إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ( ١ ) الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا ( ٩٧ ) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ( ٩٨ ) فَأُوْلَـئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا( ٩٩ ) وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً( ٢ ) وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ١٠٠ ) .
تعليق على الآية
( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم... ) الخ.
والآيتين التاليتين لها وواجب المسلمين في مكافحة الظلم والظالمين والهجرة من بلادهم بسبيل ذلك
عبارة الآيات واضحة : وقد تضمنت :
( ١ ) تنديدا بفريق من المسلمين آثروا الرضوخ في دار العدو وكانوا يعتذرون بأنهم كانوا مستضعفين. وكان اعتذراهم غير صادق. وإفحاما لهم وإنذارا بسوء المصير الأخروي لأنهم بذلك ظلموا أنفسهم.
( ٢ ) واستثناء من هذا التنديد والإنذار لفريق آخر من رجال ونساء وولدان كانوا حقا مستضعفين مغلوبين على أمرهم ولم يكن لهم سبيل حقا. وتطمينا بأن الله قد يشملهم بعفوه وغفرانه.
( ٣ ) وتنويها بفائدة الهجرة في سبيل الله وإيجابا لها وحثا عليها : فالذين يهاجرون في سبيل الله يجدون أسبابا كثيرة لمراغمة عدوهم وقهره وإزعاجه. وأبوابا واسعة للرزق. والذي يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله فيموت في هذا السبيل فيكون قد حق على الله أجره وهو الغفور الرحيم.
ومع واجب الإيمان بما حكته الآية الأولى مما سوف يكون من حوار بين الملائكة والمتخلفين عن الهجرة بدون عذر فإن قصد التثريب والإنذار من الحكمة المملوحة فيها.
والآيات فصل جديد، والتناسب مع ذلك ملموح بينها وبين السياق السابق. فإما أن تكون نزلت بعد الآيات السابقة لها فوضعت في ترتيبها للتناسب الموضوعي والظرفي، وإلا فتكون وضعت فيه للتناسب الموضوعي.
وقد روى المفسرون١ روايات عديدة في صدد الآيات. فرووا أن الآية الأولى نزلت في حق أشخاص كانوا أسلموا وبقوا في مكة وكانوا يكتمون إسلامهم، وقد اشتركوا مع المشركين في وقعة بدر ومنهم من قتل ومنهم من أسر في هذه الوقعة. ورووا في سياق ذلك أن العباس عم النبي وعقيلا ابن عمه كانوا ممن خرجوا مع المشركين وأسروا، ولم يقبل الله عذرهم حين اعتذروا بأنهم مستضعفون ومغلوبون على أمرهم. وأن العباس قال لرسول الله لما طلب منه الفداء عنه وعن عقيل : كيف ذلك ونحن نصلي قبلتك ونشهد بشهادتك ؟ فقال له : إنكم خاصمتم فخصمتم ثم تلا الآية. وهذا يعني أن الآية نزلت قبل وقعة بدر، وهو في اعتقادنا بعيد الاحتمال. وهناك رواية أخرى يرويها المفسرون في صدد الآية وهي أنها في حق الذين تخلفوا عن الهجرة إلى المدينة من مكة بدون عذر وبقوا وماتوا فيها. وفي فصل التفسير من صحيح البخاري حديث عن ابن عباس جاء فيه ( إن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) الآية. ثم خفف الله تعالى عن الضعفاء الذين مع المشركين فقال ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ٩٨ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ٩٩ ) وقال ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين وفي رواية كنت أنا وأمي ممن عذر الله ) ٢.
وروى المفسرون٣ كذلك أن الآية الثانية نزلت في حق جماعة كانوا فعلا مغلوبين على أمرهم ومنهم الوليد وسلمة ابن هشام وعياش ابن أبي ربيعة. وأن جملة ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ) إلى آخر الآية الثالثة نزلت في مسلم طاعن في السن كان يقيم في مكة بادر إلى الهجرة حينما بلغته الآية الأولى رغم ممانعة أهله وسخرية قومه به فمات في الطريق. وقد اختلفت الروايات فيه فمنها من ذكر أنه جندب ابن ضمرة أو رجل من بني الليث أو رجل من بني كنانة أو من خزاعة.
وهناك رواية تذكر أن الجملة في صدد جماعة من المسلمين كانوا في مكة فكتب إليهم المهاجرون حينما نزلت الآية الأولى بأنهم لم يبق لهم عذر فخرجوا فلحق بهم المشركون فقتلوا من قدروا عليه ونجا من نجا. ورواية تذكر أنها نزلت في خالد ابن حرام حين هاجر إلى الحبشة فنهشته حية فمات في الطريق.
وباستثناء حديث البخاري عن ابن عباس فإنه ليس شيء من الروايات الأخرى واردا في الصحاح. وبعض الروايات يقتضي أن تكون بعض الآيات أو جملة منها مكية ؛ لأن الهجرة إلى الحبشة إنما كانت أثناء العهد المكي. وبعضها يقتضي أن تكون الآيات نزلت متفرقة بل أن يكون بعض جمل من الآيات نزلت لحدتها في حين أنها وحدة تامة منسجمة، ويلحظ بالإضافة إلى هذا ثم بالإضافة إلى ما لحظناه من بعد احتمال نزول الآيات قبل أو عقب وقعة بدرـ أنه ليس فيها ما يساعد على التسليم بصحة ما جاء في الروايات من اشتراك المسلمين المتخلفين في وقعة بدر إلى جانب المشركين. وكل ما تفيده أنهم كانوا يعتذرون بكونهم مستضعفين فقط. ولقد أهدرت الآيات ( ٨٨ ـ ٨٩ ) من هذه السورة دم المنافقين لأنهم لم يتضامنوا في الجهاد مع المسلمين واعتبرتهم كفارا على ما شرحناه قبل. وما روته الروايات عن المسلمين المتخلفين أشد وأبشع من ذلك. ولو كان هذا صحيحا لما كان أي معنى للاحتجاج الذي حكته الآيات عن لسانهم.
يضاف إلى هذا كله : أن أسلوب الآيات التي هي كما قلنا وحدة تامة منسجمة مطلق وشامل.
والذي يتبادر لنا أن بعض أصحاب رسول الله من المهاجرين ذكروا الذين تخلفوا من المسلمين في مكة أو تذاكروا في أمرهم ومصيرهم في مناسبة ما. ولعلها كانت الآيات ( ٨٨ـ ٨٩ ) من السورة التي تهدر دم المنافقين لعدم هجرتهم في سبيل الله وتضامنهم مع المسلمين في الجهاد في هذا السبيل فاقتضت حكمة التنزيل وحي الآيات بالأسلوب الذي جاءت به. ونميل إلى القول بأن الروايات التي قد يكون بعض ما جاء فيها صحيحا من حيث الوقائع قد سيقت على هامش الآيات على سبيل التطبيق وفيها صور من السيرة النبوية في عهدها المدني، وقولنا ينطبق على حديث البخاري عن ابن عباس. وأسلوبه وفحواه يدلان بقوة على أن كلامه كان من قبيل التطبيق والاجتهاد والله أعلم.
وعلى كل حال فالآية الأولى تدل على رضوخ أناس من المسلمين وعدم هجرتهم والالتحاق بالنبي والمسلمين مع قدرتهم على ذلك إما جبنا أو تكاسلا أو إيثارا للاستمتاع بما لهم من أموال وهنئ العيش. والآية الثانية تدل على أنه كان إلى جانب هؤلاء فريق من الرجال ونساء وولدان مسلمين ـ وهذا لا يعني أسر إسلامية ـ مغلوبين على أمرهم فعلا ولا يستطيعون عمل شيء ما. ( وهناك آيات أخرى تؤيد ذلك منها آية سورة الأنفال ( ٧٢ ) التي جاء فيها هذه الجملة ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) ومنها آية سورة الفتح هذه ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لو تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم... ) ومنها آية سورة الممتحنة هذه ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) آية الفتح بخاصة صريحة بأن الذين أشير فيها هم في مكة.
والآيات تنطوي كما قلنا على ما كان من واقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى تنديد بالمسلمين الذين آثروا الرضوخ والبقاء في كنف الأعداء وعدم الهجرة مع قدرتهم عليها. بل إيجاب وتأثيم لمن لا يناضل العدو أو يهاجر لأجل التوسل لمناضلته. ولقد روى أبو داود والترمذي عن جرير ابن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين٤ ) وفي هذا تطور تشريعي بالنسبة لظروف السيرة النبوية ؛ لأن آية الأنفال التي أوردنا نصها آنفا والتي أشارت إلى هذا الفريق لم تتضمن التأثيم والإنذار والإلزام والإيجاب بل تضمنت إيجاب نصرتهم على المسلمين إذا استنصروهم في الدين. وكل ما تضمنته تقرير كون المهاجرين لا يتحملون تبعتهم. ولقد ظل ما انطوى في الآية الأولى محكما إلى فتح مكة الذي تم في السنة الثامنة للهجرة، حيث روى الخمسة حديثا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في ( لا هجرة بعد الفتح وإنما جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ) ٥ فغدت الهجرة بعد ذلك اختيارية. وظاهر أن رفع واجب الهجرة عن المسلمين بعد الفتح متصل بظروف السيرة النبوية لأن مكة أيضا بل معظم جزيرة العرب غدت دار إسلام خاضعة لسلطان النبي والمسلمين٦.
ويلحظ أن آيات سورة النساء ( ٧٤ و ٧٥ ) التي مر تفسيرها احتوت أمرا المتبادر أنه للمؤمنين الذين هم خارج بلد الظالمين بالقتال في سبيل الله والمستضعفين من جهة أن هذه الآيات التي نحن في صددها هي في الذين هم في بلد الظالمين. وكلتا الصورتين مما كان واقعا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفتح.
ومحتوى الآيتين الثانية والثالثة متسق مع المبادئ القرآنية من عدم تحميل المسلم ما لا طاقة له به وعذره وعدم مسؤوليته وإثمه فيما لا حيلة له فيه ولا حول له عليه. ومع ذلك فإن كلمة ( عسى ) في مقامها ذات دلالة هامة، حيث يمكن أن تفيد أن عفو الله عن المقيم في أرض الكفر والظلم بعذر ليس أكيدا وأن على هذا المقيم أن يبذل جهده في الخروج منها وعدم الاحتماء وراء الأعذار الخفيفة.
وصيغة الآيات تشريعية مطلقة مثل صيغة الآيات ( ٧٤ و ٧٥ ) وهي مثلها مستمرة المدى والتلقين لكل ظرف مماثل بحيث توجب على المسلمين المستطيعين أن لا يقيموا في دار عدو وتحت ظلمه مستكينين إذا عجزوا عن مكافحته وإرغامه وأن يهجروها إلى دار إسلام وعدل ليتوسلوا بأسباب مكافحته وإرغامه مهما تحملوا في سبيل ذلك من مشاق وأخطار مطمئنين بوعد الله لهم بالنصر والمغفرة والأجر العظيم، وحديث أبي داود والترمذي عن جرير بصيغته المطلقة يحتوي تلقينا مستمر المدى. والأحاديث الثلاثة التي أوردناها في الذيل السابق تجعل احتمالات ذلك وواجباته مستمرة.
وهناك حالات قد تحدث مما يتصل بمدى الآيات وتلقيناتها :
( ١ ) فقد يغزو عدو بلاد المسلمين ويسيطر عليها.
( ٢ ) وقد يقوم ظالم طاغية يزعم الإسلام ويتصرف بما يخالفه مخالفة صريحة وشديدة فيكون ظلمه على الناس قويا ويكون الحكم الإسلام وطابعه منتفيين.
( ٣ ) وهناك بلاد غير مسلمة بينها وبين المسلمين حالة حرب وعداء ويكون فيها مسلمون مقيمون دائما أو مؤقتا من أهلها أو طارئون. والمتبادر بالنسبة للحالة الأولى أن من واجب المسلمين أهل البلاد النضال والمقاومة بكل استطاعتهم ومهما تحملوا وعدم الهجرة منها إلا في حالة العج
التفسير الحديث
دروزة