جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ولا تنظر إلى ما جعلنا لضُرباء هؤلاء المعرضين عن آيات ربهم وأشكالهم، مُتْعة في حياتهم الدنيا، يتمتعون بها، من زهرة عاجل الدنيا ونضرتها لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ يقول : لنختبرهم فيما متعناهم به من ذلك، ونبتليهم، فإِن ذلك فانٍ زائل، وغُرور وخُدَع تضمحلّ وَرِزْقُ رَبّكَ الذي وعدك أن يرزقكه في الآخرة حتى ترضى، وهو ثوابه إياه خَيْرٌ لك مما متعناهم به من زهرة الحياة الدنيا. وأبْقَى يقول : وأدوم، لأنه لانقطاع له ولا نفاذ. وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ، من أجل أن رسول الله ﷺ بعث إلى يهوديّ يستسلف منه طعاما، فأبى أن يُسْلفه إلاّ برهن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع، قال : أرسلني رسول الله ﷺ إلى يهودي يستسلفه، فأبى أن يعطيه إلاّ برهن، فحزن رسول الله ﷺ، فأنزل الله : وَلا تَمُدّنّ عَيَنَيْكَ إلى ما مَتّعْنا بِهِ أزْوَاجا مِنهُمْ زَهْرَةَ الحَياةِ الدّنْيا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن يعقوب بن يزيد، عن أبي رافع، قال : نزل رسول الله ﷺ ضيف، فأرسلني إلى يهوديّ بالمدينة يستسلفه، فأتيته، فقال : لا أسلفه إلاّ برهن، فأخبرته بذلك، فقال :«إنّي لأَمِينٌ فِي أهْلِ السّماءِ وفِي أهْلِ الأرْضِ، فاحْمِلْ دِرْعِي إلَيْهِ » فنزلت : " وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعا مِنَ المَثانِي والقُرآنَ العَظِيمِ ".
وقوله : " وَلا تَمُدّنّ عَيَنَيْكَ إلى ما مَتّعْنا بِهِ أزْوَاجا مِنْهُمْ زَهْرةَ الحَياةِ الدّنْيا " إلى قوله : " وَالعاقِبَةُ للتّقْوَى ".
ويعني بقوله : أزْوَاجا مِنْهُمْ رجالاً منهم أشكالاً، وبزهرة الحياة الدنيا : زينة الحياة الدنيا. كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : زَهْرَةَ الحَياةِ الدّنْيا : أي زينة الحياة الدنيا.
ونصب زهرة الحياة الدنيا على الخروج من الهاء التي في قوله به من مَتّعْنا بِهِ، كما يقال : مررت به الشريف الكريم، فنصب الشريف الكريم على فعل مررت، وكذلك قوله : إلى ما مَتّعْنا بِهِ أزْوَاجا مِنْهُم زَهْرَةَ الحَياةِ الدّنْيا تنصب على الفعل بمعنى : متعناهم به زهرة الحياة الدنيا وزينة لهم فِيها. وذكر الفراء أن بعض بني فقعس أنشده :
| أبَعْدَ الّذِي بالسّفْحِ سَفْحِ كُوَاكِبٍ | رَهِينَةَ رَمْسٍ مِنْ تُرابٍ وَجَنْدَلِ |
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ قال : لنبتليهم فيه وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وأبقَى مما متّعنا به هؤلاء من هذه الدنيا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تنظر إلى ما جعلنا لضرباء هؤلاء المعرضين عن آيات ربهم وأشكالهم، متعة في حياتهم الدنيا، يتمتعون بها، من زهرة عاجل الدنيا ونضرتها (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) يقول: لنختبرهم فيما متعناهم به من ذلك، ونبتليهم، فإن ذلك فانٍ زائل، وغُرور وخدع تضمحلّ (وَرِزْقُ رَبِّكَ) الذي وعدك أن يرزقكه في الآخرة حتى ترضى، وهو ثوابه إياه (خَيْرٌ) لك مما متعناهم به من زهرة الحياة الدنيا (وأبْقَى) يقول: وأدوم، لأنه لا انقطاع له ولا نفاد، وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل أن رسول الله ﷺ بعث إلى يهوديّ يستسلف منه طعاما، فأبى أن يسلفه إلا برهن.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع، قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى يهودي يستسلفه، فأبى أن يعطيه إلا برهن، فحزن رسول الله ﷺ فأنزل الله (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن يعقوب بن يزيد، عن أبي رافع، قال: نزل برسول الله ﷺ ضيف: فأرسلني إلى يهودي بالمدينة يستسلفه، فأتيته، فقال: لا أسلفه إلا برهن، فأخبرته بذلك، فقال: إنِّي لأمِينٌ فِي أهْلِ السَّماءِ وفي أهْلِ الأرْضِ، فاحْمِلْ دِرْعِي إليه، فنزلت (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) وقوله (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إلى قوله (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) ويعني بقوله: (أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) رجالا منهم
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) : أي زينة الحياة الدنيا، ونصب زهرة الحياة الدنيا على الخروج من الهاء التي في قوله به من (مَتَّعْنَا بِهِ)، كما يقال: مررت به الشريف الكريم، فنصب الشريف الكريم على فعل مررت، وكذلك قوله (إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تنصب على الفعل بمعنى: متعناهم به زهرة في الحياة الدنيا وزينة لهم فيها، وذكر الفراء أن بعض بني فقعس أنشده:
| أبَعْد الَّذِي بالسَّفْح سَفْحِ كُوَاكِب | رَهِينَةَ رَمْسٍ مِنْ تُرَابٍ وَجَنْدَلِ (١) |
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.