ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

و جاهدوا الجهد بالضم الوسع و الطاقة و بالفتح المشقة وقيل : المبالغة والغاية، وقيل : هما لغتان في الوسع والطاقة وأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير الجهاد والمجاهدة مفاعلة منه، لما كان بناؤه للاشتراك بين اثنين استعمل في المحاربة مع الأعداء فإن فيه تحمل المشقة من الجانبين واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل والمبالغة فيه إلى غاية ( في الله( أي في سبيله وإعلان دينه وقضاء أحكامه وقيل معناه لله ( حق جهاده( منصوب على المصدرية ومعناه جهادا فيه حقا خالصا، أي حق ذلك الجهاد حقا وخلص خلوصا لوجهه الكريم، فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة كقولك هو حق عالم وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعا أو لأنه مختص بالله من حيث إنه مفعول لوجه الله، ومن أجله قال ابن عباس هو استفراغ الطاقة فيه وأن لا يخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد، وقال الضحاك ومقاتل اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته وقال أكثر المفسرين حق الجهاد أن يكون نيته خالصة لله عز وجل وقال السدي أن يطاع فلا يعصى وقال عبد الله بن المبارك هو مجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر وهو حق الجهاد قال البغوي وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قال البغوي أراد بالجهاد الأصغر لجهاد مع الكفار وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس وأخرج البيهقي في الزهد عن جابر رضي الله عنه، قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة فقال قد متم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الكبر قيل : وما الجهاد الأكبر ؟ قال : مجاهد العبد لهواه " قال البيهقي هذا إسناد فيه ضعف.
قلت : ليس المراد بالجهاد في هذه الآية المحاربة مع الكفار خاصة لأنه يأبى عنه سياق الآية لأن في نسق الآية ارتقاء من الأخص إلى الأعم في كل عطف حيث ذكر الصلاة أولا بقوله :( اركعوا واسجدوا( لكونها أهم العبادات ثم عطف عليه ( واعبدوا ربكم( وهو يشتمل العبادات كلها الصلاة وغيرها ثم قال :( وافعلوا الخير( وهو يشتمل أداء حقوق الله تعالى كلها من العبادات والعقوبات وغيرها ومحاربة الكفار وأداء حقوق الناس ومكارم الأخلاق وغير ذلك، وإتيان السنن والمستحبات كله ثم قال :( وجاهدوا في الله حق جهاده( فلا وجه لحمله على محاربة الكفار خاصة بل المراد منه الإخلاص في الأقوال والأعمال والأحوال كلها ويحصل ذلك بالجهاد مع النفس ومخالفة الهوى، فإن الإخلاص إنما يحصل بصفاء القلب وفناء النفس وهما بالجهاد مع النفس الأمارة بالسوء ومخالفة الهوى مع اقتباس أنوار النبوة وذلك في اصطلاح القوم يعبر بالسلوك والجذب وذلك الإخلاص هو المعنى من أقوال أوائل المفسرين المذكورة فإن الصوفي إذا صار من المخلصين بعد فناة النفس وصفاء القلب لا يخاف في الله لومة لائم ويبعد الله حق عبادته بلا رياء وسمعة بنية خالصة لله عز وجل ويطيع الله ولا يعصيه ولا شك أن ذلك هو الجهاد الأكبر، وأما الجهاد الأصغر يعني المحاربة مع الكفار فهو صورة الجهاد ولا يعتد به ولا بشيء من العبادات ما لم يكن خالصا لوجه الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " ١ متفق عليه، من حديث عمر بن الخطاب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء هو للذي عمله " ٢ رواه مسلم فائدة : قوله صلى الله عليه وسلم " قد متم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " يفيد أن الجهاد الأكبر يعين المجاهدة مع النفس إنما يتأتى للمريد بمصاحبة الشيخ الكامل المكمل، فإنهم لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد المحاربة مع الكفار اكتسبوا ببركة صحبته وانعكاس أشعة أمواره صفاء في القلب وفناء في النفس وقوله رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر الضمير المتكلم مع الغير والمراد منه إسناد الرجوع إلى من معه من الصحابة فإنهم كانوا في حالة الجهاد مشغولين بمحاربة الكفار وإن كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مصاحبته لكن كان غالب هممهم مدافعة الكفار ثم إذا صاروا في المدينة مقيمين مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حينئذ همهم إلا الاقتباس لأنواره والاقتفاء بمعالم آثاره وأخذ العلوم الظاهرة والباطنة من جنابه صلى الله عليه وسلم ( هو اجتباكم( أي اختاركم من بين الخلائق لمصاحبة نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم " إن الله اختارني واختار لي أصحابا واختار لي منهم أصهارا وأنصار " ٣ وعن وائلة بن أشقع قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " ٤ رواه مسلم وفي رواية للترمذي " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ( وما جعل عليكم في الدين من حرج( أي ضيق وتكليف يشتد القيام به عليكم قيل معناه أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص وبعضها بأنواع الكفارات فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب وكان فيما سبق من الأمم من الذنوب ما لا ثوبة لها، وقيل معناه ليس عليكم من ضيق في أوقات فرضوكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس عليكم وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا وقال مقاتل يعني الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة في السفر والتيمم والإفطار في السفر والمرض وأكل الميتة عند الضرورة والصلاة قاعدا أو مستلقيا عند العجز وهو قول الكلبي وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " وروي عن ابن عباس أنه قال : الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصار التي كانت عليهم وضعها الله عز وجل عن هذه الأمة، قلت : ويمكن أن يقال معنى قوله تعالى : ما جعل الله عليكم في الدين من حرج أنه تعالى رفع عنكم كلفة التكاليف الشرعية أرغب إليكم من المرغوبات الطبعية وذلك من لوازم الاجتباء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " جعلت قرة عيني في الصلاة " ٥ رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أنس ( ملة أبيكم( منصوب على الإغراء أي عليكم ملة أبيكم أو على الاختصاص أي أعني بالدين ملة أبيكم أو على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبلها بحذف المضاف أي وسع دينكم توسعة ملة أبيكم ( إبرهيم( عطف بيان والظاهر أنه خطاب للمؤمنين من قريش إذا السورة مكية ثم الناس تبع لهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم " ٦ متفق عليه من حديث أبي هريرة وفي رواية لمسلم عن جابر أنه قال صلى الله عليه وسلم قال :" الناس تبع لقريش في الخير والشر " وقيل : خطاب للعرب وكانوا من نسل إبراهيم وقيل خطاب لجميع المسلمين وإبراهيم كان أبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأب لأمته فإنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة ولأجل ذلك قال الله تعالى ( وأزواجه أمهاتهم( ٧ وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائظ فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطيب بيمينه " ٨ رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن أبي هريرة ولما كان ملة إبراهيم ودينه مرغوبا لأهل مكة مؤمنهم وكافرهم وكانت الكافرون منهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم عليه السلام لا غير ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا( ٩ ( هو( يعني الله سبحانه ( سماكم المسلمين من قبل( نزول القرآن في الكتب المتقدمة ( وفي هذا( القرآن سماكم مسلمين وقال ابن زيد هو يعني إبراهيم سماكم المسلمين من قبل هذا الوقت في أيامه حيث قال ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك( ١٠ يعني أهل مكة، وتسميتهم مسلمين في القرآن وإن لم يكن من إبراهيم لكن كان بسبب تسميته من قبل : وقيل : تقدير الكلام وفي هذا القرآن بيان تسميته إياكم مسلمين هذه الجملة بيان لقوله تعالى :( هو اجتباكم( فإن الهداية إلى الإسلام الحقيقي والتسمية بالمسلمين مبني على الاجتباء ( ليكون الرسول( متعلق بمضمون ( هو سماكم المسلمين( أي أعطاكم الإسلام وجعلكم مسلمين ( ليكون الرسول( ( شهيدا عليكم( القيامة أن قد بلغكم، قلت : وجاز أن يكون متعلقا بقوله ( اركعوا واسجدوا( مع ما عطف عليه ( وتكونوا( أنتم ( شهداء على الناس( أن رسلهم قد بلغتهم أخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنا وأمتى يوم القيامة على كئوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد إلا ود أنه منا وما من نبي إلا كذبه قومه ونحن نشهد انه قد بلغ رسالة ربه " واخرج ابن المبارك في الزهد أنبأنا رشد بن سعد حدثني ابن العم عن أبي حبلة بسنده قال : أول من يدعي يوم القيامة إسرافيل عهدي ؟ فيقول : نعم قد بلغته جبرائيل فيدعى جبرائيل فيقال : هل بلغك إسرافيل عهدي ؟ فيقول : نعم فيخلى إسرافيل فيقول لجبرائيل ما صنعت في عهدي فيقولون نعم فيقال لهم ما صنعتم في عهدي فيقولون بلغنا الأمم فيدعى الأمم فيقال لهم هل بلغكم الرسل ؟ فمكذب ومصدق فيقول الرسل لنا عليهم شهداء فيقول من ؟ فيقولون أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيدعى أمة محمد فيقال لهم أتشهدون أن الرسل قد بلغت الأمم ؟ فيقولون : نعم، فيقول الأمم يا ربنا كيف يشهد علينا من لم يدركنا ؟ فيقول الله تعالى كيف تشهدون عليهم ولم تدركون ؟ فيقولون : يا ربنا أرسلت إلينا رسولا وأنزلت علينا كتابا وقصصت علينا فيه أن قد بلغوا فذلك قوله :( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا( ١١ وقد ذكرنا ما رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد الخذري في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى :( وكذلك جعلناكم امة وسطا(.
( فأقيموا الصلاة( داوموا عليها ( وءاتوا الزكاة( يعني فتقربوا إلى الله بأنواع الطاعات لما خصكم بهذا الفضل والشرف ( واعتصموا بالله( يعني ثقوا به في جميع أموركم ولا تستعينوا في شيء إلا منه، وقال الحسن : معناه تمسكوا بدين الله وروي عن ابن عباس سلوا ربكم يعصمكم من كل ما يكره وقيل : معناه أدعوه ليثيبكم على دينه وقيل الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله " رواه مالك في الموطأ مرسلا، وعن عصيف بن الحارث اليماني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنن فتمسك سنة خير من إحداث بدعة " ١٢ رواه أحمد ( هو مولاكم( ناصركم وحافظكم ومتولي أموركم هذه الجملة في مقام التعليل للاعتصام ( فنعم المولى ونعم النصير( الفاء للسببية يعني إذا ثبت أن الله مولاكم ونصيركم فنعم المولى مولاكم ونعم النصير نصيركم إذ لا مثل له في الولاية والنصر بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة والله أعلم، تم تفسير سورة الحج من تفسير ال

١ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصهاره، وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية (١٩٠٧)..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله (٢٩٨٥)..
٣ رواه الطبراني وفيخ من لم أعرفه.
انظر مجمه الزوائد في كتاب: المناقب، باب: ما جاء في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصهاره، (١٦٣٩١)..

٤ أخرجه مسلم في كتاب: الفضائلن باب: فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة (٢٢٧٦)، وأخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: ما جاء في فضل النبي صلى الله عليه وسلم (٣٦١٥)..
٥ أخرجه النسائي في كتاب: عشرة النساء، باب: حب النساء (٣٩٣٩)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: قول الله تعالى: يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى (٣٤٩٥)à واخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: الناس تبع لقريش والخلافة في قريش (١٨١٨)..
٧ سورة الأحزاب الآية: ٦..
٨ أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب: كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (٨)..
٩ سورة آل عمران الآية: ٦٨..
١٠ سورة البقرة الآية: ١٢٨..
١١ سورة البقرة الآية: ١٤٣..
١٢ رواه أحمد والبزار وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم وهو منكر الحديث. انظر مجمع الزوائد في كتاب: العلم، باب: في البدع والأهواء (٨٩٢)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير