قَوْله - تَعَالَى -: حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم فالميتة: هِيَ الْحَيَوَان الْمَيِّت، وَالدَّم: دم الْحَيَوَان يراق ويسفح فَهُوَ حرَام، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يجْعَلُونَ الدَّم فِي
صفحة رقم 8
على الْإِثْم والعدوان وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب (٢) حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أكل السَّبع إِلَّا مَا ذكيتم وَمَا ذبح على النصب وَأَن تستقسموا المباعر، ويسوونها ثمَّ يَأْكُلُون؛ فجَاء الشَّرْع بِتَحْرِيمِهِ، وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن الطحال، فَقَالَ: كلوه، فَقيل: أَلَيْسَ بِدَم؟ قَالَ: إِن الله - تَعَالَى - إِنَّمَا حرم الدَّم المسفوح.
وَلحم الْخِنْزِير وَمَا أهل لغير الله بِهِ يَعْنِي: سمى على ذبحه غير الله، وَقيل: هُوَ مَا يذبح على الْأَصْنَام؛ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة حرَام، وَقيل: إِنَّهَا مَا أبيحت فِي شرع مَا، حَتَّى قيل: إِن آدم - صلوَات الله عَلَيْهِ - نزل إِلَى الأَرْض وَمَعَهُ تَحْرِيم هَذِه الْأَرْبَعَة.
والمنخنقة هِيَ الشَّاة الَّتِي تخنق بِحَبل فتموت والموقوذة هِيَ الَّتِي كَانَت يضربونها عِنْد الصَّنَم، حَتَّى إِذا مَاتَت أكلوها (والمتردية) الَّتِي تتردى من مَوضِع عَال فتموت.
والنطيحة هِيَ الَّتِي تنطحها أُخْرَى فتموت وَمَا أكل السَّبع وَيقْرَأ بجزم الْبَاء على التَّخْفِيف، وَمَعْنَاهُ وَمَا بقى مِمَّا أكل السَّبع إِلَّا مَا ذكيتم حرم هَذِه الْأَنْوَاع، وَاسْتثنى المذكاة، وأصل التذكية: الْإِتْمَام، يُقَال: ذكيت النَّار، إِذا أتممت إيقادها، وَيُقَال: فلَان ذكى، إِذا كَانَ تَامّ الْفَهم، وَالزَّكَاة فِي الشَّرْع مَعْرُوفَة.
وَمَا ذبح على النصب يَعْنِي: على الْأَصْنَام، وَالنّصب: نوع من الْأَصْنَام، وَالْفرق بَينهَا وَبَين الْأَصْنَام: أَن الْأَصْنَام: هِيَ المصورة المنقوشة، وَالنّصب: لَا تكون منقوشة، وَلَا مصورة، وَقيل: كَانَت لَهُم أَحْجَار مَنْصُوبَة حول الْكَعْبَة، كَانُوا يعبدونها، ويتقربون إِلَيْهَا بالذبائح، ويلطخونها بالدماء؛ فحرمه الشَّرْع.
وَأَن تستقسموا بالأزلام ذَلِكُم فسق الاستقسام: طلب النَّصِيب والأزلام: الأقداح وَاحِدهَا: " زلم " وَقيل: " زلم " أَيْضا وَهِي سِهَام كَانَت عِنْد سدنة الْكَعْبَة، وَكَانَ مَكْتُوبًا على وَاحِد اخْرُج، وعَلى آخر: لَا تخرج، وعَلى وَاحِد: أَمرنِي رَبِّي وعَلى آخر: نهاني رَبِّي، وَكَانَ فِيهَا وَاحِد غفل، وَيُسمى منتحا، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء مَكْتُوب،
بالأزلام ذَلِكُم فسق الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم واخشون الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا فَمن وَكَانَ الرجل مِنْهُم إِذا أَرَادَ سفرا يَأْتِي سَادِن الْبَيْت حَتَّى يجيل الأقداح؛ فَإِن خرج الغفل يجيله ثَانِيًا، حَتَّى يخرج آخر، فَإِن خرج الَّذِي عَلَيْهِ: " اخْرُج " خرج إِلَى السّفر، وَإِن خرج: " لَا تخرج " لم يخرج؛ فَنهى الشَّرْع عَنهُ، وَمن ذَلِك الحكم بالنجوم وَضرب الْحَصَا والطيرة وَالْكهَانَة، وكل ذَلِك مَنْهِيّ عَنهُ، قَالَ: " من تطير أَو تكهن أَو تعرف؛ لم ينظر إِلَى الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة " وَقَالَ الشّعبِيّ، وَغَيره: الأزلام للْعَرَب، والكعاب للعجم.
وَقَوله: الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ فَلَا تخشوهم واخشون وَذَلِكَ أَن الْكفَّار كَانُوا يطمعون فِي عود الْمُسلمين إِلَى دينهم، حَتَّى فتحت مَكَّة، وَأظْهر الله الْإِسْلَام؛ أيسوا من ذَلِك؛ فَهَذَا معنى قَوْله: الْيَوْم يئس الَّذين كفرُوا من دينكُمْ أَن يذهب، وتراجعوا إِلَى دينهم.
قَوْله - تَعَالَى -: الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ نزل هَذَا بِعَرَفَات، وَرَسُول الله على نَاقَته العضباء؛ فبركت من ثقل الْوَحْي، وروى " أَن رجلا من الْيَهُود قَالَ لعمر رَضِي الله عَنهُ: إِنَّكُم تقرءون آيَة لَو علينا أنزلت، لاتخذنا ذَلِك الْيَوْم عيدا، يَعْنِي الْيَوْم الَّذِي أنزلت فِيهِ، فَقَالَ عمر: أَنا أعلم أَنَّهَا أَي يَوْم أنزلت، أنزلت يَوْم الْجُمُعَة عَشِيَّة عَرَفَة، وَأَشَارَ إِلَى أَن ذَلِك الْيَوْم لنا عيد ".
وَمعنى قَوْله: الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ أَي: فِي الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام؛ لِأَنَّهَا نزلت بعد اسْتِقْرَار الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام، وَقيل: لم ينزل بعد هَذِه الْآيَة شَيْء من الْأَحْكَام حَتَّى قيل: إِن قَوْله: يستفتونك فِي آيَة الْكَلَالَة، إِنَّمَا نزل قبل هَذِه الْآيَة، وَقيل: بعْدهَا.
وَاعْلَم أَن الشَّرَائِع لم تنزل جملَة، وَإِنَّمَا نزلت شَيْئا فَشَيْئًا، فَإِن فِي الِابْتِدَاء حِين كَانَ بِمَكَّة كَانَ الْوَاجِب الْإِتْيَان بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالْإِيمَان بِالْبَعْثِ، وَالْجنَّة وَالنَّار، وَرَكْعَتَيْنِ غدْوَة، وَرَكْعَتَيْنِ عَشِيَّة، وَأَن يكفوا أَيْديهم عَن الْقِتَال، ويصبروا على أَذَى الْمُشْركين، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْمِعْرَاج - وَهِي قبل الْهِجْرَة بِثمَانِيَة عشر شهرا - فرض الله عَلَيْهِ وعَلى أمته خمسين صَلَاة، ثمَّ ردَّتْ إِلَى خمس صلوَات، كَمَا عرف فِي الْقِصَّة، ثمَّ لما هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، فرض الله عَلَيْهِ الْجِهَاد، وَالزَّكَاة، ثمَّ الصَّوْم سنة الثَّالِث من الْهِجْرَة، وَفرض الْحَج سنة السَّابِع من الْهِجْرَة، ثمَّ فتح مَكَّة، فَلَمَّا حجَّة الْوَدَاع؛ أنزلت هَذِه الْآيَة سنة عشر من الْهِجْرَة، وَلم ينزل بعْدهَا شَيْء من الْأَحْكَام كَمَا بَينا، وعاش بعد ذَلِك رَسُول الله إِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَة، وَتُوفِّي فِي الْيَوْم الثَّانِي من ربيع الأول، وَقيل: توفّي فِي الثَّانِي عشر من ربيع الأول، وَهَذَا أصح.
وَكَانَت هجرته فِي الثَّانِي عشر من ربيع الأول أَيْضا، واستكمل عشر سِنِين، وَخرج من الدُّنْيَا.
وَفِيه قَول آخر: أَن معنى قَوْله: الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ أَي: أمنتكم من الْعَدو، وأظهرت دينكُمْ، وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي، ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا، رَوَت عَائِشَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَقُول الله - تَعَالَى -: إِنِّي نظرت فِي الْأَدْيَان فارتضيت لكم الْإِسْلَام دينا؛ فأكرموه بالسخاء، وَحسن الْخلق مَا صحبتموه، فَإِن
اضْطر فِي مَخْمَصَة غير متجانف لإثم فَإِن الله غَفُور رَحِيم (٣) يَسْأَلُونَك مَاذَا أحل لَهُم قل أحل لكم الطَّيِّبَات وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح مكلبين تعلمونهن مِمَّا الْبَخِيل بعيد من الله، بعيد من النَّاس، بعيد من الْجنَّة، قريب من النَّار ".
فَمن اضْطر فِي مَخْمَصَة : المخمصة: خلاء الْجوف عَن الْغذَاء، وَفِي الْمثل: " البطنة بعْدهَا الخمصة " غير متجانف لإثم أَي: غير مائل إِلَى إِثْم، وَهُوَ مُجَاوزَة الشِّبَع فِي أكل الْميتَة، أَو يأكلها تلذذا فَإِن الله غَفُور رَحِيم.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم