نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢٣:ثم وضح كتاب الله مبدأ من المبادئ الأساسية في العقيدة الإسلامية، وهي أن الجزاء من جنس العمل، والجزاء الحسن مرتبط بالعمل الصالح، وأن مجرد الأماني دون سعي ولا عمل ولا اكتساب للخير لا ينفع المسلمين كما لا ينفع أهل الكتاب، سواء بسواء، ولذلك فإن من يعمل سوءا يجز به ومن يعمل صالحا يجز به، في الدنيا أولا، وفي الآخرة أخيرا، سواء كان العامل ذكرا أو كان أنثى، وذلك قوله تعالى في خطابه للمؤمنين : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا( ١٢٣ )، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا( ١٢٤ ) .
قال ابن كثير في تفسيره :( والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال : إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، أي ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه، وإتباع ما شرعه على ألسنة الرسل( الكرام ).
وروي أنه لما نزلت هذه الآية شق أمرها على كثير من الصحابة، وكان أبو بكر الصديق ممن استفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى فيها وَمَن يَعمَل سُوءاً يجز بِه . فأجابه عليه السلام قائلا :( غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللاواء( الشدة والمحنة ) قال بلى، قال :( فهو مما يجزون به ).
وروى علي بن أبي طالب عن ابن عباس تعقيبا على قوله تعالى : ولاَ يَجِد لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِياًّ وَلا َنَصِيراً : إلا أن يتوب فيتوب الله عليه.
وقوله تعالى( نقيرا ) المراد بالنقير النقرة التي في ظهر نواة التمرة، ومما يتصل به لفظ ( القطمير )، والمراد به اللفافة التي على نواة التمرة، ولفظ( الفتيل )، والمراد به الخيط الذي في شق النواة، وهذه الألفاظ الثلاثة كلها وردت في القرآن الكريم.
فكلمة " النقير " وردت في القرآن مرتين إحداهما في هذا الربع وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا والثانية في الربع الثاني من الحزب التاسع من هذه السورة أَم لَهُم نَصِيبٌ مِنَ المُلكِ فَإِذاً لاَّ يُوتُونَ النَّاسَ نَقِيراً وكلمة " الفتيل " وردت في القرآن ثلاث مرات، مرتين في هذه السورة سورة النساء، وذلك في قوله تعالى : بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظلَمُونَ فَتِيلاً وفي قوله تعالى قُل مَتَاعُ الدُنيَّا قَلِيلٌ، والآخرة خَيرٌ لِمَن اتَّقَى، ولا َتُظلَمُونَ فَتِيلاُ .
وكلمة " القطمير " وردت في القرآن مرة واحدة في سورة فاطر والذينَ تَدعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَملِكُونَ مِن قِطمِيرٍ .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري