قوله : فَلَمَّا أَسْلَمَا في جوابها ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه محذوف أي ذَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ أو ظَهَرَ صَبْرُهُمَا، أو أجزلنا لهما أجرهما١ وقدره بعضهم : بعد الرؤيا ؛ أي كان ما كان مما يَنْطِقُ به الحال والوصف مما لا يدرك كُنْهُهُ٢، ونقل ابن عطية : أن التقدير فَلَما أسْلَمَا أسْلَمَا٣ وَتَلَّهُ كقوله :
٤٢١٩- فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَى. . . بِنَا بَطْنُ خبْتٍ ذِي قِفَافِ عَقَنْقَل٤
أي فلما أجزنا أجزنا وانتحى٥ ويُعْزَى هذا لسيبويه وشيخه الخلِيلِ٦. وفيه نظَر من حيث اتخاذ الفعلين الجَاريَيْنِ مَجْرَى الشَّرْط والجواب، إلا أنْ يُقَال : جعل التغاير في الآية بالعطف على الفعل وفي البيت بعمل الثاني في «ساحة » وبالعطف عليه أيضاً، والظاهر أن مثل هذا لا يكفي في التغاير٧.
الثاني : أنه «وَتَلَّهُ لِلْجَبِين » والواو زائدة وهو قول الكوفيين والأخفش. ٨
والثالث : أنه «وَنَادَيْنَاهُ » والواو زائدة١ أيضاً كقوله : وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ٢ [ يوسف : ١٥ ] فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قَدْ صَدَّقْت الرؤيا. تَمَّ الكلام هنا. ثم ابتدأ : إنَّ كَذَلِكَ ( نَجْزِي المُحْسِنِينَ ) وقرأ عَلِيُّ وعبدُ الله وابنُ عباس سلّما٣، وقرئ : اسْتَسْلَمَا٤. «وتله » أي صرعه وأضْجَعَهُ على شِقِّه، وقيل : هو الرمي بقوة وأصله من رمى به على التلِّ وهو المكان المرتفع أو من التَّليل وهو العُنُق، أي رماه على عُنُقِهِ، ثم قيل لكُلّ إسقاط وإن لم يكن على تَلِّ ولا عنق. والتَّلُّ الرِّيح الذي يُتَلُّ به، و «الجَبِينُ » ما انكشف من الجبهة من هنا ومن هنا، وشذ جمعه على أجْبُن، وقياسه في القلة أَجْبِنَة كَأرْغفَةِ وفي الكثرة جُبُن وجُبْنَان كرَغِيفٍ ورُغُفٍ وَرُغْفَان٥.
فصل
والمعنى سلم لأمر الله، وأَسْلَم واسْتَسْلَمَ بمعنًى واحد أي انقاد وخضع. والمعنى أخلص نفسه لله وجعلها سالمة خالصة وكذلك استسلم استخلص نفسه لله، وعن قتادة في أسلما : أسلم هذا ابنه، وهذا نفسه٦، وقوله : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي صرعه على شِقِّه فوقع أحد جبينيه للأرض وللوجه جَبِينَانِ والجبهة بينهما.
قال ابن الأعرابي : التَّلِيلُ والمَتْلُون المَصْرُوع والمُتلُّ الذي يُتَلُّ به أي يُصْرَعُ١، والمعنى أنه صرعه على جبينه. وقال مقاتل : كبه على جبهته وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة
٢ هذا هو تقدير الزمخشري في الكشاف من كلام قاله فيه هذا معظمه. الكشاف ٣/٣٤٨..
٣ البحر ٧/٣٧٠..
٤ من الطويل من المعلقة المعهودة ويروى الشطر الثاني هكذا:
............................. بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل
وأجزنا: قطعنا، والساحة : الفناء، وانتحى: اعترض، والخبت: بطن من الأرض غامض. والقفاف مفرده قف ما غلظ من الأرض، وارتفع والعقنقل: المنعقد المتداخل بعضه في بعض وهو يخبرنا بحاله معها. وشاهده: أن جواب لما مقدر من لفظ فعل الشرط كما قاله ابن عطية و "انتحى" عطف على "أجزنا" المقدر. وهو الجواب وانظر: البحر ٧/٣٧٠ والإنصاف ٤٥٧ ومعاني الفراء ٢/٢٥٠، ٢٦١ والسبع الطوال ٥٤، ٥٥ والجامع للقرطبي ١٥/١٠٤ والمنصف ٣/٤١ واللسان: "ج و ز" وتمهيد القواعد ٢/٨٤٥ وديوانه ١٥/ بلفظ :"ذي ركام"..
٥ في ب: انتهى. وهو غير مراد..
٦ وفيها: الجليل بالجيم. وقد قال في الكتاب: "وسألت الخليل عن قوله: "حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها" أين جوابها وعن قوله....... فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر في كلامهم لعلم المخبر لأي شيء وضع هذا الكلام". فلم يقدر سيبويه ولا شيخه الجواب بلفظ الشرط ولعله في مكان آخر لم نقع عليه..
٧ قاله شهاب الدين السمين في الدر ٤/٥٦٤..
٨ نقله البيان ٢/٣٠٧، والتبيان ١٠٩٢ ومشكل الإعراب ٢/٢٤٠ لبعض الكوفيين..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود