ﯳﯴﯵ

٤٦ - وقوله: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن (١).
وقوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يجوز أن يكون اللذة مصدراً سمي به. قال الليث: (اللذ واللذيذ يجريان مجرىً واحداً في النعت، يقال شراب لذ ولذيذ) (٢). قال الله تعالى: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وقال تعالى: مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [محمد: ١٥]، وبذلك سمي النوم (٣) الاستلذاذة، وعلى هذا لذة بمعنى اللذيذة. وقال أبو إسحاق: أي ذات لذة (٤). فعلى هذا حذف المضاف.
٤٧ - قوله: لَا فِيهَا غَوْلٌ قال الفراء: العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول (٥) سواء.
وقال أبو عبيدة: (الغول أن تغتال عقولهم وأنشد قول مطيع بن إياس (٦):

وما زالت الكأس تغتالهم وتذهب بالأول الأول (٧)
(١) انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٦/ ٢٤، "البغوي" ٤/ ٢٧، "مجمع البيان" ٨/ ٦٩٢.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ١٤/ ٤٠٩ (لذَّ).
(٣) في (أ): زيادة (إلى)، وهو خطأ.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٣٠٣
(٥) "معاني القرآن" ٢/ ٣٨٥.
(٦) هو: مطيع بن إياس الكناني من بني ليث بن بكر وقيل من بني الديل بن بكر، يكنى أبا مسلم، شاعر ظريف حلو العشرة، مليح النادرة، وكان متهمًا بالزندقة، أدرك الدولتين الأموية والعباسية، ولاه المهدي العباسي الصدقات بالبصرة ومات فيها. انظر: "معجم الشعراء" ص ٤٨٠، "خزانة الأدب" ١٠/ ٢٢٣، "سمط اللآلئ" ص ٦٠٠، "الأعلام" ١١/ ٥٠٩ (غول)، "الدر المصون" ٥/ ٥٥٢، "البحر المحيط" ٧/ ٣٥٠.
(٧) "مجاز القرآن" ٢/ ١٦٩.

صفحة رقم 45

وقال ابن قتيبة: أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها، يقال الخمر غول للعلم، والحرب غول للنفوس (١)، وغالني هؤلاء أي أذهبني.
وقال الليث: الغول الصداع يقال ليس فيها صداع (٢)، هذا كلام أهل اللغة في الغول، وحقيقة الإغلال (٣). يقال غاله غولاً أي أهلكه، والغول والغائلة المهلكة، ثم يسمى الوجع غولًا لأنه يؤدي إلى الهلاك (٤).
وأكثر المفسرين قالوا في الغول: إنه الوجع في البطن والرأس، وهو قول مجاهد وقتادة قالوا: لا يوجع (٥).
وقال مقاتل: لا يوجع الرأس كفعل خمر (٦) الدنيا (٧). وهو قول الحسن قال: غول صداع (٨).
وقال الشعبي: لا يغتال عقولهم فيذهب بها (٩).
وذكر أبو إسحاق القولين جميعاً في الغول فقال: لا تغتال عقولهم

(١) "تفسير غريب القرآن" ص٣٧٠.
(٢) لم أقف على القول منسوبًا لليث. وانظر: "تهذيب اللغة" ٨/ ١٩٢،"اللسان" ١١/ ٥٠٩ (غول).
(٣) في (أ): (الإهلاك)، وهو تصحيف، وهكذا أثبت في (ب)، ولعله تصحيف أيضًا والصواب (الغول).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" ٨/ ١٩٢ (غول).
(٥) انظر: "تفسير مجاهد" ص ٥٤١، "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ١٤٨، "تفسير الطبري" ٢٣/ ٥٤.
(٦) في (ب): (كفعل الخمر في الدنيا).
(٧) "تفسير مقاتل" ١١١ أ.
(٨) انظر: "تفسير الثعلبي" ٣/ ٢٤١ ب، "البغوي" ٤/ ٢٧، "القرطبي" ١٥/ ٧٩.
(٩) انظر: المصادر السابقة.

صفحة رقم 46

ولا يصيبهم منها وجع (١).
قوله: وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ وقرئ بكسر الزاي. قال الفراء: (من كسر الزاي فله معنيان، يقال أنزف الرجل إذا فنيت خمره، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر. ومن فتح الزاي فمعناه: لا تذهب عقولهم أي لا يسكرون، يقال نزف الرجل فهو منزوف (٢) ونزيف).
ونحو هذا قال أبو إسحاق في من فتح، وقال في قراءة من كسر الزاي لا يُنفِدون شرابهم وهو دائم أبدًا لهم قال: ويجوز أن يكون يُنزفون يسكرون، وأنشد هو وأبو عبيدة وغيرهما فقال:

لعمري لئن أنزفتمُ أو صحوتمُ لبئس الندامى كنتم آل أبجرا (٣) (٤)
وحقق أبو علي الكلام في هذه الآية فقال: (أنزف الرجل على معنيين: أحدهما: أنه يراد به السكر، وأنشد البيت وقال: ومقابلته له بصحوتم يدل على أنه يراد به سكرتم، والآخر: أنزف إذا نفد شرابه والمعنى: صار ذا نفادٍ لشرابه، كما أن الأول معناه النفاد في عقله، فقول من كسر الزاي يجوز أن يراد به لا يسكرون عن شربها، ويجوز أن يراد به لا
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٣٠٣.
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٣٨٥.
(٣) في (ب): (آل بجرا).
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٣٠٣، "مجاز القرآن" ٢/ ١٦٩.
والبيت من الطويل مختلف في نسبته فهو للأبيرد والرياحي في "مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٩، "الصحاح" ٤/ ١٤٣١ (نزف)، "اللسان" ٩/ ٣٢٧ (نزف)، "المحرر الوجيز" ٤/ ٤٧٢. وللحطيئة في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٢٤١ أ، والقرطبي ١٥/ ٧٩. وللأسود في "الدر المصون" ٥/ ٥٠١. وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" ١٣/ ٢٢٦، "علل القراءات" ٢/ ٣١٨، "المحتسب" ٢/ ٣٠٨.

صفحة رقم 47

ينفد ذلك عنهم كما ينفد شراب أهل الدنيا، فإذا كان معنى لا ينفد شرابهم لأنك إن حملته على أنهم لا يسكرون صرت كأنك كررت لا يسكرون مرتين؛ وإن جعلت لا فيها غول على لا (١) تغتال صحتهم ولا يصيبهم عنها العلل التي تحدث عن شربها حملت ينزفون على أنهم لا يسكرون، وعلى أنهم لا ينفد شرابهم، ومن فتح الزاي أراد لا يسكرون من نزف فهو منزوف إذا سكر، وليس من أفعل، ألا ترى أن أنزف بالمعنيين جميعًا لا يتعدى إلى المفعول به، فإذا لم يتعد إلى المفعول به لم يجز أن يبنى له) (٢) انتهى كلامه.
وأصل النزف في اللغة الاستخراج، يقال نزفتُ البئر إذا استقيتُ ماءها، ونزف فلان دمه إذا استخرجه بحجامة أو فصد وهذا هو الأصل، ونزف الرجل إذا سكر معناه استخرج عقله، وأنزف إذا سكر أي صار إلى حالة نزف العقل عنه، وأنزف إذا نفد شرابه معناه أنه صار إلى حالة نفاد الشراب بنزفه وإنفاده (٣). واختار أبو عبيد كسر الزاي لاحتمال المعنيين (٤). وأما المفسرون فإنهم فسروا لا ينزفون لا يسكرون ولا تذهب عقولهم، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والكلبي ومقاتل (٥).

(١) في (أ): (ألا)، وهو خطأ.
(٢) "الحجة" ٦/ ٥٤ - ٥٥.
(٣) انظر: "مقاليس اللغة" ص ١٠٢٢ (نزف)، "تهذيب اللغة" ١٣/ ٢٢٥ (نزف)، "اللسان" ٩/ ٣٢٥ (نزف).
(٤) لم أقف على اختيار أبي عبيد.
(٥) انظر: "تفسير مجاهد" ص ٥٤٠، "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ١٤٨، "الطبري" ٢٣/ ٥٥، "تفسير مقاتل" ١١١ أ، "معاني القرآن" للنحاس ٦/ ٢٤، ولم أقف عليه عن الكلبي.

صفحة رقم 48

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية