فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا
في الآيات السابقة ذكر سبحانه خروج المؤمنين مجاهدين، وما يجب أن يكون عليه المجاهد من حذر، فلا يثق بخائن أو منافق ولا يضع سيفه على من يلقي إليه السلام، وذكر أن الخروج للجهاد واجب، وأن القعود لا يجوز إلا عند عدم الحاجة أو المعذرة. والقعود قسمان : قعود عن الجهاد، وقعود عن الهجرة. وإذا كان القعود الأول فيه ملامة إن لم يكن لمعذرة، فالقعود الثاني فيه ذلة، وفيه إثم الرضا بالذلة، ولذا قال تعالى : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها
إن هؤلاء الذين استضعفوا حقا وصدقا بسبب ضعفهم، عسى أن يعفو الله عنهم، أي يرجى أن يكونوا محل عفو الله تعالى، فلا يؤاخذهم برضاهم بالبقاء في أرض الذل، فالفاء هنا هي فاء السببية، أي أن السبب في أنهم محل عفو الله، ورجاء العفو لهم، هو ضعفهم. وهنا بحثان تشير إليهما الآية الكريمة :
أولها : أن الهجرة هي الأمر المفروض الذي لا مناص منه إلا عند العذر الشديد، وإن الأعذار يقدرها أصحابها. ومع وجودها يرجى لهم العفو، ويرجونه ويقول الزمخشري : إن هذا يدل على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى إن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول : عسى الله أن يعفو عني. وهذا كله معناه أن الأصل هو الهجرة.
ثانيهما : أن الأمور التي يرخص بها في مقابل واجب مفروض، لا تكون مباحة في ذاتها، بل تكون في مرتبة العفو ؛ لأن المباح يكون مطلوبا على وجه التخيير، وهذه لا طلب فيها، بل رخص بها في الترك، والأصل وجوب الهجرة.
وقد ختم سبحانه وتعالى الآية بأنه كثير العفو عن عباده في الرخص التي يرخص لهم بها، كثير المغفرة لمن تاب وأناب، والله سبحانه وتعالى رحيم بعباده.
زهرة التفاسير
أبو زهرة