المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآية السالفة فضل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عجز- ذكر حال قوم أخلدوا إلى السكون وقعدوا عن نصرة الدين وعذروا أنفسهم بأنهم في أرض الكفر حيث اضطهدهم الكافرون ومنعوهم من إقامة الحق وهم عاجزون عن مقاومتهم ولكنهم في الحقيقة غير معذورين لأنه كان يجب عليهم الهجرة إلى المؤمنين الذين يعتزون بهم إذ هم بحبهم لبلادهم وإخلادهم إلى أرضهم وسكونهم إلى أهليهم ومعارفهم ضعفاء في الحق لا مستضعفون وهم بضعفهم هذا قد حرموا أنفسهم بترك الهجرة من خير الدنيا مما أفاء الله به على المؤمنين ومن خير الآخرة بإقامة الحق وإعلاء كلمة الدين.
و ظلمهم لأنفسهم : هو تركهم العمل بالحق خوفا من الأذى وفقد الكرامة عند ذوي قرابتهم من المبطلين.
وهذا الاعتذار وما أشبهه مما يعتذر به الذين سايروا أهل البدع على بدعهم في عصرنا الحاضر بحجة دفع الأذى عن أنفسهم بمداراة المبطلين وذلك عذر لا يعتد به إذ الواجب عليهم إقامة الحق مع احتمال الأذى في سبيل الله أو الهجرة إلى حيث يتمكنون من إقامة دينهم.
أخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس قال :" إن سبب نزول الآية أن قوما من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يخفون الإسلام فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر فأصيب بعضهم فقال المسلمون هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت الآية فكتبوا بها إلى من بقي بمكة منهم وأنه لا عذر لهم فخرجوا فلحق بهم المشركون ففتنوهم ورجعوا فنزلت : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ( العنكبوت : ١٠ ) فكتب إليهم المسلمون بذلك فتحزنوا فنزلت : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ( النحل : ١١٠ ) الآية فكتبوا إليهم بذلك فخرجوا فلحقوهم فنجا من نجا وقتل من قتل "
فأولئك عسى الله ان يعفو عنهم أي إن أولئك المستضعفين الذين لم يهاجروا للعجز وتقطيع الأسباب يرجى أن يعفو الله عنهم ولا يؤاخذهم بالإقامة في دار الكفر.
و في هذا إيماء إلى أن العفو مطموع فيه غير مجزوم به وإلى أن أمر الهجرة مشدد فيه ولو باستعمال الحيل والبحث عن مضايق السبل وبذا لا يخدع أحد ممن يحب وطنه نفسه فيعد ما ليس بمانع مانعا.
و هذا الرجاء الذي تفيده ( عسى ) بالنسبة إلى المخاطب أو إنها هنا للتهيئة والإعداد : أي إنه تعالى يعدهم ويهيئهم لعفوه وفي هذا رمز إلى تعظيم أمر الهجرة وإلى أن تركها جرم عظيم وإلى أنه ينبغي أن يترصد لها الفرصة السانحة ويعلق قلبه بها.
وكان الله عفوا غفورا أي وكان شأن الله تعالى العفو عن الذنوب التي لها أعذار صحيحة بعدم المؤاخذة عليها ومغفرتها بسترها وعدم فضيحة صاحبها في الآخرة.
تفسير المراغي
المراغي