قوله تعالى : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون
المسألة الثامنة والسبعون : في حكم الأكل من هدي التطوع.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى وجوب الأكل من هدي التطوع، وأما إن كان من الأهداء الواجبة فإنه لا يجوز للمهدي الأكل منه، بل يجب عليه التصدق به كله.
قال ابن حزم : ويأكل من هدي التطوع إذا بلغ محله ولا بد، كما قلنا، ولا يحل له أن يأكل من شيء من الأهداء الواجبة إذا بلغت محلها، فإن أكل ضمن مثل ما أكل فقط، ولا يعطى في جزارة الهدي شيء منه أصلا، ويتصدق بجلاله وجلوده ولابد.
أما التطوع، فلقول الله تعالى : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر (١) الآية. وأمر الله تعالى فرض.
ومن طريق مسلم، نا إسحاق بن إبراهيم، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكر حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال جابر :( ( ثم انصرف رسول الله عليه السلام إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ) )(٢)
فهذا أمر منه عليه السلام بأخذ البضعة وطبخها، ولم يقتصر على الأكل من بعض الهدي دون بعض.
ومن جعل بعض أوامره عليه السلام في كل ما ذكرنا فرضا وبعضا ندبا فقد تحكم في دين الله تعالى بالباطل وبما لا يحل من القول. (٣)
المسألة التاسعة والسبعون : في المدة المحددة لذبح الهدايا والضحايا.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى جواز التضحية من يوم النحر إلا أن يهل هلال المحرم.
قال ابن حزم : والتضحية جائزة من الوقت الذي ذكرنا يوم النحر إلا أن يهل هلال المحرم، والتضحية ليلا ونهارا جائز.
وقال أيضا : الأَضحية فعل خير، وقربة إلى الله تعالى، وفعل الخير حسن في كل وقت، قال الله تعالى : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير (٤)
فلم يخص تعالى وقتا من وقت ولا رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز تخصيص وقت بغير نص.
فالتقريب إلى الله تعالى بالتضحية حسن ما لم يمنع منه نص، أو إجماع، ولا نص في ذلك ولا إجماع إلى آخر ذي الحجة. اه(٥)
المسألة الثمانون : في حكم أكل ما قطع من البهيمة وهي حية.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن ما قطع وأبين من البهيمة وهي حية، أو قبل تمام تذكيتها فهو ميتة يحرم أكله.
قال ابن حزم : وما قطع من البهيمة وهي حية، أو قبل تمام تذكيتها، فبان عنها فهو ميتة لا يحل أكله، فإن تمت الذكاة بعد قطع ذلك الشيء أكلت البهيمة، ولم تؤكل تلك القطعة.
وهذا ما لا خلاف فيه ؛ لأنها زايلت البهيمة، وهي حرام أكلها، فلا تقع عليها ذكاة كانت بعد مفارقتها لما قطعت منه.
وما قطع منها بعد تمام التذكية، وقبل موتها لم يحل أكله ما دامت البهيمة حية، فإذا ماتت حلت هي وحلت القطعة أيضا ؛ لقول الله تعالى : فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها (٦)
فلم يبح الله أكل شيء منها إلا بعد وجوب الجنب، وهي في اللغة : الموت.
ولا خلاف بين أحد في أن حكم البُدن في ذلك حكم سائر ما يُذكى. (٧)
٢ رجال الإسناد:
مسلم سبقت ترجمته ص (٧١).
إسحاق بن إبراهيم، أبو محمد ابن راهوية، سبقت ترجمته ص (٤٨).
حاتم بن إسماعيل المدني، أبو إسماعيل الحارثي مولاهم، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة (١٨٧ هـ/ ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (١٠٠٢).
جعفر بن محمد بن علي سبقت ترجمته ص (٣٨٨).
أبيه: محمد بن علي سبقت ترجمته ص ٣٨٨
جابر بن عبد الله سبقت ترجمته ص ٣٨٨.
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في: الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (٢٩٤١)..
٣ المحلى (٧/١٩٤-١٩٥) باختصار..
٤ سورة الحج (٣٦)..
٥ المحلى (٨/٢٣-٢٥) باختصار..
٦ الحج (٣٦)..
٧ المحلى (٨/٨٧)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري