ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا
في الآيات السابقة كان الكلام في أحوال اليهود، وسائر الكافرين وبين سبحانه كيف كانت تأتيهم المعجزات القاهرة والبينات الباهرة ومع ذلك يستمرون في إنكارهم ويلجون في عنادهم ويطلبون آيات أخرى، والمآل الكفران، حتى إن بعضهم في الماضي ليسألون موسى أن يريهم الله جهرة، وبعضهم في عصر نزول آية يطلب آية أخرى والنبي يتحداهم بالقرآن أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله ولو مفتراة، وهو يجادلهم بالتي هي أحسن. وقد بين سبحانه أنه تعالى أرسل الرسل ليقيم الحجة، ويختار من عباده للرسالة من يشاء، وإنكارهم لا يجديهم ولا يهديهم، ولا ينجيهم بل إن العقاب يوم القيامة يترقبهم وإنهم بقدر لجاجتهم في الإنكار يبتعدون عن طريق الهداية، وأوغلوا في طريق الغواية حتى يصلوا في طريق جهنم إلى نهايته، وأنهم لخالدون فيها، وقد قال سبحانه وتعالى : إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا
الاستثناء هنا من ختام الآية السابقة أي أن الله تعالى لا يوصلهم إلى طريق إلا طريق جهنم، ويكون معنى الهداية التوصيل وليس التوصيل إلى جهنم فيه نوع من الهداية، بل هو التردي في الهاوية وكان التعبير عن الهداية من قبيل المشاكلة اللفظية وفيه نوع من التهكم في مثل قوله تعالى : فبشرهم بعذاب أليم ( ٢٤ ) ( الانشقاق ).
وفي الكلام تنبيه إلى أن أعمالهم تنتهي بهم لا محالة إلى جهنم وعذابها الشديد فإذا كانوا ممن يظنون أنفسهم في سعادة في الدنيا فسيجدون الألم الشديد، ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون( ٣ ) ( الحجر ).
وقد ذكر الله سبحانه أنهم خالدون في جهنم أبدا، فأكد سبحانه العذاب بأنه عذاب خالد دائم، فوصفهم بأنهم خالدون على وجه التأبيد، وقد وصفهم بالخلود الدائم في العذاب ولم يصف العذاب للإشارة إلى أنهم متلبسون به ولتصوير الآلام التي تنزل بهم، وأنهم لا خلاص لهم منها، بل هي ملازمة لهم ملازمة الوصف للموصوف.
وقد قال الأصفهاني في معنى الخلود : الخلود هو تبري الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، وكل ما يتباطأ التغيير والفساد فيه تصفه العرب بالخلود ويقال خلد يخلد خلودا قال تعالى : لعلكم تخلدون ( ١٢٩ ) ( الشعراء ).
والخلد إسم للجزء الذي يتبقى من الإنسان على حالته وأصل المخلد الذي يبقى مدة طويلة والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها، قال تعالى : وكان ذلك على الله يسيرا .
والأبد قال فيه الراغب :"مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ وأبد يأبد بقي أبدا، ويعبر به عما يبقى مدة طويلة". وإن تفسير الخلود على ما ذكره الراغب يقتضي بقاء الناس يوم القيامة بأبدانهم من غير أن يعتريها فساد ولا فناء ولا تحلل أجزاء، فأهل الجنة يبقون بقاء تمتع ونعيم وأهل النار تبقى أجسامهم في شقاء وعذاب أليم، لا تبليها النار ولا يفنيها العذاب، ولا يذهب بالحساسية فيها توالي الاكتواء، كلما نضجت جلودها بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما ( ٥٦ ) ( النساء ). والأبدية معناها الدوام، كما دل على ذلك مجموع النصوص القرآنية، وإن تأكيد الخلود بالأبدية يدل على بقاء العذاب والنعيم.
ذيل الله سبحانه وتعالى الآيات بهذا ليبين لهم أن الله تعالى غالب على كل شيء وأن عذابهم أمر يسير عليه، لإبطال زعمهم في أنهم لا يقدر عليهم أحد، ذلك أن كل طاغية من طغاة الدنيا سبب طغيانه واسترساله في شره ظنه أن لن يقدر عليه أحد، مع أن الله تعالى هو القاهر فوق عباده، اللهم أبعد عن خلقك طغيان الطاغين، وغرور المغترين وارزق المؤمنين الأمن والاطمئنان.

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير