تفسير سورة العنكبوت

التفسير الوسيط لطنطاوي
تفسير سورة سورة العنكبوت من كتاب التفسير الوسيط المعروف بـالتفسير الوسيط لطنطاوي .
لمؤلفه محمد سيد طنطاوي . المتوفي سنة 1431 هـ
المجلد الحادي عشر
تفسير سورة العنكبوت

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة وتمهيد
١- سورة العنكبوت هي السورة التاسعة والعشرون في ترتيب المصحف، وكان نزولها بعد سورة الروم، أي : أنها من أواخر السور المكية في النزول، إذ أن ترتيبها في النزول الثالثة والثمانون من بين السور المكية، ولم ينزل بعدها قبل الهجرة سوى سورة المطففين( ١ ) وعدد آياتها تسع وستون آية.
٢- وجمهور العلماء على أنها مكية، ومنهم من يرى أن فيها آيات مدنية.
قال الآلوسي : عن ابن عباس أنها مكية وذهب إلى ذلك –أيضا- الحسن وجابر وعكرمة. وعن بعضهم أنها آخر ما نزل بمكة... وقال يحيى بن سلام : هي مكية، إلا من أولها إلى قوله –تعالى- :[ وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين... ]( ٢ ).
والذين تطمئن إليه النفس أن سورة العنكبوت كلها مكية، وليس هناك روايات يعتمد عليها في كون بعض آياتها مدنية.
٣- وقد افتتحت سورة العنكبوت ببعض الحروف المقطعة [ الم ]، ثم تحدثت عن تكاليف الإيمان، وأنه يستلزم الامتحان والاختبار، ليميز الله الخبيث من الطيب، وعن الحسنة التي أعدها –سبحانه- لعباده المؤمنين الصادقين. قال –تعالى- :[ والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ].
٤- ثم حكت جانبا من أقوال المشركين، ومن دعاواهم الكاذبة، وردت عليهم بما يبطل أقوالهم، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم...
قال –تعالى- :[ وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون، وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ].
٥- ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك، إلى الحديث عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم، فأشارت إلى قصة نوح مع قومه، ثم ذكرت بشيء من التفصيل جانبا من قصة إبراهيم مع قومه، ومن قصة لوط مع قومه، وأتبعت ذلك بإشارات مركزة تتعلق بقصة شعيب وهو وصالح وموسى مع أقوامهم...
ثم اختتمت هذه القصص ببيان العاقبة السيئة التي صار إليها المكذبون لرسلهم، فقال –تعالى- :[ فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ].
٦- ثم ضربت السورة الكريمة مثلا لحال الذين أشركوا مع الله –تعالى- آلهة أخرى في العبادة، فشبهت ما هم عليه من كفر وشرك –في ضعفه وهوائه وهلهلته –ببيت العنكبوت، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أن يزدادوا ثباتا على ثباتهم، وأن يستعينوا على ذلك، بتلاوة القرآن الكريم، وبإقامة الصلاة، وبالإكثار من ذكر الله –تعالى-.
قال –سبحانه- :[ اتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون ].
٧- ثم أمرت السورة الكريمة المؤمنين بأن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وأرشدتهم إلى ما يقولونه لهم، ومدحت من يستحق المدح منهم، وذمت من يستحق الذم، وأقامت الأدلة الساطعة على أن هذا القرآن من عند الله –تعالى-.
قال –سبحانه- :[ وكذلك أنزلنا إليك الكتاب، فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون* وما كنت تتلو من قبله من كتاب، ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون* بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ].
٨- ثم وجه –سبحانه- نداء إلى المؤمنين، حضهم فيه على الهجرة من أرض الكفر إلى دار الإيمان، ورغبهم في ذلك بوسائل، منها : إخبارهم بأن الآجال بيد الله –تعالى- وحده، وكذلك الأرزاق بيده وحده، وأن من استجاب لما أمره الله –تعالى- به، أعطاه –سبحانه- الكثير من خيره وفضله.
قال –تعالى- [ يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون* كل نفس ذائقة الموت، ثم إلينا ترجعون ].
٩- ثم ساق –سبحانه- في أواخر السورة، ألوانا من تناقضات المشركين، حيث إنهم سألهم سائل عمن خلق السموات والأرض... قالوا : الله –تعالى- هو الذي خلقهما، ومع ذلك فهم يشركون معه في العبادة آلهة أخرى، وإذا أحاط بهم الموج وهم في السفن... [ دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ]، وهم يعيشون في حرم آمن، والناس يتخطفون من حولهم.. ومع ذلك فهم بالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون.
هذا شأنهم، أما المؤمنون الصادقون فقد وعدهم الله –تعالى- بما يقر أعينهم فقال في ختام السورة :[ والذين جاهدوا فينا لنهديَنَّهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين ].
١٠- وهكذا نرى هذه السورة الكريمة، وقد حدثتنا –من بين ما حدثتنا- عن الإيمان وتكاليفه، وعن سنن الله في خلقه، وعن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم، وعن هوان الشرك والشركاء، وعما يعين المؤمن على طاعة الله، وعن علاقة المؤمنين بغيرهم، وعن البراهين الساطعة الناطقة بأن هذا القرآن من عند الله، وعن أن المؤمن لا يليق به أن يقيم في مكان لا يستطيع فيه أن يؤدي شعائر دينه، وعن سوء عاقبة الأشرار، وحسن عاقبة الأخيار... نسأل الله –تعالى- أن يجعلنا جميعا من عباده الأخيار.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
المؤلف
د. محمد سيد طنطاوي
١ - راجع كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج١ ص٢٧..
٢ - تفسير الآلوسي ج٢٠ ص١٣٢..

التفسير قال الله تعالى:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١ الى ٧]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)
سورة العنكبوت من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجي الم، ويبلغ عدد السور التي افتتحت بحروف التهجي، تسعا وعشرين سورة.
وقد سبق أن قلنا: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة قد وردت في افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه، للذين تحداهم القرآن الكريم، فكأن الله- تعالى- يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله: هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله، فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكي يعاونكم في ذلك...
11
والاستفهام في قوله- سبحانه-: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ للإنكار وحَسِبَ من الحسبان بمعنى الظن. وقوله: يُفْتَنُونَ من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان.
يقال: فتنت الذهب بالنار، أى: أدخلته فيها لتعلم الجيد منه من الخبيث.
وجملة «أن يتركوا» سدت مسد مفعولي حسب، وجملة «أن يقولوا» في موضع نصب، على معنى: لأن يقولوا، وهي متعلقة بقوله: يُتْرَكُوا. وجملة «وهم لا يفتنون» في موضع الحال من ضمير «يتركوا».
والمعنى: أظن الناس أن يتركوا بدون امتحان، واختبار، وابتلاء، وبدون نزول المصائب بهم، لأنهم نطقوا بكلمة الإيمان؟ إن ظنهم هذا ظن باطل، ووهم فاسد، لأن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط، بل هو عقيدة تكلف صاحبها الكثير من ألوان الابتلاء والاختبار، عن طريق التعرض لفقد الأموال والأنفس والثمرات، حتى يتميز قوى الإيمان من ضعيفه.
قال القرطبي: والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد.. فكانت صدورهم تضيق بذلك، وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين. قال مجاهد وغيره:
فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده، اختبار للمؤمنين وفتنة.
قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال، فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر... » «١».
وقوله- سبحانه-: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ مؤكد لما قبله من أن ظن الناس أن يتركوا بدون ابتلاء، لقولهم آمنا، هذا الظن في غير محله، لأن سنة الله قد اقتضت أن يدفع الناس بعضهم ببعض، وأن يجعل الكافرين يتصارعون مع المؤمنين، إلا أن العاقبة في النهاية للمؤمنين.
والمقصود بقوله- تعالى-: فَلَيَعْلَمَنَّ.. إظهار علمه- سبحانه-، أو المجازاة على الأعمال.
أى: ولقد فتنا الذين من قبل هؤلاء المؤمنين من أصحابك- أيها الرسول الكريم-، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا... أى فليظهرن الله- تعالى- في عالم الواقع حال الذين صدقوا في إيمانهم، من حال الكاذبين منهم، حتى ينكشف للناس ما هو غائب عن علمهم.
(١) تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٣٠٤.
12
أو المعنى: ولقد فتنا الذين من قبلهم من المؤمنين السابقين، كأتباع نوح وهود وصالح وغيرهم، فليجزين الذين صدقوا في إيمانهم بما يستحقون من ثواب، وليجزين الكاذبين بما يستحقون من عقاب، ولترتب المجازاة على العلم، أقيم السبب مقام المسبب.
قال الإمام ابن جرير: قوله: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا... أى: فليعلمن الله الذين صدقوا منهم في قولهم آمنا، وليعلمن الكاذبين منهم في قولهم ذلك، والله عالم بذلك منهم، قبل الاختبار، وفي حال الاختبار، وبعد الاختبار، ولكن معنى ذلك: وليظهرن الله صدق الصادق منهم في قوله آمنا بالله، من كذب الكاذب منهم...
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين، عذبهم المشركون، ففتن بعضهم، وصبر بعضهم على أذاهم، حتى أتاهم الله بفرج من عنده» «١».
وفي معنى هاتين الآيتين وردت آيات كثيرة منها قوله- تعالى-: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «٢» وقوله- تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً.. «٣».
وقوله- سبحانه-: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ «٤».
وقد ساق الإمام القرطبي عند تفسيره لهاتين الآيتين من سورة العنكبوت عددا من الأحاديث النبوية، منها قوله: روى البخاري عن خباب بن الأرت قالوا: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟
فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه، فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» «٥».
والخلاصة، أن المقصود من الآيتين تنبيه الناس في كل زمان ومكان، إلى أن ظن بعض الناس بأن الإيمان يتعارض مع الابتلاء بالبأساء والضراء، ظن خاطئ، وإلى أن هذا الابتلاء سنة ماضية في السابقين وفي اللاحقين إلى يوم القيامة.
(١) تفسير ابن جرير ج ٢٠ ص ٨٣.
(٢) سورة آل عمران الآية ١٤٢.
(٣) سورة التوبة. الآية ١٦.
(٤) سورة محمد. الآية ٣١.
(٥) تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٣٢٤.
13
ثم بين- سبحانه- أن عقابه للمرتكبين السيئات واقع بهم، وأنهم إذا ظنوا خلاف ذلك، فظنهم من باب الظنون السيئة القبيحة، فقال- تعالى-: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا، ساءَ ما يَحْكُمُونَ.
و «أم» هنا منقطعة بمعنى بل، والاستفهام للإنكار والتوبيخ، وقوله: أَنْ يَسْبِقُونا سد مسد مفعولي حسب، وأصل السبق: الفوت والتقدم على الغير. والمراد به هنا:
التعجيز، والمعنى: بل أحسب الذين يعملون الأعمال السيئات كالكفر والمعاصي، «أن يسبقونا» أى: أن يعجزونا فلا نقدر على عقابهم، أو أن في إمكانهم أن يهربوا من حسابنا لهم؟ إن كانوا يظنون ذلك فقد: «ساء ما يحكمون» أى: بئس الظن ظنهم هذا، وبئس الحكم حكمهم على الأمور.
ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ما يدخل السرور والاطمئنان على قلوب عباده المؤمنين الصادقين فقال- تعالى-: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ، فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. أى: من كان من الناس يرجو لقاء الله- تعالى- يوم القيامة لقاء يسره ويرضيه، ويطمعه في ثوابه وعطائه، فليثبت على إيمانه، وليواظب على العمل الصالح، «فإن أجل الله لآت». أى: فإن الأجل الذي حدده الله- تعالى- لموت كل نفس وللبعث والحساب، لآت لا محالة في وقته الذي حدده- سبحانه- «وهو السميع» لأقوال خلقه «العليم» بما يخفونه وما يعلنونه.
فالرجاء في لقاء الله، بمعنى الطمع في ثوابه، ومنهم من فسره بمعنى الخوف من حسابه- سبحانه-.
قال صاحب الكشاف: لقاء الله: مثل للوصول إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت، والبعث، والحساب، والجزاء، مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل، وقد اطلع مولاه على ما كان يأتى ويذر، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب، لما رضى من أفعاله، أو بضد ذلك لما سخطه منها... وقيل: «يرجو» يخاف، كما في قول الشاعر:
إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها..» «١» أى: إذا لسعته النحل لم يخف لسعها.
وعلى كلا التفسيرين للرجاء، فإن الآية الكريمة تبشر المؤمنين بما يدخل السرور على نفوسهم، وتعدهم بأنهم متى ثبتوا على إيمانهم، وأحسنوا أعمالهم، فإن ثوابهم سيظفرون به كاملا غير منقوص، بفضل الله وإحسانه.
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٠٣.
14
وقوله- سبحانه-: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ معطوف على ما قبله، ومؤكد لمضمونه. أى: ومن جاهد في طاعة الله، وفي سبيل إعلاء كلمته، ونصرة دينه، فإنما يعود ثواب جهاده ونفعه لنفسه لا لغيره.
إِنَّ اللَّهَ- تعالى- لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ جميعا، لأنه- سبحانه- لا تنفعه طاعة مطيع، كما لا تضره معصية عاص، وإنما لنفسه يعود ثواب المطيع وعليها يرجع عقاب المسيء.
ثم وضح- سبحانه- ما أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب جزيل فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ... أى: لنسترن عنهم سيئاتهم، ولنزيلنها- بفضلنا وإحساننا- من صحائف أعمالهم.
ثم بعد ذلك وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أى: ولنجزينهم بأحسن الجزاء على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا، بأن نعطيهم على الحسنة عشر أمثالها.
قال الجمل ما ملخصه: قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.. يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء، والخبر جملة القسم المحذوفة، وجوابها أى: والله لنكفرن. ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال. أى: ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم...
وقال أَحْسَنَ لأنه سبحانه إذا جازاهم بالأحسن، جازاهم بما هو دونه. فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى» «١».
ثم بين- سبحانه- أن طاعة الله- تعالى- يجب أن تقدم على كل طاعة، فقال:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٨ الى ٩]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٣٦٨. [.....]
15
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما أخرجه الترمذي، من أنها نزلت في سعد بن أبى وقاص، وذلك أنه حين أسلم، قالت له أمه حمنة بنت سفيان:
يا سعد بلغني أنك صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت، وإن الطعام والشراب على حرام، حتى تكفر بمحمد ﷺ... فجاء سعد إلى النبي ﷺ فشكى إليه ما قالته أمه.
فنزلت هذه الآية.. فجاء سعد إليها فقال لها: يا أماه لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني، فكلي إن شئت، وإن شئت فلا تأكلى، فلما يئست منه أكلت وشربت... » «١»
وقوله: حُسْناً منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف. أى: ووصينا الإنسان بوالديه إيصاء حسنا، وعبر بالمصدر للمبالغة في وجوب الإحسان إليهما، بأن يكون بارا بهما، وعطوفا عليهما، وسخيّا معهما.
وقوله- سبحانه-: وَإِنْ جاهَداكَ معطوف على ما قبله بإضمار القول: أى:
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، وقلنا له إِنْ جاهَداكَ أى: إن حملاك وأمراك لِتُشْرِكَ بِي في العبادة أو الطاعة ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما في ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقوله- سبحانه-: ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بيان للواقع، فهذا القيد لا مفهوم له، لأنه ليس هناك من إله في هذا الكون، سوى الله عز وجل.
وقوله تعالى: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تذييل المقصود به التحذير من معصيته- سبحانه-.
أى: إلى مرجعكم جميعا- أيها الناس- يوم القيامة، فأحاسبكم على أعمالكم حسابا دقيقا، وأجازى الذين أساءوا بما عملوا، وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الأعمال الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ بفضلنا وإحساننا فِي الصَّالِحِينَ أى في زمرة الأقوام الصَّالِحِينَ الذين رضينا عنهم، ورضوا عنا.
ثم يرسم القرآن الكريم بعد ذلك صورة واضحة لأصحاب القلوب المريضة، والنفوس الضعيفة، ويحكى جانبا من أقوالهم الفاسدة، ودعاواهم الكاذبة فيقول:
(١) راجع تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٣٢٨.
16

[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٠ الى ١٣]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)
وقوله- سبحانه-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ.. بيان لحال قوم ضعف إيمانهم، واضطراب يقينهم، بعد بيان حال المؤمنين الصادقين في قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ...
قال القرطبي: قوله- تعالى-: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ... قال مجاهد:
نزلت في ناس من المنافقين بمكة، كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. وقال عكرمة:
كان قوم قد أسلموا فأكرههم المشركون على الخروج معهم إلى بدر، فقتل بعضهم» «١».
والمعنى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بلسانه دون أن يواطئ هذا القول قلبه آمَنَّا بِاللَّهِ.
وقوله فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ بيان لحال هذا البعض من الناس عند ما تنزل بهم المصائب والنكبات.
أى: فإذا أوذى هذا البعض- بعد قوله آمنا بالله- من أجل هذا القول ومن أجل تركه
(١) تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٣٣٠.
17
الدين الباطل، ودخوله في الدين الحق جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ له أى جعل عذابهم له، وإيذاءهم إياه كَعَذابِ اللَّهِ أى بمنزلة عذاب الله في الشدة والألم، فيترتب على ذلك أن يتزلزل إيمانه، ويضعف يقينه، بل ربما رجع إلى الكفر بعد الإيمان.
وفي جعل هذا البعض فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ دليل واضح على ضعف إيمانه، وفساد تفكيره، لأن عذاب الناس له دافع، أما عذاب الله فلا دافع له، ولأن عذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم، أما عذاب الله فهو بسبب غضب الله- سبحانه- على من عصاه، ولأن عذاب الناس معروف أمده ونهايته أما عذاب الله فلا يعرف أحد مداه أو نهايته.
ثم بين- سبحانه- حال هذا الفريق إذا ما منّ الله- تعالى- على المؤمنين الصادقين بنصر، فقال: وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ، لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ.
والضمير في قوله: لَيَقُولُنَّ بضم اللام يعود إلى مِنَ في قوله: مَنْ يَقُولُ.
باعتبار معناها، كما أن إفراد الضمائر العائدة إليها باعتبار لفظها، أى: هكذا حال ضعاف الإيمان، عند الشدائد يساوون عذاب الناس بعذاب الله، ولا يثبتون على إيمانهم أما إذا جاءكم النصر- أيها الرسول الكريم- فإن هؤلاء الضعاف في إيمانهم، يقولون بكل ثقة وتأكيد: إنا كنا معكم مشايعين ومؤيدين، ونحن إنما أكرهنا على ما قلنا، ومادام الأمر كذلك فأشركونا معكم فيما ترتب على النصر من مغانم وخيرات.
وقوله- سبحانه-: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ رد عليهم في دعواهم الإيمان، وفي قولهم للمؤمنين: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ والاستفهام لإنكار ما زعموه، ولتقرير علم الله- تعالى- الشامل للسر والعلانية.
أى: إن الله- تعالى- عالم بما في صدور العالمين جميعا من خير وشر، وإيمان وكفر. وإن هؤلاء الذين يقولون آمنا، ليس الله- تعالى- في حاجة إلى قولهم، فهو- سبحانه- يعلم السر وأخفى وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ- تعالى- علما تاما الَّذِينَ آمَنُوا به حق الإيمان وَلَيَعْلَمَنَّ حال المنافقين، علما لا يخفى عليه شيء من حركاتهم وسكناتهم. وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب. وأكد- سبحانه- علمه بلام القسم وبنون التوكيد، للرد على دعاوى ضعاف الإيمان بأقوى أسلوب، وأبلغه، حتى يقلعوا عن نفاقهم، ويتبعوا المؤمنين الصادقين في ثباتهم.
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما زعمه أئمة الكفر من دعاوى باطلة، ورد عليها فقال:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ.
أى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا على سبيل التضليل والإغراء: اتبعوا سبيلنا أى
18
طريقنا الذي وجدنا عليه آباءنا، وهو عبادة الأصنام، ولنحمل عنكم خطاياكم يوم القيامة، إن كان هناك بعث وحساب.
واللام في قوله: وَلْنَحْمِلْ لام الأمر، كأنهم آمرين أنفسهم بذلك، ليغروا المؤمنين باتباعهم.
أى: اطمئنوا إلى أننا لن نتخلى عنكم، ولن ننقض عهودنا معكم في حمل خطاياكم لو اتبعتمونا، أو هو أمر في تأويل الشرط والجزاء. أى: إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم.
وقد رد الله- تعالى- زعمهم هذا بقوله: وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أى: وما هؤلاء الكافرون بحاملين لشيء من خطايا غيرهم التي زعموا حملها يوم القيامة، وإنهم لكاذبون في كل أقوالهم.
ومِنْ الأولى بيانية، والثانية لنفى حمل أى خطايا مهما صغرت. وقد جاء التكذيب لهم بهذا الأسلوب المؤكد، حتى يخرس ألسنتهم، ويمحو كل أثر من أقوالهم من الأذهان.
ثم بين- سبحانه- أن الأمر على عكس ما زعموه فقال: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ. أى: ليس الأمر- كما- زعموا من أنهم يحملون خطايا المؤمنين، بل الحق أن أئمة الكفر هؤلاء سيحملون خطاياهم كاملة غير منقوصة، وسيحملون فوقها خطايا أخرى، هي خطايا تسببهم في إضلال غيرهم، وصرفه عن الطريق الحق.
وعبر عن الخطايا بالأثقال، للإشعار بغاية ثقلها، وفداحة حملها، وعظم العذاب الذي يترتب عليها.
وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ سؤال تأنيب وتوبيخ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أى: عما كانوا يختلقونه في الدنيا من أكاذيب، وأباطيل، أدت بهم إلى سوء المصير.
وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى-: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ «١».
قال الإمام ابن كثير: وفي الصحيح: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم، مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا» «٢».
(١) آية ٢٥ من سورة النحل.
(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٣٧٧.
19
وبعد هذا الحديث عن انواع الناس، وعن اقوال المشركين الفاسدة، وعن سوء عاقبتهم، ساق- سبحانه- جانبا من قصة نوح وإبراهيم- عليهما السلام- فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٤ الى ١٧]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)
قال الآلوسى: قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ. شروع في بيان افتتان الأنبياء- عليهم السلام- بأذية أممهم، إثر بيان افتتان المؤمنين بأذية الكفار تأكيدا للإنكار على الذين يحسبون أن يتركوا بمجرد الإيمان بلا ابتلاء، وحثا لهم على الصبر، فإن الأنبياء- عليهم السلام- حيث ابتلوا بما أصابهم من جهة أممهم من فنون المكاره وصبروا عليها، فلأن يصبر هؤلاء المؤمنون أولى وأحرى... » «١».
و «نوح» - عليه السلام- ينتهى نسبه إلى شيث بن آدم، وقد ذكر نوح في القرآن في ثلاث وأربعين موضعا، وجاءت قصته مع قومه بصورة فيها شيء من التفصيل، في سور: هود والأعراف، والمؤمنون، ونوح.
وقوم الرجل: أقر باؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد. وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازا للمجاورة.
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ١٤٢.
20
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام، فأرسل الله- تعالى- إليهم نبيهم نوحا، ليدلهم على طريق الحق والرشاد.
والمعنى: ولقد أرسلنا نبينا نوحا- عليه السلام- إلى قومه، لكي يأمرهم بإخلاص العبادة لنا، وينهاهم عن عبادة غيرنا فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً يدعوهم إلى الدين الحق، ليلا ونهارا، وسرا وعلانية.
قالوا: بعث الله نوحا وهو في سن الأربعين من عمره، ولبث يدعو قومه إلى عبادة الله- تعالى- وحده، ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فيكون عمره كله ألف سنة وخمسين سنة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فلم جاء المميز أولا بالسنة، وثانيا بالعام؟ قلت: لأن تكرير اللفظ الواحد، حقيق بالاجتناب في البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض يبتغيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك» «١».
والمقصود بذكر هذه المدة الطويلة التي قضاها نوح- عليه السلام- مع قومه، تسلية الرسول ﷺ وتثبيته، فكأن الله- تعالى- يقول له: يا محمد لقد لبث أخوك نوح تلك المدة الطويلة، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل، فعليك أن تقتدى به في صبره، وفي مطاولته لقومه.
وقوله- سبحانه- فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ بيان لسوء عاقبة المكذبين لنوح- عليه السلام- بعد أن مكث فيهم تلك المدة الطويلة.
والطوفان: قد يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح والظلام، وقد غلب إطلاقه على طوفان الماء، وهو المراد هنا.
أى مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله- تعالى- ولكنهم كذبوه، فأخذهم الطوفان، والحال أنهم كانوا مستمرين على الظلم والكفر، دون أن تؤثر فيهم مواعظ نبيهم ونذره.
ثم بين- سبحانه- حسن عاقبة نوح ومن آمن معه فقال: فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ: أى: فأنجينا نوحا ومن آمن معه، وهم الذين ركبوا معه في السفينة. قيل: كان عدد هؤلاء الذين آمنوا به ثمانين ما بين ذكر وأنثى، وقيل كانوا أقل من ذلك.
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٤٦.
21
والضمير في قوله- سبحانه-: وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ للسفينة، أو للحادثة والقصة.
أى: فأنجينا نوحا ومن ركب معه في السفينة، وجعلناها أى هذه الحادثة عبرة وعظة للعالمين، حيث شاهدوا سوء عاقبة الكفر والظلم على ممر الأيام والأعوام.
قالوا: ومن مظاهر وجوه العبرة في قصة نجاة نوح ومن معه: أن السفينة التي حملتهم وأقلتهم بقيت مدة طويلة، وهي مستقرة على جبل الجودي، الذي يرى كثير من المؤرخين ان مكانه بشمال العراق، بالقرب من مدينة الموصل.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة إبراهيم- عليه السلام- مع قومه، فقال- تعالى-: وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ....
ولفظ إِبْراهِيمَ منصوب بفعل مضمر. أى: واذكر- أيها المخاطب- إبراهيم- عليه السلام- وقت أن قال لقومه: اعبدوا الله- تعالى- وحده، وصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ذلِكُمْ الذي أمرتكم به من العبادة والتقوى خَيْرٌ لَكُمْ من الشرك، ومن كل شيء في هذه الحياة إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أى: إن كنتم من ذوى العلم والفهم بما هو خير وبما هو شر.
فأنت ترى أن إبراهيم- عليه السلام- قد بدأ دعوته لقومه يأمرهم بإخلاص العبادة لله- تعالى-، وبالخوف من عقابه، ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إلى قلوبهم، ببيان أن إيمانهم خير لهم، ثم ثلث بتهييج عواطفهم نحو العلم النافع، الذي يتنافى مع الجهل..
ثم بعد ذلك نفرهم من فساد ما هم عليه من باطل، فقال كما حكى القرآن عنه: إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً....
والأوثان: جمع وثن. وتطلق الأوثان على التماثيل والأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم من الحجارة أو ما يشبهها، ثم يعبدونها من دون الله- تعالى-.
وقوله: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً أى: وتكذبون كذبا واضحا، حيث سميتم هذه الأوثان آلهة، مع أنها لا تضر ولا تنفع، ولا تغنى عنكم ولا عن نفسها شيئا.
أو يكون قوله وَتَخْلُقُونَ بمعنى وتصنعون وتنحتون. أى: وتصنعون بأيديكم هذه الأوثان صنعا، من أجل الإفك والكذب والانصراف عن كل ما هو حق إلى كل ما هو باطل.
ثم بين لهم تفاهة هذه الأوثان فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من أوثان وأصنام لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً أى: لا يملكون لكم شيئا من الرزق حتى ولو كان غاية في القلة.
وما دام الأمر كذلك: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ- تعالى- وحده الرِّزْقَ الذي يكفيكم
22
ويغنيكم وَاعْبُدُوهُ وحده- سبحانه- وَاشْكُرُوا لَهُ نعماءه ومننه وعطاياه.
فأنتم وجميع الخلق إِلَيْهِ وحده تُرْجَعُونَ لا إلى غيره، فيجازيكم على أعمالكم وهكذا نرى إبراهيم- عليه السلام- قد سلك في دعوته قومه إلى الحق أبلغ الأساليب وأحكمها، حيث أمرهم بعبادة الله وتقواه، وبين لهم منافع ذلك، وحرضهم على سلوك طريق العلم لا طريق الجهل، ونفرهم من عبادة الأوثان، حيث بين لهم تفاهتها وحقارتها وعجزها، وحضهم على طلب الرزق ممن يملكه وهو الله- عز وجل- الذي إليه المرجع والمآب.
ثم أخذ سيدنا إبراهيم- عليه السلام- يحذر قومه من الاستمرار في تكذيبه ويلفت أنظارهم إلى أن هناك حسابا وثوابا وعقابا وبعثا، وأن عليهم أن يتعظوا بمن قبلهم، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ١٨ الى ٢٣]
وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣)
قال صاحب الكشاف: وهذه الآية- وهي قوله- تعالى-: وَإِنْ تُكَذِّبُوا والآيات التي بعدها إلى قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ.. محتملة أن تكون من جملة قول إبراهيم
23
- صلوات الله عليه- لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله ﷺ وشأن قريش، بين أول قصة إبراهيم وآخرها.
فإن قلت: إذا كانت من قول إبراهيم، فما المراد بالأمم من قبله؟ قلت: المراد بهم قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمة في معنى أمم جمة مكذبة... » «١».
وقال الإمام ابن كثير: والظاهر من السياق أن كل هذه الآيات، من كلام إبراهيم الخليل- عليه السلام-، يحتج عليهم لإثبات المعاد، لقوله بعد هذا كله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ «٢».
وقوله- سبحانه-: وَإِنْ تُكَذِّبُوا... معطوف على محذوف، والتقدير: إن تطيعوني- أيها الناس- فقد فزتم ونجوتم، وإن تكذبوني فيما أخبرتكم به، فلستم بدعا في ذلك، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم، فكانت عاقبة المكذبين خسرا.
ثم بين لهم إبراهيم- عليه السلام- وظيفته فقال: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أى: لقد بلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، وتلك هي وظيفتي التي كلفنى بها ربي، وليس على سواها، أما الحساب والجزاء فمرده إلى الله تعالى وحده.
ثم ساق- سبحانه- ما يدل على أن البعث حق، وأنه- تعالى- لا يعجزه شيء، فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.
والاستفهام لتوبيخهم على إنكارهم هذه الحقيقة، وعدم تعقلهم لما يدل عليها دلالة واضحة، والواو للعطف على مقدر.
والمعنى: ألم ينظر هؤلاء المشركون المنكرون للبعث، ويعلموا كيف خلق الله- تعالى- الخلق ابتداء، ليستدلوا بذلك على قدرته على الإعادة، وهي أهون عليه.
إنهم ليرون كيف يبدئ الله الخلق في النبتة النامية، وفي الشجرة الباسقة، وفي كل ما لم يكن، ثم بعد ذلك يكون، فكيف أنكروا إعادة هذا المخلوق إلى الحياة مرة أخرى، مع أنه من المسلم عند كل ذي عقل، أن الإعادة أيسر من الخلق ابتداء؟
فالآية الكريمة تقرعهم على إنكارهم البعث، وتسوق لهم الأدلة الواضحة على إمكانيته.
واسم الإشارة في قوله: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعود إلى ما ذكر من الأمرين وهما:
بدء الخلق، وإعادته إلى الحياة مرة أخرى.
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٤٧.
(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٨٠.
24
أى: إن ذلك الذي ذكرناه لكم من خلقكم ابتداء، ثم إعادتكم إلى الحياة بعد موتكم، يسير وهين على الله، لأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء.
ثم أمر- سبحانه- رسوله ﷺ أن يلفت أنظار قومه إلى التأمل والتدبر في أحوال هذا الكون، لعل هذا التأمل يهديهم إلى الحق فقال: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ، ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ....
أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء المنكرين للبعث: سيحوا في الأرض، وتتبعوا أحوال الخلق، وتأملوا كيف خلقهم الله- تعالى- ابتداء على أطوار مختلفة، وطبائع متمايزة.
وأحوال شتى... ثم قل لهم بعد كل ذلك، الله الذي خلق الخلق ابتداء على تلك الصور المتنوعة والمتكاثرة، هو وحده الذي يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ أى: هو وحده الذي ينشئهم ويخلقهم ويعيدهم إلى الحياة مرة أخرى، بعد أن أوجدهم في المرة الأولى.
فجملة ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ معطوفة على قوله: سِيرُوا... وداخلة معها في حيز القول..
والكيفية في هذه الآية باعتبار بدء الخلق على أطوار شتى، وصور متعددة...
وفي الآية السابقة وهي قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ باعتبار بدء الخلق من مادة وغيرها.
والمقصود بالأمر بالسير: التدبر والتأمل والاعتبار، لأن من شأن التنقل في جنبات الأرض، أنه يوقظ الحس، ويبعث على التفكير، ويفتح العين والقلب على المشاهد الجديدة التي لم تألفها العين، ولم يتأملها القلب قبل ذلك.
وجاء الأمر بالسير عاما، لأن كل إنسان- في كل زمان ومكان- يأخذ من وجوه العبرة والعظة- عن طريق هذا السير ما يتناسب مع عقله، وثقافته، وبيئته، وفكره، ومستواه المادي، والاجتماعى، والحضارى...
وقوله- سبحانه-: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تعليل لما قبله. أى: هو- سبحانه- قادر على النشأة الأولى، وعلى النشأة الآخرة، لأن قدرته لا يعجزها شيء ولا يحول دون نفاذها حائل.
وهو- سبحانه- يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ويرحم من يشاء برحمته، وَإِلَيْهِ وحده لا إلى غيره تُقْلَبُونَ أى: ترجعون جميعا فيحاسبكم على أعمالكم.
25
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أى: وما أنتم- أيها الناس- بقادرين على أن تفلتوا أو تهربوا من لقاء الله- تعالى- ومن حسابه، سواء كنتم في الأرض، أم كنتم في السماء، إذ ليست هناك قوة في هذا الوجود تحول بينكم وبين الانقلاب إليه- سبحانه- والوقوف بين يديه للحساب والجزاء.
قال الشوكانى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ قال الفراء: ولا من في السماء بمعجزين الله فيها... والمعنى: أنه لا يعجزه- سبحانه- أهل الأرض ولا أهل السماء في السماء لو كنتم فيها، كما تقول: لا يفوتني فلان هاهنا ولا بالبصرة. يعنى: ولا بالبصرة لو صار إليها... » «١».
وقوله- سبحانه-: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ مؤكد لما قبله. أى:
لستم بقادرين على الهرب من لقاء الله- تعالى-. في الآخرة. وليس سواه من ناصر ينصركم، أو من قريب يدفع عنكم حكمه وقضاءه- سبحانه-.
ثم بين- سبحانه- مصير الكافرين فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على وحدانيته وقدرته، وعلى ذاته وصفاته.. وكفروا- أيضا- بالأدلة الدالة على لِقائِهِ بأن أنكروا البعث والحساب والجزاء أُولئِكَ الذين كفروا بكل ذلك يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أى: انقطع أملهم في رحمتي إياهم انقطاعا تاما وعبر- سبحانه- بالماضي لدلالة علمه التام على تحقق وقوع هذا اليأس، وفقدان الأمل عند هؤلاء الكافرين وقت أن يقفوا بين يديه للحساب، بسبب كفرهم وسوء أعمالهم.
وأضاف- عز وجل- الرحمة إليه، للإشارة إلى سبقها لغضبه، وأنها تشمل عبادة المؤمنين.
وَأُولئِكَ أى: الذين كفروا بآيات الله وبلقائه لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ لا يعلم مقدار شدته وفظاعته إلا هو- سبحانه-.
ثم قص- سبحانه- بعد ذلك ما قاله قوم إبراهيم له، وما رد به عليهم. فقال- تعالى-:
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٤ ص ١٩٨.
26

[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٤ الى ٢٧]

فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)
فقوله- تعالى-: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ... بيان لما رد به الظالمون على نبيهم إبراهيم- عليه السلام- بعد أن وعظهم ونصحهم وأقام لهم أوضح الأدلة على صدقه فيما يبلغه عن ربه.
ولفظ «جواب» بالنصب، خبر كان، واسمها قوله: إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه..
والمراد بقتله: إزهاق روحه بسيف ونحوه، لتظهر المقابلة بين الإحراق والقتل.
وجاء هنا الترديد بين الأمرين، للاشعار بأن من قومه من أشار بقتله، ومنهم من أشار بإحراقه، ثم اتفقوا جميعا على الإحراق، كما جاء في قوله- تعالى-: قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.
والمعنى: فما كان جواب قوم إبراهيم له، بعد أن نصحهم وظهرت حجته عليهم، إلا أن قالوا فيما بينهم، اقتلوه بالسيف، أو أحرقوه بالنار، لتستريحوا منه، وتريحوا آلهتكم من عدوانه عليها، وتحطيمه لها...
27
وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم، يدل على إسرافهم في الظلم والطغيان والجهالة...
والفاء في قوله- تعالى- فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ فصيحة. أى: فاتفقوا على إحراقه بالنار، وألقوه فيها بعد اشتعالها، فأنجاه الله- تعالى- منها، بأن جعلها بردا وسلاما عليه...
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.. أى: إن في ذلك الذي فعلناه بقدرتنا مع إبراهيم- عليه السلام- حيث أخرجناه سليما من النار لَآياتٍ بينات على وحدانيتنا وقدرتنا، لقوم يؤمنون، بأن الله- تعالى- هو رب العالمين، وأنه له الخلق والأمر.
وجمع- سبحانه- الآيات لأن في نجاة إبراهيم، دلالات متعددة على قدرة الله- تعالى- لا دلالة واحدة، فنجاته من النار وتحويلها عليه إلى برد وسلام آية، وعجز المشركين جميعا عن أن يلحقوا به ضررا آية ثانية، وإصرارهم على كفرهم مع ما شاهدوه، آية ثالثة على أن القلوب الجاحدة تبقى على جحودها حتى مع وجود المعجزات الدالة على صدق من جاء بها من عند الله- تعالى-.
ولذا خص- سبحانه- هذه الآيات، لأنهم هم وحدهم المنتفعون بها.
ثم حكى- سبحانه- ما قاله إبراهيم- عليه السلام- لقومه بعد أن نجاه الله من شرورهم فقال: وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً، مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً.
ولفظ «مودة» وردت فيه قراءات: فقد قرأه بعض القراء السبعة بالنصب، على أنه مفعول به لقوله: اتَّخَذْتُمْ أو على أنه مفعول لأجله، فيكون المعنى:
وقال إبراهيم لقومه: يا قوم إنكم لم تتخذوا هذه الأوثان معبودات لكم عن عقيدة واقتناع بأحقية عبادتها. وإنما اتخذتموها معبودات من أجل المودة فيما بينكم، ومن أجل أن يجامل بعضكم بعضا في عبادتها، على حساب الحق والهدى.
وهذا شأنكم في الدنيا، أما في يوم القيامة، فهذه المودة ستزول لأنها مودة باطلة، وسيكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضا، حيث يتبرأ القادة من الأتباع، والأتباع من القادة.
وَمَأْواكُمُ النَّارُ أى: ومنزلكم الذي تأوون إليه أنتم وأصنامكم يوم القيامة النار وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ يخلصونكم من هذه النار، أو يخففون سعيرها عنكم.
وبعض القراء السبعة قرأ لفظ مَوَدَّةَ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف: أى: أن ما اتخذتموه من عبادة الأوثان، هو مودة بينكم في الحياة الدنيا، أما في الآخرة فسيكفر بعضكم
28
ببعض، ويلعن بعضكم بعضا.
والمقصود من الآية الكريمة، بيان أن هؤلاء المشركين لم يتخذوا الأصنام آلهة، وهم يعتقدون صحة ذلك اعتقادا جازما، وإنما اتخذوها في الدنيا آلهة تارة على سبيل التواد فيما بينهم، وتارة على سبيل التقليد والمسايرة لغيرهم.. أما في الآخرة فستتحول تلك المودات والمسايرات والتقاليد إلى عداوات ومقاطعات وملاعنات...
وقوله- تعالى-: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ... بيان للثمرة الطيبة التي ترتبت على دعوة إبراهيم لقومه، إلى عبادة الله- تعالى- وحده، بعد أن مكث فيهم مدة لا يعلمها إلا الله، وبعد أن أقام لهم ألوانا من الأدلة على أن ما جاءهم به هو الحق، وما هم عليه هو الباطل.
والتعبير بقوله- سبحانه-: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ يشعر بأن لوطا- عليه السلام- وحده، هو الذي لبى دعوة إبراهيم، وصدقه في كل ما أخبر به.
ولوط- عليه السلام- يرى كثير من العلماء أنه ابن أخى إبراهيم- عليه السلام- فهو لوط بن هاران بن آزر.
والضمير في قوله- سبحانه-: وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي... يرى بعضهم أنه يعود إلى لوط، لأنه أقرب مذكور. أى: فآمن لوط لإبراهيم وصدقه في كل ما جاء به، وقال:
إنى مهاجر إلى الجهة التي أمرنى ربي بالهجرة إليها، لأبلغ دعوته، فهو لم يهاجر من أجل منفعة دنيوية، وإنما هاجر من أجل تبليغ أمر ربه، وإعلاء كلمته.
ويرى آخرون أن الضمير يعود إلى إبراهيم- عليه السلام-، لأن الحديث عنه.
قال الآلوسى ما ملخصه: وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي أى: وقال إبراهيم: إنى مهاجر، أى: من قومي، إلى ربي.. أى إلى الجهة التي أمرنى بأن أهاجر إليها إِنَّهُ- عز وجل- هُوَ الْعَزِيزُ الغالب على أمره... الْحَكِيمُ الذي لا يفعل فعلا إلا وفيه حكمة ومصلحة..
وقيل: الضمير في وَقالَ للوط- عليه السلام-، وليس بشيء لما يلزم عليه من التفكيك» «١».
ثم بين- سبحانه- بعض النعم التي أنعم بها على نبيه إبراهيم، بعد أن هاجر من العراق إلى بلاد الشام لتبليغ رسالة ربه إلى الناس فقال: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ، وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ....
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ١٥٢.
29
أى: ووهبنا لإبراهيم- بعد أن هاجر ومعه زوجه «سارة» وابن أخيه «لوط» - وهبنا له ابنه إسحاق، ووهبنا لإسحاق يعقوب، وجعلنا بفضلنا ورحمتنا، في ذرية إبراهيم النبوة، إذ من نسله جميع الأنبياء من بعده، كما جعلنا في ذريته- أيضا- الكتب التي أنزلناها على الأنبياء من بعده، كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن.
فالمراد بالكتاب هنا: الكتب السماوية التي أنزلها- سبحانه- على موسى وعيسى وداود ومحمد- صلوات الله عليه-، وهم جميعا من نسل إبراهيم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما بال إسماعيل لم يذكر، وذكر إسحاق ويعقوب؟
قلت: قد دل عليه في قوله: وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وكفى الدليل لشهرة أمره، وعلو قدره.
فإن قلت: ما المراد بالكتاب؟ قلت: قصد به جنس الكتاب، حتى دخل تحته ما نزل على ذريته من الكتب الأربعة، التي هي: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن» «١».
وقوله- سبحانه-: وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا بيان لنعمة أخرى أنعم بها- سبحانه- على نبيه إبراهيم- عليه السلام-.
أى: وهبنا له الذرية الصالحة، وجعلنا في ذريته النبوة والكتب السماوية، وآتيناه أجره على أعماله الصالحة في الدنيا، بأن رزقناه الزوجة الصالحة، والذكر الحسن بعد وفاته.
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ الذين نعطيهم فيها أجزل العطاء وأوفاه.
وهكذا جمع الله- تعالى- بفضله وإحسانه، لنبيه إبراهيم، خيرى الدنيا والآخرة، جزاء إيمانه العميق، وعمله الصالح، ووفائه في تبليغ رسالة ربه.
وبمناسبة الحديث عن قصة إبراهيم مع قومه، جاء بعد ذلك الحديث عن جانب من قصة لوط مع قومه. لوط- عليه السلام- الذي آمن بإبراهيم وهاجر معه إلى بلاد الشام..
قال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٢٨ الى ٣٥]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)
وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٤٥١.
30
وقوله- سبحانه-: وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ.. منصوب بالعطف على إبراهيم في قوله- تعالى-: وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ.. أو بفعل مضمر.
أى: واذكر- أيها العاقل لتعتبر وتتعظ- نبينا لوطا- عليه السلام- وقت أن قال لقومه على سبيل الزجر والتوبيخ والإنكار لما هم عليه من فعل قبيح:
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أى: إنكم لتفعلون الفعلة
31
البالغة أقصى دركات القبح والفحش، والتي ما فعلها أحد قبلكم، بل أنتم أول من ابتدعها، وهي إتيان الذكور دون الإناث.
قال عمر بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.
وقال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله- تعالى- قد قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكرا يعلو ذكرا.
وجاء قوله- عليه السلام- مؤكدا بجملة من المؤكدات، لتسجيل هذه الفاحشة عليهم بأقوى أسلوب، وبأنهم لم يسبقهم أحد إلى ارتكابها.
وقوله- سبحانه-:
أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ بيان لتلك الفاحشة التي كانوا يقترفونها، والاستفهام للتأنيب والتقريع.
والسبيل: الطريق. والنادي: اسم جنس للمكان الذي يجتمع فيه الناس لأمر من الأمور، أى: أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، وتقطعون الطريق على المارة، بأن تنتهبوا أموالهم، أو بأن تكرهوهم إكراها على ارتكاب الفاحشة معهم، أو بأن تعتدوا عليهم بأى صورة من الصور، وفضلا عن كل ذلك فإنكم ترتكبون المنكرات في مجالسكم الخاصة، وفي نواديكم التي تتلاقون فيها.
فأنت ترى أن نبيهم- عليه السلام- قد وصفهم بأوصاف، كل صفة أقبح من سابقتها، والباعث لهم على ارتكاب تلك المنكرات، هو انتكاس فطرتهم، وفساد نفوسهم، وشذوذ شهواتهم.
فماذا كان جوابهم على نبيهم- عليه السلام-؟ لقد كان جوابهم في غاية التبجح والسفاهة، وقد حكاه القرآن في قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
أى: فما كان جواب قوم لوط عليه، إلا أن قالوا له على سبيل الاستخفاف بوعظه وزجره: ائتنا يا لوط بعذاب الله الذي تتوعدنا به، إن كنت صادقا في دعواك أنك رسول، وفي دعواك أن عذابا سينزل علينا، بسبب أفعالنا هذه التي ألفناها وأحببناها.
وهكذا نرى أن هؤلاء المجرمين، قد قابلوا نصح نبيهم تارة بالاستخفاف والاستهزاء كما هنا، وتارة بالتهديد والوعيد، كما في قوله- تعالى-: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ «١».
(١) سورة النمل. الآية ٥٦.
32
ولذا لجأ لوط- عليه السلام- إلى ربه، يلتمس منه النصرة والعون فقال: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ، أى: انصرني بأن تنزل عذابك على هؤلاء القوم المفسدين، الذين مردوا على ارتكاب فواحش، لم يسبقهم بها من أحد من العالمين.
وأجاب الله- تعالى- دعاء نبيه لوط- عليه السلام-، وأرسل- سبحانه- ملائكته لنبيه إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق. قبل أن ينفذوا عذاب الله في قوم لوط، قال- تعالى-:
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ أى: وحين جاء الملائكة إلى إبراهيم ليبشروه بابنه إسحاق: قالوا له: يا إبراهيم، إنا مرسلون من ربك لإهلاك أهل هذه القرية وهي قرية سدوم التي يسكنها قوم لوط، والسبب في ذلك إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ، حيث أتوا بفاحشة لم يسبقهم إليها أحد، وقطعوا الطريق على الناس، واقترفوا في مجالسهم المنكرات.
وهنا قال لهم إبراهيم- عليه السلام- بخشيته وشفقته: إِنَّ فِيها لُوطاً أى: إن في هذه القرية التي جئتم لإهلاكها لوطا، وهو نبي من أنبياء الله الصالحين فكيف تهلكونها وهو معهم فيها؟ وهنا رد عليه الملائكة بما يزيل خشيته فقالوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها من الأخيار ومن الأشرار، ومن المؤمنين ومن الكافرين.
لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أى: اطمئن يا إبراهيم فإن الله- تعالى- قد أمرنا أن ننجي لوطا وأن ننجي معه من الهلاك أهله المؤمنين، إلا امرأته فستبقى مع المهلكين، لأنها منهم، بسبب خيانتها للوط- عليه السلام- حيث كانت تقر جرائم قومها، ولا تعمل على إزالتها وإنكارها، كما هو شأن الزوجات الصالحات.
والغابر: الباقي. يقال: غبر الشيء يغبر غبورا، أى: بقي، وقد يستعمل فيما مضى- أيضا- فيكون من الأضداد. ومنه قولهم: هذا الشيء حدث في الزمن الغابر. أى:
الماضي.
ثم بين- سبحانه- حال لوط- عليه السلام- بعد أن وصل إليه الملائكة لينفذوا قضاء الله- تعالى- في قومه، فقال- عز وجل-: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ. وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً.
و «أن» هنا مزيدة لتأكيد المجيء. و «سىء بهم» أى: اعترته المساءة والأحزان بسبب مجيئهم، لخوفه من اعتداء قومه عليهم.
33
قال القرطبي: والذرع مصدر ذرع. وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا، على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك، وضعف ومد عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع... وإنما ضاق ذرعه بهم، لما رأى من جمالهم، وما يعلمه من فسوق قومه..» «١». أى: وحين جاءت الملائكة إلى لوط- عليه السلام- ورآهم، ساءه وأحزنه مجيئهم، لأنه كان لا يعرفهم، ويعرف أن قومه قوم سوء، فخشي أن يعتدى قومه عليهم.
وهو لا يستطيع الدفاع عن هؤلاء الضيوف.
والتعبير بقوله- سبحانه- وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً: تعبير بليغ، وتصوير بديع لنفاد حيلته، واغتمام نفسه، وعجزه عن وجود مخرج للمكروه الذي حل به. و «ذرعا» تمييز محول عن الفاعل، أى: ضاق بأمرهم ذرعه.
ولاحظ الملائكة- عليهم السلام- على لوط قلقه وخوفه، فقالوا له على سبيل التبشير وإدخال الطمأنينة على نفسه، يا لوط: لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ أى: لا تخف علينا من قومك، ولا تحزن لمجيئنا إليك بتلك الصورة المفاجئة.
ثم أفصحوا له عن مهمتهم فقالوا: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ.
أى: إنا منجوك وأهلك المؤمنين من العذاب الذي ننزله بقومك، إلا امرأتك فسيدركها العذاب مع قومك، وستهلك مع الهالكين بسبب تواطئها معهم، ورضاها بأفعالهم القبيحة.
ثم أخبروه بالكيفية التي ينزل بها العذاب على قومه فقالوا: إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ.
والرجز: العذاب الذي يزعج المعذب به ويجعله في حالة اضطراب وهلع. يقال: ارتجز فلان، إذا اضطرب وانزعج.
أى: إنا منزلون بأمر الله- تعالى- وإرادته، على أهل هذه القرية- وهي قرية سدوم التي كان يسكنها قوم لوط- رِجْزاً مِنَ السَّماءِ أى: عذابا شديدا كائنا من السماء، بحيث لا يملكون دفعه أو النجاة منه، بسبب فسوقهم عن أمر ربهم، وخروجهم عن طاعته.
ثم بين- سبحانه- أن حكمته قد اقتضت. أن يجعل آثار هؤلاء الظالمين باقية بعدهم، لتكون عبرة وعظة لغيرهم فقال: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
(١) تفسير القرطبي ج ٩ ص ٧٤.
34
أى: ولقد تركنا من هذه القرية بعد تدميرها، علامة بينة، وآية واضحة. تدل على هلاك أهلها، حتى تكون عبرة لقوم يستعملون عقولهم في التدبر والتفكر.
قال ابن كثير: وذلك أن جبريل- عليه السلام- اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل مكانها. بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد، ولهذا قال: وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ كما قال: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
«١».
ثم ساق- سبحانه- جانبا من قصة شعيب وهود وصالح- عليهم السلام- مع أقوامهم، وكيف أن هؤلاء الأقوام قد كانت عاقبتهم خسرا، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٦ الى ٤٠]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٨٧. [.....]
35
وقوله- سبحانه-: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً.. معطوف على مقدر محذوف، لدلالة ما قبله عليه. ومدين: اسم للقبيلة التي تنسب إلى مدين بن إبراهيم- عليه السلام-. وكانوا يسكنون في المنطقة التي تسمى معان بين حدود الحجاز والشام.
وقد أرسل الله- تعالى- إليهم شعيبا- عليه السلام- ليأمرهم بعبادة الله- تعالى- وحده، ولينهاهم عن الرذائل التي كانت منتشرة فيهم، والتي من أبرزها التطفيف في المكيال والميزان.
والمعنى: وكما أرسلنا نوحا إلى قومه، وإبراهيم إلى قومه، أرسلنا إلى أهل مدين، رسولنا شعيبا- عليه السلام-.
فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أى: فقال لهم ناصحا ومرشدا، الكلمة التي قالها كل نبي لأمته: يا قوم اعبدوا الله- تعالى- وحده، واتركوا ما أنتم عليه من شرك.
وقال لهم- أيضا: وارجوا النجاة من أهوال يوم القيامة، بأن تستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح، ولا تعثوا في الأرض مفسدين، فإن الإفساد في الأرض ليس من شأن العقلاء، وإنما هو من شأن الجهلاء الجاحدين لنعم الله- تعالى-. يقال: عثى فلان في الأرض يعثو ويعثى- كقال وتعب-، إذا ارتكب أشد أنواع الفساد فيها.
فأنت ترى أن شعيبا- عليه السلام- وهو خطيب الأنبياء- كما جاء في الحديث الشريف، قد أمر قومه بإخلاص العبادة لله، وبالعمل الصالح الذي ينفعهم في أخراهم، ونهاهم عن الإفساد في الأرض، فماذا كان موقفهم منه؟
كان موقفهم منه: التكذيب والإعراض، كما قال- سبحانه-: فَكَذَّبُوهُ أى: فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه.
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أى: فأهلكهم الله- تعالى- بسبب تكذيبهم لنبيهم بالرجفة، وهي الزلزلة الشديدة. يقال: رجفت الأرض، إذا اضطربت اضطرابا شديدا.
36
ولا تعارض هنا بين قوله- تعالى-: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وبين قوله- سبحانه- في سورة هود: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ لأنه يجوز أن الله- تعالى- جعل لإهلاكهم سببين:
الأول: أن جبريل- عليه السلام- صاح بهم صيحة شديدة أذهلتهم، ثم رجفت بهم الأرض فأهلكتهم. وبعضهم قال: إن الرجفة والصيحة بمعنى واحد.
وقوله- تعالى-: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ بيان لما آل إليه أمرهم بعد هلاكهم.
والمراد بدارهم: مساكنهم التي يسكنونها، أو قريتهم التي يعيشون بها وقوله:
جاثِمِينَ من الجثوم، وهو للناس والطيور بمنزلة البروك للإبل. يقال: جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم- من باب ضرب-، إذا وقع على صدره ولزم مكانه فلم يبرحه.
أى: فأصبحوا في مساكنهم هامدين ميتين لا تحس لهم حركة، ولا تسمع لهم ركزا.
ثم أشار- سبحانه- بعد ذلك إلى مصارع عاد وثمود فقال: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ.
وعاد: هم قوم هود- عليه السلام- وكانوا يسكنون بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية، بالقرب من حضرموت.
وثمود: هم قوم صالح- عليه السلام- وكانت مساكنهم بشمال الجزيرة العربية، وما زالت مساكنهم تعرف حتى الآن بقرى صالح.
أى: وأهلكنا عادا وثمود بسبب كفرهم وعنادهم، كما أهلكنا غيرهم، والحال أنه قد تبين لكم- يا أهل مكة- وظهر لكم بعض مساكنهم، وأنتم تمرون عليهم في رحلتي الشتاء والصيف.
فقوله- سبحانه-: وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ المقصود منه غرس العبرة والعظة في نفوس مشركي مكة، عن طريق المشاهدة لآثار المهلكين، فإن مما يحمل العقلاء على الاعتبار، مشاهدة آثار التمزيق والتدمير، بعد القوة والتمكين.
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ السيئة. بسبب وسوسته وتسويله، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ الحق، وعن الطريق المستقيم.
وَكانُوا أى: عادا وثمود مُسْتَبْصِرِينَ أى: وكانت لهم عقول يستطيعون التمييز بها بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ولكنهم لم يستعملوها فيما خلقت له، وإنما استحبوا العمى على الهدى، وآثروا الغي على الرشد، فأخذهم الله- تعالى- أخذ عزيز مقتدر.
37
وقوله- تعالى-: مُسْتَبْصِرِينَ من الاستبصار، بمعنى التمكن من تعقل الأمور، وإدراك خيرها من شرها، وحقها من باطلها.
ثم أشار- سبحانه- إلى ما حل بقارون وفرعون وهامان فقال: وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ أى: وأهلكنا- أيضا- قارون، وهو الذي كان من قوم موسى فبغى عليهم، كما أهلكنا فرعون الذي قال لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وهامان الذي كان وزيرا لفرعون وعونا له في الكفر والظلم والطغيان.
قال الآلوسى: وتقديم قارون، لأن المقصود تسلية النبي ﷺ فيما لقى من قومه لحسدهم له، وقارون كان من قوم موسى- عليه السلام- وقد لقى منه ما لقى. أو لأن حال قارون أوفق بحال عاد وثمود، فإنه كان من أبصر الناس وأعلمهم بالتوراة، ولكنه لم يفده الاستبصار شيئا، كما لم يفدهم كونهم مستبصرين شيئا.. «١».
ثم بين- سبحانه- ما جاءهم به موسى- عليه السلام- وموقفهم منه فقال: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ أى: جاءهم جميعا بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه.
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ أى: فاستكبر قارون وفرعون وهامان في الأرض. وأبوا أن يؤمنوا بموسى، بل وصفوه بالسحر وبما هو برىء منه.
وَما كانُوا سابِقِينَ أى: وما كانوا بسبب استكبارهم وغرورهم هذا، هاربين أو ناجين من قضائنا فيهم، ومن إهلاكنا لهم.
فقوله: سابِقِينَ من السبق، بمعنى التقدم على الغير. يقال فلان سبق طالبه، إذا تقدم عليه دون أن يستطيع هذا الطالب إدراكه.
والمراد أن قارون وفرعون وهامان، لم يستطيعوا- رغم قوتهم وغنائهم- أن يفلتوا من عقابنا، بل أدركهم عذابنا إدراكا تاما فأبادهم وقضى عليهم.
ثم ختم- سبحانه- الحديث عن هؤلاء المكذبين، ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف، فقال: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ.
أى: فكلا من هؤلاء المذكورين كقوم نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وهود وصالح، وكقارون وفرعون وهامان وأمثالهم: كلا من هؤلاء الظالمين أخذناه وأهلكناه بسبب ذنوبه التي أصر عليها دون أن يرجع عنها.
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ١٥٨.
38
فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً أى: فمن هؤلاء الكافرين من أهلكناه، بأن أرسلنا عليه ريحا شديدة رمته بالحصباء فأهلكته.
قال القرطبي: قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً يعنى قوم لوط. والحاصب ريح يأتى بالحصباء، وهي الحصى الصغار. وتستعمل في كل عذاب «١».
وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ كما حدث لقوم صالح وقوم شعيب- عليهما السلام-.
وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وهو قارون.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا كما فعلنا مع قوم نوح ومع فرعون وقومه.
وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أى: وما كان الله- تعالى- مريدا لظلمهم، لأنه- سبحانه- اقتضت رحمته وحكمته، أن لا يعذب أحدا بدون ذنب ارتكبه.
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أى: ما ظلم الله- تعالى- هؤلاء المهلكين، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، وعرضوها للدمار، بسبب إصرارهم على كفرهم، واتباعهم للهوى والشيطان.
وبذلك نرى الآيات قد قصت على الناس مصارع الغابرين، الذين كذبوا الرسل، وحاربوا دعوة الحق، ليكون في هذا القصص عبرة للمعتبرين، وذكرى للمتذكرين.
ثم ضرب الله مثلا، لمن يتخذ آلهة من دونه: وتوعد من يفعل ذلك بأشد أنواع العذاب، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤١ الى ٤٣]
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣)
(١) تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٣٤٤.
39
والمثل والمثل: النظير والشبيه، ثم أطلق المثل على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه- وهو الذي يضرب فيه- لمورده- وهو الذي ورد فيه أولا- ولا يكون إلا فيما فيه غرابة- ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة، إذا كان لها شأن عجيب، وفيها غرابة. وعلى هذا المعنى يحمل المثل هنا.
وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى، وتقريب الشيء المعقول من الشيء المحسوس، وعرض الغائب في صورة الحاضر، فيكون المعنى الذي ضرب له المثل، أوقع في القلوب، وأثبت في النفوس.
والعنكبوت: حشرة معروفة، تنسج لنفسها في الهواء بيتا رقيقا ضعيفا، لا يغنى عنها شيئا، وتطلق هذه الكلمة على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث والغالب في استعمالها التأنيث. والواو والتاء زائدتان، كما في لفظ طاغوت.
والمعنى: حال هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله- تعالى- أصناما يعبدونها، ويرجون نفعها وشفاعتها... كحال العنكبوت في اتخاذها بيتا ضعيفا مهلهلا، لا ينفعها لا في الحر ولا في القر، ولا يدفع عنها شيئا من الأذى.
فالمقصود من المثل تجهيل المشركين وتقريعهم، حيث عبدوا من دون الله- تعالى- آلهة، هي في ضعفها ووهنها تشبه بيت العنكبوت، وأنهم لو كانوا من ذوى العلم لما عبدوا تلك الآلهة.
قال صاحب الكشاف: الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلا ومعتمدا في دينهم، وتولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة. وهو نسج العنكبوت. ألا ترى إلى مقطع التشبيه، وهو قوله: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ.
فإن قلت: ما معنى قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وكل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟
قلت: معناه، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن... » «١».
وقال الآلوسى: قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أى: لو كانوا يعلمون شيئا من الأشياء، لعلموا أن هذا مثلهم، أو أن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. و «لو» شرطية، وجوابها محذوف، وجوز بعضهم كونها للتمني فلا جواب لها، وهو غير ظاهر» «٢».
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٥٤.
(٢) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ١٦٢.
40
ثم بين- سبحانه- أن علمه شامل لكل شيء، وأنه سيجازى هؤلاء المشركين بما يستحقونه من عقاب فقال: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
و «ما» موصولة، وهي مفعول يعلم، والعائد محذوف، و «من شيء» بيان لما.
أى: إن الله- تعالى- يعلم علما تاما الذي يعبده هؤلاء المشركون من دونه، سواء أكان ما يعبدونه من الجن أم من الإنس أم من الجمادات أم من غير ذلك، وَهُوَ- سبحانه- الْعَزِيزُ أى: الغالب على كل شيء الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله.
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ التي سقناها في كتابنا العزيز، والتي من بينها المثال السابق.
نَضْرِبُها لِلنَّاسِ على سبيل الإرشاد والتنبيه والتوضيح.
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ أى: وما يعقل هذه الأمثال، ويفهم صحتها وحسنها، إلا الراسخون في العلم، المتدبرون في خلق الله- تعالى-، الفاقهون لما يتلى عليهم.
ثم ذكر- سبحانه- ما يدل على عظيم قدرته، وأمر نبيه ﷺ بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم، ومن الصلاة، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٤ الى ٤٥]
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)
أى: خلق الله- تعالى- السموات والأرض بالحق الذي لا باطل معه، وبالحكمة التي لا يشوبها عبث أو لهو، حتى يكون هذا الخلق متفقا مع مصالح عبادنا ومنافعهم..
ومن مظاهر ذلك، أنك لا ترى- أيها العاقل- في خلق الرحمن من تفاوت أو تصادم، أو اضطراب.
واسم الإشارة في قوله- تعالى-: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يعود إلى خلق السموات والأرض، وما اشتملتا عليه من بدائع وعجائب.
41
أى: إن في ذلك الذي خلقناه بقدرتنا، من سماوات مرتفعة بغير عمد، ومن أرض مفروشة بنظام بديع، ومن عجائب لا يحصيها العد في هذا الكون، إن في كل ذلك لآية بينة، وعلامة واضحة، على قدرة الله- عز وجل-.
وخص المؤمنين بالذكر، لأنهم هم المتدبرون في هذه الآيات والدلائل، وهم المنتفعون بها في التعرف على وحدانية الله وقدرته، وعلى حسن عبادته وطاعته.
والمقصود بالتلاوة في قوله- تعالى-: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ: القراءة المصحوبة بضبط الألفاظ، وبتفهم المعاني. والخطاب للرسول ﷺ ويشمل كل من آمن به. أى: اقرأ- أيها الرسول الكريم- ما أوحينا إليك من آيات هذا القرآن قراءة تدبر واعتبار واتعاظ، وداوم على ذلك، ومر أتباعك أن يقتدوا بك في المواظبة على هذه القراءة الصحيحة النافعة.
وَأَقِمِ الصَّلاةَ أى: وواظب على إقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع وإخلاص واطمئنان، وعلى المؤمنين أن يقتدوا بك في ذلك.
وقوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ تعليل للأمر بالمحافظة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص. أى: داوم- أيها الرسول الكريم- على إقامة الصلاة بالطريقة التي يحبها الله- تعالى-، فإن من شأن الصلاة التي يؤديها المسلم في أوقاتها بخشوع وإخلاص، أن تنهى مؤديها عن ارتكاب الفحشاء- وهي كل ما قبح قوله وفعله-، وعن المنكر- وهو كل ما تنكره الشرائع والعقول السليمة-.
قال الجمل: «ومعنى نهيها عنهما، أنها سبب الانتهاء عنهما، لأنها مناجاة لله- تعالى-، فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته، وإعراض كلى عن معاصيه.
قال ابن مسعود: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصى الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا..
وروى عن أنس- رضى الله عنه- أن فتى من الأنصار، كان يصلى مع النبي ﷺ ثم يأتى الفواحش، فذكر للنبي ﷺ فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله»
«١».
والخلاصة: أن من شأن الصلاة المصحوبة بالإخلاص والخشوع وبإتمام سننها وآدابها، أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإن وجدت إنسانا يؤدى الصلاة، ولكنه مع ذلك يرتكب
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٣٧٧.
42
بعض المعاصي، فأقول لك: إن الذنب ليس ذنب الصلاة، وإنما الذنب ذنب هذا المرتكب للمعاصي، لأنه لم يؤد الصلاة أداء مصحوبا بالخشوع والإخلاص... وإنما أداها دون أن يتأثر بها قلبه.. ولعلها تنهاه في يوم من الأيام ببركة مداومته عليها، كما جاء في الحديث الشريف:
«إن الصلاة ستنهاه».
وقوله- سبحانه-: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ أى: ولذكر الله- تعالى- بجميع أنواعه من تسبيح وتحميد وتكبير وغير ذلك من ألوان العبادة والذكر، أفضل وأكبر من كل شيء آخر، لأن هذا الذكر لله- تعالى- في كل الأحوال، دليل على صدق الإيمان، وحسن الصلة بالله- تعالى-.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله- تعالى-: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، قال ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر.. أى: ولذكر الله- تعالى- إياكم، أكبر من ذكركم إياه- سبحانه-..
وروى عن جماعة من السلف أن المعنى: ولذكر العبد لله- تعالى-، أكبر من سائر الأعمال.
أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال: ما عمل ابن آدم عملا أنجى له من عذاب الله يوم القيامة، من ذكر الله- تعالى-..
وقيل: المراد بذكر الله: الصلاة. كما في قوله- تعالى-: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ، أى: إلى الصلاة، فيكون المعنى: وللصلاة أكبر من سائر الطاعات، وإنما عبر عنها به، للإيذان بأن ما فيها من ذكر الله- تعالى- هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات، ناهية عن السيئات» «١».
ويبدو لنا أن المراد بذكر الله- تعالى- هنا: ما يشمل كل قول طيب وكل فعل صالح، يأتيه المسلم بإخلاص وخشوع، وعلى رأس هذه الأقوال والأفعال: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، والصلاة وما اشتملت عليه من أقوال وأفعال..
وأن المسلم متى أكثر من ذكر الله- تعالى-، كان ثوابه- سبحانه- له، وثناؤه عليه، أكبر وأعظم من كل قول ومن كل فعل.
وقوله- سبحانه-: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ تذييل قصد به الترغيب في إخلاص العبادة لله، والتحذير من الرياء فيها.
(١) تفسير الآلوسى ج ٢٠ ص ١٦٥.
43
أى: داوموا- أيها المؤمنون. على تلاوة القرآن الكريم، بتدبر واعتبار، وأقيموا الصلاة في أوقاتها بخشوع وخضوع، وأكثروا من ذكر الله- تعالى- في كل أحوالكم، فإن الله- تعالى- يعلم ما تفعلونه وما تصنعونه من خير أو شر، وسيجازى- سبحانه- الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى..
ثم أمر الله- تعالى- رسوله والمؤمنين. أن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ما داموا لم يرتكبوا ظلما، وأقام- سبحانه- الأدلة على أن هذا القرآن من عنده وحده، فقال:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٦ الى ٤٩]
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩)
«١» والمجادلة: المخاصمة. يقال: جادل فلان فلانا، إذا خاصمه، وحرص كل واحد منهما على أن يغلب صاحبه بقوة حجته. أى: ولا تجادلوا- أيها المؤمنون- غيركم من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، إلا بالطريقة التي هي أحسن، بأن ترشدوهم إلى طريق
(١) أول الجزء الحادي والعشرين.
44
الحق بأسلوب لين كريم، كما قال- تعالى- في آية أخرى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. «١».
وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ استثناء من الذين يجادلون بالتي هي أحسن.
أى: ناقشوهم وأرشدوهم إلى الحق بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم. بأن أساءوا إليكم، ولم يستعملوا الأدب في جدالهم، فقابلوهم بما يليق بحالهم من الإغلاظ والتأديب.
وعلى هذا التفسير يكون المقصود بالآية الكريمة، دعوة المؤمنين إلى استعمال الطريقة الحسنى في مجادلتهم لأهل الكتاب عموما، ما عدا الظالمين منهم فعلى المؤمنين أن يعاملوهم بالأسلوب المناسب لردعهم وزجرهم وتأديبهم.
وقيل: المراد بأهل الكتاب هنا: المؤمنون منهم، والمراد بالذين ظلموا: من بقي على الكفر منهم.
فيكون المعنى: ولا تجادلوا- أيها المؤمنون- من آمن من أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين بقوا على كفرهم فعاملوهم بما يليق بحالهم من التأديب والإغلاظ عليهم.
ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأرجح والأظهر، لأن الآية مسوقة لتعليم المؤمنين كيف يجادلون من بقي على دينه من أهل الكتاب، ولأن من ترك كفره منهم ودخل في الإسلام أصبح مسلما وليس من أهل الكتاب، وما دام الأمر كذلك فليس المسلمون في حاجة إلى إرشادهم إلى كيفية مجادلته، ولأن قوله- تعالى- بعد ذلك:
وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يرجح أن المراد بأهل الكتاب هنا من بقي على دينه منهم.
أى: جادلوهم بالطريقة الحسنى ماداموا لم يظلموكم، وقولوا لهم على سبيل التعليم والإرشاد «آمنا بالذي أنزل إلينا» وهو القرآن، وآمنا بالذي أنزل إليكم من التوراة والإنجيل.
قال الشوكانى: أى: آمنا بأنهما منزلان من عند الله، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإسلامية، والبعثة المحمدية ولا يدخل في ذلك ما حرفوه وبدلوه، «٢».
وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته وَنَحْنُ جميعا معاشر المؤمنين لَهُ مُسْلِمُونَ أى: مطيعون وعابدون له وحده، ولا نتخذ أربابا من دونه- عز وجل-.
(١) سورة النحل. الآية ١٢٥.
(٢) تفسير فتح القدير ج ٤ ص ٢٠٥.
45
قال القرطبي ما ملخصه: اختلف العلماء في قوله- تعالى-: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ.. فقال مجاهد: هي محكمة، فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، على معنى الدعاء لهم إلى الله- عز وجل-، والتنبيه على حججه وآياته... وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أى ظلموكم..
وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال وهي قوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...
وقول مجاهد: حسن، لأن أحكام الله- عز وجل- لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة من معقول... » «١».
ثم بين- سبحانه- موقف الناس من هذا الكتاب الذي أنزله على نبيه ﷺ فقال:
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ، فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ...
والكاف بمعنى مثل: واسم الإشارة يعود إلى المصدر المفهوم من أنزلنا. أى: ومثل ذلك الإنزال المعجز البديع، أنزلنا إليك الكتاب- أيها الرسول الكريم- ليكون هداية للناس، فالذين آتيناهم الكتاب الشامل للتوراة والإنجيل وعقلوه وفتحوا قلوبهم للحق، يؤمنون بهذا الكتاب الذي نزل عليك، وهو القرآن.
فالمراد بالذين أوتوا الكتاب: المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله. والمراد بالكتاب جنسه. والضمير في «به» يعود إلى القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله محمد ﷺ وخص هؤلاء المؤمنين منهم بإيتاء الكتاب، على سبيل المدح لهم. لأنهم انتفعوا بما أوتوه من علم وعملوا بمقتضاه، أما غيرهم ممن بقي على كفره، فلكونه لم ينتفع بما في الكتاب من هدايات، فكأنه لم يره أصلا.
وقوله: وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أى: ومن هؤلاء العرب الذين أرسلت إليهم- أيها الرسول الكريم- من يؤمن بهذا القرآن الذي أنزلناه إليك.
و «من» للتبعيض، لأنهم لم يؤمنوا جميعا، وإنما آمن منهم من هداه الله- تعالى- إلى الصراط المستقيم.
وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدقك فيما تبلغه عنا، إِلَّا الْكافِرُونَ أى: إلا الموغلون في الكفر، المصرون عليه إصرارا تاما.
والجحود: إنكار الحق مع معرفة أنه حق.
(١) تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٢٥٠.
46
وعبر عن الكتاب بالآيات، للإشعار بأنها في غاية الظهور والدلالة على كونها من عند الله- تعالى-، وأنه ما يكذب بها إلا من غطى الحق بالباطل عن تعمد وإصرار.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن من الناس من قابل هذا القرآن بالتصديق والإذعان، ومنهم من قابله بالجحود والنكران.
ثم ساق- سبحانه- أبلغ الأدلة وأوضحها على أن هذا القرآن من عنده- تعالى-، فقال: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ.
أى: أنت- أيها الرسول الكريم- ما كنت في يوم من الأيام قبل أن ننزل عليك هذا القرآن- تاليا لكتاب من الكتب، ولا عارفا للكتابة، ولو كنت ممن يعرف القراءة والكتابة، لارتاب المبطلون في شأنك، ولقالوا إنك نقلت هذا القرآن بخطك من كتب السابقين.
ومِنْ في قوله مِنْ كِتابٍ لتأكيد نفى كونه ﷺ قارئا لأى كتاب من الكتب قبل نزول القرآن عليه.
وقوله: وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ لتأكيد نفى كونه ﷺ يعرف الكتابة أو الخط.
قال الإمام ابن كثير: وهكذا صفته ﷺ في الكتب المتقدمة، كما قال- تعالى-:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ.. وهكذا كان صلوات الله وسلامه عليه- إلى يوم القيامة، لا بحسن الكتابة، ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده، بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحى والرسائل إلى الأقاليم... » «١».
والمراد بالمبطلين، كل من شك في كون هذا القرآن من عند الله- تعالى-، سواء أكان من مشركي مكة أم من غيرهم.
وسماهم- سبحانه- مبطلين، لأن ارتيابهم ظاهر بطلانه ومجانبته للحق، لأن الرسول ﷺ قد لبث فيهم قبل النبوة أربعين سنة، يعرفون حسبه ونسبه، ويعلمون حق العلم أنه أمى لا يعرف الكتابة والقراءة.
ثم بين- سبحانه- حقيقة هذا الكتاب المعجز فقال: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ....
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٩٥.
47
أى: هذا الكتاب ليس أساطير الأولين اكتتبها الرسول ﷺ كما زعم المبطلون-، بل هو آيات بينات واضحات راسخات، في صدور المؤمنين به، الذين حفظوه وتدبروه وعملوا بتوجيهاته وإرشاداته، وعملوا بما فيه من حكم وأحكام وعقائد وآداب.
ووصف الله- تعالى- المؤمنين بهذا القرآن بالعلم على سبيل المدح لهم، والإعلاء من شأنهم، حيث استطاعوا عن طريق ما وهبهم- سبحانه- من علم نافع، أن يوقنوا بأن هذا من عند الله، ولو كان من عند غير الله، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
وقوله- سبحانه-: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ تذييل المقصود به ذم الذين تجاوزوا كل حق وصدق في أحكامهم وتصرفاتهم.
أى: وما يجحد آياتنا مع وضوحها وسطوعها، وينكر كونها من عند الله- تعالى-، إلا الظالمون المتجاوزون لكل ما هو حق، ولكل ما هو صدق.
ثم قصت علينا السورة الكريمة بعد ذلك طرفا من أقوال المشركين الفاسدة وأمرت الرسول ﷺ أن يرد عليهم بما يزهق باطلهم، كما قصت علينا لونا من ألوان جهالاتهم، حيث استعجلوا العذاب الذي لا يستعجله عاقل. فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٠ الى ٥٥]
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤)
يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
48
ومرادهم بالآيات في قوله- تعالى-: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ الآيات الكونية، كعصا موسى، وناقة صالح. ولولا حرف تحضيض بمعنى هلا.
أى: وقال المبطلون للنبي ﷺ على سبيل التعنت والعناد، هلا جئتنا يا محمد بمعجزات حسية كالتي جاء بها بعض الأنبياء من قبلك، لكي نؤمن بك ونتبعك؟
وقوله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إرشاد من الله- تعالى- لنبيه ﷺ إلى ما يرد به عليهم.
أى: قل- أيها الرسول الكريم- في ردك على هؤلاء الجاهلين، إنما الآيات التي تريدونها عند الله- تعالى- وحده، ينزلها حسب إرادته وحكمته، أما أنا فإن وظيفتي الإنذار الواضح بسوء مصير من أعرض عن دعوتي، وليس من وظيفتي أن أقترح على الله- تعالى- شيئا.
وقوله- سبحانه-: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ.. كلام مستأنف من جهته- تعالى- لتوبيخهم على جهالاتهم، والاستفهام للإنكار، والواو للعطف على مقدر.
والمعنى: أقالوا ما قالوا من باطل وجهل، ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب الناطق بالحق، يتلى على مسامعهم صباح مساء، ويهديهم إلى ما فيه سعادتهم، لو تدبروه وآمنوا به، واتبعوا أوامره ونواهيه؟
والتعبير بقوله- سبحانه-: يُتْلى عَلَيْهِمْ، يشير إلى أن هذه التلاوة متجددة عليهم، وغير منقطعة عنهم، وكان في إمكانهم أن ينتفعوا بها لو كانوا يعقلون.
ولذا ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
أى: إن في ذلك الكتاب الذي أنزلناه عليك- أيها الرسول الكريم-، والذي تتلوه عليهم صباح مساء، لرحمة عظيمة، وذكرى نافعة، لقوم يؤمنون بالحق، ويفتحون عقولهم للرشد، لا للتعنت والجحود والعناد.
49
ثم أرشده- سبحانه- إلى جواب آخر يرد به عليهم فقال: قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً. أى: قل- أيها الرسول الكريم- لهؤلاء الجاهلين: يكفيني كفاية تامة أن يكون الله- تعالى- وحده، هو الشهيد بيني وبينكم على أنى صادق فيما أبلغه عنه، وعلى أن هذا القرآن من عنده.
وهو- سبحانه- يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ علما لا يعزب عنه شيء، وسيجازينى بما أستحقه من ثواب، وسيجازيكم بما تستحقونه من عقاب.
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وأعرضوا عن الحق وَكَفَرُوا بِاللَّهِ- تعالى- مع وضوح الأدلة على أنه- سبحانه- هو المستحق للعبادة والطاعة.
الذين فعلوا ذلك: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ خسارة ليس بعدها خسارة، حيث آثروا الغي على الرشد، واستحبوا العمى على الهدى، وسيكون أمرهم فرطا في الدنيا والآخرة.
وقوله- عز وجل-: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ... بيان للون آخر من ألوان انطماس بصيرة هؤلاء الكافرين، ومن سفاهاتهم وجهالاتهم. أى: أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بتكذيبك- أيها الرسول الكريم- بل أضافوا إلى ذلك، التطاول عليك، لسوء أدبهم، وعدم فهمهم لوظيفتك. بدليل أنهم يطلبون منك أن تنزل عليهم العذاب بعجلة وبدون إبطاء، على سبيل التحدي لك. كما قالوا في موطن آخر:... اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «١».
ثم يبين الله- تعالى- حكمته في تأخير عذابه عنهم إلى حين فيقول: وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ.... أى: يستعجلك المشركون يا محمد في نزول العذاب بهم، والحق أنه لولا أجل مسمى، ووقت معين، حدده الله- تعالى- في علمه لنزول العذاب بهم، لجاءهم العذاب في الوقت الذي طلبوه، بدون إبطاء أو تأخير.
ومع ذلك فقل لهم- أيها الرسول الكريم- إن هذا العذاب آت لا ريب فيه في الوقت الذي يشاؤه الله- تعالى-، وإن هذا العذاب المدمر المهلك: لَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. أى: ليحلن عليهم فجأة وبدون مقدمات، والحال أنهم لا يشعرون به، بل يأتيهم بغتة فيبهتهم، ويستأصل شأفتهم.
ثم كرر- سبحانه- أقوالهم على سبيل التعجيب من حالهم، والتسلية للرسول ﷺ عما لقيه منهم. فقال: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ.
(١) سورة الأنفال الآية ٣٢.
50
أى: يستعجلونك- أيها الرسول الكريم- بالعذاب، الذي لا يطلبه أحد في ذهنه مثقال ذرة من عقل، والحال أن ما استعجلوه سينزل بهم لا محالة، وستحيط بهم جهنم من كل جانب.
ثم بين- سبحانه- كيفية إحاطة جهنم بهم فقال: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ.
أى: ستحيط بهم جهنم من كل جانب. يوم يحل بهم العذاب مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ أى: من جميع جهاتهم.
وَيَقُولُ- سبحانه- لهم، على سبيل التقريع والتأنيب ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أى: تذوقوا العذاب المهين الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا والذي أحاط بكم من كل جانب بسبب أعمالكم القبيحة، وأقوالكم الباطلة.
وبعد أن بين- سبحانه- سوء عاقبة المكذبين، الذين استعجلوا العذاب لجهلهم وعنادهم، أتبع ذلك بتوجيه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بالثبات على الحق، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٦ الى ٦٠]
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)
قال الإمام ابن كثير: قوله- تعالى-: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ...
: هذا أمر من الله- تعالى- لعباده المؤمنين، بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم...
روى الإمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرا فأقم».
51
ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك.. ثم بعد ذلك، هاجر الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة المنورة... » «١».
وفي ندائهم بقوله: يا عِبادِيَ
وفي وصفهم بالإيمان، تكريم وتشريف لهم، حيث أضافهم- سبحانه- إلى ذاته، ونعتهم بالنعت المحبب إلى قلوبهم.
وقوله: إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ
تحريض لهم على الهجرة من الأرض التي لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم، فكأنه- سبحانه- يقول لهم: ليس هناك ما يجبركم على الإقامة في تلك الأرض التي لا قدرة لكم فيها على إظهار دينكم، بل اخرجوا منها فإن أرضى واسعة، ومن خرج من أجل كلمة الله، رزقه الله- تعالى- من حيث لا يحتسب.
ومن المفسرين الذين أجادوا في شرح هذا المعنى، صاحب الكشاف- رحمه الله- فقد قال: ومعنى الآية: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلبا، وأصح دينا، وأكثر عبادة...
ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جربنا وجرب أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا: أعون على قهر النفس، وعصيان الشهوة، وأجمع للقلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد عن الفتن... من سكنى حرم الله، وجوار بيت الله، فلله الحمد على ما سهل من ذلك وقرب... » «٢».
والفاء في قوله- تعالى- فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
بمعنى الشرط، وإياى منصوب بفعل مضمر، قد استغنى عنه بما يشبهه. أى: فاعبدوا إياى فاعبدون.
والمعنى: إن ضاق بكم مكان، فإياى فاعبدوا، لأن أرضى واسعة، ولن تضيق بكم.
ثم رغبهم بأسلوب آخر في الهجرة من الأرض الظالم أهلها، بأن بين لهم بأن الموت سيدركهم في كل مكان، فقال- تعالى-: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ، ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ.
أى: كل نفس سواء أكانت في وطنها الذي عاشت فيه أم في غيره، ذائقة لمرارة الموت، ومتجرعة لكأسه، ثم إلينا بعد ذلك ترجعون جميعا لنحاسبكم على أعمالكم.
ثم بين- سبحانه- ما أعده للمؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً....
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٩٩.
(٢) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٦١. [.....]
52
أى: والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، لننزلنهم من الجنة غرفا عالية فخمة. هذه الغرف من صفاتها أنها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ زيادة في إكرام أصحابها، وفضلا عن ذلك فقد جعلناهم خالِدِينَ فِيها خلودا أبديا.
والمخصوص بالمدح في قوله: نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ محذوف. أى: نعم أجر العاملين، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ صفة لهؤلاء العاملين.
أى: من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة الله، وعلى كل ما يحسن معه الصبر، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره.
ثم رغبهم- سبحانه- في الهجرة لإعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث، حيث بين لهم أن هجرتهم لن تضيع شيئا من رزقهم الذي كتبه الله لهم، فقال- سبحانه-: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا، اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عند ما أمرهم النبي ﷺ بالهجرة إلى المدينة قالوا:
كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة، فنزلت هذه الآية.
وكلمة «كأين» : مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير. ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها. وهي مبتدأ. و «من دابة» تمييز لها.
وجملة: «لا تحمل رزقها» صفة لها، وجملة «الله يرزقها» هي الخبر.
والدابة: اسم لكل نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من غير العقلاء. أى:
وكثير من الدواب التي خلقها الله- تعالى- بقدرته، لا تستطيع تحصيل رزقها، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، لضعفها أو عجزها ومع هذا فالله- تعالى- برحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعا، ويرزقكم أنتم- أيضا، لأنه لا يوجد مخلوق- مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه.
وَهُوَ- سبحانه- السَّمِيعُ لكل شيء الْعَلِيمُ بما تسرون وما تعلنون.
وقدم- سبحانه- رزق الدابة التي لا تستطيع تحصيله، على رزقهم فقال: اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ لينفى من قلوب الناس القلق على الرزق، وليشعرهم بأن الأسباب ليست هي كل شيء، فإن واهب الأسباب، لا يترك أحدا بدون رزق، ولإزالة ما قد يخطر في النفوس من أن الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله قد تنقص الرزق..
53
وهكذا يسوق- سبحانه- من المرغبات في الهجرة في سبيله، ما يقنع النفوس، ويهدى القلوب، ويجعل المؤمنين يقبلون على تلبية ندائه، وهم آمنون مطمئنون على أرواحهم، وعلى أرزاقهم، وعلى حاضرهم ومستقبلهم، فسبحان من هذا كلامه.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة ببيان ما عليه المشركون من تناقض في أفكارهم وفي تصوراتهم، وببيان حال هذه الحياة الدنيا. وببيان جانب من النعم التي أنعم بها على أهل مكة، وببيان ما أعده للمجاهدين في سبيله من ثواب، فقال- تعالى-:
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦١ الى ٦٩]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)
54
وقوله- سبحانه-: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.. بيان لما كان عليه مشركو العرب من اعتراف بأن المستقل بخلق هذا الكون هو الله- تعالى-.
أى: ولئن سألت- أيها الرسول الكريم- هؤلاء المشركين، من الذي أوجد هذه السموات وهذه الأرض، ومن الذي ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس والقمر، ليقولن بدون تردد: الله- تعالى- هو الذي فعل ذلك بقدرته.
وقوله- سبحانه-: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ تعجيب من تناقضهم في أفعالهم، ومن انحراف في تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ما تقتضيه أقوالهم.
أى: إذا كنتم معترفين بأن الله وحده هو الخالق للسموات والأرض، والمسخر للشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه في العبادة آلهة أخرى؟ ولماذا تنصرفون عن الإقرار بوحدانيته- عز وجل-؟
ثم بين- سبحانه- أن الأرزاق جميعها بيده، يوسعها لمن يشاء ويضيقها على من يشاء فقال: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ...
والضمير في قوله: لَهُ يعود على مِنْ على حد قولك: عندي درهم ونصفه.
أى: ونصف درهم آخر.
أى: الله- تعالى- وحده هو الذي يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه عليه من عباده، وهو وحده الذي يضيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه من عباده. لأنه- سبحانه- لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمشيئته وحكمته، وكل شيء عنده بمقدار.
ويجوز أن يكون المعنى: الله- تعالى- وحده هو الذي بقدرته أن يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم تارة أخرى.
فعلى المعنى الأول: يكون البسط في الرزق لأشخاص، والتضييق على آخرين، وعلى المعنى الثاني يكون البسط والتضييق للأشخاص أنفسهم ولكن في أوقات مختلفة.
والله- تعالى- قادر على كل هذه الأحوال، لأنه- سبحانه- لا يعجزه شيء.
55
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم من يستحق أن يبسط له في رزقه، ومن يستحق التضييق عليه في رزقه.
ثم أكد- سبحانه- للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله- تعالى- فقال:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً أى: ماء كثيرا فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء عليها تصبح خضراء بالنبات بعد أن كانت جدباء قاحلة.
لئن سألتهم من فعل ذلك لَيَقُولُنَّ اللَّهُ هو الذي فعل ذلك.
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أى: قل- أيها الرسول الكريم- على سبيل الثناء على الله- تعالى-: الحمد لله الذي أظهر حجته، وجعلهم ينطقون بأنك على الحق المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحود.
وقوله- سبحانه-: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ إضراب عما هم عليه من انحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسلية للرسول ﷺ عما يعتريه بسببهم من حزن.
أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئا مما يجب أن يكون عليه العقلاء من فهم سليم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.
وفي التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فاتبعته، وآمنت به وصدقته، ثم بين- سبحانه- هوان هذه الحياة الدنيا، بالنسبة للدار الآخرة فقال: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ، وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
واللهو: اشتغال الإنسان بما لا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع بملذات الدنيا.
واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.
أى: أن هذه الحياة الدنيا، وما فيها من حطام، تشبه في سرعة انقضائها وزوال متعها، الأشياء التي يلهو بها الأطفال، يجتمعون عليها وقتا، ثم ينفضون عنها.
أما الدار الآخرة، فهي دار الحياة الدائمة الباقية، التي لا يعقبها موت، ولا يعتريها فناء ولا انقضاء.
ولفظ «الحيوان» مصدر حي. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا: نفس الحياة الحقة.
وقوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آثروا متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية.
ثم بين- سبحانه- حالهم عند ما يحيط بهم البلاء فقال- تعالى-: فَإِذا رَكِبُوا فِي
56
الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..
. أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف، وظنوا أن الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله- تعالى- مخلصين له العبادة والدعاء.
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ مع الله- تعالى- غيره في العبادة والطاعة.
وقد فعلوا ذلك: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من نعم، وبما منحناهم من فضل ورحمة.
وَلِيَتَمَتَّعُوا بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ عما قريب عاقبة هذا الكفران لنعم الله، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون أن يعملوا شيئا ينفعهم في أخراهم.
قال الآلوسى: قوله: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا: الظاهر أن اللام في الموضعين لام كي، أى: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام. فالشرك سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كي على مسببه، لجعله كالغرض لهم منه، فهي لام العاقبة في الحقيقة.
وقيل: اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز في التخلية والخذلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك: «افعل ما شئت» «١».
ثم ذكرهم- سبحانه- بنعمة الحرم الآمن، الذي يعيشون في جواره مطمئنين، فقال:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.
أى: أجهل هؤلاء قيمة النعمة التي هم فيها، ولم يدركوا ويشاهدوا أنا جعلنا بلدهم مكة حرما آمنا، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضا، ويعتدى بعضهم على بعض بسرعة وشدة. والتخطف: الأخذ بسرعة.
قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة بهم» «٢».
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ للتعجب من حالهم، وللتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم الله- تعالى-. أى: أفبعد هذه النعمة
(١) تفسير الآلوسى ج ٢١ ص ١٣.
(٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٤٦٤.
57
الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التي تستدعى استجابتهم للحق يكفرون.
فالآية الكريمة قد اشتملت على ما لا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع.
وقوله- تعالى-: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ.
أى: لا أحد أشد ظلما ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن لله- تعالى- شريكا، أو كذب بالحق الذي جاءه به الرسول ﷺ بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.
والاستفهام في قوله- تعالى-: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ للتقرير، والمثوى: المكان الذي يثوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.
أى: أليس في جهنم مأوى ومكانا يستقر فيه هؤلاء الكافرون لنعم الله- تعالى-؟ بل إن فيها مكانا لاستقرارهم، وبئس المكان، فإنها ساءت مستقرا ومقاما.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله- تعالى-: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.
أى: هذا الذي ذكرناه سابقا من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون بالباطل ويتركون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم في سبيل إعلاء ديننا، وقدموا أنفسهم وأموالهم في سبيل رضائنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة، فإننا لن نتخلى عنهم، بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم، ونجعل العاقبة الطيبة لهم، فقد اقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين في أقوالهم وفي أفعالهم، وتلك سنتنا التي لا تتخلف ولا تتبدل.
وبعد فهذا تفسير لسورة «العنكبوت» نسأل الله- تعالى- أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى
58
تفسير سورة الرّوم
59

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مقدمة وتمهيد
١- سورة الروم هي السورة الثلاثون في ترتيب المصحف أما ترتيبها في النزول فهي السورة الثانية والثمانون، وقد كان نزولها بعد سورة الانشقاق.
٢- وقد افتتحت بالحديث عن قصة معينة، وهي قصة الحروب التي دارت بين الفرس والروم، والتي انتهت في أول الأمر بانتصار الفرس، ثم كان النصر بعد ذلك للروم.
قال- تعالى-: الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
٣- ثم وبخت السورة الكريمة الكافرين، لعدم تفكرهم في أحوال أنفسهم، وفي أحوال السابقين الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا، وتوعدتهم بسوء المصير بسبب انطماس بصائرهم، وإعراضهم عن دعوة الحق، ووعدت المؤمنين بحسن الجزاء.
قال- تعالى-: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ، فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ.
٤- ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك اثنى عشر دليلا على وحدانية الله- تعالى- وقدرته، وقد بدئت هذه الأدلة بقوله- تعالى-: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ. وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ.
٥- وبعد أن أقام- سبحانه- هذه الأدلة المتعددة على وحدانيته وقدرته، أتبع ذلك بأن أمر الناس باتباع الدين الحق، وبالإنابة إليه- تعالى- فقال: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً
61
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
٦- ثم بين- سبحانه- أحوال الناس في السراء والضراء، ودعاهم إلى التعاطف والتراحم، ونفرهم من تعاطى الربا، فقال- تعالى-: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.
٧- ثم ساق- سبحانه- بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده، وبين الآثار السيئة التي تترتب على جحود هذه النعم، ودعا الناس للمرة الثانية إلى اتباع الدين القيم، الذي لا يقبل الله- تعالى- دينا سواه، فقال- تعالى-: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ، وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ.
٨- ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة الله في الرياح وفي إرسال الرسل، وأمر كل عاقل أن يتأمل في آثار هذه النعم، ليزداد إيمانا على إيمانه، فقال- تعالى- فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
٩- ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة ببيان أهوال الساعة، وحكى أقوال أهل العلم والإيمان، في ردهم على المجرمين عند ما يقسمون أنهم ما لبثوا في هذه الدنيا سوى ساعة واحدة، وأمر- سبحانه- نبيه ﷺ أن يصبر على أذى أعدائه، فقال- تعالى-:
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ.
١٠- وهكذا نجد أن سورة «الروم» قد أفاضت في الحديث عن الأدلة المتعددة، التي تشهد بوحدانية الله- تعالى- وقدرته، كما تشهد بأن هذا القرآن من عند الله، وبأن يوم القيامة حق وصدق، كما ساقت آيات متعددة في المقارنة بين مصير الأخيار، ومصير الأشرار، ودعت الناس إلى الثبات على الدين الحق، وهو دين الإسلام، كما حضت على التعاطف والتراحم بين المسلمين، ونهت عن تعاطى الربا، لأنه لا يربو عند الله- تعالى-، وإنما الذي يعطى من صدقات هو الذي يربو عند الله- عز وجل- كما ذكرت أنواعا من النعم التي أنعم الله- تعالى- بها على عباده، وأمرتهم بشكره- سبحانه- عليها، لكي يزيدهم من فضله.
62
هذه أهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة، وهناك مقاصد أخرى يراها من يتدبر هذه السورة الكريمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. محمد سيد طنطاوى
63
Icon