ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

قَوْله تَعَالَى: وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده اعْلَم أَن الْجِهَاد يكون بِالنَّفسِ، وبالقلب، وبالمال؛ فَأَما الْجِهَاد بِالنَّفسِ فَهُوَ فعل الطَّاعَات وَاخْتِيَار الأشق من الْأُمُور، وَأما الْجِهَاد بِالْقَلْبِ فَهُوَ دفع الخواطر الردية، وَأما الْجِهَاد بِالْمَالِ فَهُوَ الْبَذْل (والإيثار).
وَقَوله: حق جهاده قَالَ بَعضهم: " هُوَ أَن يُطِيع الله (وَلَا يعصيه)، ويذكره

صفحة رقم 457

هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم فَلَا ينساه، ويشكره فَلَا يكفره، وَقَالَ بَعضهم: حق جهاده: هُوَ أَن لَا يخل بِفَرْض مَا.
وَعَن بعض أهل التَّحْقِيق قَالَ: حق جهاده هُوَ أَن لَا يتْرك جِهَاد نَفسه طرفَة عين. وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار: أَن النَّبِي لما رَجَعَ من غَزْوَة تَبُوك قَالَ: " رَجعْنَا من الْجِهَاد الْأَصْغَر إِلَى الْجِهَاد الْأَكْبَر " وعنى بِالْجِهَادِ الْأَصْغَر هُوَ الْجِهَاد مَعَ الْكفَّار، وبالجهاد الْأَكْبَر الْجِهَاد مَعَ النَّفس، وَأنْشد بَعضهم.

(يَا رب إِن جهادي غير مُنْقَطع وكل أَرْضك لي ثغر وطرسوس)
وَقَوله: هُوَ اجتباكم أَي: اختاركم.
وَقَوله: وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج (فَإِن قَالَ قَائِل: فِي الدّين حرج كثير بِلَا إِشْكَال فَمَا معنى قَوْله: وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج ) ؟ قُلْنَا: فِيهِ أَقُول: أَحدهَا: أَن الْحَرج هُوَ الضّيق، وَمعنى الْآيَة هَاهُنَا: أَنه لَا ضيق فِي الدّين بِحَيْثُ لَا خلاص عَنهُ، فَمَعْنَاه: أَن المذنب وَإِن وَقع فِي ضيق من مَعْصِيَته، فقد جعل الله لَهُ خلاصا بِالتَّوْبَةِ، وَكَذَلِكَ إِذا حنث فِي يَمِينه جعل الله لَهُ الْخَلَاص بِالْكَفَّارَةِ، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى الْآيَة أَن الله تَعَالَى لم يُكَلف نفسا فَوق وسعهَا، وَقد ذكرنَا هَذَا من قبل، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن المُرَاد من الْآيَة أَنه إِذا كَانَ مَرِيضا فَلم يقدر على الصَّلَاة قَائِما صلى قَاعِدا، فَإِن لم يقدر على الصَّلَاة قَاعِدا صلى بِالْإِيمَاءِ، وَيفْطر إِذا شقّ عَلَيْهِ الصَّوْم بسفر أَو مرض أَو هرم، وَكَذَلِكَ سَائِر وُجُوه الرُّخص.
وَقَوله: مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الْآيَة خطاب مَعَ الْعَرَب، وَقد كَانَ إِبْرَاهِيم أَبَا لَهُم، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْآيَة خطاب مَعَ جَمِيع الْمُسلمين، وَجعل

صفحة رقم 458

الْمُسلمين من قبل وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس فأقيموا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة إِبْرَاهِيم أباهم على معنى وجوب احترامه، وَحفظ حَقه كَمَا يجب احترام الْأَب وَحفظ حَقه، وَإِنَّمَا نصب مِلَّة على معنى: ابْتَغوا مِلَّة إِبْرَاهِيم.
وَقَوله: هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الله سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل أَو فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
وَقَوله: وَفِي هَذَا أَي: فِي الْقُرْآن، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن إِبْرَاهِيم سَمَّاكُم الْمُسلمين، وَالدَّلِيل على هَذَا القَوْل أَن الله تَعَالَى قَالَ خَبرا عَن إِبْرَاهِيم: رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك وَمن ذريتنا أمة مسلمة لَك الْآيَة.
وَقَوله: ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس ذكرنَا هَذَا فِي سُورَة الْبَقَرَة وَالنِّسَاء، وَفِي الْخَبَر: " أَن الله تَعَالَى أعْطى هَذِه الْأمة ثَلَاثًا مثل مَا أعْطى الْأَنْبِيَاء: كَانَ يُقَال للنَّبِي: اذْهَبْ فَلَا حرج عَلَيْك، وَقَالَ الله تَعَالَى لهَذِهِ الْأمة: وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج، وَكَانَ يُقَال للنَّبِي: أَنْت شَاهدا على أمتك، فَقَالَ الله تَعَالَى لهَذِهِ الْأمة: لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس، وَكَانَ يُقَال للنَّبِي: سل تعطه، فَقَالَ الله تَعَالَى لهَذِهِ الْأمة: ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم ".
وَقَوله: فأقيموا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة ظَاهر الْمَعْنى، وروى ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا تقبل الصَّلَاة إِلَّا بِالزَّكَاةِ ".
وَقَوله: واعتصموا بِاللَّه أَي: تمسكوا بدين الله، وَيُقَال مَعْنَاهُ: ادعوا الله

صفحة رقم 459

واعتصموا بِاللَّه هُوَ مولاكم فَنعم الْمولى وَنعم النصير (٧٨) ليثبتكم على دينه، وَفِيه قَول ثَالِث: أَن الِاعْتِصَام بِاللَّه هُوَ التَّمَسُّك بِالْكتاب وَالسّنة، وَعَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: الِاعْتِصَام بِالسنةِ نجاة.
وَقَوله: هُوَ مولاكم أَي: حافظكم فَنعم الْمولى أَي: الْحَافِظ وَنعم النصير أَي: النَّاصِر.

صفحة رقم 460

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ (١)
تَفْسِير سُورَة الْمُؤمنِينَ وَهِي مَكِّيَّة

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

صفحة رقم 461

تفسير السمعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تحقيق

ياسر بن إبراهيم

الناشر دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر 1418 - 1997
الطبعة الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية