فأوحى الله إلى الحوت فالتقمه ( ١٤٢ ). هذا تفسير الحسن.
قال يحيى : بلغنا والله أعلم أن يونس دعا قومه زمانا إلى الله، فلما طال ذلك وأبوا أوحى الله إليه أن العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا، فلما دنا الوقت تنحى عنهم فلما كان قبل الوقت بيوم جاء فجعل يطوف بالمدينة وهو يبكي ويقول : غدا يأتيكم العذاب. فسمعه رجل منهم، فانطلق إلى الملك، فأخبره أنه سمع يونس يبكي ويقول غدا يأتيكم العذاب. فلما سمع ذلك الملك دعا قومه فأخبرهم بذلك وقال : إن كان هذا حقا فسيأتيكم العذاب غدا، ( فاجتمعوا )١ حتى ننظر في أمرنا. فاجتمعوا.
فخرجوا من المدينة من الغد فنظروا فإذا / بظلمة وريح شديدة وقد ( أقبلت نحوهم. فعلموا أنه الحق، ففرقوا )٢ بين الصبيان وبين أمهاتهم، وبين البهائم وبين أمهاتها، ولبسوا الشعر، وجعلوا التراب والرماد على رؤوسهم تواضعا لله وتضرعوا إليه، وبكوا، وآمنوا. فصرف الله عنهم العذاب. واشترط بعضهم على بعض ألا يكذب أحد كذبة إلا قطعوا لسانه. وجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، وإذا الناس داخلون وخارجون. فقال : أمرني ربي أن أخبر قومي أن العذاب يأتيهم فلم يأتهم، فكيف ألقاهم ؟ فانطلق حتى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا بسفينة في البحر. فأشار إليهم، فأتوه، فحملوه ولا يعرفونه. فانطلق إلى ناحية من السفينة، فتقنع ورقد. فما مضوا إلا قليلا حتى جاءتهم ريح كادت السفينة تغرق. فاجتمع أهل السفينة ودعوا الله ثم قالوا : أيقظوا الرجل يدعو الله معنا، ففعلوا. فرفع الله عنهم تلك الريح. ثم انطلق إلى مكانه فرقد. فجاءت ريح كادت السفينة تغرق. فأيقظوه ودعوا الله، فارتفعت. فتفكر العبد الصالح فقال : هذا من خطيئتي أو قال : من ذنبي أو كما قال.
فقال لأهل السفينة شدوني وثاقا وألقوني في البحر فقالوا : ما كنا لنفعل وحالك حالك، ولكنا نقترع فمن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. وقال بعضهم : لما ركدت السفينة فلم تسر، لفّ نفسه في كسائه وأراد أن يطرح نفسه في البحر فقالوا : لا ولكنا نقترع، فمن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. فاقترعوا، فأصابته القرعة فقال : قد أخبرتكم. فقالوا : ما كنا لنفعل، ولكن اقترعوا، فاقترعوا الثانية فأصابته القرعة. ثم اقترعوا الثالثة، فأصابته القرعة وهو قول الله : فساهم فكان من المدحضين أي من المقروعين. وقال مجاهد : من المسهومين أي وقع السهم عليه.
فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي / نفسه في البحر، فإذا هو بحوت فاتح فاه فانطلق إلى ذنب السفينة فإذا هو بالحوت فاتحا فاه، ثم جاء إلى جنب السفينة فإذا هو بالحوت فاتحا فاه، ثم جاء إلى الجنب الآخر فإذا هو بالحوت فاتحا فاه. فلما رأى ذلك ألقى نفسه فالتقمه الحوت. فأوحى الله إلى الحوت : لا تأكل عليه ولا تشرب. وقال : إني لم أجعله لك رزقا ولكني جعلت بطنك له سجنا. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة. فنادى في الظلمات كما قال الله : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ٣
قال الله : فاستجبنا له ونجيناه من الغم ١. والظلمات : ظلمة الليل، وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. قال : وكذلك ننجي المؤمنين ١. فأوحى الله إلى الحوت أن يلقيه إلى البر.
قال الله : فنبذناه بالعراء وهو سقيم ( ١٤٥ ) وهو ضعيف مثل الصبي، فأصابته حرارة الشمس، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ( ١٤٦ )، وهي القرع، فأظلته فنام فاستيقظ وقد يبست فحزن عليها، فأوحى الله إليه : أحزنت على هذه الشجرة وأردت أن أهلك مائة ألف من خلقي أو يزيدون، أي بل يزيدون.
قال يحيى : بلغنا أنهم كانوا عشرين ومائة ألف. فعلم عند ذلك أنه قد ابتلي. فانطلق، فإذا هو بذود من غنم. فقال للراعي : اسقني لبنا. فقال : ما ها هنا شاة لها لبن. فأخذ شاة منها فمسح بيده على ( ظهرها )٤ فدرت، فشرب من لبنها. فقال له الراعي : من أنت يا عبد الله لتخبرني. قال : أنا يونس. فانطلق الراعي إلى قومه فبشرهم به. فأخذوه وجاءوا معه إلى موضع الغنم، فلم يجدوا يونس، فقالوا : إنا قد شرطنا لربنا ألا يكذب منا احد إلا قطعنا لسانه. فتكلمت الشاة بإذن الله فقالت : قد شرب من لبني. وقالت شجرة كان استظل تحتها : قد استظل بظلي. فطلبوه، فأصابوه.
فرجع إليهم. فكان فيهم حتى قبضه الله. وكانوا / بمدينة يقال لها :( نينوى )٥ من أرض الموصل، وهي على دجلة.
حدثنا عثمان أن ابن عباس قال : في دجلة ركب السفينة، وفيها التقمه الحوت ثم أفضى به إلى البحر، فدار في البحر ثم رجع إلى دجلة، ثم نبذه بالعراء، فأرسل إليهم بعد ذلك.
قوله عز وجل : وهو مليم ( ١٤٢ ) مذنب في تفسير مجاهد٦.
٢ - تمزيق في ح ذهب ببعض الأحرف. التكملة من ابن زمنين، ورقة: ٢٨٩..
٣ - الأنبياء، ٨٧-٨٨..
٤ - في ابن أبي زمنين، ورقة: ٢٩٠: ضرعها..
٥ - جاءت في ح بكسر النون الثانية، والصواب فتحها. انظر معجم البلدان، مادة نينوى..
٦ - تفسير مجاهد، ٢/٥٤٥..
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي بالولاء، من تيم ربيعة، البصري ثم الإفريقي القيرواني