من النظر إلى المعنى، والإجماع، لا من صيغة الأمر. وخص الصيد بالذكر لأنهم كانوا يرغبون فيه كثيرا كبيرهم وصغيرهم.
وأرشد قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إلى حرمة الاعتداء بالباطل لأن المعنى: لا يحملنكم بغض قوم أن تتعدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم،
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن أبي هريرة: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
ودل قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ... على وجوب التعاون بين الناس على البر والتقوى، والانتهاء عما نهى الله عنه، وحرمة التعاون على المعاصي والذنوب، ويؤكده
حديث «الدال على الخير كفاعله» رواه الطبراني عن سهل بن سعد وعن ابن مسعود، وهو صحيح.
المطعومات المحرمات وإكمال الدين والضرورة
[سورة المائدة (٥) : آية ٣]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
الإعراب:
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا.. أن المصدرية مع صلتها: في موضع رفع بالعطف على قوله تعالى:
الْمَيْتَةُ وتقديره: حرم عليكم الميتة والاستقسام بالأزلام: وهو قسمهم الجزور في الجاهلية عشرة أقسام.
فَمَنِ اضْطُرَّ في موضع رفع بالابتداء، وهي شرطية، والجواب: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ..
وهو خبر المبتدأ، ومعه ضمير محذوف، وتقديره: فإن الله غفور رحيم.
المفردات اللغوية:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أي أكلها وَالدَّمُ أي المسفوح وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ بأن ذبح على اسم غيره وَالْمُنْخَنِقَةُ الميتة خنقا وَالْمَوْقُوذَةُ المقتولة ضربا وَالْمُتَرَدِّيَةُ الساقطة من علو إلى أسفل فماتت وَالنَّطِيحَةُ المقتولة بنطح أخرى لها إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ أي على اسم النصب وهي الأصنام وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا تطلبوا القسم والحكم بالأزلام، جمع زلم (بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام) : قدح (بكسر القاف) صغير لا ريش فيه ولا نصل، وكانت سبعة عند سادن الكعبة، عليها أعلام، وكانوا يحكمونها، فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا ذلِكُمْ فِسْقٌ خروج عن الطاعة.
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أحكامه وفرائضه، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بإكماله، وقيل: بدخول مكة آمنين وَرَضِيتُ اخترت فِي مَخْمَصَةٍ مجاعة فاضطر إلى أكل شيء مما حرم عليه، فأكله غَيْرَ مُتَجانِفٍ مائل لِإِثْمٍ معصية فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ له ما أكل رَحِيمٌ به في إباحته له، بخلاف المائل لإثم، أي الملتبس كقاطع الطريق والباغي مثلا فلا يحل له الأكل.
سبب النزول
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أخرج ابن منده في كتاب الصحابة من طريق عبد الله بن جبلة بن حبان بن حجر عن أبيه عن جده: حبان قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة، فأنزل تحريم الميتة، فأكفأت القدر.
التفسير والبيان:
يخبر تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات، التي أشير إلى شيء منها بقوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [الحج ٢٢/ ٣٠]. والمحرم إجمالا أربعة
أنواع ذكرت في سورتي البقرة والنحل: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [النحل ١٦/ ١١٥]، وهي عشرة أنواع ذكرت تفصيلا هنا:
١- الميتة:
وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير فعل فاعل، من ذكاة أو اصطياد، ويراد بها شرعا: ما مات دون تذكية (ذبح شرعي). وقد حرمت لخبثها ولما فيها من الضرر ببقاء بعض المواد الضارة في جسمها إما بسبب المرض أو بسبب احتباس الدم فيها، فإن ذكيت ذهب الدم الضار منها، على أن الطباع السليمة تعافها وتنفر منها وتأنف من أكلها، فهي ضارة للدين وللبدن، لذا حرمها الله عز وجل.
فيحرم أكلها اتفاقا، وأما شعرها وعظمها فقال الحنفية: طاهران يجوز استعمالهما، وقال الشافعي: نجسان لا يجوز استعمالهما.
ويستثني من الميتة نوعان: السمك والجراد،
لما رواه أحمد والدارقطني والبيهقي وابن ماجه من قوله صلّى الله عليه وسلّم عن ابن عمر: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمك والجراد، والدمان: الكبد والطحال»
ولما رواه مالك في موطئه والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سئل عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته».
٢- الدم:
أي الدم المسفوح، أي المائع الذي يسفح ويراق من الحيوان لا المتجمد كالكبد والطحال وما يبقى في اللحم بعد الذبح عادة، بدليل قوله تعالى في آية
أخرى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [الأنعام ٦/ ١٤٥]. وسئل ابن عباس عن الطحال فقال: كلوه، فقالوا: إنه دم، فقال: «إنما حرم عليكم الدم المسفوح» أي السائل من الحيوان عند التذكية، قليلا كان أو كثيرا.
وسبب تحريم الدم المسفوح: أنه مباءة الجراثيم والسموم، وأنه مستقذر طبعا، ويعسر هضمه، ومن فضلات الجسم الضارة كالبراز، وأن فصائل الدم مختلفة، ولا تناسب فصيلة غيرها، فهو قذر يضر الأجسام. ولا عبرة بما كان العرب في الجاهلية يفعلونه من أكل الدم المختلط بالشعر وهو المسمى بالعلهز، وحشو الأمعاء بالدم ثم شيّه وأكله.
٣- لحم الخنزير:
وهو يشمل جميع أجزائه حتى الشحم والجلد، وإنما خص اللحم بالذكر لأنه المقصود الأهم، وقد نفر الشرع من الانتفاع بجميع أجزاء الخنزير في قوله تعالى:
أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام ٦/ ١٤٥]
وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه مسلم في صحيحة عن بريدة بن الخصيب الأسلمي-: «من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه»
فإنه تنفير من مجرد اللمس، فيكون التهديد على أكله والتغذي به أشد.
وفي الصحيحين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلي بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام».
وقد أجاز قوم استعمال شعر الخنزير في الخرز للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ولا حاجة اليوم إليه لتقدم الصناعة.
وسبب تحريم لحم الخنزير: ما فيه من الضرر والقذر لملازمته القاذورات، واحتوائه غالبا على الديدان كالدودة الوحيدة والشعرة الحلزونية، ولعسر هضمه
لكثرة شحم أليافه العضلية ومواده الدهنية، كما أن له طباعا سيئة مثل فقدان الغيرة على أنثاه، والطباع تنتقل مع اللحم والأكل. وإذا كانت الحظائر الحديثة ترعى صحيا تربية الخنازير، ويشرف الأطباء على فحص اللحم، فإن هذا لا يتيسر لكل الناس، كما أن الأضرار المعنوية لا يمكن تجنبها، وعلى كل حال يلتزم المسلم بالتحريم مطلقا، سواء توافرت علة المنع في الوقت الحاضر أو لا لأن المعوّل عليه شرعا رعاية مصالح الناس قاطبة لا أفراد معينين.
٤- ما أهلّ به لغير الله:
أي ما ذبح وذكر عليه اسم غير الله، ومعنى أهل: رفع الصوت لغير الله عند ذبحه، سواء اقتصر على ذكر غير الله، كالقول عند الذبح: باسم المسيح أو باسم فلان، أو جمع بين ذكر الله وذكر غيره بالعطف، كالقول: باسم الله واسم فلان، فإن ذكر كلام بغير العطف مثل باسم الله، المسيح نبي الله، أو باسم الله، محمد رسول الله، فقال الحنفية: تحل الذبيحة، ويعتبر ذكر غير الله كلاما مبتدءا، ولكن يكره الوصل صورة.
وسبب التحريم: تعظيم غير الله، ومشاركة الكفار في عبادة غير الله، والتقرب لآلهتهم بالذبائح، وقد كان أهل الجاهلية يرفعون أصواتهم عند الذبح أمام الأصنام قائلين: باسم اللات والعزى، أو باسم هبل.
لذا حرم الإسلام ذلك لأن الله تعالى أوجب أن تذبح الحيوانات على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن المقرر شرعا، وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية عمدا أو نسيانا كما سيأتي في سورة الأنعام.
٥- المنخنقة:
وهي التي تموت بالخنق إما قصدا وإما صدفة بأن انخنقت بوثاقها أو بشبكة أو بغيرها. فهي ميتة لم تذك ذكاة شرعية، وضررها ضرر الميتة، وخصها القرآن بالذكر بالرغم من دخولها تحت تعبير: الميتة، لئلا يظن أنها ماتت بسبب أو بفعل فاعل يشبه التذكية، ولم تمت حتف أنفها، والمهم هو التذكية الشرعية ولم تحدث.
٦- الموقوذة:
هي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد كالخشب أو الحجر أو الحصاة حتى تموت بلا ذكاة شرعية سواء رميت باليد أو بالمقلاع ونحوهما، فهي ميتة، وكانوا يأكلونها في الجاهلية.
والوقذ حرام في الإسلام لأنه تعذيب للحيوان وليس معه ذكاة،
روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي يعلى: شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته».
أما المقتول بالمحدد كالنار والرصاص المستعمل الآن في البنادق فيؤكل شرعا،
لما رواه أحمد والشيخان أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب قال: «إذا رميت بالمعراض «١» فخزق «٢» فكله، وإن أصاب بعرضه- أي بغير طرفه المحدد- فإنما هو وقيذ فلا تأكله»
ففرق بين ما أصابه بالسهم، أو بالمزراق (الرمح) ونحوه بحده، فأحله، وما أصاب بعرضه (بغير طرفه المحدد) فجعله وقيذا، لم يحله، وهذا مجمع عليه بين الفقهاء.
واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه على قولين هما
(٢) خزق السهم: نفذ في الرمية، والمعنى: نفذ وأسال الدم لأنه ربما قتل بعرضه ولا يجوز.
قولان للشافعي رحمه الله: «أحدهما» - لا يحل كما في السهم لأن كلا منهما ميت بغير جرح، فهو وقيذ «والثاني» - أنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب، ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكر.
٧- المتردية:
هي التي تقع من شاهق أو مكان عال كجبل أو سطح، أو تهوي في بئر، فتموت بذلك، فلا تحل كالميتة لا يحل أكلها بدون تذكية، فإن عقرت في البئر في أي مكان حلت للضرورة.
٨- النطيحة:
أي المنطوحة، وهي التي نطحتها غيرها فماتت، وإن جرحها القرن وخرج منها الدم. وحكمها كالميتة حرام لا تؤكل شرعا.
٩- ما أكل السبع:
وهي التي تقتل بسبب اعتداء حيوان مفترس كالأسد والذئب والنمر والفهد ونحوها، فتموت بسبب أكله بعضها أو جرحه لها، فلا يحل أكلها بالإجماع وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها، وكان بعض عرب الجاهلية يأكلون ما بقي من السباع، ولكن الطباع السليمة تأنف ذلك. ويلاحظ أن في الكلام إضمارا، أي وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع قد فني.
ثم استثنى تعالى المذبوح شرعا من جميع ما تقدم من المحرمات غير الميتة والدم والخنزير أي ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، فقال: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي إلا ما أدركتموه حيا فذكيتموه على النحو الشرعي، وذلك يعود على قوله تعالى: وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ وكذا ما أهل لغير الله به، فما أدرك حيا منها فذبح
أكل، والحياة تعرف بأن يطرف بعينه أو يحرك ذنبه.
قال علي كرم الله وجهه: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدا أو رجلا، فكلها.
والصحيح من قول مالك وهو المذكور في الموطأ أنه إن كان ذبح البهيمة ونفسها يجري وهي تضطرب فليأكل.
أما الميتة والدم ولحم الخنزير فلا تحل أصلا، ولو بذكاة.
والخلاصة: إن غلب على الظن أن الحيوان يعيش مع ما أصابه، كانت الذكاة محللة له، أما إن غلب على الظن أنه يهلك بما حصل، فاختلفوا: فقال الحنفية، والشافعية في مشهور المذهب: تعمل فيه الذكاة، ما دام فيه أمارة على الحياة، من تحريك عين أو ذنب أو رجل. وقال قوم منهم مالك في وجه عنه:
لا تعمل فيه الذكاة.
ومنشأ الاختلاف: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمن رأى وهم الجمهور أنه متصل أخرج من الجنس بعض ما تناوله اللفظ، فما قبل الاستثناء حرام، وما بعده خرج منه، فيكون حلالا. ويؤيد كون الاستثناء متصلا إجماع العلماء على أن الذكاة تحلل ما يغلب على الظن أنه يعيش، ولا يجعل الاستثناء منقطعا إلا بدليل يجب التسليم له.
ومن رأى أن الاستثناء منقطع، رأى أنه لا تأثير للاستثناء في الجملة المتقدمة، وكأنه قال: ما ذكيتموه من غير الحيوانات المتقدمة فهو حلال لأن التحريم إنما يتعلق بهذه الحيوانات بعد الموت، وهي بعد الموت لا تذكى، فيكون الاستثناء منقطعا. وأجيب عن ذلك بأن الاستثناء متصل باعتبار ظاهر الحلال، فإن ظاهر هذه الحيوانات أنها تموت بما أصيبت به، فتكون حراما بحسب الظاهر، إلا ما أدرك حيا وذكي، فإنه يكون حلالا.
١٠- ما ذبح على النّصب:
النصب حجارة كانت حول الكعبة، عددها ثلثمائة وستون حجرا منصوبا، كانت العرب في الجاهلية يذبحون عندها، تقربا للأصنام التي يعظمونها، ويلطخون بها ما أقبل من البيت، كأنهم يثبتون بذلك كون الذبح وقع قربة، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب (الحجارة). وليست النصب هي الأوثان، فإن النصب حجارة غير منقوشة، والأوثان حجارة منقوشة.
فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي ذبحت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح، اجتنابا للشرك الذي حرمه الله ورسوله.
وأضاف القرآن محرمات أخرى هي:
الاستقسام بالأزلام: أي محاولة معرفة ما قسم له، أو قدر في الأمر من خير أو شر. والأزلام جمع زلم: وهي قطعة من خشب على هيئة السهم الذي لا نصل فيه وهو الذي يجرح الصيد. ولهذه العملية معنيان: معنى روحي عبادي أو اعتقادي، والآخر مادي.
أما المعنى الروحي العبادي: فهو يشبه عادة التطير، كان أحدهم إذا أراد أن يقدم على عمل أو سفر، ذهب إلى الكعبة، فاستشار الأزلام الموجودة عند الآلهة، وقد كان عند هبل المنصوب على بئر سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه، مما أشكل عليهم، فما خرج منها رجعوا إليه.
قال ابن جرير الطبري: الأزلام عبارة عن قداح ثلاثة كتب على أحدها:
«افعل» وعلى الآخر: «لا تفعل» وأغفل الثالث. فإذا أجالها (حركها) فطلع سهم الأمر فعل، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد «١». ويفعل ذلك إذا
أراد سفرا أو غزوا أو زواجا أو بيعا أو نحو ذلك.
وأما المعنى المادي فهو اليانصيب اليوم الذي هو نوع من القمار، وهو قداح الميسر، وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غفل. وكانت تستعمل الأزلام بمثابة نوع من أنواع اللعب بالميسر في الجاهلية، كانوا يشترون جزورا نسيئة، وينحرونه قبل أن ييسروا، ويقسمونه ٢٨ قسما أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد باسم رجل، فاز صاحب الأقداح ذوات الأنصباء، وغرم من خرج له الغفل.
فأنواع الأزلام ثلاثة: الأول- نوع مع الشخص وعدده ثلاثة: مكتوب على واحد: افعل، والثاني لا تفعل، والثالث غفل. والنوع الثاني- سبعة قداح واحدها قدح، وكانت عند هبل في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل. والنوع الثالث- قداح الميسر وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة غفل.
وكلا المعنيين نوع من الخرافة والوهم، والتخلف العقلي الذي يعوق تقدم الأمة ويدعو إلى السير على غير هدى ولا بصيرة. ومثل ذلك معرفة الحظ بواسطة المسبحة أو المصحف، أو أوراق الشدّة أو الودع أو الفنجان، فكل ذلك حرام منكر شرعا، لا يجوز اللجوء إليه. وقد شرع الإسلام بديلا شرعا هو صلاة الاستخارة ركعتين ثم الدعاء المأثور عقب الصلاة، وتسمية الأمر المستخار له، وانتظار النتيجة من انشراح الصدر أو انقباضه، وتكرار الصلاة مرات إذا لم ينكشف الحال.
وحديث الاستخارة رواه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعلّمنا الاستخارة، كما يعلمنا سورة من القرآن، فيقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم
ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسمي حاجته) خير لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر (ويسميه) شر لي في ديني ومعاشي وعاجل أمري وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به» قال: ويسمي حاجته.
ذلِكُمْ فِسْقٌ أي كل المحرمات المذكورة فسق وخروج عن منهج الدّين، ورغبة عن شرع الله إلى معصيته، وتجاوز للمألوف من الحكمة والمعقول.
ولما حذّر الله المؤمنين من تعاطي المحرّمات المذكورة، حرّضهم على التمسك بما شرعه لهم، وبشرهم بالغلبة بما يقوي عزيمتهم ويشجعهم، فنزل يوم عرفة عام حجة الوداع: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ.. إلخ الآية، اليوم: هو يوم عرفة عام حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة، وكان يوم جمعة، وهو يوم نزول هذه الآية، يئس الكفار من إبطال دينكم والتغلب عليكم، والرجوع إلى دينهم كفارا، ويئس الشيطان أن يعبد في أرضكم.
روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في هذه الآية فقال: يئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم: وهو عبادة الأوثان أبدا.
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم».
فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ أي فلا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني أي اتّقوني، أنصركم عليهم وأؤيدكم، وأجعلكم فوقهم في الدّنيا والآخرة.
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... اليوم أكملت لكم دينكم وهو الإسلام، فأبنت لكم حلاله وحرامه وجميع الأحكام التي تحتاجون إليها، فصار كل شيء واضحا لا لبس فيه ولا غموض، كاملا غير منقوص.
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي أي منّتي، فلم يحجّ معكم مشرك أبدا، وفتحت مكة، وتحقق الوعد، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وتحقق لكم النصر.
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً مرضيا هو محل احتكام ومحاكمة الخلائق عليه يوم القيامة: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران ٣/ ٨٥].
هذه بشارات ثلاث تحققت بهذه الآية، مكث بعدها النّبي صلّى الله عليه وسلّم واحدا وثمانين ليلة ثم قبض وتوفّاه الله.
قرأ ابن عباس هذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ... فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتّخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة. وروى مسلم والأئمة عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا أنزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال: وأي آية؟
قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعرفة في يوم جمعة.
وليس المراد بإكمال الدّين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله، وإنما المراد أن الأحكام صارت غير قابلة للنسخ، وأصبحت مؤبدة صالحة لكل زمان ومكان، والمراد بالإكمال: إتمامه في نفسه وفي ظهوره، أما إتمامه في نفسه فباشتماله على الفرائض والحلال والحرام، والتنصيص على أصول العقائد وأسس التشريع وقوانين الاجتهاد، مثل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص ١١٢/ ١]، لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ
[الشورى ٤٢/ ١١]، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [الأنعام ٦/ ٧٣ ومواضع أخرى]، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل ١٦/ ٩٠]، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [النحل ١٦/ ٩١]، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران ٣/ ١٥٩]، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى ٤٢/ ٤٠]، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام ٦/ ١٦٤ ومواضع أخرى]، وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [المائدة ٥/ ٢].
وأما إتمامه في ظهوره: فبإعلاء كلمته وتفوقه على كل الأديان، وتوافقه مع المصالح العامة، وانسجامه مع التطور، ووسطيته وتوازن المصالح الخاصة والعامة فيه.
ثم نصّ الله تعالى على حالة الضرورة التي هي استثناء من الأحكام العامة، فذكر أن المحرمات السابقة حرام على جميع المسلمين في كلّ الأحوال، إلا المضطر، الذي حمل قهرا على تناول شيء من الحرام، أو الضار، فمن اضطر في حال مجاعة إلى أكل شيء مما ذكر من المحرمات، غير متجانف لإثم أي غير مائل إلى حرام لذاته، ولا راغب في التمتع بما يوجب الإثم، فله أن يتناول شيئا منها ليدفع الضرورة والضرر وبقدر الضرورة، لا للتلذذ ولا لتجاوز الحدود التي يحتاج إليها لسدّ الرّمق، فإن الله غفور لمثله يغفر لمتناول الحرام، رحيم بخلقه حيث أباح لهم ما يدفع الضرر بما هو محرّم.
وقوله تعالى: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ بمنزلة قوله في سورة البقرة: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [٢/ ١٧٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى الأحكام الآتية:
١- تحريم الميتة وما في حكمها (المنخنقة، والموقوذة، والمتردية،
والنطيحة، وما أكل السبع منه، والمذبوحة على النصب: حجارة حول الكعبة، وما أهل لغير الله به: ذكر اسم غير الله عليه).
٢- حرمة الدّم ولحم الخنزير.
٣- إباحة البهيمة المذكاة، والتي أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت وهي المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع منه وما أهل لغير الله به.
٤- إباحة المحرمات المذكورة عند الاضطرار إليها لدفع الضرر.
٥- الضرورة مقيّدة بقيدين: الأول- أن يقصد بالتناول دفع الضرر فقط.
والثاني- ألا يتجاوز ما يسدّ الرّمق لأن الضرورة تقدر بقدرها. فإن قصد التّلذذ، أو تجاوز مقدار الضرورة وقع في الحرام.
والتذكية (الذبح الشرعي) تعمل في البهيمة الصحيحة والمريضة، فيجوز تذكية المريضة ولو أشرفت على الموت إذا كان فيها بقية حياة.
ويرى الجمهور أن ذكاة الأم تؤثر في الجنين لما
أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعلي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه»
وفي رواية أخرى: «ذكاة الجنين ذكاة أمّه، أشعر أو لم يشعر».
ويرى أبو حنيفة: أنه إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتا، لم يحل أكله لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين.
وأجمعوا على أن الجنين إذا خرج حيّا أن ذكاة أمّه ليست بذكاة له.
وآلة الذكاة عند الجمهور: كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم، فهو من آلات الذكاة ما خلا السّنّ والعظم، وعلى هذا تواترت الآثار. والسّن والظفر المنهي عنهما في التذكية: هما غير المنزوعين لأن ذلك يصير خنقا فأما المنزوعان فإذا
فريا الأوداج فجائز الذكاة بهما. وحرم قوم (إبراهيم النخعي والحسن البصري والليث بن سعد والشافعي) السّن والظفر والعظم على كل حال منزوعة أو غير منزوعة.
أما المقطوع فمختلف فيه:
قال مالك: لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين.
وقال الشافعي: يصح بقطع الحلقوم والمري، ولا يحتاج إلى الودجين لأنهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة، وهو الغرض من الموت.
ومالك وغيره كأبي حنيفة اعتبروا الموت على وجه يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال- وهو اللحم- من الحرام الذي يخرج بقطع الأوداج، وعليه يدلّ
حديث رافع بن خديج في قوله المتفق على صحته فيما رواه الجماعة: «ما أنهر الدّم»
وهذا الرأي أوجه.
واختلفوا فيما إذا كان الذبح فوق الغلصمة (جوزة الحلق) وبقيت مع البدن، فقال الشافعي: تؤكل لأن المقصود قد حصل. وقال مالك: لا تؤكل.
واختلفوا أيضا فيمن رفع يده قبل تمام الذكاة ثم رجع على الفور، وأكمل الذكاة فقيل: يجزئه، وقيل: لا يجزئه، والأول أصح لأنه جرحها ثم ذكاها بعد وحياتها مستجمعة فيها.
والمستحب أن يكون الذابح ممن ترضي حاله ويطيق الذبح، سواء كان ذكرا أو أنثى، بالغا أو غير بالغ، مسلما أو كتابيّا، لكن ذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي.
وما استوحش من الإنسي أو وقع في البئر، لا تكون ذكاته إلا بين الحلق واللّبة، على سنة الذبح، في رأي المالكية. وأجاز أبو حنيفة والشافعي ذبحه أو طعنة في أي مكان من الجسم،
لقوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الجماعة عن رافع بن خديج:
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي