حرمت عليكم الميتة هذا بيان لما يتلى عليكم والميتة ما فارقه الروح على حتف أنفه، أخرج ابن مندة في كتاب الصحابة من طريق عبد الله بن جبلة بن حيان بن أبجر عن أبيه عن جده حيان بن الحي قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة، فأنزل الله تحريم الميتة فأكفأت القدر، قلت : إنما ذكرت هذا الحديث في هذا المقام تبعا للباب النقول في أسباب النزول، والصحيح أن كون هذه القصة عند نزول هذه الآية آية المائدة محال لأن هذه الآية آخر آية الأحكام نزولا كما سنذكر وحرمة الميتة كانت قبل الهجرة نزلت بمكة في سورة الأنعام فلا يمكن من الصحابي طبخ لحم الميتة بعد ذلك، فالظاهر أن القصة عند نزول آية التحريم في الأنعام قل لا أجد في ما أوحي إلي ١ والله أعلم، والدم أي : المسفوح منه بالإجماع وهو السائل وكان أهل الجاهلية يصبونها في الأمعاء ويشربونها ولحم الخنزير إنما خص اللحم بالذكر مع كونه نجسا بجميع أجزائه بالنص والإجماع لأنه معظم المقصود من الحيوان و ما أهل لغير الله به والإهلال رفع الصوت وهو قولهم عند الذبح باسم اللات والعزة، عن أبي الطفيل قال : سئل علي رضي الله عنه خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ؟ قال : ما خصنا بشيء لم يعم به الناس إلا ما في قراب سيفي هذا فأخرج صحيفة فيها : لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من سرق منار الأرض، وفي رواية بلفظ :( من غير منار الأرض ولعن الله من لعن والده ولعن الله من آوى محدثا ٢رواه مسلم.
مسألة : يكره أن يذكر مع اسم الله عند الذبح شيئا غيره موصولا لا معطوفا مثل أن يقول عند الذبح بسم الله اللهم تقبل من فلان لكن لا يحرم، ونظير بسم الله محمد رسول الله بالرفع، وإن ذكر موصولا على وجه العطف والشركة نحو أن يقول بسم الله واسم فلان أو بسم الله ومحمد رسول الله بالجر يحرم الذبيحة لأنه أهل بها لغير الله، ولا بأس بأن يقول التسمية قبل أن يضجع الذبيحة أو بعد الذبح كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال بعد الذبح :( اللهم تقبل هذا عن أمة محمد عليه السلام وممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ ٣ قد ذكر حرمة هذه الأربعة وما يتصل بها من المسائل في سورة البقرة و المنخفنقة التي ماتت بالخنق والموقوذة الوقذ الضرب الشديد، وكانوا في الجاهلية يقتلون البهيمة ضربا بعصا أو حجر والمتردية التي تردت أي سقطت من علو أو في بئر فماتت، *** بلا ذبح والنطيحة ] وهي التي نطحتها أخرى أي أصابتها بقرنها فماتت، والتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الاسمية { وما أكل السبع يعني ما بقى عنه من أكل السبع وماتت بأكله بعضها، وهذا يدل على أن جوارح الصيد كالكلب والفهد والباز والصقر إذا أكلت مما اصطادته لا يحل أكله إلا ما ذكيتم يعني ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء، وأصل التذكية الإتمام، يقال : ذكت النار إذ أتمت اشتعالها، والمراد ههنا الذبح فإنه إتمام للحياة، قال في الصحاح : ذكيت الشاة أي ذبحتها، وحقيقة التذكية إخراج الحرارة الغريزية لكن خص في الشرع بإبطال الحياة على وجه دون وجه انتهى كلامه، قلت : يعني إبطال الحياة بالذبح أو النحر في الحلق واللبة في حالة الاختيار مع ذكر اسم الله تعالى وحده عليه، عن أبي هريرة قال :( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى، ألا إن الذكاة في الحلق واللبة ) رواه ابن الجوازي من طريق الدارقطني.
مسألة : فإذا جرح السبع أو أكل شيئا منه وأدركته حيا فذبحته يحل أكله وهو المراد بقوله تعالى " إلا ما ذكيتم أما ما صار بجرح السبع إلى حالة المذبوح فهو في حكم الميتة فلا يكون حلالا وإن ذبحته، كذلك المتردية والنطيحة والموقودة إذا أدركتها حية قبل أن يصير إلى حالة المذبوح فذبحتها يكون حلالا، والاستثناء إذا وقع بعد أمور متعاطفة يرجع إلى الأخيرة فقط عند أبي حنيفة وإنما عرف حكم ما أدركته حيا بعد الخنق والوقذ والنطح والتردي وذبحته بالمقايسة، ولا يمكن إرجاع الاستثناء إلى الجميع لأن المنخنقة اسم لما مات بالخنق وكذا أخواتها فلا يشتمل ذلك ما أدركته حيا وذبحته فلا يجوز الاستثناء.
مسالة : عروق الذبح الحلقوم أعني مجرى النفس والمريء أعني مجرى العلف والماء والودجان وهما مجرى الدم ؟ فقال : مالك : ويجب قطع هذه الأربعة وهو أحد قولي أحمد، رضي الله عنه، وقال الشافعي رضي الله عنه وأحمد رضي الله عنه : يجزئ في الذكاة قطع الحلقوم والمريء، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إن قطع ثلاثا منها أي ثلاث كان يحل الأكل وبه كان يقول أبو يوسف رضي الله عنه أولا ثم رجع فقال : لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين وبه قال محمد رضي الله عنه في رواية، وعنه أنه يعتبر أكثر كل من الأربع وهو رواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه : لأن كل منها أصل بنفسه وللأكثر حكم الكل، ولأبي يوسف رضي الله عنه أن المقصود من قطع الودجين إنهار الدم فينوب أحدهما عن الآخر وأما الحلقوم فيخالف المريء فلا بد من قطعهما، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام وأي ثلاث قطع فقد قطع الأكثر منها وحصل ما هو المقصود وهو إنهار الدم المسفوح.
مسألة : يجوز الذبح بكل ما ينهر الدم ويحصل القطع من زجاج أو حجر أو قصب أو غير إذا كان له حدة، وكذا يجوز بالسن والظفر والقرن إذا كان منزوعا ذي حدة عند أبي حنيفة، إلا أنه يكره كذا في الهداية، وقالت الأئمة الثلاثة : لا يجوز بالسن والظفر والقرن ويكون ميتة. عن رافع بن خديج قال : قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنا لا قوا العدو غدا وليست معنا مدى أفنذبح بالقصب ؟ قال :( ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس السن والظفر، وسأحدثك عنه أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة )٤ متفق عليه، وعن كعب بن مالك ( أنه كانت لنا غنم يرعى بسلع فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلها )٥ روى البخاري، وعن عدي بن حاتم قال : قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أرأيت أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصي ؟ ) قال : أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله )٦رواه أبو داود والنسائي، وعن عطاء بن يسار عن رجل من بني حادثة أنه كان يرعى لقحه بشعب من شعاب أحد، فرأى بها الموت فلم يجد ما ينحرها به فأخذ وتدا فوجأ به من لبتها حتى أهرق دمها، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بأكلها )٧ رواه أبو داود ومالك، وفي رواية فذكاها بشظاظ، احتج أبو حنيفة رضي الله عنه في الخلافية بعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( ما أنهر فكل ) قوله صلى الله عليه وسلم :( أمرر الدم بما شئت ) واحتج الأئمة الثلاثة بققوله صلى الله عليه وسلم( ليس السن والظفر ) حيث استثنى مما أنهر الدم، أجاب أبو حنيفة رضي الله عنه بأنه محمول على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يذبحون بظفر غير منزوع، والظاهر أن المراد بالسن في الاستثناء ما ليس فيه حدة يدل علي قوله صلى الله عليه وسلم :( أما السن فعظم ) ولا يجوز بسن وظفر غير منزوعين إجماعا لأنه يقتل بالثقل فيكون في معنى المنخنقة.
مسألة : مسألة : يستجيب للذبح أن يحد شفرته لقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته )٨ رواه مسلم عن شداد بن أوس.
مسألة : لو رمى إلى صيد في الهواء فأصابه فسقط على الأرض ومات كان حلالا ولأن الوقوع على الأرض من ضرورته، وإن سقط في الماء أو على جبل أو على شجر ثم تردى منه فمات لا يحل أكله وهو من المتردية والذي مات بالغرق إلا أن يكون السهم أصاب مذبحه في الهواء فيحل كيف ما وقع لأن الذبح قد حصل بإصابة السهم المذبح و ما ذبح على النصب قيل النصب جمع واحدها نصاب ككتب وكتاب، قيل : هو واحد وجمعها أنصاب كعنق وأعناق وهو الشيء المنصوب، قال مجاهد وقتادة : كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا منصوبة كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون بها وليست هي بأصنام هي الصورة المنقوشة، وقال الآخرون : هي الأصنام المنصوبة، وقال قطرب : على بمعنى اللام ومعناه ما ذبح لأجل النصيب وقال ابن زيد : ما ذبح على النصب وما أهل لغير الله به واحد، قلت : العطف يقتضي التغاير فالظاهر ما قيل إنها كانت حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة وحرم عليكم النصب تستقسموا بالأزلام أي الاستسقاء أي طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم لهم بالأزلام وهي القداح التي لا ريش لها ولا نصل واحدها زلم بفتح الزاء وضمها، وكانت الأزلام سبعة قداح مستوية من تكون عند سادن الكعبة مكتوب على واحد العقل وواحد غفل ليس على شيء، فكانوا إذا أرادوا أمرا من سفر أو نكاح أو ختان أو غيره أو اختلفوا في النسب أو اختلفوا في تحمل العقل جاؤا إلى هبل، وكانت أعظم أصنام قريش بمكة جاؤوا بمائة درهم أعطوها صاحب القداح حتى يحيل القداح ويقولون : يا إلهنا إنا أردنا كذا وكذا، فإن خرج نعم فعلوا وإن خرج لا لم يفعلوا ذالك حولا ثم عادوا إلى القداح ثانية، وإذا جالوا على نسب فإن خرج منكم كان وسيطا منهم وإن خرج من غيركم كان حليفا وإن خرج ملصق كان على منزلة لا نسب له ولا حلف وإذا اختلفوا في عقل فمن خرج قدح العقل حمله وإن أجالوا ثانيا حتى يخرج مكتوب فنهى الله عن ذلك وقال مجاهد كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقال الشعبي وغيره الأزلام للعرب والكعاب للعجم، وقال سفيان بن وكيع : هي الشطرنج، قلت : وكل شيء يطلب به علم الغيب على نحو هذا الطريق كعلم الرمل بضرب الكعاب واستخراج أشكال النقاط وما يقال بالفارسية فال نامه وكل ما يقامر بها فهو داخل في الاستقسام بالأزلام عبارة أو دلالة جلية أو خلفية والله أعلم. وعن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ) رواه البغوي، وعن قبيصة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( العيافة والطيرة والطرق من الجبت ٩ ) رواه أبو داود بسند صحيح، و الطرق الضرب بالحصى اليوم لم يرد يوما بعينه وإنما أراد الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية، وقيل أراد يوم نزولها يئس الذين كفروا من دينكم أن يبطلوه أو أن يغلبوا على أهله أو أن يرجع عنه أهله بتحليل الخبائث وغيرها فلا تحشوهم أن يظهروا عليكم ويبطلوا دينكم و اخشون أثبت الياء في الوصول خاصة أبو عمرو وحذفها الباقون في الحالين يعني أخلصوا الخشية لي اليوم أكملت لكم دينكم بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع من الفرائض والواجبات والسنن والآداب والحلال والحرام والمكروه وموجبات الفساد لماله وجود شرعي كالصلاة والصوم والبيع ونحوها وقوانين الاجتهاد فيما لا نص فيه، وجاز أن يكون المراد بإكمال الدين بلوغه صلى الله عليه وسلم في معارج القرب إلى مرتبة يغبط الأولون والآخرون حتى غفر لكمال محبوبيته جميع ذنوب أمته حتى الدماء والمظالم. عن عباس بن مرداس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لأ
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الذابائح، باب: تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله (١٩٧٨) وأخرجه النسائي في كتاب: الضحايا، باب: من ذبح لغير الله عز وجل (٤٤١٧).
٣ أخرج بمعناه مسلم في صحيحه، والحاكم في المستدرك. انظر نصب الراية للزيلغي: الجزء الرابع / كتاب الذبائح.
٤ أخرجه البخاري في كتاب الشركة، باب: قسمة الغنم (٢٤٨٨) وأخرجه مسلم في كتاب: الذبائح، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم (١٩٦٨).
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الذبائح والصيد، باب: ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد (٥٥٠٢).
٦ أخرجه أبو داود في كتاب: الضحايا، باب: الذبيحة بالمرورة (٦٨١٨) وأخرلاجه النسائي في كتاب: الضحايا، باب: إباحة الذبح بالعود (٤٣٩٦)..
٧ أخرجه أبو داود في كتاب: الضحايا، باب: الذبيحة بالمروة (٢٨٢٠).
٨ أخرجه مسلم في كتاب: الصيد والذبائح وما يؤكل منن الحيوان، باب: الأمر بإحسان والذبح والقتل وتحديد الشفرة (١٩٥٥).
٩ أخرجه أبو داود في كتاب: الكهانة والتطير، باب: في الخط وزجر الطير (٣٩٠٢)..
التفسير المظهري
المظهري