ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

ومن بعد ذلك يقول الحق :
إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا( ١٦٧ ) .
إن كفر الكافر إنما يعود إليه، وهو يملك الاختيار بين الكفر والإيمان لكن أن يصد الكافر غيره عن الإيمان فهذا ضلال متعد، لقد ضل في نفسه وهو يحاول أن يضل غيره لذلك لا يحمل وزره فقط ولكن يحمل أوزار من يضلهم.
وكيف يكون الصد عن سبيل الله ؟ بمحاولة أهل الضلال أن يمنعوا آيات الهدى من أن تصل إلى آذان الناس، فيقولوا ما رواه الحق منهم :
لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ( من الآية٢٦سورة فصلت ).
ولو فهموا معنى هذه الآية لما قالوا ما جاء فيها، فقولهم : " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " أي اصنعوا ضجة تشوش على سماع القرآن، وهم قد علموا أن هذا القرآن عندما يصل إلى الأسماع فإنه يبلغ الهداية ولو كان القرآن غير مؤثر لما قالوا ذلك، إذن هم يعترفون بأنهم يغلبون عندما يصل صوت القرآن إلى آذان البشر المدعوين إلى الهداية.
" إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا " كان يكفي أن يقول الحق : " قد ضلوا " لكنه جاء بالمصدر التأكيدي " قد ضلوا ضلالا بعيدا " أي إنه ضلال بعينه وهو فوق ذلك ضلال بعيد.
وعندما ننظر في كلمة " بعيد "، نعرف أن الشيء البعيد هو الذي بينه وبين مصدره مسافة زمنية طويلة والذي يضل قصارى ضلاله أن ينتهي بانتهاء حياته، لكن الذي يعمل على إضلال غيره فهو يجعل الضلال يمتد، أي أن الضلال سيأخذ في هذه الحالة زمنا أكبر من حياة المضل ويتوالى الضلال عن المضلين أجيالا، وهكذا يصبح الضلال ممتدا.
والضلال المعروف في الماديات البشرية على سبيل المثال أن يسير الإنسان إلى طريق فيضل إلى طريق آخر وقصارى ما يضل فيه هو أن يذهب إلى مفازة أي صحراء ولا يجد ماء ولا طعاما فيموت لكن الضال المضل يجعل ضلاله يأخذ زمن الدنيا والآخرة وبذلك يكون ضلاله ممتدا.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير