انْصَرَفُوا مِنْ عِيدِهِمْ أَكَلُوهُ، فَقَالُوا لِإِبْرَاهِيمَ: أَلَا تَخْرُجُ غَدًا مَعَنَا إِلَى عِيدِنَا؟ فَنَظَرَ إِلَى النُّجُومِ فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَطْعُونٌ، وَكَانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الطَّاعُونِ فِرَارًا عَظِيمًا. قَالَ الْحَسَنُ: مَرِيضٌ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَجِعٌ. وَقَالَ الضَّحَاكُ: سَأَسْقَمُ.
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)
فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ إِلَى عِيدِهِمْ، فَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْأَصْنَامِ فَكَسَرَهَا. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ مَالَ إِلَيْهَا مَيْلَةً فِي خُفْيَةٍ، وَلَا يُقَالُ: "رَاغَ" حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ مُخْفِيًا لِذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ، فَقَالَ اسْتِهْزَاءً بِهَا: أَلَا تَأْكُلُونَ يَعْنِي: الطَّعَامَ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ.
مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ مَالَ عَلَيْهِمْ، ضَرْبًا بِالْيَمِينِ أَيْ: كَانَ يَضْرِبُهُمْ بِيَدِهِ الْيُمْنَى لِأَنَّهَا أَقْوَى عَلَى الْعَمَلِ مِنَ الشِّمَالِ. وَقِيلَ: بِالْيَمِينِ أَيْ: بِالْقُوَّةِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْقَسَمَ الَّذِي سَبَقَ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: "وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ" (الْأَنْبِيَاءِ-٥٧).
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَعْنِي: إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَزِفُّونَ يُسْرِعُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أُخْبِرُوا بِصَنِيعِ إِبْرَاهِيمَ بِآلِهَتِهِمْ فَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُ.
قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ: "يُزِفُّونَ" بِضَمِّ الْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ. وَقِيلَ: بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ: يَحْمِلُونَ دَوَابَّهُمْ عَلَى الْجِدِّ وَالْإِسْرَاعِ.
قَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِ الْحِجَاجِ: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ يَعْنِي: مَا تَنْحِتُونَ بِأَيْدِيكُمْ.
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَصْنَامِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ مُعْظَمِ النَّارِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: بَنَوْا لَهُ حَائِطًا مِنَ الْحَجَرِ طُولُهُ فِي السَّمَاءِ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا، وَعَرْضُهُ عشرون ذراعًا، وملؤوه مِنَ الْحَطَبِ وَأَوْقَدُوا فِيهِ النَّارَ وَطَرَحُوهُ فِيهَا.
فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا شَرًّا وَهُوَ أَنْ يَحْرُقُوهُ، فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ أَيْ: الْمَقْهُورِينَ حَيْثُ سَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ وَرَدَّ كَيْدَهُمْ.
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
محمد عبد الله النمر