وهذا كله منسوخ إِلا التعاوُنَ مِن المسلمين على البر.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ).
أصله الميتَة بالتشديد، إِلا أنه مخفف، ولو قرئت الميتَةُ لجاز يقال
مَيِّت، ومَيْت، والمعنى واحد. وقال بعضهم الميِّت يقال لما لَمْ يَمتْ.
والميْتُ لما قَدْ مَاتَ، وهذا خطأ إِنما ميِّت يصلح لما قد مات، ولما سَيَمُوت.
قال اللَّه عزَّ وجلَّ: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ).
وقال الشاعر في تصديق أن الميْتَ والميِّتَ بمعنى واحد:
ليس مَن مات فاسْتراحَ بمَيْتٍ إِنما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْياءِ
فجعل الميت مخففاً من الميت.
وقوله: (وَالدَّمُ).
قيل إنهم كانوا يجعلون الدم في المباعر ويشوونها ويأكلونها، فأعلم
اللَّه عزَّ وجلَّ أن الدم المسفوح، أَي المصْبُوبَ حرام، فأمَّا المُتَلَطَخُ بالدم
فهوكاللحم في الحل.
وقوله: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه).
موضعه رفع، والمعنى: وحرم عليكم ما أهل لغير اللَّه به، ومعنى (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه) ذكر عليه اسمُ غيرِ اللَّه، وقد فسرنا أن الِإهلال رفع الصوت
بالشيءِ فَمَا يتقَرَّب به من الذبح لغير اللَّه، أو ذكر غير اسمه فحرام.
(ولحم الخنزير) حرام، حرم الله أكله، وملكه، والخنزير يشمل على الذكر والأنثى.
وقوله (وَالْمُنْخَنِقَةُ).
وهي التي تنخنق بِرِبْقَتِها أي بالحبل الذي تشدُّ به، وبأي جِهة اختنقت
فهي حرام.
وقوله: (والمَوْقُوذةُ).
وهي التي تُقْتَلُ ضرباً، يقال وَقَذْتُها أوْقِذُها وَقْذاً وأوقَذْتُها أوقِذُها إِيقَاذاً.
إذَا أثْخَنْتُهَا ضرباً.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (والنطِيحَةُ).
وهي التي تَنْطِحُ أو تُنْطَحُ فَتَموتُ.
وقوله: (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ).
موضع " ما " أيضاً رفع عطف على ما قبْلَها.
وقوله: (إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ).
أي إِلا ما أدرَكْتُم ذَكاتَه مِنْ هَذه التي وصفْنَا، وموضع " ما " نصب أي
حُرمت عليكم هذه الأشياءُ إِلَّا الشيء الذي أدْركَ ذَبحُه مِنْهَا، وكل ذَبحٍ ذكاةٌ، ومعنى التذكية أن يدركها وفيها بقية تَشْخبُ معها الأوداج، وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أدْرِكَتْ ذَكاتُه.
وأهل العلم يقولون إِنْ أَخْرجَ السَّبُع الحشْوةَ، أو
قَطَعَ الجَوفَ قطعاً خرج معه الحَشْوة فلا ذكاة لذلك، وتأويله إنَّه يصير في
حالة مَا لَا يُؤَثر في حياتِه الذبْحُ، وأصل الذكاء في اللغة كلها تمام الشيءِ،
فمن ذلك الذَّكاءُ في السن والفهم، وهو تمام السن، قال الخليل: الذَكاءُ في
السِّنِ أن يأتي على قروحِه سنة، وذلك تمائم استِكمال القُوةِ.
قال زهير:
يُفَضّلُه إذا اجْتَهِدُوا عليْهِ... تمامُ السِّنِّ منه والذَّكاءُ
وَقيل جري المذْكِيَاتِ غِلاب. أي جَرْي المَسَانِّ التي قد تأسَّنتَ.
وتأويل تمام السِّن النهايةُ في الشباب فإِذا نقص عن ذلك أو زاد فلا يقال لها
الذكاء
والذكاء في الفهم أن يكون فَهِماً تامًّا سريعَ القَبول، وذَكَيْتُ النارَ إِنما
هو مِنْ هذا. تأويله أتمَمت إشعالها.
(إِلا مَا ذَكيْتمْ) ما أذْكَيْتُم ذَبْحة على التمام.
وقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ).
والنُصبُ الحجارة التي كانوا يعْبدونَها، وهي الأوثانُ واحِدُها نِصاب.
وجائز أن يكون واحدأاً، وجمعه أنصاب.
وقوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ).
موضع " أن " رفع، والمعنى وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام.
وواحد الأزلام زُلَم، وزَلَم، وهي سِهَام كانَتْ في الجاهلية مَكْتوب على بعضها " أمرَنِي رَبِّي " وعَلى بعضها: " نهاني رَبِّي - فإذا أراد الرَّجُلُ سَفَراً أو أمراً يهتَم به
اهتماماً شديداً ضرب تلك القِدَاح، فإِن خرج السهم الذي عليه " أمرني رَبِّي
مضَى لحاجته، وإن خرج الذي عليه " نهاني ربي " لم يمض في أمره، فأعلم
اللَّه عزَّ وجلٌ أن ذلك حرام، ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجمين: لا تخرج من أجْل نَجْم كَذَاِ، وأخرج من أجل طلوع نجم كذا، لأن الله جلَّ وعزَّ قال: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)
وروي عن النبي - ﷺ -
" خمس لا يَعْلَمهِن إلا اللَّه، وذكر الآية التي في آخر سورة لقمان.
(إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ).
وهذا هو دخول في علم اللَّه الذي هو غيب، وهو حرام كالأزلام التي
ذكرها الله جلٌ وعز أنها حرام.
والاستقسام بالأزلام فسْق. والفِسْق اسم لِكُل ما أعلم الله أنه مُخْرِج
عن الحلال إِلى الحرام، فقد ذَم اللًه به جميعَ الخارجين مِن متَعَبَّداته وأصله
عند أهْلِ اللغة قد فَسقَتِ الرَطَبَة إذَا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرها.
ولو كان بَعض هذه المَرْفوعَاتِ نَصْباً على المعنى لجاز في غير القرآن.
لو قلتَ حرمَتْ على الناس الميتَةُ والدمَ ولحمَ الخنزير، وتحمله على مَعْنَى
وحَرمَْ الله الدَمَ ولحمَ الخِنْزِير لجاز ذلك، فأمَّا القرآن فخطأ فيه أن نقْرأ بما لم
يَقْرأ به مَنْ هو قُدْوةٌ في القِراءَةِ، لأن القراءَة سنة لا تتَجاوَز.
وقوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ).
"اليومَ " منصوب عَلى الظرف، وَلَيْسَ يُرادُ به - واللَّه أعلم - يوماً بعَيْنه.
معناه الآنَ يئِس الذين كفروا من دينكم، وهذا كما تقول أنا اليومَ قَدْ كَبرْتُ.
وهذا الشأن لا يصلح في اليوم. تريد أنا الآن، وفي هذا الزمان ومعناه: أن قد حَوَّل الله الخَوفَ الذي كاد يلحقكم منهم اليوم ويئِسُوا مِنْ بُطْلان الإِسْلَام
وجاءَكمْ مَا كُنتم توعدون من قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).
والدِّينُ اسم لجميع ما تعَبَّدَ اللَّه خلقَهُ، وأمرهم بالإِقامة عليْه، والذِي به يُجزون، والذي أمرهم أن يكون عادَتَهم.
وقد بينَّا ذلك في قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدينِ).
وقوله: (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ).
أي فليكن خوفكم لِلًه وحده، فقد أمنْتُم أن يَظْهَرَ دين على الِإسلام
وكذلك - واللَّه أعلم -.
قوله: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لكُمْ دينَكُمْ).
أي الآن أكملْت لكم الدين بأن كَفَيتكم خَوف عَدوكم وأظهرتكم
عليهم، كما تقول: الآن كَمُلَ لَنَا الملكُ وكملَ لَنَا ما نريد، بأن كفينا مَنْ كنا نَخافه.
وقد قيل أيضاً: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لكُمْ دينَكُمْ) أي أكملت لكم فَرْض ما
تحتاجون إِليه في دينكم. وذلك جائز حسن، فأَما أن يكون دين الله في وقت من الأوقات غيرَ كامل فلا.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ).
أي فمن دَعته الضرورة في مجاعة، لأن َ المخمصَةَ شدةُ ضمور
البطنِ.
(غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ).
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي