قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخصمة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم
بعد أن أحل الله بهيمة الأنعام استثنى من ذلك جملة محرمات كان أهل الجاهلية يأكلونها، فنعرض لها في التفصيل الآتي :
أولا : الميتة. وهي البهيمة من الأنعام تموت حتف أنفها. وهذه الميتة يحتبس فيها الدم فتفسد وتتعفن وبذلك يصبح أكلها ضارا. ويستثنى من الميتة السمك فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها. وفي ذلك روى مالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر فقال : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ".
ثانيا : الدم ويراد به المسفوح١. فقد روي عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال : " كلوه " فقالوا : إنه دم. فقال : " إنما حرم عليكم الدم المسفوح " ومن رواية محمد بن إدريس الشافعي عن ابن عمر مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال ".
ثالثا : لحم الخنزير. فهو كله حرام كله سواء في ذلك أكله أو بيعه وشراؤه أو الانتفاع به. ويستثنى من ذلك شعر الخنزير فإنه يجوز استعماله في الخرازة وهي خياطة الثوب. وما عدا ذلك فحرام كله، ذلك أن الخنزير نجس العين أصلا. وقيل في اشتقاق الخنزير : إنه من الخزر بالتحريك، ومعناه ضيق العين وصغرها. والخزيرة : النظر بلحظ العين٢.
رابعا : وما أهل لغير الله به. وذلك من الإهلال وهو رفع الصوت. يقال : أهل فلان بالحج إذا لبى به. أي قال : لبيك اللهم بحج. وكذلك إذا استهل الصبي إذا صرخ. واستهلاله معناه صراخه عند الولادة. فقد كان من عادة الجاهليين أن يقولوا عند الذبح : باسم اللات والعزى. أو غير ذلك من الأصنام، فحرم الله أكل مثل هذه الذبائح. وعلى هذا فأيما ذبيحة ذكر عليها اسم غير اسم الله سواء كان هذا صنما أو وثنا أو طاغوت من الطواغيت أو غير ذلك من المخلوقات، فإن هذه الذبيحة حرام أكلها بالإجماع٣.
خامسا : المنخنقة. وهي التي تموت خنقا، إما قصدا بفعل آدمي، كعادة الجاهلين كانوا يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها. أو أن تختنق اتفاقا بأن يدخل رأسها بين عمودين في شجرة أو نحوها فتختنق فتموت. ومن جملة ذلك أيضا ما يخنق فيها بحبل الصياد. وغير ذلك من وجوه الاختناق الذي تصير به البهيمة ميتة فيحرم أكلها.
سادسا : الموقوذة. من الوقذ، وهو شدة الضرب. وشاة وقيذ وموقوذة : قتلت بالخشب٤ والمراد بالموقوذة : البهيمة أو الحيوان الذي يضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى يموت. وذلك كما لو ضربه بالعصا أو الخشبة أو الحجر أو نحو ذلك مما ليس له حد فيجرح. فأيما بهيمة تموت ضربا من غير أن يسيل دمها فهي في حكم الميتة.
وقد ورد في الصحيح أن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله ! إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال : " إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله " وبذلك قد فرق بين ما أصاب البهيمة بما يخرج كالسهم والسكين والمزراق ونحوه فيحل أكلها، وما أصاب بعرض الآلة أو الأداة فجعله وقيذا لا يحل. وهو ما لا خلاف فيه.
أما لو أرسل كلبه على صيد فقتله بثقله أو صدمه صدما ولم يجرحه فمات فإنه لا يحل أكله، لأنه يجري عليه حكم الموقوذة، إذ لم يرق منه دم. وهو قول الحنفية والحنابلة وبعض الشافعية. وقيل : إنه حلال لعموم قوله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم وهو أحد القولين للشافعي٥.
سابعا : المتردية. وهي التي تتردى من العلو إلى الأسفل فتموت، سواء كان التردي من جبل أو سطح دار شاهقة أو في بئر أو حفرة، ويستوي في ذلك ما لو تردت بنفسها أو رداها غيرها. فالمتردية التي تسقط من موضع مشرف فتموت. وهذا من الميتة، لأنها ماتت من غير أن يسيل منها الدم.
ويلحق بذلك ما لو أطلق سهمه فأصاب صيدا، فتردى من أعلى إلى أسفل، فمات فإنه لا يحل أكله، لأنه ربما مات بالتردي وليس بالسهم٦.
ثامنا : النطيحة. على وزن فعيلة بمعنى مفعولة. أي منطوحة. وهي الشاة تنطحها أخرى أو غيرها من النواطح فتموت قبل أن تذكى. فالنطيحة التي ماتت من النطح أي بسبب نطح غيرها لها فهي حرام وإن جرحها قرن الناطحة وخرج منها الدم٧.
تاسعا : وما أكل السبع. السبع كل حيوان له ناب ويعدو على الإنسان والدواب ويفترسها كالأسد والنمر والذئب وغيره من ذوات الأنياب المفترسة. وفي الجملة فهو المفترس من الحيوان. والمراد هنا ما أكل منه السبع فمات قبل أن يذكى وفيه حياة، فهو حرام. فقد كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع بهيمة فقتلها وأكل بعضها أكلوا بقيتها، فحرمه الله تعالى. وفي الآية لفظ محذوف والتقدير : وما أكل منه السبع. أما ما أدركه أهل البهيمة منها قبل أن تموت فيحل أكله. وهذا مقتضى قوله : إلا ما ذكيتم والاسم الموصول في محل نصب على الاستثناء المتصل عند جمهور أهل العلم. وهو راجع على كل ما أدركت ذكاته من المذكورات السابقة باستثناء ما لا يقبل الذكاة من الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به. فيكون العود على المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، فما أدركوه من كل ذلك وفيه بقية حياة يضطرب المذبوح فذكوه فهو حلال.
على أن أدنى ما يدرك به الذكاة أن يجده وهو يحرك الأذن أو الذنب أو الجفن فإنه يحل أكله بعد تذكيته. وقيل : الاستثناء مختص بقوله : وما أكل السبع ولا وجه لهذا الاختصاص. وقيل : الاستثناء منقطع. أي حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم فهو غير حرام وهو قول الإمام مالك٨.
وقوله : ذكيتم كمن الذكاة. وهي في اللغة بمعنى التمام. فمعنى ذكيتم أدركتم ذكاته على التمام. وتذكية الذبيحة مأخوذة من التطيب. فإذا ذبح الحيوان وسال دمه فقد تطيب.
أما ما تقع به الذكاة، فقد ذهب الجمهور إلى أن كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فهو مما يصلح أن يذكى به ما عدا السن والعظم فلا يجوز التذكية بهما. على أن كيفية الذكاة موضع خلاف، فقد قال الإمام مالك : لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين. وقال الإمام الشافعي : تصح الذكاة بقطع الحلقوم والمريء من غير حاجة إلى قطع الودجين. فالواجب عنده لتصح التذكية قطع المريء والحلقوم فقط. أما الإمام أبو حنيفة فالواجب عنده في التذكية هو قطع ثلاثة غير معنية من الأربعة، فإما الحلقوم والودجان، وإما المريء والحلقوم وأحد الودجين، وإما المريء والودجان.
وثمة مسألة وهي الجنين إذا خرج بعد ذكاة أمه ميتا فإنه يحل أكله، ذلك أن ذكاة الأم ذكاة لجنينها وهو مذهب جمهور العلماء. وقال به مالك والشافعي واستدلوا على ذلك بما أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعلي وعبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ذكاة الجنين ذكاة أمه ". وقالت الحنفية : إذا خرج ميتا بعد ذكاة أمه فهو ميتة لا يحل أكله٩.
عاشرا : وما ذبح على النصب. والنصب حجارة كانت حول الكعبة، قيل : ثلاثمائة وستون نصبا كانت العرب في الجاهلية يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب، فنهى الله المؤمنين عن فعل ذلك وحرم عليهم أكل الذبائح التي ذبحت عند النصب حتى لو ذكر عليها اسم الله عند الذبح عند النصب١٠. وقيل، النصب بمعنى الأصنام، لأنها تنصب فتعبد من دون الله. والراجح أن النصب أحجار كان الجاهليون ينصبونها حول الكعبة، وكانوا يذبحون عندها للأصنام، ويلطخونها بالدماء، ويضعون اللحوم عليها، وهو نظير القول الأول.
وقوله : على فيه وجهان، أحدهما : أن على بمعنى اللام. أي ما ذبح للنصب، أو من أجل النصب.
ثانيهما : أنها على أصلها، والمعنى ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب١١.
قوله : وأن تستقيموا بالأزلام الأزلام جمع زلم وهو القدح. أي وحرم عليكم الاستقسام بالأقداح. وذلك أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح، مكتوب على أحدهما : " أمرني ربي ". ومكتوب على الثاني " نهاني ربي ". وأبقوا الثالث غفلا لم يكتب عليه شيء. فإن خرج الآمر مضوا لحاجتهم. وإن خرج الناهي لم يمضوا. وإن خرج الغفل أجالوها مرة ثانية، والاستقسام بالأزلام معناه : طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم لهم وذلك عن طريق الأزلام١٢.
وقيل : المراد قداح الميسر وهي عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة لهوا ولعبا. وقيل : الأزلام هي كعاب فارس والروم كانوا يتقامرون بها. وقيل : هي الشطرنج والاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب، وهو من أكل المال بالباطل وهو حرام. ونظير ذلك كل مقامرة بحمام أو نرد أو شطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما في معنى الأزلام. فهو حرام كله. وهو ضرب من ضروب الكهانة والتشبث بدعوى علم الغيب١٣.
وربما قيل : إن هذه الأعمال من باب الفأل. ومثل هذا القول باطل، فإن الاستقسام بالأزلام على اختلاف صورها وضروبها ليس من الفأل في شيء. وإنما ذلك استشارة مع الأصنام واستعانة بها. ودل على هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم إذا أرادوا ذلك أتوا بيت أصنامهم وفعلوا ما فعلوا، فلهذا صار حراما.
ومن جهة أخرى فإن الاستقسام بالأزلام فيه افتراء على الله إن أراد المستقسم بقوله " بربي " الله تعالى. أو فيه جهالة وشرك إن أراد المستقيم به الصنم. فكل ذلك حرام وهو ليس من باب الفأل الحسن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه لما تنشرح به النفس وتستبشر ببلوغ المرام.
ومن حميد الخصال حسن الظن بالله سبحانه. وفي الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي " وعكس الفأل الطيرة. والفرق بينهما أن الفأل طريقه حسن الظن بالله، لكن الطيرة طريقها الاتكال على غير الله.
على أن المؤمنين إذا ترددوا في أمر من أمورهم كان عليهم أن يستخيروا الله، وذلك أن يعبدوه ويسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. وفي هذا روى أحمد والبخاري وأهل السنن عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى اله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن ويقول : " إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر – ويسميه باسمه – خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال – عاجل أمري وآجله – فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه. اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كنت ثم رضني به ".
قوله : ذلكم فسق اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ، وخبره فسق. والإشارة هنا إلى الاستقسام بالأزلام. وقيل
٢ - القاموس المحيط ص ٤٩١..
٣ - تفسير الرازي ج ١١ ص ١٣٥ وتفسير ابن كثير ج ١ ص ٨..
٤ - القاموس المحيط ص ٤٣٣ وتفسير الرازي ج ١١ ص ١٣٥ والكشاف ج ١ ص ٥٩٢ والدر المصون ج ٤ ص ١٩٥..
٥ - تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٨..
٦ - تفسير الرازي ج ١ ص ١٣٥ وروح المعاني للألوسي ج ٥ ص ٥٧..
٧ - تفسير ابن كثير ج ٢ ص ١٠ وتفسير القرطبي ج ٦ ص ٤٩ والقاموس المحيط ص ٣١٣..
٨ - روح المعاني ج ٦ ص ٥٧، ٥٨ وتفسير الرازي ج ١١ ص ١٣٦ وبداية المجتهد ج ١ ص ٤٦٧..
٩ - تفسير القرطبي ج ٦ ص ٥٤ وبداية المجتهد ج ١ ص ٤٦٥..
١٠ - تفسير ابن كثير ج ٢ ص ١١..
١١ - روح المعاني ج ٦ ص ٥٨ وتفسير القرطبي ج ٦ ص ٥٧..
١٢ - روح المعاني ج ٦ ص ٥٨ والكشاف ج ١ ص ٣٩٣..
١٣ - تفسير القرطبي ج ٦ ص ٥٩ وروح المعاني ج ٦ ص ٥٩..
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز