ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

يعني: أن من أشرك بعبادته غيره لم (١) يوحده، وعبادته إنما تصح مع التوحيد فجاز أن يسمي التوحيد عبادة؛ لأنه أصل العبادة وأعظمها.
وقال أبو إسحاق: أي: اقصدوا بركوعكم وسجودكم الله -عز وجل- وحده (٢).
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ قال مقاتل: الخير الذي أمرتم به (٣). كأنه بمعنى (٤) الصلاة.
وقال ابن عباس: يريد صلة الرحم ومكارم الأخلاق (٥).
وقال الزجاج: الخير كل ما أمر الله به لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال: لترجوا أن تكونوا على فلاح (٦).
وقال ابن عباس: يريد: كي تسعدوا وتبقوا في الجنة (٧).
وذكرنا قديمًا هذين المذهبين في لَعَلَّكُمْ أينما كان في القرآن (٨).
٧٨ - قوله: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ قال ابن عباس -في رواية عطاء: بنية صادقة (٩) - وعلى هذه حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله تعالى.

(١) في (ظ): (ولم).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٣٩.
(٣) "تفسير مقاتل" ٢/ ٢٩ أ.
(٤) في (ظ)، (د)، (ع): (يعني).
(٥) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠١، والزمخشري ٣/ ٢٣، وأبو حيان ٦/ ٣٩١.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٣٩.
(٧) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠١، وذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٥٤ من غير نسبة لأحد.
(٨) انظر: "البسيط" ظهر قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١].
(٩) ذكر هذا القول البغوي ٥/ ٤٠٢، وعزاه لأكثر المفسرين.

صفحة رقم 504

وقال مقاتل بن حيان: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ يعني العمل أن تجتهدوا (١) فيه (٢).
وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى (٣).
وقال مقاتل بن سليمان: يقول اعملوا لله بالخير حق عمله، نسختها الآية التي في التغابن فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] (٤).
ونحو هذا قال الضحاك (٥) سواء. واختاره الزجاج (٦).

(١) في (ظ): (يجهدوا).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" ٦/ ٧٨.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" ٦/ ٧٨.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢/ ٢٩ أ.
(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ أ، وذكر الطبري ١٧/ ٢٠٥ هذا القول ثم قال: وهذا قول ذكره عن الضحاك عن بعض من في روايته نظر.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٣٩.
والقول بنسخ هذه الآية لا دليل عليه، ولا تعارض بين هذه الآية وآية التغابن، ولهذا قال أبو عثمان النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص ٥٧٧: وهذا لا نسخ فيه. وقال مكي بن أبي طالب في "إيضاح ناسخ القرآن ومنسوخه" ص ٣١٠: والقول في هذا أنه محكم، ومعناه: جاهدوا في الله بقدر الطاقة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وقال ابن عطية ١٠/ ٣٢٦: ومعنى الاستطاعة في هذه الأوامر هو المراد من أول الأمر، فلم يستقر تكليف بلوغ الغاية شرعًا ثابتًا فيقال إنه نُسِخ بالتخفيف، وإطلاقهم النسخ في هذا غير محدق.
وقال ابن القيم في "زاد المعاد" ٣/ ٨: ولم يصب من قال إن الآيتين -يعني هذه الآيهَ وقوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران: ١٠٢]- منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يطاق، وحق تقاته وحق جهاده. هو ما يطيقه كل عيد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين في القدرة والعجز والعلم والجهل. فحق =

صفحة رقم 505

وروي عن ابن عباس: جاهدوا في سبيل الله أعداء الله باستفراغ الطاقة فيه (١). وروي عنه (٢) أيضًا: حَقَّ جِهَادِهِ أي لا تخافوا (٣) في الله لومة لائم (٤).
وقال عبد الله بن المبارك: حق الجهاد مجاهدة النفس والهوى (٥).
قوله: هُوَ اجْتَبَاكُمْ أي: اختاركم واصطفاكم واستخلصكم لدينه وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ قالوا جميعًا: من ضيق (٦).
واختلفوا في وجه رفع الحرج. فروي عن ابن عباس أنه قال: جعل الله (٧) الكفارات مخرجًا (٨).
يعني أن (٩) من أذنب ذنبًا جعل له منه مخرجًا (١٠)، إما بالتوبة، أو بالقصاص، أو برد المظلمة، أو بنوع كفارة فلم يُبتل المؤمن بشيء من

= التقوى وحق الجهاد بالنسبة إلى القادر المتمكن العالم شيء، وبالنسبة إلى العاجز الجاهل الضعيف شيء، وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ والحرج الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد.
(١) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ أ.
(٢) في (ظ): (عن ابن عباس).
(٣) في (أ)، (ظ)، (د): (تخاف. والمثبت من (ع) هو الموافق لما عند الطبري والثعلبي.
(٤) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ أ. ورواه الطبري ١٧/ ٢٠٥.
(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ أ.
(٦) انظر: الطبري ١٧/ ٢٠٦، "الدر المنثور" ٦/ ٧٩ - ٨٠.
(٧) لفظ الجلالة زيادة من (أ).
(٨) سيأتي تخريجه.
(٩) (أن): ساقطة من (ظ)، (ع).
(١٠) في (د)، (ع): (مخرج).

صفحة رقم 506

الذنوب إلا جُعل له منه مخرج. وهذا رواية الزهري عنه (١).
وروي عنه قول آخر، قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الهلال، وفي الفطر (٢) وأشباهه حتى يتيقنوا (٣).
وعلى هذا رفع الحرج يعود إلى أنا أمرنا بالأخذ باليقين عند الاشتباه.
وروي عن أبي هريرة أنه قال لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى. قال (٤): قوله: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي

(١) روى الطبري في "تفسيره" ١٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦ عن الزهري قال: سأل عبد الملك بن مروان علي بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فقال علي بن عبد الله: الحرج: الضيق، فجعل الله الكفارات مخرجًا من ذلك. سمعت ابن عباس يقول ذلك.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٧٩ وعزاه لمحمد بن يحيى الذهلي في "الزهريات" وابن عساكر. وروى ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" ٦/ ٧٨ - ٧٩ من طريق ابن شهاب، أن ابن عباس كان يقول في قوله وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ: توسعة الإسلام، وما جعل الله من التوبة ومن الكفارات.
(٢) في (أ): (الفطرة).
(٣) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل ١٥٦ ب، والطبري ١٧/ ٢٠٧ وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "الدر المنثور" ٦/ ٧٩ من طريق عثمان بن يسار -وتصحف في المطبوع من الطبري والدر المنثور إلى: بشار، والصواب يسار كما في "التاريخ الكبير" للبخاري ٦/ ١٧٣، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم ٦/ ٢٥٧ - عن ابن عباس.
وليس قوله (حتى يتيقنوا) في رواية أحد منهم، وإنما أدخلها الواحدي من كلام الثعلبي ٣/ ٥٧ ب، حيث ذكر الثعلبي هذا القول ولم ينسبه لأحد.
(٤) (قال): ساقطة من (ظ).

صفحة رقم 507

الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}؟ قال: ذلك الإصر (١) الذي كان على بني إسرائيل، وضعه الله عنكم (٢).
وقال مقاتل بن حيان: يعني إباحة الرخص عند الضرورات، كالقصر في الصلاة، والتيمم، وأكل الميتة، والإفطار عند المرض والسفر (٣).
وهو قول الكلبي (٤)، واختيار الزجاج (٥).
قوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ قال أكثر النحويين (٦): (ملة) منصوب على الأمر، معناه: اتبعوا ملة أبيكم.
وقال المبرد: أي عليكم ملة أبيكم (٧).

(١) في (ج)، (د)، (ع): (الأمر).
(٢) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" ٦/ ٧٨ عن محمد قال: قال أبو هريرة لابن عباس، فذكره.
(٣) ذكره السيوطي عنه في "الدر المنثور" ٦/ ٨٠ بأطول من هذا، وعزاه لابن أبي حاتم.
(٤) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠٣.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٤٠. وما ذكر هنا من الأقوال داخل في معنى الآية، وكل ذكر مثلا على رفع الحرج. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" ٣/ ١٣٠٥ - بعد أن ذكر وجوهًا من رفع الحرج: ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام.
وقال ابن القيم في "زاد المعاد" ٣/ ٨ - ٩: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ والحرج: الضيق، بل جعله واسعًا يسع كل أحد،.. ، وما جعل على عبده في الدين من حرج بوجه ما.. وقد وسع الله -سبحانه وتعالى- على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته..
ثم ذكر -رحمه الله- أمثلة لذلك.
(٦) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ١٠٦، "الإملاء" للعكبري ٢/ ١٤٧، "البحر المحيط" ٦/ ٣٩١، "الدر المصون" ٨/ ٣٠٩.
(٧) لم أجده.

صفحة رقم 508

وتأويل عليكم: اتبعوا واحفظوا. وهذا قول الأخفش (١)، والفراء (٢)، والزجاج (٣).
قال الفراء: ويجوز أن يكون المعنى كملة أبيكم فإذا ألقيت (٤) الكاف نصبت (٥).
وقال أبو إسحاق: وجائز أن يكون منصوبًا بقوله: (٦) وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ فعل أبيكم إبراهيم (٧).

(١) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ٢/ ٦٣٨.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٣١ وفيه: وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٤٠.
(٤) في (أ): (الغيت).
(٥) عبارة الفراء في "معانيه" ٢/ ٢٣١ هي: وقوله: (ملة أبيكم) نصبتها على: وسع عليكم كملة إبراهيم؛ لأن قوله وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ يقول: وسعة وسمحه كملة إبراهيم، فإذا ألقيت الكاف نصبت. وقد تنصب (ملة إبراهيم) على الأمر بها؛ لأن أول الكلام أمر كأنه قال: اركعوا والزموا ملة إبراهيم. انتهى كلامه. فليس في عبارة الفراء: ويجوز، بل إنه ذكر هذا القول ثم ذكر قولا آخر وصدره بقوله: وقد -وهو القول الذي ذكر الواحدي أنه قول الفراء- فعكس الواحدي الأمر. والله أعلم.
وهذا الوجه الذي ذكره الفراء استبعده مكي في "مشكل إعراب القرآن" ٢/ ٤٩٥، والأنباري في "البيان في غريب إعراب القرآن" ٢/ ١٧٩.
(٦) في (أ)، (ظ): (اعبدوا)، وهو هكذا في "معاني الزجاج".
(٧) "معاني القرآن" للزجاج ٣٠/ ٤٤٠. ونحو هذا قال الزمخشري ٣/ ٢٤: كأنه قال: وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم. ثم حذف المضاف -يعني توسعة- وأقيم المضاف إليه -يعني ملة- مقامه. وعلى هذا القول انتصاب (ملة) على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف. واستظهر هذا الوجه السمين الحلبي ٨/ ٣١٠.
وقيل (ملة) منصوبة على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم. =

صفحة رقم 509

وعلى هذا أقيم قوله (ملة) مقام المصدر، وذلك أن فعل إبراهيم هو ملته وشرعه (١).
وقوله: أَبِيكُمْ إن حمل الكلام على تخصيص العرب (٢) بالخطاب في هذه الآية، فإبراهيم أبو العرب قاطبة، وإن حمل (٣) على التعميم فهو أبو المسلمين كلهم؛ لأن حرمته على المسلمين كحرمة الوالد كما قال -صلى الله عليه وسلم-: "إنما أنا لكم مثل الوالد" (٤). وكقوله تعالى: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب: ٦]. وهذا معنى قول الحسن (٥).
قال المفسرون: وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم، لأنها داخلة في ملة محمد عليهما (٦) السلام (٧).

= وقيل: منصوبة بـ (جعلها) مقدرًا.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ١٠٦، "الإملاء" للعكبري ٢/ ١٤٧، "البحر المحيط" ٦/ ٣٩٠، "الدر المصون" ٨/ ٣٠٩ - ٣١٠.
(١) في (ظ): (شرعه).
(٢) (العرب): ساقطة من (أ). فأصبحت العبارة في (أ): (على تخصيص الخطاب).
(٣) في (أ): (عمل)، وهو خطأ.
(٤) هذا قطعة من حديث رواه الدارمي في "مسنده" ١/ ١٧٢، الإمام أحمد في "مسنده" ١٣/ ١٠٠، والنسائي في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالروث ١/ ٣٨، وابن ماجة في "سننه" كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاد بالحجارة والنهي عن الروث والرمة ١/ ٣ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال العلامة أحمد شاكر في "قعليقه على المسند" ١٣/ ١٠٠: إسناده صحيح.
(٥) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ ب.
(٦) عليهما السلام: في حاشية (أ) وعليها علامة التصحيح. وفي (ظ): (عليهم السلام)، وفي (د)، (ع): (صلى الله عليهما وسلم)، وأثبتنا ما في (أ) لأنه الموافق لما عند الثعلبي. فالنص منقول منه.
(٧) "الكشف والبيان" للثعلبي ٣/ ٥٧ ب.

صفحة رقم 510

وقوله: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني: هو كناية عن الله تعالى (١). أي (٢): الله تعالى سماكم المسلمين قبل إنزال القرآن في الكتب التي أنزلت قبله.
وقال مقاتل بن حيان: مِنْ قَبْلِ وهو يعني [في أم الكتاب (٣). وَفِي هَذَا قالوا (٤): يعني القرآن.
وقال ابن زيد: هو كناية عن إبراهيم (٥).

(١) انظر الطبري ١٧/ ٢٠٧ - ٢٠٨، الثعلبي ٣/ ٥٧ ب، ابن كثير ٣/ ٢٣٦ "الدر المنثور" ٦/ ٨٠ - ٨١، "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٣١، "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٤٠.
(٢) في (ظ): (أن).
(٣) ذكره ابن الجوزي ٥/ ٤٥٧ ولم ينسبه لأحد.
(٤) قالوا: يعني جماعة المفسرين وأهل المعاني. وانظر فقرة (٣).
(٥) ذكره الثعلبي ٣/ ٥٧ ب، ورواه الطبري ١٧/ ٢٠٨، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٨١ وعزاه لابن أبي حاتم.
قال الطبري ١٧/ ٢٠٨: ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك؛ لأنه معلوم أن إبراهيم لم يُسم أمة محمد مسلمين في القرآن؛ لأن القرآن أُنزل من بعده بدهر طويل، وقد قال الله تعالى ذكره هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن الله الذي لم يزل ولا يزال. أهـ.
وقال الشنقيطي ٥/ ٧٥٠ وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم غير صواب، ثم ذكر الشنقيطي الأولى وهو مثل ما قال الطبري، وأشار إلى أن ابن جرير نبه عليها. ثم قال: القرينة الثانية. أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله لا إلى إبراهيم، فقوله (هو اجتباكم) أي الله وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ أي الله. أهـ.
فظهر بذلك أن القول الأول هو الصحيح، وصوبه ابن كثير ٣/ ٢٣٦ وغيره.

صفحة رقم 511

يعني] (١) أن إبراهيم سماكم المسلمين من قبل هذا الوقت، وفي هذا الوقت وهو قوله: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [البقرة: ١٢٨] (٢).
وذكر أبو إسحاق القولين، وقال في القول الثاني: أي حكم إبراهيم أن كل من آمن بمحمد موحدًا لله فقد سماه إبراهيم مسلمًا (٣).
قوله: لِيَكُونَ الرَّسُولُ أي: اجتباكم وسماكم المسلمين ليكون محمد (٤) عليه السلام شَهِيدًا عَلَيْكُمْ يوم القيامة بالتبليغ وَتَكُونُوا أنتم شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ أن الرسول قد بلغهم.
وهذا قول ابن عباس، وقتادة (٥)، وجميع المفسرين (٦).
وقد سبق الكلام في هذا عند قوله وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: ١٤٣]. الآية.
وقوله وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ قال ابن عباس: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يسخط ويكره (٧). وقال الحسن: تمسكوا بدين الله (٨).

(١) ما بين المعقوفين في حاشية (ظ)، وعليه علامة التصحيح.
(٢) الثعلبي ٣/ ٥٧ ب مع تصرف.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٤٠.
(٤) في (ظ)، (ع): (محمدًا)، وهو خطأ.
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٤٢، والطبري ١٧/ ٢٠٨. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٨١ وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٦) انظر: الطبري ١٧/ ٢٠٨، الثعلبي ٣/ ٥٧ ب، "الدر المنثور" ٦/ ٨١.
(٧) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠٤، وابن الجوزي ٥/ ٤٥٧.
(٨) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٥٧ ب.

صفحة رقم 512

وقال مقاتل: وثقوا بالله (١). هُوَ مَوْلَاكُمْ قال ابن عباس: ناصركم (٢). والمعنى: هو الذي يتولى أموركم. وذكرنا معنى المولى فيما تقدم (٣).
ثم مدح نفسه فقال: فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ قال مقاتل: يقول: نعم المولى هو لكم، ونعم النصر هو لكم (٤) (٥).

(١) "تفسير مقاتل" ٢/ ٢٩ أ.
(٢) انظر البغوي ٥/ ٤٠٤، وابن كثير ٣/ ٢٣٧.
(٣) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [آل عمران: ١٥٠].
(٤) "تفسير مقاتل" ٢/ ٢٩ أ.
(٥) هنا ينتهي الموجود من نسخة (د). وكتب في ختامها: انتهت. العاشر، ويتلوه في الحادية عشر سورة المؤمنون -عليهم السلام- وهو قوله -عز وجل- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قال الليث: (قد) حرف، وفي آخر الأصل: (والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم).

صفحة رقم 513

(٢٣) سورة المؤمنين

صفحة رقم 515

تفسير سورة المؤمنين (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

١ - قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قال الليث: (قد) حرف يُوجَبُ به الشيء (٢)، كقولك: قد كان كذلك (٣). والخبر (٤) أن تقول: كان كذا، فأدخل (قد) توكيدًا لتصديق ذلك (٥).
وقال النحويون (٦): قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة. قبل حال قيامها. وعلى هذا قول الشاعر:
(١) في (ظ): (السورة التي يذكر فيها المؤمنون).
(٢) في (أ) زيادة: (الحال)، بعد قوله: (الشيء)، وليست في باقي النسخ ولا في "تهذيب اللغة" ولا "لسان العرب". فلعله انتقال نظر من الناسخ إلى السطر الذي بعده
(٣) في "تهذيب اللغة": قد كان كذا أو كذا.
(٤) هكذا في (د) و"لسان العرب"، وفي (أ) و"تهذيب اللغة": والخير. وفي (ظ): (والخبر).
(٥) "تهذيب اللغة" للأزهري ٨/ ٢٦٧ (قد) عن الليث. والنص في "لسان العرب" ٣/ ٣٤٦ (قد) منسوبًا إلى "التهذيب".
والنص في "العين" ٥/ ١٦ (قد): (وأما قد فحرف يوجب الشيء، كقولك: قد كان كذا وكذا، والخبر أن تقول: كان كذا وكذا، فأدخل (قد) توكيدًا لتصديق ذلك.
(٦) انظر: "شرح المفصل" لابن يعيش ٨/ ١٤٧ "ارتشاف الضرب" لأبي حيان ٣/ ٢٥٦، "مغني اللبيب" لابن هشام ١/ ١٩٥، "الجنى الداني في حروف المعاني" للمرادي ص ٢٥٥.

صفحة رقم 517

أمّ صَبي قَدْ حَبَا أو دَارِج (١).
كأنه قال: حَاب أو دَارج.
قال الفراء: الحال (٢) في الفعل الماضي لا يكون إلا بإضمار (قد) أو بإظهارها، كقوله تعالى: أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء: ٩٠] لا يكون حصرت حالاً إلا بإضمار قد (٣).

(١) هذا الشطر من الرجز نسبه البغدادي في "خزانة الأدب" ٤/ ٢٣٨ لراجز اسمه جندب من عمرو يعرض فيه بإمرأة الشماخ بن ضرار الشاعر المشهور، وكانت أم صبي، واسمها سُليْمى، فقال:
طَيْفُ خَيَالٍ من سُلَيْمى هائجي
إلى أن قال:
ياليتني كلَّمت غير حَارجِ
قبل الرَّواح ذاتَ لون باهجِ
أم صَبي...
وقيل إن الرَّجز للشمَّاخ نفسه، وهو في "ديوانه" ص ٣٦٣.
وهذا الشطر بلا نسبة في: "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص ٣٧، "سر صناعة الإعراب" لابن جني ٢/ ٦٤١، "تهذيب اللغة" للأزهري ١٠/ ٦٤٣ (درج)، أمالي ابن الشجري ٢/ ١٦٧، "أوضح المسالك" لابن هشام ٣/ ٦١.
وحَاب: يقال حبا الصبي حَبْوًا: مشى على أسته وأشرف بصدره. وقال الجوهري: وحبا الصبي على أسته حبوّا: إذا زحف. "الصحاح" للجوهري ٦/ ٢٣٠٧ (حبا)، "لسان العرب" ١٤/ ١٦١ (حبا).
ودارج: قال الأزهري في "تهذيب اللغة" ١٠/ ٦٤٣ (درج): (يقال للصبي إذا دب وأخذ في الحركة: درج يدرج درجانًا، فهو دارج.
(٢) (الحال): ساقطة من (ظ).
(٣) "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٤. وقوله: لا يكون حصرت حالا. ذكرها الواحدي بالمعنى وهي في المعاني: يريد -والله أعلم- جاءوكم قد حصرت صدورهم. =

صفحة رقم 518

و (قد) هاهنا يجوز أن تكون تأكيدًا لفلاح المؤمنين، ويجوز أن تكون تقريبًا للماضي من الحال، ويكون المعنى: أن الفلاح قد حصل لهم، وأنهم عليه في الحال.
قال ابن عباس في هذه الآية: يريد قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة (١).
وقال أبو إسحاق: أي قد نالوا البقاء الدائم (٢).
وروى (٣) حميد، عن أنس، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده، وقال لها (٤): تكلمي. فقالت: قد أفلح المؤمنون" (٥).

= وقد وافق الفراء جمهور البصريين في هذه المسألة.
وذهب الكوفيين إلى أن الفعل الماضي يجوز أن يقع حالاً من غير تقدير. وإليه ذهب أبو الحسن الأخفش من البصريين.
وصحح أبو حيان قول الكوفيين معللا ذلك بكثرة وروده في "لسان العرب" كثرة توجب القياس وتمنع التأويل، لأن تأويل الكثير ضعيف جدًا.
انظر: "الإنصاف" للأنباري ١/ ٢٥٣ - ٢٥٨، "شرح المفصل" لابن يعيش ٢/ ٦٦ - ٦٧، "التبيين عن مذاهب النحويين" للعكبري ص ٣٨٦ - ٣٩٠، "البحر المحيط" لأبي حيان ٣/ ٣١٧، ٧/ ٤٩٣، "ارتشاف الضرب" ٢/ ٣٧٠.
(١) ذكره عنه البغوي ٥/ ٤٠٨، وروى الطستي في مسائله كما في "الدر المنثور" ٦/ ٨٣ عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فقال: فازوا وسعدوا.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥.
(٣) من هنا يبدأ خرم في نسخة (ظ)، ومقداره صفحتان.
(٤) (لها): ساقطة من (أ).
(٥) أخرجه الحاكم في "مستدركه" ٢/ ٣٩٢، وابن عدي في "الكامل" ٥/ ٨٣٧، =

صفحة رقم 519

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية