ثم يقول الحق سبحانه :
والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف١ فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع٢ والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ( ٣٦ ) :
بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى في النفقة مما رزقكم الله تكلم في النفقة في البدن، والبدن : جمع بدنة، وهي الجمل أو الناقة، أو ما يساويهما من البقر، وسماها بدنة إشارة إلى ضرورة أن تكون بدينة سمينة وافرة، ولا بد أن تراعي فيها هذه الصفة عند اختيارك للهدي الذي ستقدمه لله، واحذر أن تكون من أولئك الذين يجعلون لله ما يكرهون، إنما كن من الذين قال الله لهم : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم.. ( ٢٦٧ ) [ البقرة ].
وقوله تعالى : فاذكروا اسم الله عليها صواف.. ( ٣٦ ) [ الحج ] : أي : اذكروا الله بالشكر على أن وهبها وذللها لكم، واذكروا اسم الله عليها حين ذبحها.
ومعنى : صواف.. ( ٣٦ ) [ الحج ] : يعني : واقفة قائمة على أرجلها، لا ضعف فيها ولا هزال، مصفوفة وكأنها في معرض أمامك. وهذه صفات البدن الجيدة التي تناسب هذه الشعيرة وتليق أن تقدم هديا لبيت الله.
ومعنى : فإذا وجبت جنوبها.. ( ٣٦ ) [ الحج ] : وجب الشيء وجبا يعني : سقط سقوطا قويا على الأرض، ومعلوم أن البدنة لا تذبح وهي ملقاة على الأرض مثل باقي الأنعام، وإنما تنحر وهي واقفة، فإذا ما نحرت وقعت على الأرض وارتمت بقوة من بدانتها.
فكلوا منها.. ( ٣٦ ) [ الحج ]. وقلنا : إن الأكل لا يكون إلا من الهدي المحض والتطوع الخالص الذي لا يرتبط بشيء من مسائل الحج، فلا يكون هدي تمتع أو قران، ولا يكون جبرا لمخالفة، ولا يكون نذرا.. إلخ.
وعلة الأمر بالأكل من الهدي، لأنهم كانوا يتأففون أن يأكلوا من المذبوح للفقراء، وكأن في الأمر بالأكل منها إشارة لوجوب اختيارها مما لا تعافه النفس.
ومعنى : القانع والمعتر.. ( ٣٦ ) [ الحج ] : القانع : الفقير الذي يتعفف أن يسأل الناس، والمعتر : الفقير الذي يتعرض للسؤال.
ثم يقول سبحانه : كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون ( ٣٦ ) [ الحج ] : يعني : سخرناها لكم، ولو في غير هذا الموقف، لقد سخرها الله لكم منذ وجد الإنسان، لذلك عليكم أن تشكروا الله على أن أوجدها وملككم إياها، وتشكروه على أن سخرها وذللها لكم، وتشكروه على أن هداكم للقيام بهذا المنسك، وأداء هذه الشعيرة وعمل هذا الخير الذي سيعود عليكم بالنفع في الدنيا وفي الآخرة.
- صواف: أي: قياما على ثلاث قوائم معقولة يدها اليسرى. عن ابن عباس ومجاهد وعلي بن أبي طلحة، وهي قراءة الجمهور.
- صوافن: جمع صافنة، وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر.
- صوافي: أي: خوالص لله عز وجل، لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا. عن الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبي موسى الأشعري.
- صواف: وهي بمعنى التي قبلها. عن الحسن البصري. [تفسير القرطبي ٦/٤٥٩٣]..
٢ - قال ابن الأثير: القانع في الأصل السائل. وقال الحسن البصري فيما رواه عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد: القانع الذي يقنع إليك بما في يديك. والمعتر الذي يتصدى إليك لتطعمه. ولفظ ابن أبي شيبة: والمعتر الذي يعتريك، يريك نفسه ولا يسألك. [الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٥٥ ]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي