّاسٍ: «من سيئاتكم» بزيادة «من». وقَرَأَ نَافِعٌ وحده هنا وفي الحج: «مَدْخَلاً» بفتح الميم، والباقُونَ بضمها، ولم يَخْتَلِفُوا في ضَمِّ التي في
341
الإسراء. فأمَّا مَضْمُومُ الميم، فإنَّهُ يحتملُ وجهين:
أحدهُمَا: أنَّهُ مَصْدرٌ وقد تَقَرَّر أنَّ اسْمَ المصْدَرِ من الرُّبَاعِيّ فما فَوْقَهُ كاسْمِ المفعُولِ، والمدخول فيه على هذا مَحْذُوفٌ أي: «ويدخلكم الجنة إدخالاً».
والثَّانِي: أنَّهُ اسمُ مَكَانِ الدُّخُولِ، وفي نصبه حينئذٍ احتِمَالاَنِ «
أحدهُمَا: أنَّهُ منصوبٌ على الظَّرْفِ، وهو مَذْهَبُ سيبوَيْهِ.
والثَّاني: أنَّه مفعولٌ به، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وهكذا كُلُّ مكان مختص بعد»
دخل «فإنَّ فيه هذين المذْهَبَيْنِ، وهذه القِرَاءَةُ واضحةٌ، لأنَّ اسم المصْدَرِ، والمكان جَارِيَانِ على فعليهما.
وَأمَّا قِرَاءةُ نافِع، فتحتاجُ إلى تأويل، وذلك لأنَّ الميمَ المفتوحة إنَّما هو من الثُّلاثِيُّ، والفعل السَّابقُ لهذا رُباعِيّ فقيل: إنَّهُ منصوبٌ بفعل مقدّر مطاوع لهاذ الفِعْلِ، والتقدِيرُ: يدخلكم، فتدخلون مدخلاً.
و»
مَدْخَلاً «مَنْصُوبٌ على ما تقدَّمَ: إمَّا المصدريّة، وإما المَكَانِيَّة بوجهيها.
وقيل: هُوَ مصْدَرٌ عَلَى حَذْفِ الزَّوائِدِ نحو: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] على أحد القَوْلَيْنِ.

فصل


روى ابْنُ عمرو عن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ قال:»
الكَبَائِرُ الإشْرَاكُ باللهِ عزَّ وجلَّ وعقوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ «.
وقال عليه السَّلام:»
ألاَ أنبِئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبَائِر؟ «ثلاثاً. فقالوا: بَلَى يا رسُولَ اللَّهِ. قال:» الإشْرَاكُ باللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِديْنِ - وَكَانَ مُتّكئاً فَجَلَسَ - وَقَالَ: ألاَ وَقَوْلُ الزُّورِ «فما زال يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ.
وعن عُمَرَ بْنِ شراحيل عن عَبْدِ اللَّهِ قال: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ. قال:»
أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدَّاً وَهُوَ خَالِقُكَ «قال: ثُمَّ أي. قال:» لأنْ تَقْتَلُ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أنْ يَأكُلَ مَعَكَ «. قُلْتُ: ثمَّ أيْ. قال» أنْ تُزَانِيَ حَليلَةَ جَارِك «فأنزلَ اللَّهُ - تعالى - تَصديقَ قَوْلِ
342
النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] وعن أبي هريرةَ عنِ النَّبِي صلى اله عليه وسلم قال:» اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبقَاتِ قالُوا يا رَسُول اللَّهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بالحقِّ وأكْلُ الرَِّبَا، وأكْلُ مَالِ اليتيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْف المُحصنَاتِ الغَافِلاَتِ «.
وقال عبدُ الله بْنُ مسعودِ: أكْبَرُ الكَبَائِرِ الشِّرْكُ باللَّهِ، والأمن من مَكْرِ اللَّه والقنوط من رحمة اللَّه، واليأسُ من روح اللَّهِ.
وعن النَّبَيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مِنْ أكْبَر الكبَائِر يسبُّ الرَّجُلِ وَالديْهِ: قالَ وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالدَيْهِ قال: [يَسُبُّ الرجُل أبَا الرجل وَأمه] فَيَسُب أباهُ وَيسُبُّ أمَّهُ»
.
وعن سعيد بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ رَجُلاً سألَ ابْنَ عباس عن الكبائِرِ أسَبْعٌ هي قال: هي إلى السبعمائة أقرب [غير] أنه لاَ كبيرَةَ مع الاستغْفَارِ، ولا صغيرَةَ معَ الإصْرَارِ، وقال: كُلُّ شيْءٍ عصي اللَّه به، فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها، فَلْيَسْتَغْفِر اللَّهَ فإنَّ اللَّه لا يخلد في النَّارِ من هذه الأمَّةِ إلاَّ من كان راجعاً عن الإسلامِ، أو جاحداً فريضته، أو مكذباً بقدره. قال ابْنُ الخطيبِ: وهذا القول ضعيف؛ لأنَّهُ لا فرقَ بينهما كقولهِ: يكفر، وما لا يكفرون في الحديث: تعيين أشيَاء من الكبائرِ منها: الشركُ، واليمينَ الغَمُوسُ [
343
والرِّبا] وعُقوقُ الوالدين، والقَتْلُ، وغيرهما ولقوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧] فالكبائِرُ هي الفُسُوقُ والصغائر هي العصيان حتى يصحّ العطف. احتجّ ابنُ عبَّاس ما إذا اعتبر المعاصي بالنِّسْبَةِ إلى جلال اللَّه تعالى، وعظمته كانت كبائر بالنِّسْبَةِ لِكثَةِ نعمه تعالى، فذلك لعدم تناهيها، فَكُلُّ ذنبٍ كبيرة.
والجوابُ كما أنَّهُ سبحانه وتعالى أجلُّ الموجودات، وأشرفهم، وهو أرحمُ الراحِمينَ، وأغنى الأغنياءِ عن الطَّاعات وذلك يوجبُ خفة الذنب ثم إنَّهَا وإن كان كبيرة فبعضها أكبر مِنْ بعض.

فصل


قال بعضهم: لتمييز الكبيرةِ عن الصَّغيرة بذاتها، وقيل: إنَّما تتميزُ بحسب [حال فاعليها] فالأولون لهم أقوال، أوَّلُهَا: قال ابْنُ عبَّاسٍ: كلُّ ما قرن بذكر الوعيد، فهو كبيرةٌ كالقَتْلِ، والقذف.
الثَّاني: عن ابْنِ مسعُودٍ: كلّ ما نهي عنه من أوَّلِ النِّسَاءِ إلى ثلاثة وثلاثين آية فهو كبيرة لقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.
الثالث: قتل كل عمد فهو كبيرةٌ على الأوَّل لأنَّ كل ذنٍ لا بُدّ أن يكون متعلّق الذَّم عاجلاً، والعقاب آجلاً وهذا يقتضي أنَّ كُلَّ ذنْبٍ كبيرة، وعلى الثَّانِي أنَّ الكبائِرَ مذكورة في سائر السور، فلا معنى لتخصيصها بهذه السُّورة، وعن الثَّالث إنْ أرادَ بالعَمْدِ أنَّهُ ليس بساهٍ فهذا هو الذي نهي عنه، فيكونُ كُل ذنب كبيرة، وإنْ أرَاد انه يَفْعَلُهُ مع العِلْمِ به، فإنَّهُ معصيةٌ فمعلومٌ أنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى يكفُرُونَ بمحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا يعلمون أنه معصيةٌ، وذلك كفرٌ وكبيرةٌ، فبطلت هذه الوجوه الثلاثةُ.
وأما القولُ الثَّاني أنَّ الكبائر تمتزُ عن الصّغَائِرِ باعْتِبَارِ فاعلها، فهو قَوْلُ مَنْ يقولُ للطَّاعَةِ قدر من الثواب وللمعصية قدر من العقاب فالقِسْمَةُ العقْلِيَّةُ تقتضي أقْسَامَ التَّساوي والتعادل، ورُجْحَان الثَّوابِ، ورجحان العِقَابِ فالأوَّلُ ممكنٌ عقلاً إلا أن الدليل السمعي دلل على أنه لا يوجد لقوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير﴾ [الشورى: ٧] ولو وجد ذلك لم يكن في الجنَّةِ، ولا في السَّعيرِ.
والثَّاني: ينحبط العقابُ بما يُساويه مِنَ الثَّوابِ، والمعصية هي الصَّغيرة تسمى الانحباط بالتَّكفير.
344
والثَّالثُ: ينحبطُ الثَّوابُ بما يساويه من العقاب، ويسمى الكبيرة، وسمي الانحبَاط بالإحباط، فَظَهَرَ الفرقُ بين الكبيرةِ والصغيرةِ، وهذا قول جمهور المُعتزِلَةِ، وهو مَبْنِيٌّ على أصولٍ باطلةٍ:
الأول: أنَّ الطَّاعةَ توجبُ ثواباً والمعصية توجب عقاباً، وهو بَاطِلٌ لما تقدَّم من أنَّ الفعل يتوقَّفُ على دَاعِيَةٍ مِن اللَّه تعالى، وذلك يَمْنَعُ الإيجاب.
ولأنَّ من اشْتَغَلَ بالعِبَادَةِ والتَّوحيدِ ثمانين سنة، ثم شَرِبَ قطرة خمر، فإنْ قالوا بالإحْبَاطِ خالف الضرورة والإجماع، وإن خالف وقالوا بترجيح الثَّوابِ نقضوا أصْلَهُم مِنَ التحسين والتقبيح العَقْلِيَّيْن فتبطل قواعدهم.
ولأنَّه سمى الله تعالى كبيرة لسابقه [على الطاعة] وموجبة لها [فأوَّلُ واجب] لا يستحقّ ثواباً، فيكون عِقَاب كُلّ معصية أن لا بد مِنْ ثَوَاب فاعلها، فتكون جميع المعاصي كبائر، وهو بَاطِلٌ، وقد تقدَّم القول بإبطال القَوْلِ بالإحْبَاط.

فصل


قال ابنُ الخطيبِ: الأكثرُونَ على أنَّ اللَّه تعالى لم يُميِّز الكبائِرَ، ولم يُعَيِّنْهَا، قالوا: لأنَّ تمييزها وتعيينها مع إخباره بأن اجتنابها يكفِّر الصَّغَائِرَ إغراء بالإقدام على الصغائر، وذلك قَبيحٌ لا يليقُ بالحكمة، أمَّا إذَا لم يميِّزْهَا، كتحرير كَوْنِ المعْصيَةِ كبيرة زاجراً غن الإقدام عليها كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والصلاة الوسطى ووقت الموت مع تجوز تعيين بعض الكبائر كما ورد في الحديث والآيات كما ذكر عن ابن عباس أنها سَبْعَةٌ فقال هي إلى السّبعمائة أقرب.

فصل


احتج الكعبيُّ بهذه الآية على القَطْعِ بوعيد أصْحَابِ الكبائرِ قال: لأنَّهُ تعالى بَيَّن أنَّ من اجتنب الكبَائِرَ يكفر عنه سيئاته، فَدَلَّ على أنَّ مَنْ لَمْ يَجْتنبها لم تكفَّرْ عَنْهُ، ولو جَازَ أنْ يغفرَ الكبائِرَ، والصَّغائِرَ، لم يَصِحَّ هذا الكلامُ.
والجوابُ مِنْ وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: إنكم إما أن تستدلوا بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، فذلك باطل عِندْ المُعتزِلَةِ، وعِنْدَنَا دلالتُهُ ظَنيَّةٌ ضعيفةٌ.
345
وإما أن تستدلوا به من حيث أنَّ المعلق على الشيء بكلمة «إن» عدم عند عدم ذلكَ، فهذا أيضاً ضعيفٌ لقوله تعالى: ﴿واشكروا نِعْمَةَ الله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤] والشكر واجب مطلقاً ولقوله تعالى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وأداء الأمانة واجب مطلقاً ولقوله تعالى ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢] يجوزُ شهادَتُهُم مع وُجُودِ الرِّجَالِ وقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: ٣٣]، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: ٣].
وقوله ﴿أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا إِنَّ الكافرين﴾ [النساء: ١٠١].
﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ﴾ [النساء: ٣٥]، ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠].
وهذا كُلُّهُ يَدُلُّ على العدمِ بهذا الكلامِ، والعَجَبُ أنَّ القَاضِي عَبْدَ الجبَّارِ لا يرى أنَّ المعلّق على الشَّيءِ كلمة «إنْ» عدمٌ عنه العدمِ، واسْتَحْسنَ في التَّفْسير استدلاله على الكفر بهذه الآية.
الجوابُ الثَّاني: قال أبُو مُسْلِمِ: جَاءَت هذه الآيةُ عقيبَ نِكَاحِ المحرَّمات، وعضل النِّسَاء، وأخذ أمْوالِ اليتامى [وأكل المال بالباطل و] غير ذلك فالمُرادُ إن تجتنبوا هذه الكبائرِ التي نهيناكم عنها، كَفرنَا عنكم سَيِّئاتِكُمْ [أي: ما سلف] من ارتكابها وإذا احْتملَ هذَا؛ لم يَتَعيَّن ما ذكرهُ المعتزِلَةُ، واعترضه القاضي بوجهين:
أحدهُمَا: أنَّ الآية عامَّة، فلا تخْصيصَ بِذَلِكَ.
الثَّانِي: أن اجتنابهم إمّا أنْ يكُونَ مع التَّوْبَة، والتَّوْبَةُ قد أزالت العقاب أو بدونها، فمن أيْنَ أنَّ اجتنابَ هذه الكبائِر، تُوجِبُ تكفيرَ تلك السَّيّئَاتِ.
والجواب عن الأوَّلِ: أنّا لا نَدْفَعُ القَطْعَ بذلك، بل نَقُولُ: هو يحتمل، فلا يَتعيَّن ما ذكرتموه.
وعن الثَّاني: أنَّ ما ذكروه لا يَقْدَحُ في الاحتمال المذكور [هنا].
الجوابُ الثَّانِي: أنَّ المَعَاصِي: قد تكُونُ كبيرَة بالنِّسْبَةِ إلى شيء، صغيرة بالنسبة إلى شَيْءٍ آخر، وكذلك العكسُ، فليس ثمّة ما يكونُ كبيرةً مطلقاً، إلا الكُفْر، وأنواعه [
346
كثيرة]، فلمَّا لم يكن المراد إن تجتنبوا الكُفْرَ بأنواعِهِ، يغفر لكم ما وَرَاءَهُ، وهذا احْتِمَالٌ ظاهرٌ مُطابقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، سقط استدلالهم بذلك.

فصل


قال القرطبِيُّ: قال الأصولِيُّونَ: لا يَجِبُ القَطْعُ بِتكْفيرِ الصَّغائِرِ باجتناب الكبائر، وإنَّمَا محمل ذلك على غلبَةٍ الظَّنِّ، وقوَّةِ الرَّجَاءِ، والمشيئة ثابتةٌ، ودلَّ على ذلك: أنا لو قَطَعْنَا لمجتنب الكبائِرِ، وممتثلِ الفرائِضِ، تكفيرَ صَغَائِرهِ قطعاً؛ لكانت لَهُ في حُكْمِ المُبَاحِ الذي يقطع بأن أتباعه عليه، وذلك نَقْضٌ لعُرَى الشَّريعة، ولا صغيرةَ عِنْدَنَا.
قال القُشَيْرِيُّ: والصَّحيحُ أنها كَبَائِر ولكن بعضُهَا أعْظُم وقعاً من بعضٍ، والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي.
قال القرطبي: وأيضاً مَنْ نظر إلى بعض المُخالفَةِ كما قالَ بعضهُمُ: لا تنظر إلى صغر الذَّنْبِ، ولكن انظُرْ مَنْ عَصيتَ [فإن كان الأمْرُ كذلِكَ] كانت الذنوب بهذه النِّسْبَةِ كُلِّها كبائر، وعلى هذا النَّحْوِ يُخَرَّجُ كلامُ القُشَيْريّ، وأبي إسْحَاقَ الإسفراييني والقاضي أبي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّب قالوا: وإنَّما يقالُ لبعضها صغيرة بالإضَافَةِ إلى ما هو أكْبرُ منها كما يقالُ: الزنا صغيرة بإضافته إلى الكفر، والقُبْلَةُ المحرَّمَةُ صغيرَةٌ بالنِّسْبَة إلى الزِّنَا، ولا ذنبَ عِنْدَنَا يُغْفَرُ باجْتِنَابِ ذنبٍ آخر، بل كُلُّ ذنْبٍ كبيرةٌ ومرتكبُهُ في المشيئةِ، غير الكُفْرِ لقوله تعالى ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] قالوا: هذه الآية يردُّ إليها جميع الآيات المُطلقةُ، يزيدُ عليها قوله عليه السلام: «من اقْتطعَ حَقَّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ بيمينه فقدْ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وحرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ فقال رَجُلٌ: يا رسُولَ الله، وإنْ كَانَ شيئاً يَسِيراً فقَالَ: وَإنْ كَانَ قَضِيباً مِنَ أراك»
، فقد جاء الوَعِيدُ الشَّديدُ على اليَسيرِ، كما جَاءَ على الكثير.
وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ [مسعود: «ما نَهَى اللَّه عنْهُ في تلكَ السُّورَةِ إلى قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ فهو كبيرة.
وقال [علي] بن] أبي طلحة: الكبيرة: كلُّ ذنب ختمه اللَّهُ بِنَارٍ، أو غضَبٍ، أو
347
لَعْنَةٍ، أو عَذابٍ [أو آثامٍ».
وقال الضحاك: «البيرة ما أوعد الله عليه حَدَّا في الدُّنْيَا، وعَذَاباً في الآخرة».
وقال الحُسَيْنُ [بنُ الفضل] : ما سمّاه اللَّهُ في القرآن كَبيراً، أو عظيماً نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء: ٢]، ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ [الإسراء: ٣١]، ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ﴿سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، ﴿إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وقال سُفْيانُ الثَّورِيُّ: «الكَبَائِرُ هي المظالِمُ بَيْنكَ وبَيْنَ العِبادِ، والصَّغَائِرُ: ما كان بَيْنَكَ وبَيْنَ اللَّهِ، إن اللَّه كَريمٌ يَعْفُو [ويصفح] ».
وقال مالك بن مغول: «الكبَائِرُ» ذُنُوبُ أهْلِ البِدَعِ، والسّيئات: ذُنُوبُ أهْلِ السّنة [الصَّغَائِر] «.
وقيل:»
الكَبَائِرُ ذُنُوب العَمْدِ، والسيئات الخَطأ والنِّسيان، وما أكْره عَلَيْهِ، وحديث النَّفْسِ المرفوعة عَنْ هذه الأمَّةِ «.
وقال السُّدِّيُّ: الكَبَائِرُ ما نهى اللَّه عنه من [الذُّنُوب] الكبائر والسَّيِّئات مقدّماتُها وتوابعها، وما يَجْتَمِعُ فيه الصَّالحُ والفاسقُ مثل النَّظْرَةِ، واللَّمْسَةِ، والقُبْلَةِ، وأشباهها. قال عليه السلامُ:»
الْعَيْنَانِ تَزْنيانِ، واليَدَانِ تَزْنيانِ، والرِّجْلانِ تَزْنيانِ، وَيُصدِّقُ ذلك الفَرْجُ، أو يُكذِّبُهُ «.
وقيل: الكَبَائِرُ الشِّرْكُ، وما يؤدِّي إليْهِ، وما دُونَ الشِّرْكِ، فهو من السَّيِّئاتِ. قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨].
قوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
قال المفسِّرُون: أي من الصَّلاة إلى الصَّلاةِ، ومن الجُمْعَةِ إلى الجُمْعَةِ، ومن
348
رَمضَان إلى رمضَان، لقوله عليه السلامُ:» [الصَّلَوَاتُ] الخمسُ والجمعةُ إلى الجُمعةِ ورَمضَانُ إلى رَمضَان مُكَفِّراتٌ لِّمَا بَيْنهُنَّ إذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرِ «.
﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ أي حسناً وهو الجنة.
349
في كيفية النظم وجهان:
أحدهما: قال القفَّالُ: «لما نَهاهُم في الآية المُتقدِّمَةَ عن أكل الأمْوَالِ بالباطل، وعن قتْلِ النُّفُوسِ، أمرهم في هذه الآيةِ بما سهَّلَ عليهم تَرْكَ هذه المنهيَّاتِ، وهو أن يَرْضَى كُلُّ واحد بِمَا قسَمَ اللَّهُ، فإنَّهُ إذا لم يَرْض، وَقَعَ في الحَسَدِ، وإذا وقع في الحَسَدِ وَقعَ لا مَحَالَة في أخْذِ الأمْوَالِ بالبَاطلِ، وفي قتل النُّفُوسِ».
الثَّانِي: أنَّ أخْذ الأمْوَالِ بالبَاطلِ، وقتلَ النُّفُوسِ من أعمال الجَوَارِحِ، فأمر أوَّلاً بتركها ليصيرَ الظَّاهِرُ طاهراً عن الأفعال القبيحة، ثُمَّ أمَرَهُ بعْدَهَا بترك التَّعَرُّضِ لِنُفُوسِ النَّاسِ، وأموالهم بالقَلْب على سَبيلِ الحَسَدِ، ليصيرَ البَاطِنُ أيضاً طاهراً عن الأخلاق الذَّمِيمَةِ.

فصل في سبب نزول الآية


قال مُجاهِدٌ: «قالت أمُّ سلمةَ: يا رسُولَ اللَّهِ، إنَّ الرِّجَالَ يَغْزُونَ ولا نَغْزُو، ولهم ضِعْفُ مَا لَنَا مِنَ المِيراثِ، فلو كُنَّا رجالاً غَزَوْنَا كما غَزَوا، وأخذْنَا مِنَ المِيراثِ مثلما أخذُوا؟ فنزلت هذه الآية».
349
وقيل: لمّا جَعَلَ اللَّهُ للذَّكر مِثْلُ حَظِّ الانثيين في الميراثِ، قالتِ النِّسَاءُ: نَحْنُ أحْوجُ إلى الزِّيَادةِ مِنَ الرِّجَالِ؛ لأنا ضعفاء، وهم أقْويَاء، وأقدر منا على المَعَاشِ فنزلت الآية.
وقال قتَادَةُ والسُّدِّيُّ: لما نزل قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ [النساء: ١١] ؛ قال الرِّجالُ: إنَّ لنرجو أن نُفَضَّل على النِّسَاءِ بحسناتنا في الآخرة، فيكون أجرنا على الضّعف من أجر النِّسَاءِ كما فُضِّلْنَا عليهنَّ في الميراثِ في الدُّنْيَا، فقال اللَّهُ تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن﴾ [النساء: ٣٢].
وقيل: أتَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: رَبُّ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ واحِدٌ، وأنتَ الرَّسُول إليْنَا، وإليهم، وأبونا آدَمُ، وأمُّنا حَوَّاءُ، فما السَّبَبُ في أنَّ اللَّه يَذكُرُ الرِّجَالَ، ولا يَذْكُرُنَا؛ فنزلت الآية، فقالَتْ: وقد سَبَقَنَا الرِّجَالُ بالجهادِ فمَا لَنَا؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ لِلْحَامِلِ مِنْكُنَّ أجْرُ الصَّائِمِ القَائِم، فإذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ لم يدْر أحدٌ مَا لَهَا مِنَ الأجْرِ، فَإذَا أرْضَعَتْ كَانَ لَهَا بِكُلِّ مَصَّة أَجر إحيَاء نَفْسٍ».
قوله: ﴿مَا فَضَّلَ الله﴾ «ما» موصولة، أو نكرة موصوفة، والعائدُ الهاء في «بِهِ»، و «بعضكُم» مفعول ب «فَضَّلَ»، و «عَلَى بَعْضٍ» متعلّق به.

فصل


قال القرطبِيُّ: التَّمني نوع من الإرادَةِ يَتَعلَّقُ بالمستقبلِ، واعْلَم أنَّ الإنسان إذَا شَاهَدَ أنواع الفَضَائِلِ حاصلة لإنسان، ووجد نَفْسَهُ خالياً عن جملتها، أو عن أكثرها، فحينئذٍ يتألَّمُ قلبه، ثُمَّ يعرض ها هنا حالتان:
إحداهما: [أن يتمنى] زوال تِلْكَ السعادات عن ذلك الإنْسَانِ.
والأخرى: لا يَتمَنَّى ذلك، بَلْ يَتَمنَّى حصول مثلها له.
فالأوَّلُ هو الحَسَدُ المذْمُومُ، والثَّانِي هو الغِبْطَةُ، فأمّا كون الحسد مذموماً؛ فلأن اللَّه تعالى لمّا دَبَّر هذا العَالَم، وأفاض أنواع الكَرَمِ عليهم، فمن تمنى زوال ذلك؛ فكأنه اعْتَرَضَ على اللَّه في فعله، وفي حِكْمَتِهِ، وَرُبَّمَا اعْتَقَدَ في نفسه، أنَّهُ أحَقُّ بتلك النِّعَمِ من ذلِكَ الإنْسَانِ، وهذا اعْتِرَاضٌ على اللَّهِ، فيما يلقيه من الكُفْرِ، وفساد الدِّين، وقطعَ المَوَدَّةِ، والمَحَبَّةِ، وَيَنْقَلِبُ ذلك إلى أضداده.
350
وأما سبب المنع من الحَسَدِ، فعلى مذهَبِ أهْلِ السُّنَّة، فلأنه تعالى ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولا اعْتراضَ علَيْه في فعله، وعلى مذْهَبِ المُعتزِلَةِ، فلأنه تعالى علاَّم الغيوب، فهو أعرف من خَلْقِهِ بوجوهِ المَصَالِح، ولهذا [المعنى] قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾ [الشورى: ٢٧]، فلا بد لِكُلِّ عاقل من الرِّضَا بقضاء اللَّهِ، وممَّا يؤكِّدُ ذلك، قوله عليه السلامُ: «لاَ يَخْطبُ الرَّجُلُ علَى خِطبَةِ أخيه، ولا يَسُومُ عَلى سَوْمِ أخيهِ، ولا تَسْألِ المرأةُ طلاقَ أخْتِهَا لتلقي مَا فِي إنَائِهَا، فإنَّ الله - تعالى - هُو رَازِقُهَا» والمقصودُ من كُلِّ ذلِكَ المُبَالَغة في المَنْعِ مِنَ الحَسَدِ.
وَأمَّا الثَّاني، وهو الغِبْطَةُ، فَمِنَ النَّاسِ من جَوَّزَهُ، ومنعه آخرون قالوا: لأنَّهُ رُبَّمَا كانت تلك النِّعْمَةُ مفسدة في دينِهِ، ومضرّة عليه في الدُّنْيَا، ولذلك لا يجُوزُ للإنْسَانِ أنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ أعطني دَاراً مثلَ دَارِ فُلانٍ، وزوجةً مِثْلَ زوْجَةِ فُلانٍ، بل ينبغِي أنْ يقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُون صَلاَحاً في دِيني ودنياي، وَمَعادي ومَعَاشي» وإذا تأمَّلَ الإنْسَانُ لم يجد دُعَاءً أحْسَنَ مِمَّا ذكرهُ اللَّهُ في القُرآنِ تعْلِيماً لِعبَادِهِ، وهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار﴾ [البقرة: ٢٠١]، ولهذا قال: ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].
وأمّا من جوّزه فاسْتَدَلَّ بقوله عليه السلامُ: «لاَ حَسَد إلاَّ في اثْنَتَيْن، رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرآنَ، فَهُو يقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وأطرافَ النَّهَارِ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فهُوَ يَنُفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وأطرافَ النَّهَارِ» فمعنى قوله: «لا حسد»، أي: لا غبطة أعظم وأفضل مِنَ الغبْطَةِ في هذين الأمْرَين.
351
قال بعضُ العُلَمَاءِ: «النَّهي [عن] التَّمنِّي المذكورِ في هذهِ الآية، هو ما لا يجوزُ تمنِّيه من عَرَضِ الدُّنْيَا، وأشباهها، وأما التَّمني في الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فحَسَنٌ قال عليه السَّلامُ:» اللَّهُمَّ وَددْتُ أنِّي أحْيَى، ثُمَّ أقتَلُ [ثم أحيي ثم أقتل «]، وذلك يَدُلُّ على فَضْلِ الشَّهَادةِ على سَائِر أعْمَالِ البِرّ؛ لأنَّهُ - عليه السلامُ - تمنَّاهَا دون غيرها فرزقه اللَّهُ إيَّاهَا لقوله عليه السلامُ:» مَا زَالَتْ أكْلةَ خيبرٍ تعاودني [كُل عامٍ، حتى كان هذا] أوان انقطاع أبْهري «.
وفي الصَّحِيح:»
إنَّ الشَّهيد يُقالُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيقُولُ: أتَمَنَّى أنْ أرجعَ إلى الدُّنْيَا، فأقتَل في سَبيلكَ مَرَّة أخْرَى «وكان عليه السَّلامُ يتمنى إيمانَ أبي طالب وأبي لهب، وصَنَادِيد قُرَيْشٍ، مع علمه بأنَّهُ لا يكونُ.
قوله: ﴿بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ قيل: مِنَ الجِهَادِ.
﴿وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن﴾، أي: من طَاعَةِ أزواجهن [وحفظ فُرُوجهِنَّ].
وقيل: ما قدر لهن من الميراث، يجبُ أن يرضوا به، ويتركوا الاعتراض نهى اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - عن التَّمنِّي على هذا الوجه لما فيه من دَوَاعِي الحَسَدِ، ولأنَّ اللَّه - عزّ وجلّ - أعلم بمصالحهم منهم؛ فوضَعَ القِسْمَةَ بينهم مُتَفَاوِتَةً على حَسْبِ ما علم مِنْ مصالِحِهمْ ويكونُ الاكتساب بمعنى: الإصَابَةِ.
وقيل: ما يَسْتَحِقُّوهُ من الثَّواب في الآخِرَةِ.
وقيل: [المرادُ] الكلُّ؛ لأنَّ اللَّفْظَةَ محتملة ولا منافاة.

فصل: إثبات الهمزة في الأمر من السؤال


الجمهورُ على إثْباتِ الهمْزَةِ في الأمرِ من السُّؤالِ الموجه نحو المخاطب، إذا تَقدَّمَهُ واو، أو فاء نحو: ﴿فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ﴾ [يونس: ٩٤]، ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وابن كثير، والكسَائِي بنقل حركة الهمْزَة إلى السِّين تخفيفاً لكثرة استعماله. فإن لم تتقدَّمه واو، ولا فاء، فالكًُلُّ على النقل نحو: ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١]، وإن كان لغائب، فالكُلُّ على الهمز نحو: ﴿وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ﴾ [الممتحنة: ١٠].
352
وَوَهِمَ ابْنُ عَطيَّة، فنقل اتِّفَاقَ القُرَّاءِ على الهَمْزِ في نحو: ﴿وَاسْأَلُواْ مَآ أَنفَقْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وليس اتفاقهم في هذا، بل في «وليسألوا ما أنفقوا» كما تقدَّم.
وتخفيف الهَمْزَةِ لغةُ الحِجَازِ، ويحتملُ أن يكونُ ذلك من لغة من يقُولُ «سَالَ يَسَالُ» بألف مَحْضَةٍ، وقد تقدَّمَ تحقيق ذلك، وهذا إنَّمَا يتأتى في «سَلْ»، و «فَسَلْ» وأمّا «وسَألوا»، فلا يَتَأتَّى فيه ذلك؛ لأنَّهُ كان ينبغي أنْ يُقَالَ: سالوا كَخَافُوا، وقد يُقَالُ: إنَّهُ التزم الحذف لكثرة الورود، وقد تقدّم في البَقَرة عند ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١].
وهو يَتعَدَّى لاثْنَيْنِ، والجلالة مفعول أو