ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ( ٧٧ ) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير [ الحج : ٧٧- ٧٨ ].
المعنى الجملي : بعد أن تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعهما بالكلام في الشرائع والأحكام.
تفسير المفردات :
في الله : أي في سبيله. والجهاد كما قال الراغب : هو استفراغ الوسع في مجاهدة العدو، وهو ثلاثة أضرب :
( أ ) مجاهدة العدو الظاهر كالكفار.
( ب ) مجاهدة الشيطان.
( ج ) مجاهدة النفس والهوى، وهذه أعظمها ؛ فقد أخرج البيهقي وغيره عن جابر قال : قدم على رسول الله ( ص ) قوم غزاة فقال :" قدمتم خير مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". قيل : وما الجهاد الأكبر ؟ قال :" مجاهدة العبد هواه ".
والمراد بالجهاد هنا ما يشمل الأنواع الثلاثة، كما يؤيده ما روي عن الحسن أنه قرأ الآية وقال :" إن الرجل ليجاهد في الله تعالى وما ضرب بسيف ".
واجتباكم : أي اختاركم. حرج : أي ضيق بتكليفكم ما يشق عليكم. واعتصموا بالله : أي استعينوا وتوكلوا عليه. مولاكم : أي ناصركم.
الإيضاح :
وجاهدوا في الله حق جهاده أي و جاهدوا في سبيل الله جهادا حقا خالصا لوجهه لا تخشون فيه لومة لائم.
هو اجتباكم أي هو اختاركم من سائر الأمم، وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع.
وما جعل عليكم في الدين من حرج أي وما جعل عليكم في الدين الذي تعبدكم به ضيقا لا مخرج لكم منه، بل وسع عليكم وجعل لكم من كل ذنب مخلصا، فرخص لكم في المضايق ؛ فالصلاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعا وفي السفر تقصر إلى اثنتين، ويصليها المريض جالسا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، وأباح الفطر حين السفر و حين الإرضاع والحمل والشغل في شاق الأعمال، ولم يوجب علينا الجمعة في المساجد حين السفر أو الخوف من عدو أو سبع أو مطر إلى نحو أولئك، كما فتح لكم باب التوبة وشرع لكم الكفارات في حقوقه ودفع الدية بدل القصاص إذا رضي الولي.
ونحو الآية قوله سبحانه : فاتقوا الله ما استطعمتم [ التغابن : ١٦ ] وقوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : ١٨٥ ] وقوله : ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا [ البقرة : ٢٨٦ ].
مله أبيكم إبراهيم أو وملتكم هي ملة أبيكم إبراهيم الحنيفة السمحة التي لم يعتورها جنف ولا إشراك.
ونحو الآية قوله تعالى : قل إنني هداني رب إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا [ الأنعام : ١٦١ ] الآية.
هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا أي إن الله سماكم يا معشر من آمن بمحمد ( ص ) المسلمين في الكتب المتقدمة وفي هذا الكتاب.
وخلاصة هذا : إنه تعالى ذكر أنه اختارهم من بين سائر الأمم، ثم حثهم على إتباع ما جاءهم به الرسول، لأنه ملة أبيهم إبراهيم، ثم نوه بذكره والثناء عليه في كتب الأنبياء قبله وفي القرآن.
ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس أي إنما جعلكم هكذا أمة وسطا عدولا مشهودا بعدالتكم بين الأمم، ليكون محمد ( ص ) شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا شهداء على الناس بأن الرسل قد بلغوكم ما أرسلوا به إليهم.
وإنما قبلت شهادتهم على الناس لسائر الأنبياء، لأنهم لم يفرقوا بين أحد منهم وعلموا أخبارهم من كتابهم على لسان نبيهم، ولاعتراف سائر الأمم يومئذ بفضلهم على سواهم، وقد تقدم ذكر هذه في سورة الأنعام عند قوله : وكذلك جعلناكم أمة وسطا [ البقرة : ١٤٣ ] الآية.
ولما ندبهم لأداء الشهادة على الأمم جميعا طلب منهم دوام عبادته والاعتصام بحبله المتين فقال :
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم أي فقابلوا هذه النعم العظيمة بالقيام بشكرها، فأدوا حق الله عليكم بطاعته فيما أوجب وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقامة الصلاة التي هي وصلة بينكم وبين ربكم، وإيتاء الزكاة التي هي طهرة أبدانكم، وصلة ما بينكم وبين إخوانكم، واستعينوا بالله في جميع أموركم، وهو ناصركم على من يعاديكم.
ثم علل الاعتصام به بقوله :
فنعم المولى ونعم النصير أي إن من تولاه كفاه كل ما أهمه، وإذا نصر أحدا أعلاه على كل من خاصمه، إذ لا ناصر في الحقيقة سواه ولا ولي غيره، فله الحمد وهو رب العالمين.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير