ﭵﭶﭷ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٧:فهم إذا فعلوا ما يوعظون به، وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما وساعة تسمع من لدنا اعرف أنها ليست من شأن ولا فعل الخلق. بل من تفضل الخالق. فالحق سبحانه وتعالى يرسل لنا منهجه بوساطة الرسل، لكنه يوضح أن بعضا من الناس منحهم عطفا وأعطاهم من لدنه علما، فهو القائل : فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ٦٥ ( سورة الكهف ).
أي أن العلم الذي أعطاه الله لذلك العبد لم يعلمه موسى، وعطاء الله للعلم خاضع لمشيئته، ونعرف من قبل أن الحسنات والعمال لها نظام، فمن يعمل خيرا يأخذ مقابله كذا حسنة، ولكن هناك أعمال حسناتها من غير حساب ويجازي عليها الحق بفضله هو. وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى نحن نجد ذلك متمثلا لنا في كثير من تصرفاتنا، تقول لابنك مثلا : يا بني كم أجرك عندي من هذا العمل ؟ فيقول لك : مائة جنيه. فتقول له : هذه مائة هي أجرك، وفوقها خمسون من عندي أنا، ماذا تعني " من عندي أنا " هذه ؟ إنها تعني أنه مبلغ ليس له دخل بأجر العمل.
ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم لقد عرفنا من قبل أن هناك فرقا بين القتل والموت، صحيح أن كليهما فيه إذهاب للحياة، لكن الموت : إذهاب للحياة بدون نقض البنية للجسم، ولكن القتل : إذهاب للحياة بنقض البنية كان يكسر إنسان رأس إنسان آخر، أو يطلق رصاصة توقف قلبه، وهذا هدم للبنية، والروح لا تحل إلا في بنية لها مواصفات، والروح لم تذهب أولا. بل أن البنية هدمت أولا. فلم تعد صالحة لسكنى الروح، والمثل المعروف هو مصباح الكهرباء : إنك إن رميت عليه حجرا صغيرا، ينكسر وينطفئ النور برغم أن الكهرباء موجودة لكنها لا تعطي نورا إلا في وعاء له مواصفات خاصة، فإذا ذهبت هذه المواصفات الخاصة يذهب النور، فتاتي بمصباح جديد له المواصفات الخاصة الصالحة فتجد النور قد جاء.
وكذلك الروح لا تسكن إلا في جسم له مواصفات خاصة، فإن جئت لهذه المواصفات الخاصة وسيدها المخ، وضربته ضربة قاسية، فقد نقضت البنية، وفي هذه الحالة تغادر الروح الجسد لأنه غير صالح لها، لكن الموت يأتي من غير نقض للبنية، ومصداق ذلك هو قول الحق سبحانه وتعالى :
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ( من الآية ١٤٤ سورة آل عمران ).
أي أن هناك أمرين : هناك موت، وهناك قتل، فالموت هو سلب الحياة، والقتل هو سلب الحياة، ولكن القتل سلب الحياة بعد نقض البنية التي تسكن فيها الروح، ويختلف عن الموت لأن الموت هو خروج الروح دون قتل، ولذلك يقولون : مات حتف انفه. أي مات على فراشه ولم يحدث له أي شيء.
والذي يقتل في الشهادة يقول فيه ربنا : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ١٦٩ ( سورة آل عمران ).
فإذا كان من يقاتل في سبيل الله قد امتثل لأمر الله فسوف يجد فضلا أكثر، فكيف يكون جزاء من يقتل نفسه امتثالا لأمر ربه ؟ إن امتحان النفس يكون بالنفس، وليس امتحان النفس بالعدو. وما الميزة في سيدنا إبراهيم ؟ هل قال له الحق : أنا سأميت ولدك ؟ أقال له إن واحدا آخر سيقتل ابنك ؟ لا، بل قال له : اذبحه أنت. وهذه هي ارتقاء قتل النفس، فيفدي الحق إسماعيل عليه السلام بكبش عظيم. إذن فإذا جاء الأمر بأن يقتل الإنسان نفسه فلابد أن هناك مرتبة أعلى. ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما .
ونحن أمام أمرين : إما أن يقتلوا، وإما أن يخرجوا من ديارهم، فقوله : ولهديناهم صراطا مستقيما لمن ؟ للذي قتل أم لمن خرج ؟ هو قول لمن أخرج من دياره لأنه ما زال على قيد الحياة.


تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير