* قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير :
٤٦١- مقتضى اللغة أن يكون المحرم هذه الأعيان. ( العقد المنظوم : ١/٤٠٠ )
٤٦٢- المدلول مطابقة في هذه الآية غير مراد، فإن الأعيان لا تحرم، بل الأفعال المتعلقة بها وهي والأكل والتناول فقد قصدت بالتحريم من غير لفظ، يدل على ذلك مقارن، بل الأدلة الخارجة أفادتنا ذلك. وهذه الأفعال إن كانت لازمة حصل المقصود لوجود تصر النية فيها بإضافة التحريم إليها دون غيرها، ولا سيما أن النية تعين في كل عين الفعل المناسب لها، فتعين في الخمر الشرب، وفي الميتة الأكل، وكذلك جميع الأعيان الواردة في النصوص. ( الفروق : ٣/٦٨ )
٤٦٣- الجميع محتاج إلى تقدير مضاف، تقديره : " أكل الميتة وشرب الدم وأكل لحم الخنزير " وإن أردت أن تقدر مضافا واحدا يشمل الجميع قلت : " تناول الميتة والدم ولحم الخنزير ". فالتناول يشمل الجميع، وحينئذ يصح إسناد التحريم لهذا المضاف، وإلا فالميتة ليست حراما إجماعا، والدم والخنزير ليسا بحرامين إجماعا، وإنما الحرام تناولهما. وكذلك الخمر لا يحرم ( تناولها )١ إجماعا بل شربها، وهو فعل يتعلق بالمكلف غير عين الخمر وعين الميتة وما ذكر معهما. ( العقد المنظوم : ١/٤٠١ )
٤٦٤- يقتضي أنه مهما وجدت ميتة أو فرد من هذه الأفراد المذكورة، فإن التحريم يتعلق به، وقبل وجوده لا يحرم، ومهما وصلنا إلى غاية فإنه لا يجب الوقوف عندها، بل نتجاوزها إلى ما يوجد بعدها. ( نفسه : ١/٣٣٧ )
٤٦٥- فكل ميتة محرمة وكذلك جميع الميتات في جميع الأحكام بمقتضى الوضع خاص بصيغة العموم.
٤٦٦- هذه الأشياء لا تحرم، لما تقدم من تقرير أن الذوات لا تحرم، فيقدر في كلامه ما يليق به من الحد، كما ينتظم التكليف كما تقدم ذلك مقتضى الوضع، لكن صار هذا اللفظ المركب منقولا لتحريم أكل هذه الحقائق وتناولها ولا يحتاج مع هذا النقل إلى مضاف مقدر البتة لأن الوضع الثاني صار يفيده. ( الذخيرة : ٤/١٢٦ )
٤٦٧- قاعدة : " النادر ملحق بالغالب في الشرع ". فمن لاحظ هذه القاعدة أسقط ما يعيش في البر من دواب البحر نظرا لغالبه، ومن لاحظ القاعدة الأولى٢ وأن ميتة البحر على خلاف الأصل لم يسقطها، ويؤيده قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة أو يحمله على سبب وروده وهو الميتة التي كانوا يأكلونها من البر ويقولون : " تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله ". ( العقد المنظوم : ٢/٤٥٣ )
* قوله تعالى : والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم :
٤٦٨- قال اللخمي : " المنخنقة والموقوذة- بالذال المعجمة- وهي التي تضرب حتى تموت. والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، ما مات منها فحرام وما لو ترك لعاش يذكى وغير المرجو، والذي حدث به في موضع الذكاة لم تؤكل وفي غيره يذكى ويؤكل عند مالك٣. قال ابن القاسم : ولو انتثرت الحشوة، لأن قوله تعالى : إلا ما ذكيتم بعد ذكر هذه الأقسام استثناء متصل، لأنه الأصل. وقيل : لا يؤكل، لأنه منقطع، أي من غيرهن، لأنه لولا ذلك لكان قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة يغني عنه. ( الذخيرة : ٤/١٢٨ )
٤٦٩- قيل : الاستثناء منقطع، وتقديره : " لكم ما ذكيتم من غير المذكور ". وقيل : الاستثناء متصل، يعود على المنخنقة وما بعدها، أي : " إلا ما أدركتم ذكاته من هذه المذكورات ". ( الاستغناء : ٥٧٣. شرح التنقيح : ٢٥٢. العقد المنظوم : ٢/٣٤٥-٣٤٦ )
* قوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا :
٤٧٠- كيف يمكن أن يقال : إن الله تعالى جعل لأحد أن ينشئ حكما على العباد ؟ وهل ينشئ الأحكام إلا الله تعالى ؟ فهل لذلك نظير وقع في الشريعة أو ما يؤنس هذا المكان ويوضحه ؟
جوابه : لا غرو في ذلك ولا نكير، بل الله تعالى قرر الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات والمباحات على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل الله سبحانه وتعالى عليه في كتابه الكريم : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا . ( الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام : ٣٨ )
٢ - قال القرافي: قاعدة: "الذكاة شرعت لاستخراج الفضلات المحرمات من الأجساد الحلال بأسهل الطرق على الحيوان". ن: الذخيرة: ٤/١٢٦..
٣ - ن: هذه الأقوال في: الموطأ: ٢/٤٩٠ وأحكام القرآن لابن العربي: ٢/٥٤١. والجامع للقرطبي: ٦/٥٠..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي