قَالُواْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين أي كنتم تأتوننا في الدنيا عن اليمين، أي من جهة الحقّ والدين والطاعة، وتصدّونا عنها. قال الزجاج : كنتم تأتوننا من قبل الدين، فتروننا أن الدين والحق ما تضلوننا به، واليمين عبارة عن الحق، وهذا كقوله تعالى إخباراً عن إبليس : ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم [ الأعراف : ١٧ ] قال الواحدي : قال أهل المعاني : إن الرّؤساء كانوا قد حلفوا لهؤلاء الأتباع أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم : فمعنى تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين أي من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها فوثقنا بها. قال : والمفسرون على القول الأوّل. وقيل المعنى : تأتوننا عن اليمين التي نحبها، ونتفاءل بها، لتغرّونا بذلك عن جهة النصح، والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين، وتسميه السانح. وقيل : اليمين بمعنى القوّة، أي : تمنعوننا بقوّة، وغلبة، وقهر كما في قوله : فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين [ الصافات : ٩٣ ] أي : بالقوّة، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، وكذلك جملة قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ .
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله : كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ قال : كانوا إذا لم يشرك بالله يستنكفون، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ لا يعقل، قال : فحكى الله صدقه، فقال : بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلين . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلاّ الله، فمن قال لا إله إلاّ الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» وأنزل الله في كتابه، وذكر قوماً استكبروا، فقال : إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ ، وقال : إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ في قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [ الفتح : ٢٦ ] وهي : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية الهدنة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ قال : الخمر لاَ فِيهَا غَوْلٌ قال ليس فيها صداع وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ قال : لا تذهب عقولهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال : في الخمر أربع خصال : السكر، والصداع، والقيء، والبول، فنزّه الله خمر الجنة عنها، فقال : لاَ فِيهَا غَوْلٌ لا تغول عقولهم من السكر وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ قال : يقيئون عنها كما يقيء صاحب خمر الدنيا عنها. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس لاَ فِيهَا غَوْلٌ قال : هي الخمر ليس فيها وجع بطن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عنه أيضاً في قوله : وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف يقول : من غير أزواجهنّ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ قال : اللؤلؤ المكنون. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ قال : بياض البيضة ينزع عنها فوفها وغشاؤها.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني