تفسير سورة سورة المائدة
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)
الناشر
دار الوطن، الرياض - السعودية
الطبعة
الأولى، 1418ه- 1997م
المحقق
ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم
نبذة عن الكتاب
قال الشيخ الإمام - رضي الله عنه - سورة المائدة مدنية كلها إلا قوله تعالى :( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )(١) فإنه نزل بعرفات على ما سنبين، وقال الحسن البصري : كلها محكمة لم ينسخ منها شيء. وقال الشعبي : لم ننسخ منها شيء. إلا قوله - تعالى - :( يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ) (٢) على ما سنبين.
وروى عن أبي ميسرة أنه قال : أنزل الله - تعالى - في هذه السورة ثمانية عشر حكما لم ينزلها في سائر القرآن.
٢ - المائدة: ٢..
وَقَوله: ﴿أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ يُقَال: " أوفى " و " وفى " بِمَعْنى وَاحِد، وَأما الْعُقُود: قَالَ عَليّ بن أبي طَلْحَة الْوَالِبِي، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: أَرَادَ بِالْعُقُودِ: مَا أحل الله وَحرم، وَفرض وحد.
وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِالْعُقُودِ: العهود، وَقيل الْفرق بَين العقد والعهد: أَن الْعَهْد: هُوَ الْأَمر بالشَّيْء، وَيُقَال: عهِدت إِلَى فلَان كَذَا، أَي: أَمرته بِهِ، وَالْعقد: هُوَ الْأَمر مَعَ الإستيثاق، وَيدخل فِي الْعُقُود النذور، وَسَائِر الْعُقُود اللَّازِمَة يجب الْوَفَاء بِكُل إِلَّا
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أحلّت لكم بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ قَالَ الْحسن: أَرَادَ بِهِ الْإِبِل، وَالْبَقر وَالْغنم، وَحكى قطرب عَن يُونُس: هِيَ الْإِبِل، وَالْبَقر، وَالْغنم، وَالْخَيْل والبراذين، وروى الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بَهِيمَة الْأَنْعَام وَهِي: بقر الْوَحْش، وحمر الْوَحْش، وظباء الْوَحْش، - وَسميت الْبَهِيمَة بَهِيمَة لاستبهام فِيهَا، حَيْثُ لَا نطق لَهَا يفهم، وَبِذَلِك سميت عجماء أَيْضا.
وَالْمرَاد: ببهيمة الْأَنْعَام: هِيَ الْأَنْعَام، لَكِن أَضَافَهُ إِلَى نَفسه، كَمَا يُقَال: نفس الْإِنْسَان، وَحقّ الْيَقِين، وَنَحْو ذَلِك، وروى قَابُوس بن أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: بَهِيمَة الْأَنْعَام: هِيَ الأجنة: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي مَا ذكر فِي قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ ﴿غير محلى الصَّيْد﴾ قيل هُوَ نصب على الِاسْتِثْنَاء، وَقيل على الْحَال ويعنى " لَا محلي الصَّيْد " كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿غير ناظرين إناه﴾ أَي: لَا ناظرين إناه، ﴿وَأَنْتُم حرم﴾ فِيهِ تَحْرِيم الصَّيْد فِي حَال الْإِحْرَام ﴿إِن الله يحكم مَا يُرِيد﴾.
﴿وَلَا الشَّهْر الْحَرَام﴾ قَالَ عِكْرِمَة: أَرَادَ بِهِ: ذَا الْقعدَة، وَقَالَ غَيره: رَجَب، وَقيل: هُوَ عبارَة عَن جَمِيع الْأَشْهر الْحرم، وَقَوله: ﴿وَلَا الْهَدْي وَلَا القلائد﴾ فالهدي: جمع الْهَدِيَّة، وَالْمرَاد بِهِ: إبل الْهَدْي، وَأما القلائد: هِيَ الْإِبِل المقلدة، وَكَانُوا يقلدون إبل الْهَدْي، وَقَالَ عَطاء: أَرَادَ بِهِ: أَصْحَاب القلائد، وَكَانَت عَادَة أهل الْحرم أَن يقلدوا أنفسهم، وإبلهم بِشَيْء من لحاء شجر الْحرم إِذا أَرَادوا الْخُرُوج؛ لكيلا يتَعَرَّض لَهُم؛ فَنهى الشَّرْع عَن التَّعَرُّض لهَذِهِ الْأَشْيَاء.
﴿وَلَا آمين الْبَيْت الْحَرَام﴾ أَي: وَلَا تتعرضوا للقاصدين إِلَى الْبَيْت الْحَرَام، وَسبب نزُول هَذَا: مَا رُوِيَ: " أَن الحطم بن ضبيعة جَاءَ فِي نفر إِلَى رَسُول الله بِالْمَدِينَةِ، فَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام، فَلم يقبلُوا وتعللوا وَانْصَرفُوا؛ حَتَّى قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَام - فِيهِ: لقد أقبل بِوَجْه كَافِر وَأدبر بقفا غادر.
فَذهب وَاسْتَاقَ سرح الْمَدِينَة؛ فتبعوه فَلم يدركوه وَهُوَ يستاق الْإِبِل، ويرتجز وَيَقُول:
| (قد لفها اللَّيْل بسواق حطم | لَيْسَ براعي إبل وَلَا غنم) |
فَلَمَّا كَانَ بعد فتح مَكَّة، لقِيه الْمُسلمُونَ فِي الْمَوْسِم حَاجا، وَمَعَهُ إبل معشره وقلائد؛ فقصدوه، ولقيه النَّبِي فَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابه، وَقَالَ: دونكم الرجل؛ ليأخذوه؛ فَنزلت الْآيَة " منعا للتعرض لَهُ ولشعائره وقلائده، قَالَ الشّعبِيّ: كَانَ هَذَا
وَقَوله: ﴿يَبْتَغُونَ فضلا من رَبهم ورضوانا﴾ قَالَ ابْن عمر: أَرَادَ بِهِ فضل التِّجَارَة، وَقيل: هُوَ الْأجر ﴿وَإِذا حللتم فاصطادوا﴾ وَهَذَا أَمر إِبَاحَة؛ أَبَاحَ للْحَال الِاصْطِيَاد.
﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: جرم أَي: كسب وَيُقَال: فلَان جارم أَهله، أَي: كاسب أَهله، و (أنْشد)
| (وَلَقَد طعنت أَبَا عُيَيْنَة طعنة | جرمت فَزَارَة بعْدهَا أَن يغضبوا) |
﴿أَن صدوكم﴾ أَي: لِأَن صدوكم، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: " إِن صدوكم " على الشَّرْط وَمعنى الْآيَة: لَا يحملنكم عَدَاوَة قوم صدوكم ﴿عَن الْمَسْجِد الْحَرَام أَن تَعْتَدوا﴾ عَلَيْهِم.
(وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى) الْبر: الصدْق، وَقيل الْبر: الاجتناب عَن كل مَنْهِيّ. وَفِيه قَول آخر: أَن الْبر الْإِسْلَام، وَالتَّقوى: السّنة.
﴿وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ الْإِثْم: الْكفْر، والعدوان: الْبِدْعَة، وَقيل: الْإِثْم الْكفْر، والعدوان: الظُّلم ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾.
﴿وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ يَعْنِي: سمى على ذبحه غير الله، وَقيل: هُوَ مَا يذبح على الْأَصْنَام؛ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة حرَام، وَقيل: إِنَّهَا مَا أبيحت فِي شرع مَا، حَتَّى قيل: إِن آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - نزل إِلَى الأَرْض وَمَعَهُ تَحْرِيم هَذِه الْأَرْبَعَة.
﴿والمنخنقة﴾ هِيَ الشَّاة الَّتِي تخنق بِحَبل فتموت ﴿والموقوذة﴾ هِيَ الَّتِي كَانَت يضربونها عِنْد الصَّنَم، حَتَّى إِذا مَاتَت أكلوها (والمتردية) الَّتِي تتردى من مَوضِع عَال فتموت.
﴿والنطيحة﴾ هِيَ الَّتِي تنطحها أُخْرَى فتموت ﴿وَمَا أكل السَّبع﴾ وَيقْرَأ بجزم الْبَاء على التَّخْفِيف، وَمَعْنَاهُ وَمَا بقى مِمَّا أكل السَّبع ﴿إِلَّا مَا ذكيتم﴾ حرم هَذِه الْأَنْوَاع، وَاسْتثنى المذكاة، وأصل التذكية: الْإِتْمَام، يُقَال: ذكيت النَّار، إِذا أتممت إيقادها، وَيُقَال: فلَان ذكى، إِذا كَانَ تَامّ الْفَهم، وَالزَّكَاة فِي الشَّرْع مَعْرُوفَة.
﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ يَعْنِي: على الْأَصْنَام، وَالنّصب: نوع من الْأَصْنَام، وَالْفرق بَينهَا وَبَين الْأَصْنَام: أَن الْأَصْنَام: هِيَ المصورة المنقوشة، وَالنّصب: لَا تكون منقوشة، وَلَا مصورة، وَقيل: كَانَت لَهُم أَحْجَار مَنْصُوبَة حول الْكَعْبَة، كَانُوا يعبدونها، ويتقربون إِلَيْهَا بالذبائح، ويلطخونها بالدماء؛ فحرمه الشَّرْع.
﴿وَأَن تستقسموا بالأزلام ذَلِكُم فسق﴾ الاستقسام: طلب النَّصِيب والأزلام: الأقداح وَاحِدهَا: " زلم " وَقيل: " زلم " أَيْضا وَهِي سِهَام كَانَت عِنْد سدنة الْكَعْبَة، وَكَانَ مَكْتُوبًا على وَاحِد اخْرُج، وعَلى آخر: لَا تخرج، وعَلى وَاحِد: أَمرنِي رَبِّي وعَلى آخر: نهاني رَبِّي، وَكَانَ فِيهَا وَاحِد غفل، وَيُسمى منتحا، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء مَكْتُوب،
وَقَوله: ﴿الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم واخشون﴾ وَذَلِكَ أَن الْكفَّار كَانُوا يطمعون فِي عود الْمُسلمين إِلَى دينهم، حَتَّى فتحت مَكَّة، وَأظْهر الله الْإِسْلَام؛ أيسوا من ذَلِك؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ﴾ أَن يذهب، وتراجعوا إِلَى دينهم.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ نزل هَذَا بِعَرَفَات، وَرَسُول الله على نَاقَته العضباء؛ فبركت من ثقل الْوَحْي، وروى " أَن رجلا من الْيَهُود قَالَ لعمر رَضِي الله عَنهُ: إِنَّكُم تقرءون آيَة لَو علينا أنزلت، لاتخذنا ذَلِك الْيَوْم عيدا، يَعْنِي الْيَوْم الَّذِي أنزلت فِيهِ، فَقَالَ عمر: أَنا أعلم أَنَّهَا أَي يَوْم أنزلت، أنزلت يَوْم الْجُمُعَة عَشِيَّة عَرَفَة، وَأَشَارَ إِلَى أَن ذَلِك الْيَوْم لنا عيد ".
وَاعْلَم أَن الشَّرَائِع لم تنزل جملَة، وَإِنَّمَا نزلت شَيْئا فَشَيْئًا، فَإِن فِي الِابْتِدَاء حِين كَانَ بِمَكَّة كَانَ الْوَاجِب الْإِتْيَان بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالْإِيمَان بِالْبَعْثِ، وَالْجنَّة وَالنَّار، وَرَكْعَتَيْنِ غدْوَة، وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيَّة، وَأَن يكفوا أَيْديهم عَن الْقِتَال، ويصبروا على أَذَى الْمُشْركين، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْمِعْرَاج - وَهِي قبل الْهِجْرَة بِثمَانِيَة عشر شهرا - فرض الله عَلَيْهِ وعَلى أمته خمسين صَلَاة، ثمَّ ردَّتْ إِلَى خمس صلوَات، كَمَا عرف فِي الْقِصَّة، ثمَّ لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، فرض الله عَلَيْهِ الْجِهَاد، وَالزَّكَاة، ثمَّ الصَّوْم سنة الثَّالِث من الْهِجْرَة، وَفرض الْحَج سنة السَّابِع من الْهِجْرَة، ثمَّ فتح مَكَّة، فَلَمَّا حجَّة الْوَدَاع؛ أنزلت هَذِه الْآيَة سنة عشر من الْهِجْرَة، وَلم ينزل بعْدهَا شَيْء من الْأَحْكَام كَمَا بَينا، وعاش بعد ذَلِك رَسُول الله إِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَة، وَتُوفِّي فِي الْيَوْم الثَّانِي من ربيع الأول، وَقيل: توفّي فِي الثَّانِي عشر من ربيع الأول، وَهَذَا أصح.
وَكَانَت هجرته فِي الثَّانِي عشر من ربيع الأول أَيْضا، واستكمل عشر سِنِين، وَخرج من الدُّنْيَا.
وَفِيه قَول آخر: أَن معنى قَوْله: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ أَي: أمنتكم من الْعَدو، وأظهرت دينكُمْ، وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي، ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا، رَوَت عَائِشَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَقُول الله - تَعَالَى -: إِنِّي نظرت فِي الْأَدْيَان فارتضيت لكم الْإِسْلَام دينا؛ فأكرموه بالسخاء، وَحسن الْخلق مَا صحبتموه، فَإِن
﴿فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة﴾ : المخمصة: خلاء الْجوف عَن الْغذَاء، وَفِي الْمثل: " البطنة بعْدهَا الخمصة " ﴿غير متجانف لإثم﴾ أَي: غير مائل إِلَى إِثْم، وَهُوَ مُجَاوزَة الشِّبَع فِي أكل الْميتَة، أَو يأكلها تلذذا ﴿فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾.
﴿قل أحل لكم الطَّيِّبَات﴾ فالطيبات: كل مَا تستطيبه الْعَرَب، وتستلذه من غير أَن يرد بِتَحْرِيمِهِ كتاب أَو سنة ﴿وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح﴾ أَي: الكواسب، يُقَال: جرح، واجترح، إِذا كسب، وَمِنْه سميت الْيَد جارحة؛ لِأَنَّهَا كاسبة، قَالَ الشَّاعِر:
| (ذَات حل حسن ميسمها | يذكر الْجَارِح وَمَا كَانَ جرح) |
(وكل فَتى وَإِن أمشى وأثرى... [سيخلجه] عَن الدُّنْيَا الْمنون) قَالَ الْأَزْهَرِي: وَمعنى الْكَلَام: وَأحل لكم مَا علتم من الْجَوَارِح فِي حَال تكليبكم وتضريتكم إِيَّاهَا على الصَّيْد، وَاعْلَم أَن حل الصَّيْد لَا يخْتَص بصيد الْكَلْب على قَول جُمْهُور الْعلمَاء.
وَقَالَ طَاوُوس: يخْتَص بِهِ؛ تمسكا بقوله: ﴿مكلبين﴾ وَهَذَا خلاف شَاذ، وَمعنى قَوْله: ﴿مكلبين﴾ أَي: محرشين، ومغرين على الصَّيْد، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِك كل الْجَوَارِح ﴿تعلمونهن مِمَّا علمكُم الله﴾ تؤدبونهن مِمَّا أدبكم الله.
﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهِ﴾ أَبَاحَ صيد الْجَوَارِح إِذا أمسكن على الْمَالِك، وَلَا خلاف فِيهِ، فَأَما إِذا أكل من الصَّيْد، هَل يكون ممسكا على الْمَالِك، وَهُوَ يحل؟ فِيهِ اخْتِلَاف بَين الصَّحَابَة، قَالَ سعد بن أبي وَقاص، وسلمان الْفَارِسِي: إِنَّه يحل، حَتَّى قَالَ سعد: كل مَا أَخذ كلبك، وَإِن بقيت مِنْهُ جدية أَي: قِطْعَة، وَهَذَا أحد قولي الشَّافِعِي - رَضِي الله عَنهُ - وَقَالَ ابْن عَبَّاس، وعدي بن حَاتِم: إِنَّه لَا يحل، وَهُوَ القَوْل الثَّانِي للشَّافِعِيّ، وَبِه قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين، وَأما الْكَلَام فِي التَّسْمِيَة سَيَأْتِي فِي الْأَنْعَام ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله سريع الْحساب﴾.
﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ قَالَ مُجَاهِد، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَرَادَ بِهِ: ذَبَائِح أهل الْكتاب ﴿وطعامكم حل لَهُم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ أحل لَهُم طعامنا وَشرع لَهُم ذَلِك وهم كفار، وَلَيْسوا من أهل الشَّرْع؟ أجَاب الزّجاج فَقَالَ: مَعْنَاهُ: حَلَال لكم أَن تطعموهم؛ فَيكون خطاب الْحل مَعَ الْمُسلمين، قَالَ غَيره: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَنَّهُ ذكر عَقِيبه (حكم) النِّسَاء، وَلم يذكر حل المسلمات لَهُم فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَلَال لكم أَن تطعموهم، حرَام لكم أَن تزوجوهم.
﴿وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات﴾ هَذَا رَاجع إِلَى النسق الأول، ومنقطع عَن قَوْله: ﴿وطعامكم حل لَهُم﴾ ﴿وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ﴾ قَالَ الْحسن: أَرَادَ بِهِ: العفائف، وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ: الْحَرَائِر، وَمِنْه إِبَاحَة الْحرَّة الْكِتَابِيَّة للْمُسلمِ وَقَضِيَّة تَحْرِيم الْأمة الْكِتَابِيَّة، وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء، وَهُوَ قَول عُلَمَاء الْكُوفَة مثل الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَجَمَاعَة. وَهَذَا فِي الْكِتَابِيَّة الذِّمِّيَّة؛ فَأَما الْحرَّة الْكِتَابِيَّة
﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ: من يكفر بِاللَّه الَّذِي يُؤمن بِهِ، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: أَرَادَ بِهِ: وَمن يكفر بِكَلِمَة الشَّهَادَة، وَقَالَ الرّبيع بن أنس: أَرَادَ بِهِ: وَمن يكفر بِالْقُرْآنِ، قَالَ الزّجاج: معنى قَوْله: ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان﴾ يَعْنِي: بتحليل الْحَرَام، وَتَحْرِيم الْحَلَال، أَي: وَمن يسْتَحل الْحَرَام، أَو يحرم الْحَلَال ﴿فقد حَبط عمله﴾ وَهَذَا أقرب إِلَى نظم الْآيَة فِي الإباحات، وَتَحْلِيل الْمُحرمَات، وَقَوله ﴿فقد حَبط عمله﴾ أَي: بَطل عمله ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾.
وَظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي أَنه يجب الْوضُوء عِنْد كل قيام إِلَى الصَّلَاة، وَلَكِن بِالسنةِ عرفنَا جَوَاز الْجمع بَين الصَّلَوَات بِوضُوء وَاحِد، فَإِن رَسُول الله جمع بَين أَربع صلوَات يَوْم الخَنْدَق بِوضُوء وَاحِد وَجمع بَين خمس صلوَات يَوْم فتح مَكَّة
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ يَعْنِي: مَعَ الْمرَافِق، قَالَ الْمبرد: إِذا مد الشَّيْء إِلَى جنسه تدخل فِيهِ الْغَايَة، وَإِذا مد إِلَى خلاف جنسه، لَا تدخل فِيهِ الْغَايَة، فَقَوله: ﴿إِلَى الْمرَافِق﴾ مد إِلَى جنسه، فَتدخل فِيهِ الْغَايَة.
وَأما قَوْله: ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ مد إِلَى خلاف جنسه، فَلَا تدخل فِيهِ الْغَايَة. والمرفق سمى بذلك؛ لارتفاق الْإِنْسَان بِهِ بالاتكاء عَلَيْهِ.
﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَرَأَ نَافِع، وَابْن عَامر، وَالْكسَائِيّ، وَحَفْص: بِالنّصب؛ فَيكون تَقْدِيره: فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ وأرجلكم، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وأرجلكم﴾ بِالْكَسْرِ.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي وجوب غسل الرجل، فَأكْثر الْعلمَاء - وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع الْيَوْم - أَن غسل الرجل وَاجِب، ويحكى عَن عَليّ أَنه قَالَ: يجوز الْمسْح على الرجل، وَهُوَ الْوَاجِب، وَحكى خلاف عَنهُ، قَالَ الشّعبِيّ: نزل الْقُرْآن بغسلين ومسحين، وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: يتَخَيَّر بَين الْمسْح وَالْغسْل؛ لاخْتِلَاف الْقِرَاءَة.
وَالأَصَح أَنه يجب الْغسْل، وَقد دلّت السّنة عَلَيْهِ، فروى عَن النَّبِي أَنه قَالَ:
وَقَالَ: " مَا من رجل يتَوَضَّأ فَيغسل وَجهه إِلَّا (خرجت) خطاياه الَّتِي نظر إِلَيْهَا بِعَيْنيهِ مَعَ المَاء أَو مَعَ آخر قطر من المَاء - إِلَى أَن قَالَ -: وَإِذا غسل رجلَيْهِ، خرجت خطاياه الَّتِي مشت بهَا قدمه مَعَ المَاء، أَو مَعَ آخر قَطْرَة من المَاء "، وروى: " أَنه رأى رجلا تَوَضَّأ، وَبَقِي من رجله قدر ظفره لم يصبهُ المَاء؛ فَقَالَ: ارْجع فَأحْسن الْوضُوء " وَأمره بِالرُّجُوعِ دَلِيل وجوب.
فَأَما قَوْله: ﴿وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ من قَرَأَ بِالنّصب فَهُوَ ظَاهر فِي وجوب الْغسْل، وَأما من قَرَأَ بالخفض فتقديره: فامسحوا برءوسكم، واغسلوا أَرْجُلكُم. وَيجوز أَن يعْطف الشَّيْء على الشَّيْء وَإِن كَانَ يُخَالِفهُ فِي الْفِعْل، قَالَ الشَّاعِر:
| (وَرَأَيْت زَوجك فِي الوغى | مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا) |
(علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا... )
أَي: وسقيتها ماءا بَارِدًا؛ فَكَذَلِك قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم﴾ أَي: واغسلوا أَرْجُلكُم؛ إِلَّا أَنه خفض على الِاتِّبَاع والمجاورة كَمَا قَالَت الْعَرَب: " جُحر ضَب خرب "، وَنَحْو ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ - وَهُوَ إِمَام اللُّغَة - الْعَرَب قد تسمي الْغسْل الْخَفِيف: مسحا، تَقول الْعَرَب: تمسح يَا هَذَا، يُرِيدُونَ بِهِ: اغْتسل، فعطفه على الْمسْح لَا يَنْفِي الْغسْل؛ فَيجوز أَن يكون المُرَاد بِهَذَا الْمسْح فِي الرَّأْس حَقِيقَة الْمسْح، وَفِي الرجل الْغسْل؛ وَلِأَن غسل الرجل على الْأَغْلَب لَا يَخْلُو عَن مسح؛ [وَلذَلِك] فساغ أَن يُسمى غسلهَا: مسحا، وَقَوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ يَعْنِي: مَعَ الْكَعْبَيْنِ، كَمَا بَينا فِي الْمرَافِق، والكعبان: هما العظمان الناتئان على جَانِبي الْقدَم.
﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ أَي: فاغتسلوا ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ وَقد بَينا الْكَلَام فِيهِ. ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وَقَوله: مِنْهُ. دَلِيل على أَن الصَّعِيد هُوَ التُّرَاب؛ لتحَقّق الْمسْح مِنْهُ ﴿مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج﴾ أَي: ضيق ﴿وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ قَالَ مُحَمَّد ابْن كَعْب الْقرظِيّ: أَرَادَ بإتمام النِّعْمَة: تَكْفِير الْخَطَايَا بِالْوضُوءِ على مَا روينَا، وَهَذَا مثل قَوْله: ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر وَيتم نعْمَته عَلَيْك﴾ يَعْنِي: بغفران الذَّنب، وَفِي الْوضُوء تَكْفِير الْخَطَايَا الَّتِي ارتكبها فِي الدُّنْيَا، وَنور يَوْم الْقِيَامَة قَالَ: " أمتِي غر محجلون من آثَار الْوضُوء يَوْم الْقِيَامَة؛ فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل ".
| (رَأَيْت الصَّالِحين لَهُم جَزَاء | وجنات وعينا سلسبيلا) |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَفِي سَبَب نزُول الْآيَة قَولَانِ: قَالَ جَابر: سَببه " أَن رَسُول الله كَانَ فِي بعض الْأَسْفَار، فَتفرق أَصْحَابه فِي الْعضَاة فِي منزل؛ فَنزل رَسُول الله تَحت شَجَرَة
وَقَالَ ابْن عَبَّاس، وَمُجاهد، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة: نزلت الْآيَة على سَبَب آخر، وَذَلِكَ: " أَن النَّبِي كَانَ بَينه وَبَين بني قُرَيْظَة عهد على أَن يستعينوا بِهِ، وَهُوَ يَسْتَعِين بهم على الْمُشْركين؛ فجَاء يَوْمًا إِلَيْهِم ليستعين بهم فِي دِيَة الْعَامِرِيين (وَنزل) تَحت حَائِط؛ فَهموا أَن يفتكوا بِهِ، فَقَالَ وَاحِد مِنْهُم - يُقَال لَهُ عَمْرو بن حجاش -: أَنا ألقِي عَلَيْهِ حجرا؛ لتستريحوا مِنْهُ؛ فَنزل جِبْرِيل وَأخْبرهُ بذلك " فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِذْ هم قوم أَن يبسطوا إِلَيْكُم أَيْديهم فَكف أَيْديهم عَنْكُم وَاتَّقوا الله وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾.
والقصة فِي ذَلِك: أَن مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ - جعل على قومه اثنى عشر نَقِيبًا على كل سبط نَقِيبًا، فروى أَنه بَعثهمْ إِلَى مَدِينَة الجبارين ليتعرفوا ويستخبروا عَن حَالهم، فَلَمَّا رجعُوا، خوفوا بني إِسْرَائِيل من قِتَالهمْ، وَقَالُوا: أَنْتُم لَا تقاومونهم، وخالفوا أَمر مُوسَى إِلَّا (رجلَانِ) مِنْهُم، أَحدهمَا: يُوشَع بن نون، وَالْآخر: كالب بن يوقنا، وَسَتَأْتِي قصتهم مشروحة.
﴿وَقَالَ الله﴾ تَعَالَى ﴿إِنِّي مَعكُمْ﴾ يَعْنِي: بالنصر ﴿لَئِن أقمتم الصَّلَاة وَآتَيْتُم الزَّكَاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: عظمتموهم، وَقَالَ غَيره: نصرتموهم، وَالتَّعْزِير: التَّأْدِيب فِي اللُّغَة، وأصل التَّعْزِير: الْمَنْع؛ وَلذَلِك سمى التَّأْدِيب. تعزيرا؛ لِأَنَّهُ يمْنَع الْمُؤَدب عَن فعل مَا أدب عَلَيْهِ وَعَن سعد بن أبي وَقاص: أَصبَحت بَنو أَسد تعزرني على الْإِسْلَام. أَي: تؤدبني.
﴿وأقرضتم الله قرضا حسنا﴾ وَهُوَ إِخْرَاج الزَّكَاة، وَقَالَ زيد بن أسلم: مَعْنَاهُ النَّفَقَة على الْأَهْل، وَعَن بعض السّلف أَنه سمع رجلا يَقُول: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر.
﴿لأكفرن عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ ولأدخلنكم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار فَمن كفر بعد ذَلِك [مِنْكُم] فقد ضل سَوَاء السَّبِيل﴾ أَي: أَخطَأ طَرِيق الْحق.
| (لَهَا صواهل فِي صم الْخَيل | كَمَا صَاح القسية فِي كف الصَّارِف) |
﴿وَلَا تزَال تطلع على خَائِنَة مِنْهُم﴾ قيل الخائنة: الْخِيَانَة، فَاعل بِمَعْنى الْمصدر، مثل القائلة بِمَعْنى القيلولة، هَذَا قَول قَتَادَة، وَقَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: فرقة خَائِنَة؛ لِأَن الْآيَة فِي الْيَهُود؛ فيستقيم هَذَا التَّقْدِير ﴿وَلَا تزَال تطلع﴾ على قَوْله: ﴿خَائِنَة مِنْهُم﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ يَعْنِي: الَّذين أَسْلمُوا مثل: عبد الله بن سَلام، وَجَمَاعَة.
﴿فَاعْفُ عَنْهُم وَاصْفَحْ﴾ أَي: أعرض عَنْهُم، وَلَا تتعرض لَهُم، وَقيل: صَار هَذَا مَنْسُوخا أَيْضا بقوله: ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه﴾ فِي سُورَة التَّوْبَة ﴿إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿قد جَاءَكُم من الله نور﴾ قيل: هُوَ الْإِسْلَام، (وَسمي نور لِأَنَّهُ يهتدى بِهِ كَمَا يَهْتَدِي بِالنورِ، وَقيل مُحَمَّد) وَسمي نورا لِأَنَّهُ يتَبَيَّن بِهِ الْأَشْيَاء، كَمَا يتَبَيَّن بِالنورِ. ﴿وَكتاب مُبين﴾ هُوَ الْقُرْآن.
﴿ويخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور﴾ يَعْنِي: من الْكفْر إِلَى (الْإِسْلَام)، وَسمي الْكفْر ظلمَة؛ لِأَنَّهُ يتحير فِي الظلمَة، [وَسمي] الْإِسْلَام نورا لما بَينا ﴿ويهديهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ قيل: هُوَ الْإِسْلَام، وَقيل: [هُوَ] الْقُرْآن.
﴿قل فَمن يملك من الله شَيْئا﴾ أَي: فَمن يقدر أَن يدْفع أَمر الله ( ﴿إِن أَرَادَ أَن يهْلك الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَأمه وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا يخلق مَا يَشَاء وَالله على كل شَيْء قدير) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَن الْمُسْتَحق للألوهية من لَهُ ملك السَّمَوَات، وَمن لَهُ هَذِه الْقُدْرَة فإياه فاعبدوا.
﴿قل فَلم يعذبكم بذنوبكم﴾ يَعْنِي: أَن الْأَب لَا يعذب ابْنه، والحبيب لَا يعذب حَبِيبه، أَي: فَلم يعذبكم الله بذنوبكم، وَهُوَ على زعمكم أبوكم وحبيبكم، ثمَّ قَالَ: ﴿بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق﴾ أَي: آدميون من جملَة الْخلق ﴿يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَللَّه ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَإِلَيْهِ الْمصير﴾.
وَقَالَ السّديّ - فِي الْمُتَقَدِّمين - مَعْنَاهُ: وجعلكم ملوكا تَمْلِكُونَ أَمر أَنفسكُم، وخلصكم من استعباد فِرْعَوْن. وَقَالَ المؤرج: أَرَادَ بِهِ: وجعلكم أخيارا، والملوك: الأخيار بلغَة هُذَيْل وكنانة.
﴿وآتاكم مَا لم يُؤْت أحدا من الْعَالمين﴾ يَعْنِي: من الْمَنّ والسلوى، وانفجار الْحجر وتظليل الْغَمَام، وَنَحْو ذَلِك.
وَقَوله ﴿كتب الله لكم﴾ أَي: وهب الله لكم، وَقيل: فرض الله لكم أَن تدخلوها ﴿وَلَا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾
روى عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ قد بعث أُولَئِكَ النُّقَبَاء، وهم اثْنَا عشر نَقِيبًا إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَة؛ ليتعرفوا أَحْوَالهم، فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهَا لَقِيَهُمْ رجل مِنْهُم، فَأَخذهُم جملَة فِي كمه وأتى بهم إِلَى الْملك، ونثرهم بَين يَدَيْهِ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذين جَاءُوا ليقاتلونا؛ فَقَالَ الْملك: ارْجعُوا وأخبروهم بِمَا لَقِيتُم، فَرَجَعُوا.
وَفِي بعض التفاسير: أَنهم أخذُوا عنقودا من الْعِنَب، وجعلوه على عَمُود بَين رجلَيْنِ حَتَّى قدرُوا على حمله، وَأخذُوا رمانتين، وحملوهما على دَابَّة كَادَت تعجز عَن حملهما فَلَمَّا رجعُوا إِلَى بني إِسْرَائِيل خوفوهم، وَقَالُوا: إِنَّكُم لَا تقاومونهم إِلَّا رجلَيْنِ مِنْهُم: يُوشَع بن نون وكالب بن يوقنا، وذكرهما فِي الْآيَة الْأُخْرَى، وَأما الْبَاقُونَ من بني إِسْرَائِيل خالفوا وامتنعوا من قِتَالهمْ، وَقَالُوا: يَا مُوسَى إِن فِيهَا قوما جبارين ﴿وَإِنَّا لن ندْخلهَا حَتَّى يخرجُوا مِنْهَا فَإِن يخرجُوا مِنْهَا فَإنَّا داخلون﴾.
وَإِنَّمَا حرمت عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سنة كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّهَا مُحرمَة عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سنة﴾
(يتيهون فِي الأَرْض) وَقد أوقفهم الله - تَعَالَى - فِي التيه؛ عُقُوبَة لَهُم على مَا خالفوا، وَقيل: إِن أَرض التيه الَّتِي تاه فِيهَا بَنو إِسْرَائِيل كَانَت: سِتَّة فراسخ فِي طول اثنى عشر فرسخا، وَكَانَ عدد التائهين فِيهَا: سِتّمائَة ألف، قَامُوا فِيهَا، وَكَانُوا كلما أَمْسوا من مَوضِع للمسير، فَإِذا أَصْبحُوا (أَصْبحُوا) على ذَلِك الْموضع، وَكلما أَصْبحُوا من مَوضِع للمسير، فَإِذا أَمْسوا أَمْسوا على ذَلِك الْموضع، وَهَكَذَا كل يَوْم إِلَى أَن مَاتُوا فِيهَا، وَقيل: كَانَ مُوسَى وَهَارُون فيهم، وَإِنَّمَا توفيا فِي التيه، وَقيل: لم يَكُونَا فيهم، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك عُقُوبَة عَلَيْهِم، فَلَمَّا مَاتُوا فِي التيه وَنَشَأ أَوْلَادهم، أقبل يُوشَع بن نون بأولادهم إِلَى الأَرْض المقدسة، وَحَارب العمالقة وَنَصره الله تَعَالَى عَلَيْهِم حَتَّى فتح تِلْكَ الْمَدِينَة، وَكَانَ يَوْم الْجُمُعَة وضاق النَّهَار بهم فحبس الله - تَعَالَى - الشَّمْس سَاعَة حَتَّى فتح الْمَدِينَة ثمَّ غربت الشَّمْس من لَيْلَة السبت، إِذْ مَا كَانَ يجوز لَهُم عمل فِي السبت؛ فَفَزعَ الله قُلُوبهم يَوْم الْجُمُعَة؛ فَهَذَا جملَة الْكَلَام فِي قَوْله: ( ﴿أَرْبَعِينَ سنة يتيهون فِي الأَرْض﴾ فَلَا تأس) أَي فَلَا تحزن ﴿على الْقَوْم الْفَاسِقين﴾.
والقصة فِي ذَلِك: قيل: إِن حَوَّاء كَانَت تَلد كل بطن غُلَاما وَجَارِيَة، فَولدت بَطنا هابيل وَأُخْته، وَولدت بَطنا قابيل وَأُخْته، فَأمر الله - تَعَالَى - آدم أَن يُزَوّج أُخْت هابيل من قابيل، وَأُخْت قابيل من هابيل، وَلم يرض قابيل، (وَقَالَ) : أَنا أَحَق بأختي، وَكَانَت أحسن من أُخْت هابيل، وَفِي بعض التفاسير: أَن قابيل قَالَ: أَنا أَحَق بأختي؛ لِأَنِّي من نسل الْجنَّة، وهابيل من نسل الأَرْض، وَقيل: إِن حَوَّاء علقت بِهِ فِي الْجنَّة؛ فَمن ذَلِك قَالَ: إِنِّي من نسل الْجنَّة، فَأَمرهمَا آدم أَن يقربا قربانا، فَكل من يقبل قربانه فَهُوَ أولى بِتِلْكَ الْأُخْت.
وَكَانَ هابيل صَاحب غنم، وقابيل صَاحب زرع، فَعمد هابيل إِلَى كَبْش من أحسن غنمه، وَعمد قابيل إِلَى أَخبث زرعه، ووضعاه موضعا، فَجَاءَت النَّار، وأكلت قرْبَان هابيل، وَكَانَ ذَلِك عَلامَة الْقبُول يَوْمئِذٍ، وَلم تَأْكُل قرْبَان قابيل؛ (فَهَذَا) معنى قَوْله: ﴿إِذْ قربا قربانا فَتقبل من أَحدهمَا﴾ يَعْنِي هابيل ﴿وَلم يتَقَبَّل من الآخر﴾ يَعْنِي: قابيل ﴿قَالَ لأَقْتُلَنك﴾ حسده قابيل، وقصده ليَقْتُلهُ؛ فَأجَاب هابيل، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ عَن الْمعاصِي، وَعَن أبي الدَّرْدَاء أَنه [قَالَ] :" لِأَن أعلم [أَن] الله - تَعَالَى - قبل صَلَاة من صَلَاتي أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؛ لِأَن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ قَالَ قَتَادَة: المتقون: أهل لَا إِلَه إِلَّا الله.
(فَقتله فَأصْبح من الخاسرين) أَي: خسر بقتْله الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، أما الدُّنْيَا: لِأَنَّهُ أَسخط وَالِديهِ، وَبَقِي بِلَا أَخ، وَأما الْآخِرَة: لِأَنَّهُ أَسخط ربه، واستوجب النَّار.
والقصة فِي قَتله إِيَّاه: أَنه لما أَرَادَ قَتله لم يعرف كَيفَ يقْتله، فجَاء إِبْلِيس بِحجر، وَقَالَ: اشدخ بِهِ رَأسه، فَفِي رِوَايَة أَنه رَمَاه بذلك الْحجر، وَهُوَ مستسلم لَهُ؛ فشدخ رَأسه، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: اغتاله فِي النّوم، وشدخ رَأسه؛ فَقتله، وشربت الأَرْض دَمه فَلَمَّا جَاءَ إِلَى آدم، قَالَ لَهُ: أَيْن هابيل؟ فَقَالَ: أجعلتني رقيبا عَلَيْهِ، مَا أَدْرِي! قَالَ لَهُ آدم: إِن الأَرْض تصرخ بدمه إِلَيّ، ثمَّ لعن الأَرْض الَّتِي شربت دَمه، فَلَا تشرب الأَرْض بعد ذَلِك دَمًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَبكى آدم عَلَيْهِ كثيرا، وَأَنْشَأَ يَقُول:
| (تَغَيَّرت الْبِلَاد وَمن عَلَيْهَا | وَوجه الأَرْض مغبر قَبِيح) |
| (تغير كل ذِي لون وَطعم | وَقل بشاشة الْوَجْه الْمليح) |
﴿قَالَ يَا ويلتي﴾ وَهَذِه كلمة دُعَاء الْهَلَاك ﴿أعجزت أَن أكون﴾ أضعفت أَن أكون ﴿مثل هَذَا الْغُرَاب فأواري سوأة أخي فَأصْبح من النادمين﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: هَل كَانَ ندمه على الْقَتْل تَوْبَة مِنْهُ؟
قيل: لم يكن نَدم على الْقَتْل، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنه أصبح من النادمين على حمله على عَاتِقه، (والتطواف) بِهِ؛ لما (لحقه) من التَّعَب فِيهِ، وَقيل: إِنَّمَا نَدم لقلَّة النَّفْع بقتْله؛ فَإِنَّهُ أَسخط وَالِديهِ، وَمَا نفع بقتْله شَيْئا؛ فندم على ذَلِك، لَا أَنه نَدم على الْقَتْل، وَفِي الْقِصَّة أَنه لما قَتله استوحش من النَّاس، وَكَانَ كلما لَقِي إنْسَانا ظن أَنه يَأْتِي ليَقْتُلهُ فهرب مِنْهُ، وَكَانَ هَكَذَا أبدا حَتَّى قَتله بعض أَوْلَاده.
﴿فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: من قتل نفسا بِغَيْر نفس فقد أوبق نَفسه كَمَا إِذا قتل النَّاس جَمِيعًا؛ (فقد أوبق نَفسه) ﴿وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا﴾ أَي: وَمن امْتنع عَن قتل وَاحِد من النَّاس؛ فَيكون كَأَنَّهُ أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا، وَقَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ من قتل نفسا فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا من الْإِثْم، وَمن أَحْيَاهَا، أَي: تعفف وَامْتنع عَن قَتلهَا، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا فِي الثَّوَاب، وَقيل: مَعْنَاهُ: من قتل نفسا، فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا على معنى أَن جَمِيع النَّاس خصماؤه فِيهِ، وَمن أَحْيَاهَا، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا، على معنى أَنهم يشكرونه، ويحمدونه على الْعَفو، أَو ترك الْقَتْل.
﴿وَلَقَد جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ ثمَّ إِن كثيرا مِنْهُم بعد ذَلِك فِي الأَرْض لمسرفون﴾.
قَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة فِي قوم من الْمُشْركين، كَانَ بَينهم وَبَين النَّبِي عهد، فنقضوا الْعَهْد، وَسعوا فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ، وَقَالَ أنس: " الْآيَة فِي رَهْط من عرينة، أَتَوا النَّبِي ووجوههم مصفرة، وبطونهم منتفخة؛ فبعثهم رَسُول الله إِلَى إبل الصَّدَقَة؛ ليشربوا من أبوالها، وَأَلْبَانهَا، فَفَعَلُوا فَلَمَّا صحوا، قتلوا الرَّاعِي، وَاسْتَاقُوا الذود؛ فَبعث سَوَّلَ الله فِي طَلَبهمْ، فأدركوهم، فَأتي بهم إِلَى النَّبِي، فَقتل بَعضهم (وَقطع) بَعضهم من خلاف وسمل أعين بَعضهم، وتركهم فِي الْحرَّة حَتَّى
قيل: مَعْنَاهُ يُحَاربُونَ أَوْلِيَاء الله، وَقيل: هُوَ صَحِيح فِي الْعَرَبيَّة، فَإِن من عصى غَيره فقد حاربه، فَهَؤُلَاءِ إِذا عصوا الله وَرَسُوله، فكأنهم حَاربُوا الله وَرَسُوله، وَيدخل فِي جُمْلَتهمْ كل العاصين، وقطاع الطَّرِيق، وَغَيرهم.
وَقَوله: ﴿أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، أَنه على التَّرْتِيب، أم على التَّخْيِير؟ قَالَ ابْن عَبَّاس - فِي رِوَايَة، وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَتَادَة، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَمُجاهد -: إِنَّهَا على التَّخْيِير، فَيُخَير الإِمَام فِي فعل هَذِه الْأَشْيَاء.
القَوْل الثَّانِي: - وَهُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ أَبُو مجلز لَاحق بن حميد -: إِنَّه على التَّرْتِيب، فَإِن قتلوا: قتلوا وصلبوا، وَإِن أخذُوا المَال: قطعُوا من خلاف، وَإِن جمعُوا بَين الْأَخْذ وَالْقَتْل: قطعُوا، وَقتلُوا، إِن أخافوا السَّبِيل وَلم يَأْخُذُوا المَال وَلم يقتلُوا: ينفوا من الأَرْض.
ثمَّ اخْتلفُوا فِي النَّفْي، قَالَ الزُّهْرِيّ: إِن الإِمَام يَطْلُبهُ فِي كل بلد يُؤْخَذ، وينفى عَنهُ، وَهَكَذَا فِي كل بلد يذكر بِهِ، يطْلب؛ فينفى عَنهُ، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي.
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: إِنَّه ينفى من جَمِيع بِلَاد الْإِسْلَام، وَقَالَ أهل الْكُوفَة: النَّفْي من الأَرْض هُوَ الْحَبْس، وَالْحَبْس نفي من الأَرْض، قَالَ الشَّاعِر يصف قوما محبوسين:
| (خرجنَا من الدُّنْيَا وَنحن من أَهلهَا | فلسنا من الْأَحْيَاء فِيهَا وَلَا الْمَوْتَى) |
| (إِذا جَاءَنَا السجان يَوْمًا لحَاجَة | عجبنا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا من الدُّنْيَا) |
وَقَوله ﴿من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم﴾ خطاب للأئمة، أَي: من قبل الظفر بهم ﴿فاعلموا أَن الله غَفُور رَحِيم﴾.
وَقيل: يتمنون ذَلِك، فَهِيَ إِرَادَة بِمَعْنى التَّمَنِّي، وَلَيْسَ بِحَقِيقَة الْإِرَادَة.
﴿من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين.
﴿وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب﴾ يَعْنِي: الْيَهُود ﴿سماعون للكذب﴾ أَي: وهم سماعون للكذب، أَي: قَائِلُونَ للكذب، كَقَوْل الْمُصَلِّي: سمع الله لمن حَمده. أَي: قبل الله لمن حَمده. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: سماعون لأجل الْكَذِب؛ فَإِنَّهُم كَانُوا
فَقَالَ: (بلَى) وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة.
﴿يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه﴾ أَي: من بعد مَا وَضعه الله موَاضعه، وتحريفهم الْكَلم: هُوَ كتمان آيَة الرَّجْم.
﴿وَيَقُولُونَ إِن أويتم هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا﴾.
سَبَب نزُول الْآيَة [هَذِه] : أَن يهوديين زَنَيَا من أَشْرَاف الْيَهُود، فكرهوا رجمهما؛ فَقَالُوا: نبعث إِلَى مُحَمَّد نَسْأَلهُ، فَإِن أفتى بِالْجلدِ وتحميم الْوَجْه، نَأْخُذ بِهِ، وَإِن أفتى بِغَيْرِهِ، لَا نَأْخُذ بِهِ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِن أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يَعْنِي: مَا توافقوا عَلَيْهِ من الْجلد وَالتَّحْمِيم ﴿فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا﴾ أَي: إِن أفتى بِالرَّجمِ فَلَا تَأْخُذُوا بِهِ، وَقيل: " إِن هَذَا كَانَ فِي يهود خَيْبَر، فبعثوا إِلَى يهود الْمَدِينَة حَتَّى يسألوه، فسألوا رَسُول الله، فَأفْتى بِالرَّجمِ " وَتَمام الْقِصَّة: " أَنه - عَلَيْهِ السَّلَام - دَعَا ابْن صوريا الْأَعْوَر، وَقَالَ: أنْشدك بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى، مَا حد الزِّنَا فِي كتابكُمْ؟ فَقَالَ: أما إِنَّك إِذا أنشدتني بِاللَّه، فحد الزِّنَا فِي كتَابنَا: الرَّجْم، لَكِن كثر الزِّنَا فِي أشرافنا؛ فَكُنَّا إِذا زنى الشريف منا تَرَكْنَاهُ، وَإِذا زنا الوضيع رجمناه، ثمَّ اتفقنا على أَمر يَسْتَوِي فِيهِ الشريف والوضيع، وَهُوَ الْجلد وَالتَّحْمِيم، فَقَالَ: أَنا أَحَق بإحياء سنة أماتوها، ودعا باليهوديين اللَّذين زَنَيَا وَأمر برجمهما " والْحَدِيث فِي
وَفِي الْآيَة قَول آخر: أَنَّهَا فِي الْقَتْل، والقصة فِي ذَلِك: أَن بني النَّضِير كَانَ لَهُم قتل على بني قُرَيْظَة، وَكَانَ الْقرظِيّ إِذا قتل يسْأَل مُحَمَّدًا؛ فَإِن أفتى بِالدِّيَةِ يَأْخُذ بِهِ، وَإِن أفتى بغَيْرهَا يحذرهُ، فَسَأَلُوهُ. فَأفْتى بالقود. فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿إِن أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لم تؤتوه فاحذروا﴾ وَالْأول أصح ﴿وَمن يرد الله فتنته﴾ قَالَ السّديّ: ضلالته، وَقَالَ الْحسن: عَذَابه، وَقَالَ الزّجاج: فضيحته ﴿فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا﴾ أَي: فَلَنْ تقدر على دفع أَمر الله فِيهِ.
﴿أُولَئِكَ الَّذين لم يرد الله أَن يطهر قُلُوبهم﴾ وَفِيه دَلِيل على من يُنكر الْقدر ﴿لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي﴾ وَيرجع هَذَا إِلَى الْمُنَافِقين، وَالْيَهُود، أما خزي الْمُنَافِقين: أَنه أظهر نفاقهم فِي الدُّنْيَا، وَأما خزي الْيَهُود: أَنه بَين تحريفهم ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾.
| (وعضّ زمَان يَا بن مَرْوَان لم يدع | من المَال إِلَّا مسحت أَو مجلف) |
وَقيل: هَذَا التَّخْيِير فِي الحكم بِحُقُوق الله - تَعَالَى - وَأما فِي حُقُوق الْآدَمِيّين فَلَا بُد من الحكم.
﴿وَإِن تعرض عَنْهُم فَلَنْ يضروك شَيْئا وَإِن حكمت فاحكم بَينهم بِالْقِسْطِ﴾ أَي: بِالْعَدْلِ ﴿إِن الله يحب المقسطين﴾.
﴿ثمَّ يتولون من بعد ذَلِك﴾ أَي: لَا يرضون بحكمك ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أَي: بمصدقين لَك.
﴿مَا استحفظوا﴾ أَي: بِمَا استودعوا ﴿من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلَا تخشوا النَّاس واخشون وَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾.
﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ قَالَ الْبَراء بن عَازِب - وَهُوَ قَول الْحسن -: الْآيَة فِي الْمُشْركين. قَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة فِي الْمُسلمين، وَأَرَادَ بِهِ كفر دون كفر، وَاعْلَم أَن الْخَوَارِج يستدلون بِهَذِهِ الْآيَة، وَيَقُولُونَ: من لم يحكم بِمَا أنزل الله فَهُوَ كَافِر، وَأهل السّنة قَالُوا: لَا يكفر بترك الحكم، وللآية تَأْوِيلَانِ: أَحدهمَا مَعْنَاهُ: وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله ردا وجحدا فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ. وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: وَمن لم يحكم بِكُل مَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ، وَالْكَافِر هُوَ الَّذِي يتْرك الحكم بِكُل مَا أنزل الله دون الْمُسلم.
شرع الْقصاص فِي النَّفس والأطراف فِي هَذِه الْآيَة، وَأَشَارَ إِلَى أَنه كَانَ حكم التَّوْرَاة ﴿فَمن تصدق بِهِ﴾ يَعْنِي: بِالْعَفو عَن الْقصاص ﴿فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ﴾ اخْتلفُوا فِي أَن كِنَايَة الْهَاء رَاجِعَة إِلَى من؟ قَالَ ابْن مَسْعُود، وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: هُوَ رَاجع إِلَى الْمَجْرُوح، يَعْنِي: الْعَفو، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ رَاجع إِلَى الْجَارِح، كَأَنَّهُ جعل الْعَفو كالاستيفاء مِنْهُ؛ فَيكون كَفَّارَة لَهُ كَمَا لَو اقْتصّ مِنْهُ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾.
﴿وآتينا الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور ومصدقا﴾ يَعْنِي: الْإِنْجِيل ﴿لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَهدى وموعظة لِلْمُتقين﴾.
| (أَلا إِن خير النَّاس بعد مُحَمَّد | مهيمنه تاليه فِي الْعرف والنكر) |
﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ فالشرعة: الطَّرِيق الْوَاضِح، وَكَذَلِكَ الْمِنْهَاج. قَالَ الْمبرد: الشرعة: ابْتِدَاء الطَّرِيق، والمنهاج: الطَّرِيق المستمر. وَاعْلَم أَن الشَّرَائِع مُخْتَلفَة، وَلكُل قوم شَرِيعَة، فلأهل التَّوْرَاة شَرِيعَة، وَلأَهل الْإِنْجِيل شَرِيعَة، وَلأَهل الْإِسْلَام شَرِيعَة، وَأما الدّين فِي الْكل وَاحِد، وَهُوَ التَّوْحِيد.
﴿وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن ليَبْلُوكُمْ﴾ أَي: ليختبركم. ﴿فِيمَا آتَاكُم فاستبقوا الْخيرَات﴾ فبادروا إِلَى الْخيرَات ﴿إِلَى الله مرجعكم جَمِيعًا فينبئكم بِمَا كُنْتُم فِي تختلفون﴾.
﴿واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك فَإِن توَلّوا﴾ فَإِن أَعرضُوا ﴿فَاعْلَم أَنما يُرِيد الله أَن يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم﴾ وَقيل: مَعْنَاهُ: بِكُل ذنوبهم، فَعبر بِالْبَعْضِ عَن الْكل، وَقيل: مَعْنَاهُ: يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم فِي الدُّنْيَا ﴿وَإِن كثيرا من النَّاس لفاسقون﴾.
﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ فتح مَكَّة. وَقيل (هُوَ فتح) قرى الْيَهُود مثل خَيْبَر، وفدك، وتيما ووادي الْقرى. ﴿أَو أَمر من عِنْده﴾ قيل: هُوَ إتْمَام أَمر مُحَمَّد، وَقيل: هُوَ إجلاء بني النَّضِير، وَقيل: قتل بني قُرَيْظَة، وَقيل:
وروى عِيَاض الْأَشْعَرِيّ: " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم﴾ وَأَشَارَ إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقَالَ: هَذَا وَأَصْحَابه " وَكَانُوا من أهل الْيمن،
وَقَوله: ﴿أعزة على الْكَافرين﴾ لَيْسَ من الْعِزّ وَإِنَّمَا هُوَ من الْعِزَّة؛ وَهِي: الشدَّة، يَعْنِي: أَن جانبهم لين على الْمُؤمنِينَ، شَدِيد على الْكَافرين، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " أَذِلَّة على الْمُؤمنِينَ غلظاء على الْكَافرين " وَهِي معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة.
﴿يجاهدون فِي سَبِيل الله لَا يخَافُونَ لومة لائم﴾ يَعْنِي: لَا يخَافُونَ فِي الله لوم النَّاس، وروى ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أَرَادَ الْجنَّة لَا شكّ، فَلَا يخَاف فِي الله لومة لائم " ﴿ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله وَاسع عليم﴾.
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله﴾ هَذَا رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء﴾ لما مَنعهم من مُوالَاة الْيَهُود وَالنَّصَارَى، دعاهم إِلَى مُوالَاة الله وَرَسُوله.
﴿وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ﴾ يَعْنِي: مصلون؛ إِلَّا أَنه خص الرُّكُوع تَشْرِيفًا، وَقيل: مَعْنَاهُ: خاضعون، وَقَالَ السّديّ: - وَهُوَ رِوَايَة عَن مُجَاهِد - إِن هَذَا أنزل فِي عَليّ بن أبي طَالب، كَانَ فِي الرُّكُوع، ومسكين
و (فِي) الحكايات: أَن وَاحِدًا من الْمُنَافِقين يُقَال لَهُ: ضَمرَة، سمع الْمُؤَذّن يُؤذن، فَقَالَ: حرق الله الْكَاذِب؛ فَجَاءَهُ خادمه بسراج فِي بعض تِلْكَ اللَّيَالِي، فَوَقَعت شرارة من السراج، وَلم (يشْعر) بِهِ، فَاحْتَرَقَ هُوَ وَمَا فِي الْبَيْت.
| (مَا نقموا من بني أُميَّة إِلَّا | أَنهم (يحملون) إِن غضبوا) |
| (وَأَنَّهُمْ سادة الْمُلُوك | وَلَا يصلح إِلَّا عَلَيْهِم الْعَرَب) |
| (أبني لبينى إِن أمكُم | أمة وَإِن وَإِنِّي أَبَاكُم عبد) |
﴿أُولَئِكَ شَرّ مَكَانا وأضل عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ أَي: عَن طَرِيق الْحق.
﴿ولعنوا بِمَا قَالُوا﴾ فَمن عَنْهُم أَنهم: مسخوا قردة وَخَنَازِير، وَمن لعنهم: أَنهم ضربت عَلَيْهِم الذلة والجزية.
﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان ينْفق كَيفَ يَشَاء﴾ يَعْنِي: [يدا] الله مبسوطتان، يرْزق وَينْفق على مَشِيئَته كَيفَ يَشَاء، قَالَ أهل الْعلم: لَيْسَ فِي هَذَا رد على الْيَهُود فِي إثباتهم الْيَد لله - تَعَالَى - وَإِنَّمَا الرَّد عَلَيْهِم فِي نسبته إِلَى الْبُخْل، وَأما الْيَد: صفة لله - تَعَالَى - بِلَا كَيفَ، وَله يدان، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كلتا يَدَيْهِ يَمِين ". وَالله أعلم بكيفية المُرَاد.
﴿وليزيدن كثيرا مِنْهُم مَا أنزل إِلَيْك من رَبك طغيانا وَكفرا﴾ على معنى أَنه كلما نزلت آيَة كفرُوا بهَا، وازدادوا طغيانا وَكفرا ﴿وألقينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء﴾ قيل: بَين فرق الْيَهُود، وَقيل (بَين) الْيَهُود وَالنَّصَارَى، وَقَوله: ﴿إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ دَلِيل على أَن الْيَهُودِيَّة والنصرانية تبقى إِلَى قريب من قيام السَّاعَة ﴿كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله﴾ معنى هَذَا: كلما اجْتَمعُوا ليفسدوا أَمر مُحَمَّد، شتت الله
﴿وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: مَعْنَاهُ: إِن لم تبلغ الْجَمِيع، وَتركت وَاحِدًا، فَمَا بلغت شَيْئا، يَعْنِي: جرمك فِي ترك التَّبْلِيغ فِي وَاحِد كجرمك فِي ترك الْكل، وَقيل: مَعْنَاهُ: بلغ مَا أنزل إِلَيْك أَي: أظهر تبليغه، وَهَذَا مثل قَوْله - تَعَالَى -: ( ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر﴾ وَإِن لم تفعل) يَعْنِي: وَإِن لم تظهر تبليغه ( ﴿فَمَا بلغت رسَالَته﴾ وَالله يَعْصِمك من النَّاس). قَالَت عَائِشَة - رَضِي الله عَنْهَا -: " كَانَ النَّبِي قبل نزُول هَذِه الْآيَة يَأْتِيهِ قوم فيحرسونه؛ فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة؛ أخرج رَأسه، وَقَالَ: انصرفوا، فَإِن الله يعصمني ". قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: نزلت الْآيَة فِي كَافِر سل سَيْفه، وهم (بقتل النَّبِي)، فَسقط السَّيْف من يَده، وَجعل يضْرب رَأسه على شَجَرَة حَتَّى [انتثر] دماغه ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾.
وَقَوله: ﴿من آمن بِاللَّه﴾ يَعْنِي: الَّذين آمنُوا بِاللِّسَانِ، من آمن مِنْهُم بِالْقَلْبِ، وَقيل: إِن الَّذين آمنُوا على حَقِيقَة الْإِيمَان.
وَقَوله: ﴿من آمن بِاللَّه﴾ أَي: من ثَبت على الْإِيمَان بِاللَّه، وَأما فِي حق الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ، فَهُوَ مَحْمُول على حَقِيقَة الْإِيمَان.
﴿وَقَالَ الْمَسِيح يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار﴾ روى أَبُو سُفْيَان طَلْحَة بن نَافِع عَن جَابر: " أَن النَّبِي سُئِلَ مَا الموجبتان؟ فَقَالَ: من وحد الله؛ لَا يُشْرك بِهِ شَيْئا؛ وَجَبت لَهُ الْجنَّة، وَمن أشرك بِاللَّه؛ وَجَبت لَهُ النَّار " ﴿وَمَا للظاليمن من أنصار﴾.
﴿كَانَا يأكلان الطَّعَام﴾ أَي: يتغذيان بِالطَّعَامِ، وَمَعْنَاهُ: أَن من يتغذى بِالطَّعَامِ لَا يكون إِلَهًا يعبد، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ كِنَايَة عَن الْحَدث، يَعْنِي: أَنَّهُمَا يأكلان، ويشربان، ويبولان، ويتغوطان، وَمثل هَذَا لَا يكون إِلَهًا يعبد ﴿انْظُر كَيفَ نبين لَهُم الْآيَات ثمَّ انْظُر أَنى يؤفكون﴾ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَهَذَا من ألطف الْبَيَان، وَقَوله: ﴿يؤفكون﴾ أَي: يصرفون، وَمِنْه سمي الْكَذِب: إفكا؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوف عَن الْحق.
وَقيل: نزلت الْآيَة فِي قوم من النَّصَارَى كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بدين عِيسَى، لم يحرفوا، فآمنوا بِمُحَمد.
وَقيل: هُوَ فِي كل النَّصَارَى، وَمَعْنَاهُ: أَنهم أَلين عَدَاوَة من الْيَهُود.
﴿ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قَالَ قطرب: القسيس العابد بلغَة الرّوم، وَهُوَ التَّمام فِي اللُّغَة، قَالَ الشَّاعِر:
| (يمسين من قس (الحَدِيث) غوافلا | إِلَّا جعبر يات وَلَا [طهاملا] ) |
فَإِن قيل: هَذَا أول قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا﴾ على أَن الْإِيمَان قَول فَرد.
قيل: قد ذكر فِي الْآيَة الأولى ﴿مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾ فَذكر الْمعرفَة فِي تِلْكَ الْآيَة، وَالْقَوْل فِي هَذِه الْآيَة، ومجموعهما إِيمَان ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قَالَ الْكسَائي: عقدتم، أَي: أوجبتم، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: عقدتم، أَي: وكدتم، وَاخْتلفُوا فِي هَذَا التوكيد، قَالَ ابْن جريج: سَأَلت عَطاء عَن قَوْله: ﴿عقدتم﴾ أَنه مَاذَا؟ فَقَالَ: هُوَ قَول الْقَائِل: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ؛ كَأَنَّهُ فسر التوكيد بِهِ، وروى نَافِع عَن ابْن عمر: أَن توكيد الْيَمين بالتكرار، قَالَ نَافِع: وَكَانَ ابْن عمر إِذا وكد الْيَمين أعتق رَقَبَة، وَإِذا لم يوكد: أطْعم الْمَسَاكِين فِي كَفَّارَته. ﴿فكفارته إطْعَام عشرَة مَسَاكِين﴾ على قَول النَّخعِيّ يرجع هَذَا إِلَى يَمِين اللَّغْو، وعَلى قَول البَاقِينَ يرجع إِلَى الْيَمين المعقودة، وَهِي الْمَقْصُودَة، وَعقد الْيَمين: هُوَ الْقَصْد بِالْقَلْبِ، وَالذكر بِاللِّسَانِ. ﴿من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم﴾ قَالَ ابْن عمر: الْأَوْسَط هُوَ الْخبز وَالزَّيْت، أَو الْخبز
﴿أَو كسوتهم﴾ قَالَ عَطاء، وطاووس: لكل مِسْكين ثوب، وَقَالَ مُجَاهِد: مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْكسْوَة، وَقَالَ إِبْرَاهِيم: لكل مِسْكين ثوب جَامع يصلح [لِليْل] وَالنَّهَار مثل الكساء، الملحفة وَنَحْوهمَا. وَقَالَ ابْن عمر: ثَلَاثَة أَثوَاب. وَقيل: ثَوْبَان، وَهُوَ قَول الْحسن، وَابْن سِيرِين، مثل إِزَار ورداء، أَو إِزَار وعمامة. وَقيل: مَا يستر الْعَوْرَة، وتجزئ بِهِ الصَّلَاة.
وَالصَّحِيح: أَن الْوَاجِب لكل مِسْكين مَا يصلح بِهِ الْكسْوَة فِي الْعرف ﴿أَو تَحْرِير رَقَبَة﴾ هُوَ عتق الرَّقَبَة، وَفِيه كَلَام فِي الْفِقْه.
﴿فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام﴾ ظَاهِرَة: أَنه يجوز مُتَفَرقًا، وَهُوَ الْأَصَح، وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود، وَأبي بن كَعْب: " ثَلَاثَة أَيَّام مُتَتَابِعَات " فعلى هَذَا يجب التَّتَابُع فِيهِ، وَبِه قَالَ مَالك، وَالْأَوْزَاعِيّ، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي ﴿ذَلِك كَفَّارَة أَيْمَانكُم إِذا حلفتم﴾ قيل: الْحِنْث مُضْمر فِيهِ، يَعْنِي: إِذا حلفتم وحنثتم، وَلَا تجب الْكَفَّارَة إِلَّا بعد الْحِنْث، وَأما جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث عرفنَا بِالسنةِ ﴿واحفظوا أَيْمَانكُم﴾ ظَاهره للنَّهْي عَن الْحِنْث، وَقيل: أَرَادَ بِهِ حفظ الْيَمين لَا أَن يحلف، وَالْأول أصح ﴿كَذَلِك يبين الله لكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾.
وَأما الْعَدَاوَة فِي الميسر: قَالَ قَتَادَة: هُوَ أَنهم كَانُوا يقامرون على الْأَهْل وَالْمَال، ثمَّ إِذا لم يبْق لَهُ شَيْء، يجلس زينا، مسلوبا، مغتاظا على قرنائه {ويصدكم عَن ذكر الله
وَسبب نزُول الْآيَة: " أَن عمر - رَضِي الله عَنهُ - قَالَ: اللَّهُمَّ بَين لنا فِي الْخمر بَيَانا شافيا؛ فَنزل (قَوْله) فِي سُورَة الْبَقَرَة: ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر﴾ فَدَعَا عمر، وَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَقَالَ ثَانِيًا: اللَّهُمَّ بَين لنا فِي الْخمر بَيَانا شافيا؛ فَنزل قَوْله فِي سُورَة النِّسَاء: ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ فَقَرَأَ عَلَيْهِ؛ فَدَعَا ثَالِثا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَين لنا فِي الْخمر بَيَانا شافيا؛ فَنزلت هَذِه الْآيَة، فَدَعَا وَقَرَأَ عَلَيْهِ؛ فَلَمَّا بلغ قَوْله: ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ قَالَ: انتهينا يَا رب "، وَقيل: سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن قدامَة بن مَظْعُون اتخذ دَعْوَة، وشوى رَأس بعير، ودعا سعد بن أبي وَقاص، وَجَمَاعَة، فَأَكَلُوا، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا سَكِرُوا تفاخروا، فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار إِلَى لحى الْبَعِير، وَضرب بِهِ وَجه سعد،
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن التَّقْوَى الأول: اجْتِنَاب الشّرك، وَالتَّقوى الثَّانِي: اجْتِنَاب الْكَبَائِر وَالتَّقوى الثَّالِث: اجْتِنَاب الصَّغَائِر، وَهَذَانِ قَولَانِ معروفان فِي الْآيَة، وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: أَنه أَرَادَ بِهِ: إِذا مَا اتَّقوا قبل تَحْرِيم الْخمر، ثمَّ اتَّقوا بعد تَحْرِيم الْخمر، وَقيل هَذَا لَا يَصح؛ لِأَن قَوْله: ﴿إِذا مَا اتَّقوا﴾ إِنَّمَا يصلح للمستقبل لَا للماضي؛ فَإِن حرف " إِذا " للمستقبل.
﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾، روى أَن قدامَة بن مَظْعُون شرب الْخمر؛ فَدَعَاهُ عمر ليحده، فَقَالَ: أَلَيْسَ يَقُول الله - تَعَالَى -: ﴿لَيْسَ على الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات جنَاح فِيمَا طعموا﴾ فَقَالَ: أَخْطَأت التَّأْوِيل، لقد قَالَ: ﴿إِذا مَا اتَّقوا وآمنوا﴾ وَأَنت لم تتق النَّهْي.
وروى: " أَن النَّبِي قَرَأَ هَذِه الْآيَة، ثمَّ قَالَ ابْن مَسْعُود: وأينا من هَؤُلَاءِ؟ ! "
﴿تناله أَيْدِيكُم﴾ يَعْنِي: فِي صغَار الصيود ﴿ورماحكم﴾ يَعْنِي: من كبار الوحوش، قَالَ مُجَاهِد ﴿تناله أَيْدِيكُم﴾ يَعْنِي: الفرخ وَالْبيض ﴿ورماحكم﴾ يَعْنِي: الصيود الْكِبَار.
﴿ليعلم الله من يخافه بِالْغَيْبِ﴾ قيل: مَعْنَاهُ: ليعلم الله من يخافه بِالْغَيْبِ، فيعامله مُعَاملَة من يطْلب الْعلم للْعَمَل؛ إِظْهَار للعدل، وَقيل: مَعْنَاهُ: ليرى من يخافه بِالْغَيْبِ، وَقَوله: ﴿من يخافه بِالْغَيْبِ﴾ هُوَ أَن يخَاف الله وَهُوَ لَا يرَاهُ ﴿فَمن اعْتدى بعد ذَلِك فَلهُ عَذَاب أَلِيم﴾.
﴿وَمن قَتله مِنْكُم مُتَعَمدا﴾ ذكر حَالَة الْعمد لبَيَان الْكَفَّارَة، فَاخْتلف الْعلمَاء، قَالَ سعيد بن جُبَير: لَا تجب كَفَّارَة الصَّيْد فِي قتل الْخَطَأ، بل تخْتَص بالعمد، وَبِه قَالَ دَاوُد.
وَسَائِر الْعلمَاء على أَنَّهَا تجب فِي الْحَالين، قَالَ الزُّهْرِيّ: على الْمُتَعَمد بِالْكتاب، وعَلى الْمُخطئ بِالسنةِ.
﴿فجزاء مثل مَا قتل من النعم﴾ قَرَأَ الْأَعْمَش " فَجَزَاؤُهُ مثل مَا قتل من النعم "، وَالْمَعْرُوف فِيهِ قراءتان " فجزاء مثل " على الْإِضَافَة، وَقَرَأَ بَعضهم " فجزاء مثل " بتنوين
﴿يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم﴾ وَفِيه دَلِيل على جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ نصب على التَّمْيِيز، قَوْله: ﴿بَالغ الْكَعْبَة﴾ يَقْتَضِي أَن يكون إِعْطَاء الْهَدْي فِي الْحرم، يفرق على مَسَاكِين الْحرم، وَهُوَ الْوَاجِب ﴿أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين﴾ وَذَلِكَ أَن يقوم (الْمثل) من النعم بِالدَّرَاهِمِ، وَيَشْتَرِي بِالدَّرَاهِمِ طَعَام مَسَاكِين، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَقَالَ أَبُو حنيفَة يقوم بالصيد الْمَقْتُول أبدا ﴿أَو عدل ذَلِك صياما﴾ قَرَأَ عَاصِم الجحدري، وَطَلْحَة بن، مصرف: ﴿أَو عدل ذَلِك﴾ بِكَسْر الْعين، ثمَّ قَالَ بَعضهم: لَا فرق بَينهمَا، وَمَعْنَاهُ: الْمثل، وَفرق الْفراء بَينهمَا، فَقَالَ: الْعدْل - بِالْكَسْرِ -: الْمثل من جنسه، وَالْعدْل: الْمثل من غير جنسه، وَقد قيل: الْعدْل - بِالْفَتْح -: هُوَ الْمثل، وَالْعدْل بِالْكَسْرِ -: الْحمل، وَالْأول أصح، وَصَوْم الْعدْل: أَن يَصُوم بدل كل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مد يَوْمًا، وَقيل: يَوْمَانِ، ثمَّ هَذَا على التَّخْيِير أم على التَّرْتِيب؟
قَالَ الشّعبِيّ، وَالنَّخَعِيّ - وَهُوَ رِوَايَة عَن مُجَاهِد -: إِنَّه على التَّرْتِيب، وَقَالَ غَيرهم - وَبِه قَالَ ابْن عَبَّاس -: إِنَّه على التَّخْيِير؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين أَو عدل ذَلِك صياما﴾ وَكلمَة " أَو " للتَّخْيِير ﴿ليذوق وبال أمره﴾ أَي: شدَّة أمره ﴿عَفا الله عَمَّا سلف﴾ يَعْنِي: فِي الْجَاهِلِيَّة ﴿وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ وَالله عَزِيز ذُو انتقام﴾.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْعَامِد إِلَى قتل الصَّيْد ثَانِيًا، هَل تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة ثَانِيًا، أم
﴿وَحرم عَلَيْكُم صيد الْبر مَا دمتم حرما﴾ حرم الِاصْطِيَاد على الْمحرم، وَقد ذكرنَا ﴿وَاتَّقوا الله الَّذِي إِلَيْهِ تحشرون﴾ وَاخْتلف الْعلمَاء فِي صيد الْحَلَال: هَل يحل للْمحرمِ، وَأَن يَأْكُل مِنْهُ؟ قَالَ عمر، وَعُثْمَان: يحل. وَبِه أَخذ اكثر الْفُقَهَاء، وَقَالَ عَليّ، وَابْن عَبَّاس: إِنَّه لَا يحل، وَبِه قَالَ جمَاعَة من التَّابِعين.
| (ونشهد أَنَّك عبد المليك | أتيت بشرع وَدين قيم) |
وَأَرَادَ بِهِ: أَن الْبَيْت الْحَرَام قوام للنَّاس لدينهم ومعايشهم، أما فِي الدّين؛ لِأَن بِهِ تقوم الْمَنَاسِك وَالْحج، وَأما فِي المعايش؛ فَلِأَن (أهل الْحرم) كَانُوا يأمنون أهل (الْغَارة)، حَتَّى كَانَ يُغير بَعضهم على بعض، ثمَّ لَا يتعرضون لأهل الْحرم، وَيَقُولُونَ: هم أهل الله.
﴿والشهر الْحَرَام﴾ أَرَادَ بِهِ: جنس الْأَشْهر الْحرم، وَهِي أَرْبَعَة أشهر: ثَلَاثَة سرد، وَوَاحِد فَرد كَمَا سبق، وَالْمرَاد بِهِ: أَنه جعل الشَّهْر الْحَرَام قواما للنَّاس؛ يأمنون فِيهِ الْقِتَال؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يكفون عَن الْقَتْل والقتال فِي الْأَشْهر الْحرم.
﴿وَالْهَدْي والقلائد﴾ وَقد بَينا كَيفَ يكون الْهَدْي والقلائد، وَكَونه قواما للنَّاس: أَنهم كَانُوا يأمنون بتقليد الْهَدْي، وَكَانَ أهل الْحرم يتعيشون بِالْهَدْي والقلائد.
﴿ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: أَي اتِّصَال لهَذَا بِمَا سبق من الْكَلَام فِي الْآيَة؟ قَالَ الْمبرد أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد: مَعْنَاهُ: أَن ألهمتهم ذَلِك الاحترام، وَأَن لَا يتَعَرَّضُوا لأهل الْحرم؛ فَكَأَنَّهُ بَين فِي الْآيَة صَنْعَة مَعَ أهل الْحرم، قَالَ: ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن كل ذَلِك بعلمي، وإلهامي إيَّاهُم.
وَقَالَ الزّجاج: [قد سبق] فِي هَذِه السُّورَة من الله - تَعَالَى - الْإِخْبَار عَن الغيوب، والكشف عَن الْأَسْرَار، مثل قَوْله: ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك﴾ وَمثل إخْبَاره بتحريفهم الْكتب، وَنَحْو ذَلِك؛ فَقَوله: ﴿ذَلِك لِتَعْلَمُوا أَن الله يعلم مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ رَاجع إِلَيْهِ.
﴿فَاتَّقُوا الله يَا أولي الْأَلْبَاب لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَفِي الْمثل: حرَام يَأْتِي جزفا (والحلال) يَأْتِي قوتا. وَعَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: " دِرْهَم من الْحَلَال خير من مائَة ألف [دِرْهَم] وقر من الْحَرَام ".
وروى أَبُو البخْترِي عَن عَليّ - رَضِي الله عَنهُ - أَنه قَالَ: " (لما) نزل قَوْله: ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت﴾ قَامَ رجل، وَقَالَ: أَفِي كل عَام يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: لَا، وَلَو قلت: نعم لَوَجَبَتْ، وَلم تطيقوه، ثمَّ قَالَ: ذروني مَا تركْتُم، فَإِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ بِكَثْرَة سُؤَالهمْ، وَاخْتِلَافهمْ على أَنْبِيَائهمْ، فَمَا أَمرتكُم بِهِ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنهُ، فَانْتَهوا، وَنزلت الْآيَة ".
﴿وَإِن تسألوا عَنْهَا حِين ينزل الْقُرْآن تبد لكم﴾ مَعْنَاهُ: وَإِن صَبَرْتُمْ حَتَّى ينزل الْقُرْآن؛ وجدْتُم فِيهِ بَيَان مَا تحتاجون إِلَيْهِ ﴿عَفا الله عَنْهَا وَالله غَفُور حَلِيم﴾.
قَالَ سعيد بن جُبَير: كَانَ سُؤَالهمْ الَّذِي تقدم عَن هَذِه الأوضاع، وَهَذِه الْآيَة لبَيَان مَا سَأَلُوا ردا عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن عَبَّاس فِي بَيَان هَذِه الأوضاع الْأَرْبَعَة، قَالَ:
أما الْبحيرَة: هِيَ النَّاقة كَانَت إِذا ولدت خَمْسَة أبطن شَقوا أَنَّهَا، وتركوها وَلم يحملوا عَلَيْهَا، وَلم يمنعوها الْكلأ؛ وَبِذَلِك سميت بحيرة من الْبَحْر، وَهُوَ الشق، ثمَّ نظرُوا إِلَى خَامِس وَلَدهَا، فَإِن كَانَ ذكرا نحروه، وَأكله الرِّجَال دون النِّسَاء، وَإِن كَانَت أثنى تركوها كالأم، وَإِن كَانَ مَيتا، أكله الرِّجَال وَالنِّسَاء؛ فَهَذَا معنى الْبحيرَة.
وَأما السائبة: كَانَ الرجل من أهل الْجَاهِلِيَّة إِذا مرض لَهُ مَرِيض، أَو غَابَ لَهُ قريب، يَقُول: إِن رد الله غائبي، أَو إِن شفى الله مريضي؛ فناقتي هَذِه سائبة، ثمَّ يسيبها، تذْهب حَيْثُ تشَاء، (أَو) يَقُول: إِن كَانَ كَذَا؛ فَعَبْدي عَتيق سائبة. يَعْنِي: من غير وَلَاء، وَلَا مِيرَاث؛ فَهَذَا معنى السائبة.
وَأما الوصيلة: فَكَانَت فِي الْغنم، كَانَت الشَّاة إِذا ولدت سَبْعَة أبطن، نظرُوا إِلَى الْبَطن السَّابِع، فَإِن كَانَ ذكرا ذبحوه وَأكله الرِّجَال دون النِّسَاء، وَإِن كَانَت أُنْثَى تركوها، وَإِن كَانَ مَيتا أكله الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَإِن كَانَ ذكرا وَأُنْثَى فِي بطن وَاحِد تركوهما، وَقَالُوا: وصلت أخاها، فَهَذِهِ هِيَ الوصيلة.
وَأما الحام: كَانَ بَعضهم إِذا ولدت نَاقَته عشرَة أبطن؛ تركوها وَلم يركبوها، وَقَالُوا: حمى ظهرهَا، وَكَذَلِكَ إِذا ركب ولد وَلَدهَا؛ يَقُولُونَ: حمى ظهرهَا وتركوها، وَرُبمَا تركوها لآلهتهم على مَا سَيَأْتِي فِي سُورَة الْأَنْعَام؛ فَهَذَا هُوَ الحام، وَهَذِه أوضاع وَضعهَا أهل الْجَاهِلِيَّة على آرائهم، فجَاء الشَّرْع برفعها، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ:
(وَعَن أبي بكر الصّديق - رَضِي الله عَنهُ -: " أَنه خطب وَقَالَ: إِنَّكُم تقرءون هَذِه الْآيَة ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم﴾ من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ)، وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله يَقُول: إِذا رَأَيْتُمْ الظَّالِم فَخُذُوا على يَدَيْهِ، أَو يُوشك أَن [يعمكم] الله (بعقاب) " وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ فِي هَذِه الْآيَة: " مروا بِالْمَعْرُوفِ، وانهوا عَن
فَقَوله: ﴿شَهَادَة بَيْنكُم﴾ يقْرَأ فِي الشواذ " شَهَادَة بَيْنكُم " وَقَرَأَ الْأَعْرَج " شَهَادَة بَيْنكُم " بِالرَّفْع والتنوين، وَالْمَعْرُوف " شَهَادَة بَيْنكُم " ﴿إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت﴾ أَي: أَسبَاب الْمَوْت ﴿حِين الْوَصِيَّة اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم﴾ ذكر اثْنَان على الرّفْع؛ لِأَنَّهُ خبر الِابْتِدَاء، وَمعنى هَذَا الْكَلَام: أَن الشَّهَادَة فِيمَا بَيْنكُم على الْوَصِيَّة عِنْد الْمَوْت: اثْنَان ذَوا عدل مِنْكُم.
﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَابْن عَبَّاس، وَهُوَ قَول شُرَيْح، وَالنَّخَعِيّ، وَسَعِيد بن جُبَير، وَجَمَاعَة -: أَن مَعْنَاهُ من غير أهل ملتكم، يَعْنِي: من أهل الذِّمَّة، وَقَالَ الْحسن، وَالزهْرِيّ: مَعْنَاهُ: من غير قبيلتكم.
﴿إِن أَنْتُم ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض﴾ أَي: سافرتم ﴿فأصابتكم مُصِيبَة الْمَوْت تحبسونهما من بعد الصَّلَاة﴾ أَكثر الْعلمَاء على أَنه أَرَادَ بِهِ: صَلَاة الْعَصْر، (وَقَالَ الْحسن: بعد صَلَاة الظّهْر، وَالْأول أصح؛ وَإِنَّمَا خص بِهِ صَلَاة الْعَصْر؛ لِأَن وَقت الْعَصْر) مُعظم مُحْتَرم عِنْد (جَمِيع) أهل الْأَدْيَان، وَكَأن النَّاس بعد الْعَصْر يكون أجمع فِي الْأَسْوَاق والمساجد. وَالْمرَاد بِهِ: حبس الحالفين بعد الْعَصْر.
﴿فيقسمان بِاللَّه إِن ارتبتم﴾ يَعْنِي: إِن وَقعت لكم رِيبَة فِي قَول الحالفين أَو الشَّاهِدين يحلفان أَنا ﴿لَا نشتري بِهِ ثمنا وَلَو كَانَ ذَا قربى﴾ أَي: لَا نقُول إِلَّا الصدْق وَلَو كَانَ على الْقَرِيب ﴿وَلَا نكتم شَهَادَة الله إِنَّا إِذا لمن الآثمين﴾ وَإِنَّمَا قَالَ: شَهَادَة الله؛ لِأَن الشَّهَادَة تكون بِأَمْر الله
فَأَما معنى الْقِرَاءَة الأولى فَقَوله: ﴿اسْتحق عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: اسْتحق فيهم، أَو اسْتحق مِنْهُم كَقَوْلِه: ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ أَي: على جُذُوع النّخل، يَعْنِي: الَّذين وَقعت الْخِيَانَة فِي حَقهم، وهم أَوْلِيَاء الْمَيِّت، و ﴿الأوليان﴾ تَثْنِيَة: الأولى، وَالْأولَى: هُوَ الْأَقْرَب، وَمَعْنَاهُ: إِن عثر على خِيَانَة الحالفين؛ يقوم الأوليان من أَوْلِيَاء الْمَيِّت؛ فيحلفان، وَأما قَوْله: ﴿من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم﴾ أَي حق وَوَجَب فيهم، وَمَعْنَاهُ وَمعنى الْقِرَاءَة الأولى سَوَاء.
وَأما الْقِرَاءَة الثَّالِثَة: ﴿من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم الْأَوَّلين﴾ فَهُوَ بدل عَن قَوْله: ﴿من الَّذين﴾ أَو عَن الِاسْم الْمُضمر تَحت قَوْله: ﴿عَلَيْهِم﴾ ؛ فَيكون المُرَاد بِهِ أَيْضا أَوْلِيَاء الْمَيِّت وَيكون الْمَعْنى مَا بَينا.
ثمَّ بَين كَيْفيَّة قسهما؛ فَقَالَ: ﴿فيقسمان بِاللَّه لَشَهَادَتنَا أَحَق من شَهَادَتهمَا وَمَا اعتدينا إِنَّا إِذا لمن الظَّالِمين﴾
﴿وَاتَّقوا الله واسمعوا وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ قَالَ النَّخعِيّ، وَشُرَيْح: الْآيَة مَنْسُوخَة، وَقَوله: ﴿أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ﴾ لقد كَانَت شَهَادَة أهل الذِّمَّة مَقْبُولَة على الْوَصِيَّة ثمَّ نسخ، وَقد جوز بَعضهم شَهَادَة أهل الذِّمَّة فِي الْوَصِيَّة؛ خَاصَّة من لَا يرى نسخ الْآيَة مِنْهُم، وَقَالَ الْحسن: الْآيَة محكمَة، وَقد حمل قَوْله: " أَو آخرَانِ من غَيْركُمْ " على غير قبيلتكم كَمَا بَينا.
﴿وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بإذني فتنفخ فِيهَا فَتكون طيرا بإذني﴾ وَقد بَينا فِيمَا سبق كيفيته. ﴿وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وَإِذ تخرج الْمَوْتَى بإذني وَإِذ كَفَفْت بني إِسْرَائِيل عَنْك إِذْ جئتهم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذين كفرُوا مِنْهُم إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾.
(الْحَمد لله الَّذِي اسْتَقَلت بِهِ السَّمَاء فاطمأنت
(أوحى) لَهَا الْقَرار فاستقرت)
أَي: أمرهَا بالقرار.
﴿قَالُوا آمنا واشهد بأننا مُسلمُونَ﴾ وَقد ذكرنَا معنى الحواريين.
ولقراءتهم مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِهِ هَل تسْأَل رَبك، وَالثَّانِي: هَل تستدعي طَاعَة رَبك بإجابته سؤالك إِيَّاه؟ وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة فَفِي مَعْنَاهَا أَقْوَال:
أَحدهَا مَعْنَاهُ: هَل يفعل رَبك. وَقَالَ الْفراء: يَقُول الرجل لغيره: هَل تَسْتَطِيع أَن تفعل كَذَا، يُرِيد بِهِ: هَل تفعل كَذَا؟.
وَالثَّانِي مَعْنَاهُ: هَل يُطِيع رَبك اسْتَطَاعَ بِمَعْنى أطَاع، كَقَوْلِهِم: اسْتَجَابَ، يَعْنِي: أجَاب، فَيكون مَعْنَاهُ: هَل يطيعك رَبك؛ بإجابة سؤالك، وَفِي الْآثَار: " من أطَاع الله أطاعه الله " أَي: يُجيب دعاءه.
وَقيل: إِن الحواريين قَالُوا ذَلِك قبل استحكام الْمعرفَة، وَأَرَادَ بِهِ: الْقُدْرَة، وَلَو استحكمت معرفتهم لم يَقُولُوا ذَلِك، وَالصَّحِيح أحد الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين، وَهَذَا لِأَن الِاسْتِطَاعَة لَا تنْسب إِلَى الله غَالِبا؛ وَإِنَّمَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ، وَأما الِاسْتِطَاعَة تكون للْعَبد.
وَقَوله: ﴿أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء﴾ اعْلَم أَن الْمَائِدَة: اسْم لما يكون عَلَيْهِ طَعَام؛ فَإِذا لم يكن عَلَيْهِ طَعَام لَا يُسمى مائدة، وَاخْتلفُوا فِي اشتقاق الْمَائِدَة: مِنْهُم من قَالَ: هِيَ من الميد، بِمَعْنى الْإِعْطَاء، وَمِنْه: قَالُوا لأمير الْمُؤمنِينَ: الممتاد، يَعْنِي: الَّذِي يطْلب عطاؤه؛ فعلى هَذَا سميت مائدة؛ لِأَنَّهَا تُعْطِي من عَلَيْهَا الطَّعَام.
وَقيل: هُوَ من [الميد] بِمَعْنى الْحَرَكَة؛ فعلى هَذَا سميت مائدة؛ لِأَنَّهَا تتحرك بِمَا
﴿قَالَ اتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ نَهَاهُم عَن اقتراح الْآيَات بعد الْإِيمَان، وَقيل: أَرَادَ بِهِ أَي: اكتفوا بِطَعَام الأَرْض عَن طَعَام السَّمَاء.
ثمَّ اخْتلفُوا، قَالَ الْحسن، وَمُجاهد: إِن الْمَائِدَة لم تنزل أصلا، فَإِن الله - تَعَالَى -
والقصة فِي ذَلِك: أَن عِيسَى لما سَأَلَ الْمَائِدَة؛ نزلت من السَّمَاء سفرة حَمْرَاء بَين غمامتين كَانُوا يرونها، بسطت بَين أَيْديهم، وَكَانَت مغطاة، فَقَامَ عِيسَى إِلَيْهَا، وَرفع عَنْهَا الغطاء، فَإِذا عَلَيْهَا سَبْعَة أرغفة، وَسَبْعَة أحوات، وَفِي رِوَايَة: كَانَ عَلَيْهَا خَمْسَة أرغفة، وسمكة مشوية لَيْسَ فِيهَا فلوس وَلَا شوك كَمَا يكون فِي سمك الأَرْض، وَكَانَ حولهَا من كل بقل إِلَّا الكرات، وَكَانَ عِنْد رَأسهَا الْملح وَعند ذنبها الْخلّ، وَكَانَ عَلَيْهَا خمس رمانات وتميرات، وَقيل: كَانَت الأرغفة من خبز الْأرز، وَقَالَ عَطِيَّة: كَانَت عَلَيْهَا سَمَكَة لَهَا طعم جَمِيع الأَرْض، وَقيل: كَانَ عَلَيْهَا ثَمَر من ثمار الْجنَّة. وَفِي بعض الرِّوَايَات أَن عِيسَى سُئِلَ: أَهَذا من طَعَام الْجنَّة؟ فَقَالَ: لَا من طَعَام الْجنَّة، وَلَا من طَعَام الأَرْض، إِنَّمَا هُوَ طَعَام خلقه الله - تَعَالَى - لكم. وَفِي الْقِصَّة: أَن هَذَا الْمَائِدَة لما نزلت؛ دَعَا عِيسَى لَهَا الْفُقَرَاء، والزمني، وَالْمَسَاكِين، حَتَّى يَأْكُلُوا، وَكَانَت تنزل عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ يَوْمًا، يَأْكُل مِنْهَا كل يَوْم أَرْبَعَة آلَاف، أَو خَمْسَة آلَاف نفر، فَكَانُوا يَأْكُلُون، وَلَا ينقص مِنْهَا شَيْء، ثمَّ تصعد، ثمَّ تنزل، هَكَذَا كل يَوْم حَتَّى خانوا فِيهَا، فمسخوا قردة وَخَنَازِير، وَرفعت الْمَائِدَة. ثمَّ اخْتلفُوا فِي تِلْكَ الْخِيَانَة، فروى عمار بن يَاسر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أنزلت عَلَيْهِم الْمَائِدَة، وَعَلَيْهَا الْخبز وَاللَّحم، وَأمرُوا أَن لَا يدخروا مِنْهَا للغد، فادخروا وخانوا؛ فَأَصْبحُوا قردة وَخَنَازِير " وَفِي رِوَايَة: " أَصْبحُوا خنازير ". وَقيل: كَانَت خيانتهم أَن الْيَهُود قَالُوا لَهُم: إِن عِيسَى سحركم بالمائدة، وَلم يكن ثمَّ مائدة؛ فشكوا فِيهِ؛ فمسخوا خنازير، وَقيل: كَانَت خيانتهم أَن فِي الِابْتِدَاء كَانَ يَأْكُل مِنْهَا الْأَغْنِيَاء والفقراء؛ فَأَمرهمْ الله - تَعَالَى - أَن يَدْعُو لَهَا الْفُقَرَاء دون
| (لم يجزه بِهِ الْإِلَه إِذْ جزا | جنَّات عدن فِي السَّمَوَات الْعلَا) |
(لنا قمراها والنجوم طوالع... )
يَعْنِي: الشَّمْس وَالْقَمَر، وَقيل: إِن عِيسَى كَانَ بَعْضًا لِمَرْيَم، فَلَمَّا اتخذوه إِلَهًا؛ فكأنهم اتَّخذُوا أمه إِلَهًا؛ فَقَالَ: ﴿إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته﴾ اشْتغل أَولا بالثناء عَلَيْهِ والتنزيه، وَنسبه إِلَى الْقُدس وَالطَّهَارَة ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ قَالَ
وَأما السُّؤَال الثَّانِي: اعْلَم أَن فِي مصحف ابْن مَسْعُود: " وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الغفور الرَّحِيم " وَكَانَ ابْن شنبوذ يقْرَأ كَذَلِك زَمَانا بِبَغْدَاد؛ فَمنع عَنهُ، وَفِيه قصَّة، (وَقيل) : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، وَتَقْدِير الْآيَة: إِن تغْفر لَهُم فَإِنَّهُم عِبَادك، وَإِن تُعَذبهُمْ فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم. وَقيل: مَعْنَاهُ: إِن تغْفر لَهُم لَا ينقص من (عزك)
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ ينفع الصَّادِقين صدقهم بالقيامة، وَلَيْسَت بدار النَّفْع؟ قيل: مَعْنَاهُ: ينفع الصَّادِقين صدقهم فِي الدُّنْيَا لَا صدقهم فِي الْقِيَامَة، وَقيل: نفعهم بِالصّدقِ فِي الْقِيَامَة: أَنهم لَو كذبُوا؛ نطقت جوارحهم فافتضحوا، فَإِذا صدقُوا لم يفتضحوا ( ﴿لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم﴾ لله ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كل شَيْء قدير) وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
قَالَ - رَضِي الله عَنهُ -: اعْلَم أَن سُورَة الْأَنْعَام مَكِّيَّة، روى يُوسُف بن مهْرَان عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله عَنْهُمَا - أَنه قَالَ: سُورَة الْأَنْعَام نزلت جملَة بِمَكَّة لَيْلًا، مَعهَا سَبْعُونَ ألف ملك يحدونها بالتسبيح. وَقد روى هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي، وَفِي تَمام الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من قَرَأَهَا فِي لَيْلَة اسْتغْفر لَهُ السبعون ألف ملك أُولَئِكَ ليله ونهاره إِلَى أَن يصبح "، وَفِي بعض الرِّوَايَات: " أَن تِلْكَ الْمَلَائِكَة كَانَ لَهُم زجل بالتسبيح، وَكَانَت الأَرْض ترتج، وَالنَّبِيّ يَقُول: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم حَتَّى نزلت " وَفِي رِوَايَة الْكَلْبِيّ عَن [أبي] صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: نزلت سُورَة الْأَنْعَام جملَة بِمَكَّة إِلَّا آيَتَيْنِ: قَوْله - تَعَالَى -: ﴿قل تَعَالَوْا﴾ الْآيَة. وَقَوله: ﴿مَا قدرُوا الله حق قدره﴾ الْآيَة وَفِي بعض الرِّوَايَات: " إِلَّا ثَلَاث آيَات: من قَوْله: ﴿قل تَعَالَوْا﴾ إِلَى آخر الْآيَات الثَّلَاث، وَعَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: سُورَة الْأَنْعَام من نَجَائِب الْقُرْآن، وَعَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ: من قَرَأَ سُورَة الْأَنْعَام فقد انْتهى فِي رضَا ربه.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
﴿الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا﴾قَوْله - تَعَالَى -: ﴿الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ حُكيَ عَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه قَالَ: هَذِه الْآيَة أول آيَة فِي التَّوْرَاة، وَآخر آيَة فِي التَّوْرَاة:
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
120 مقطع من التفسير